رواية جديدة جدا 1

الخاتم يلمع ببرود.
مدت يدها الأخرى، لمست الخاتم، كأنها تتحسس قيدًا.
أغمضت عينيها لثواني، دموعها تنساب بهدوء، ثم فجأة مسحتها بعنف.
رفعت رأسها، وملامحها تغيرت.
لم يختفي الألم، لكنه تحول.
تكلمت بصوت خافت، لكنه صلب:
“من هنا ورايح، مافيش دموع، أنا هعرفهم مين عهد.”
لم يكن تحديًا فارغًا.
كان قرارًا.
نهضت بجسد متخشب، الألم لا يزال يهاجمها، دخلت الحمام، نظرت إلى انعكاسها في المرآة.
لم ترى الفتاة التي كانت تبكي لأجل حبها.
رأت امرأة تحاصر، والمرأة المحاصرة، أخطر.
بدلت ملابسها ببطء، رتبت شعرها، ومسحت أثر البكاء.
عندما خرجت، كان وجهها هادئًا، هدوء غير مطمئن.
انتظرت أسر حتى انتهى من الإجراءات، ثم غادرت معه إلى الفيلا.
لكن هذه المرة، لم تكن تذهب كضحية، كانت تذهب، وهي تخطط.
************************
مر يومان كاملاً وعهد حبيسة غرفتها، لا تبدي دمعة ولا تطلق صرخة، كانت تجلس بالساعات محدقة في نقطة ثابتة أمامها، كأن الروح انسحبت من جسدها وتركت خلفها دمية جامدة الملامح، الاشتياق ينهش صدرها نهشًا، وصوت همام يتردد في أذنيها، غير أن الحراسة المشددة حولها كانت جدارًا آخر يضاف إلى جدران غرفتها، يمنعها من الذهاب إليه، ويمنع عنه الحقيقة.
وفي صباح ملبد بالغيوم، خرج همام من حبسه بعدما أخلي سبيله، اثر ما قدمه رياض من مستندات تثبت براءته، خلال اليومين الماضيين كانت الأفكار تتصارع في رأسه صراعًا مريرًا؛ كلمات الرجل الذي دس إليه الخبر، وصورة عهد بخاتم في يدها. غير أن قلبه كان يرفض، بعناد يكاد يكون أعمى، أن يصدق، ثقته بها لم تكن عادية؛ كانت يقينًا راسخًا، لكن القلق عليها كان يفتك به فتكًا، وفي النهاية غلبت ثقته شكه، وقرر أن يذهب بنفسه، ليسكت هذا العذاب المعلق في صدره.
أوقف سيارة، وانطلق إلى الفيلا.
وما إن توقفت حتى هبط منها مسرعًا، كأن الأرض تحته تحترق، وركض نحو البوابة الحديدية، طرقها بعنف، وصوته خرج ممزوجًا بالخوف والغضب:
“عهد ردي عليا، طمنيني عليكي، أنا متأكد انك جوه، وابوكي اللي منعك تيجي ليا.”
ظهر أمامه رجل ضخم الج..ثة، ملامحه قاسية، وقال بنبرة تحذيرية:
“امشي من هنا احسنلك.”
هز همام رأسه بعناد، وصوته اشتد:
“مش ماشي من هنا، غير لما اطمن على عهد واشوفها.”
أخرج الرجل سلا..حه ووجهه نحوه، وقال ببرود خطير:
“هتمشي من هنا، ولا أفرغ الس..لاح ده فيك، ونقول انك حرامي وجاي تسرق الفيلا.”
لم يتراجع همام خطوة واحدة، بل ثبت مكانه، وكأن الرصاصة أهون عليه من هذا الشك الذي يمزقه، وفي تلك اللحظة اقترب رجل آخر، همس في أذن الحارس بكلمات خفية، فتبدل الموقف فجأة، وأُفسح الطريق أمامه.
دخل همام إلى الداخل بخطوات متسارعة، وقلبه يخفق بعنف لم يعرفه من قبل، وتبعه رجال رياض كظلال ثقيلة.
في الطابق العلوي، كانت عهد جالسة في غرفتها حين اخترق سمعها صوته. ظنت في البداية أنه وهم، لكن الصوت تكرر، قفزت من مكانها، ركضت نحو النافذة، وأزاحت الستارة بيد مرتجفة، كان هو، يقف أسفل بيتها، لم تصدق عينيها.
اندفعت نحو الباب، وفتحته، وهبطت الدرج مسرعة، وقلبها يخفق بجنون. لكنها توقفت فجأة في الأسفل.
كان رياض وأسر يقفان هناك، نظراتهما مسلطة عليها، تحذير صريح لا يحتاج إلى كلمات.
تقدم أسر خطوة، وصوته جاء آمرًا:
“أنا نفذت اللي طلبتيه وخرجته، دلوقتي بقى تنفذي اللي اتفقنا عليه، ومتنسيش كلامي يا عهد.”
تجمعت الدموع في عينيها، وأومأت برأسها بانكسار موجع، وفي اللحظة التالية أحاط خصرها بذراعه، كأنه يعلن امتلاكه أمام الجميع.
ودخل همام، كانت أول كلمة خرجت منه مغموسة بالخوف:
“عهد طمنيني عليكي؟”
لكن صوته انقطع في حلقه حين رأى الذراع الملتف حول خصرها، توقف الزمن للحظة.
اقترب ببطء، عينه لا تفارق يد أسر، وصوته خرج متقطعًا:
“مين ده؟”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *