رواية جديدة جدا 1
نظرت عهد إلى والدها، ثم إلى أسر. كانت نظراتهما إليها سيفًا مسلطًا على رقبتها، أغمضت عينيها لحظة، وكأنها تستجمع شتات روحها، أنفاسها تعالت، وقلبها كاد يتوقف من شدة الخفقان.
فتحت عينيها أخيرًا، ونظرت إليه، وقالت بصوت أخرجته من بين أنقاض قلبها:
“ده خطيبي يا همام.”
كانت الكلمة أشبه بطعنة بطيئة.
انتقلت عيناه إلى الخاتم في إصبعها، ولمعانه البارد تحت الضوء، ابتسم ابتسامة باهتة لا تشبهه، وقال بعدم تصديق:
“خطيبك! يبقى الكلام اللي سمعته صح، اتخطبتي يا عهد لراجل تاني؟ اومال فين كلامك ليا؟ وعدك ليا أنك مستحيل تكوني لراجل غيري؟ كل ده كان كدب؟ طب ليه؟ انا عيشت محتفظ بحبك فى قلبي سنين، انتي اللي جيتي واعترفتي بحبك ليا، انتي اللي صممتي أن حبنا يظهر لنور، لييييييه؟ ردي عليا.”
اهتز جسدها، وكادت قدماها تخونانها وتسقط، لولا ذراع أسر التي شدتها إليه، كانت تشعر أنها تدفن حية، لكنها رفعت رأسها وأجبرت نفسها على القسوة، وقالت:
“انت اللي ساذج وبتصدق أي حاجه بسهولة، بعقلك يعني هسيب العز ده كله واروح اعيش معاك فى حارة، يوم تأكلني وعشرة لا، انت شايف الخاتم اللي فى أيدي ده! ألماظ، لو عيشت عمرك كله مش هتعرف تعمل ربع حقه حتى، ده خاتم خطوبتي، وهعيش فى قصر فخم مش في بيت هيوقع جوة حارة، روح يا همام، أنا لعبت معاك شوية علشان كنت زهقانه، بس الجد مع اللي يستحقني بجد.”
كل كلمة خرجت منها كانت تمزقها من الداخل، لكنها واصلت، لأن حياته كانت معلقة بثباتها.
انفجرت ضحكاته فجأة، ضحكات هستيرية موجوعة، وهو يهز رأسه نفيًا، وقال بنبرة غاضبة يكسوها انكسار عميق:
“صح، انتي صح، انا واحد ساذج بيضحك عليا بسهوله، مجرد لعبة فى ايد بنت الاكابر، قلبي أهبل لغى المنطق وعاش فى وهم الحب، بس شكرا ليكي بجد، قمتي بدورك ببراعه، تنفعي تشتغلي ممثله، هتكسري الدنيا، علمتيني درس عمري ما هنساه، أن مافيش حاجه اسمها حب، ده مسمى المغفلين اللي زي، أنا هقولك كلمه واحده بس يا عهد، مسيري هردلك القلم ده قلمين، هيجي اليوم اللي أخليكي تبوسي فيه جزمتي وانا سعتها هفعصك بيها ومش هرحمك.”
كانت الكلمات نارًا تتطاير في الهواء، تحرق كل ما بينهما.
أنهى كلامه، بصق على الأرض، واستدار وغادر مسرعًا، كأن المكان يختنق به.
ظلت عهد تنظر إلى أثره، وعيناها تغرقان بالدموع التي حبستها طويلًا. راحت تهز رأسها بهستيرية، كأنها تحاول إلغاء ما حدث، دفعت يد أسر بعيدًا عنها بعنف، وركضت نحو الدرج، صعدت إلى غرفتها، وصراخها شق أرجاء الفيلا، صراخ روح انكسرت لتنقذ روحًا أخرى.
أما أسر، فالتفت إلى رياض، وابتسم ابتسامة انتصار بارد، أخرج سيجارًا كوبيًا، أشعله ببطء، ونفث دخانه في الهواء، كأن ما حدث لم يكن مأساة قلبين، بل كان أعظم انتصاراته.
*************************