رواية جديدة جدا 1

زفر بضيق، فضعفه أمام احتياجها كان أقوى من غضبه، وأخبرها بمكانه ثم أغلق الخط، وأعاد رأسه إلى الخلف متكئًا على المقعد، ينتظر قدومها بقلب مثقل.
لم تمضي دقائق حتى توقفت سيارة أمامه. ترجلت منها عهد بسرعة، كأنما تخشى أن يختفي إن تأخرت لحظة. اقتربت منه، وجلست بجواره دون تردد، ثم أمسكت يده بين كفيها وتكلمت بأسف صادق:
“أنا اسفه يا همام، علشان اللي عمله معاك بابي، أنا بحبك ومستحيل أفرط فيك مهما حصل، أنا واثقه فيك، حتى لو شوفت بعيوني مش هصدقهم.”
نظر إليها، وفي عينيه انكسار موجع، وقال بصوت يحمل مرارة الواقع:
“المشكله ان هو معاه حق يا عهد، انا كنت عارف أنه هيرفض وهيشوفني طمعان فى فلوسكم، اصل من المنطق ايه هيخلي بنت جميلة وغنية تحب واحد زي حالتي غير لو أنا واحد بتاع ورقتين وشاطر علشان عرفت اوقعك فى حبي.”
وضعت يدها على وجنته، وأجبرته أن ينظر في عينيها، وقالت بعشق صاف:
“متقولش على نفسك كده يا همام، علشان أنا، واثقه فيك لابعد الحدود، عارفه انك بتحبني زي ما أنا بحبك واكتر، وان الفلوس اخر همك، وأنا هفضل متمسكه بيك لآخر لحظة فى عمري.”
ارتجف صوته وهو يرد عليها:
“مش هتقدري تستحملي العيشه بتاعتي.”
هزت رأسها بابتسامة دافئة وقالت:
“لو هتأكلني لقمة حاف بملح أنا قابلة المهم نبقى سوا.”
ابتسم بحزن، وقال بنبرة منكسرة:
“بلاش تفرحي بحلاوة البدايات يا عهد، شوية وهتزهقي وهتشتاقي لعيشتك القديمة، إذا كان احنا واللي مفروض علينا الفقر عافيه مش طايقنه انتي يا بنت الحسب والنسب هتستحمليه؟”
أجابته بثقة لا تعرف التردد:
“اه هستحمله وهحبه كمان، مدام هكون معاك وفى حضنك.”
اقتربت منه أكثر، حتى لامست أنفاسها وجهه، وقالت بهمس حار:
“بحبك يا همام، وده بالنسبالي أهم بكتير من الفلوس.”
تنهد بحب، لكنه ما زال أسير خوفه، وقال بنفاذ صبر ممزوج بالقلق:
“يا بنتي بقى انزلي على أرض الواقع، مش منطقي، انك تسيبي كل حاجه علشاني، والله ما هتستحملي.”
نظرت إليه بعناد عاشق وقالت:
“جربني ومش هتندم.”
انفلتت منه ضحكة رغماً عنه، وقال بمزاح خفيف يهرب به من ثقل اللحظة:
“اجربك ايه يا بنتي هو انتي أنبوبة؟”
وضعت رأسها على كتفه، وابتسمت بخفة محببة:
“لا انا بوتجاز، وخمسه شعلة كمان، ولو مأكلتنيش دلوقتي حالاً، هفرقع فى وشك.”
ضحك من قلبه لأول مرة منذ ساعات، وانحنى يقبل رأسها بحب صادق، كأنما وجد في وجودها ملاذًا من قسوة العالم. ثم استقام، وأمسك يدها بقوة دافئة، وتحركا معًا نحو أحد المطاعم القريبة، يمشيان جنبًا إلى جنب، وكأنهما يتحديان الدنيا بأكملها بخطوات صغيرة، لكنها ثابتة.
************************
مرت عدة أيام ثقيلة، ازدادت فيها علاقة همام وعهد عمقًا وتشبثًا، كأن كلًا منهما يحاول أن يعوض الآخر عن قسوة العالم، كان همام يخرج كل صباح باحثًا عن عمل جديد، يحمل أوراقه وقلبه المثقل بالأمل، غير أن الأبواب كانت تغلق في وجهه واحد تلو الآخر.
لم يكن يجهل السبب، نفوذ رياض سبق خطواته، وكلمته وصلت إلى كل شركة قد يقصدها، فتحول اسمه في سوق العمل إلى ظل مرفوض.
ومع كل خيبة يعود بها، كانت عهد تستقبله بابتسامتها، تخفف عنه، تمازحه، تلقي على قلبه ضحكاتها كأنها تضمد جراحه بصوتها.
لكن العاصفة كانت تدبر في الخفاء.
في صباح لم يشرق بنور حقيقي، استيقظت عهد على صوت باب غرفتها يفتح بعنف، انتفضت من فراشها، لتجد والدها يقف أمامها، وملامحه مشدودة بالغضب.
ألقى على وجهها مجموعة من الأوراق، فتساقطت فوقها كأوراق اتهام ثقيلة، وقال بنبرة صارمة:
“هو ده اللي بتحبيه ومتمسكه بي؟ مش قلتلك ده واحد نصاب وطمعان فيكي، البيه مختلس فلوس من خزنة الشركة، واكتشفها المحاسب الجديد النهاردة.”
اتسعت عيناها بصدمة خالصة، وأخذت تهز رأسها نفيًا وهي تقول بدموع مرتجفة:
“مستحيل! همام مش نصاب ولا حرامي يا بابي، أنا متأكدة أنه معملش كده.”
صرخ بها بغضب لم يترك مجالًا للهدوء:
“عندك الاوراق اهي فيها اللي يثبت كلامي، بصي عليهم.”
أمسكت الأوراق بيد ترتجف، وعيناها تسبحان بين السطور دون أن تستوعب شيئًا. كانت الكلمات تتراقص أمامها، لكنها لم تر سوى صورة همام في مخيلتها.
الدموع انسابت على وجنتيها وهي تكرر بانكسار:
“كدب محصلش، همام مش حرامي.”
قال ببرود قاسي:
“مش مشكلتي تصدقي ولا متصدقيش الاوراق دي المحامي هيقدمها لشرطة وهيروح لمكانه اللي يستاهله.”
نهضت مسرعة، وأمسكت بيده ترجوه:
“لا لا، ابوس ايدك يا بابي متعملش كده، أنا متأكده أن فيه حاجه غلط، همام مستحيل يعمل كده، وحياتي عندك.”
نفض يدها بعنف وقال:
“ابعدي، متفكريش أن هتأثر بالشويتين دول.”
ثم خرج، تاركًا خلفه صمتًا يصرخ في قلبها.
لم تمكث لحظة واحدة. بدلت ملابسها بسرعة، وضعت الأوراق في حقيبتها، وانطلقت بسيارتها بسرعة تكاد تسابق نبضات قلبها.
وقفت أسفل البناية، ترجلت وصعدت الدرج بخطوات متعثرة. طرقت الباب، ففتحت لها حليمة، التي لم تمهلها فرصة للسؤال، إذ دخلت مسرعة نحو غرفة همام.
كان مازال نائمًا، وجهه هادئ على غير عادة الأيام الماضية. جلست بجواره على السرير، نظرت إليه بدموع حائرة، ثم ربتت على ظهره وقالت بصوت مختنق:
“همام يا همام اصحى.”
فتح عينيه باستغراب، وما إن رآها حتى جلس سريعًا وقال بدهشة:
“عهد! انتي بتعملي أيه فى اوضي دلوقتي؟”
أخذت نفسًا عميقًا بصعوبة، وأخرجت الأوراق من حقيبتها وقالت:
“خد بص على الورق ده كده.”
اعتدل في جلسته، أخذ الأوراق، وبدأ يقرأ. ومع كل سطر، كانت عيناه تتسعان في صمت مذهول.
رفع رأسه إليها بغضب ممزوج بالقهر وقال:
“محصلش والله العظيم ما حصل، أنا عمري ما امد ايدي على فلوس مش بتاعتي.”
تكلمت من بين شهقاتها:
“بس الورق بيقول عكس كلامك يا همام.”
نظر إليها بوجع عميق، وقال بصوت مكسور:
“انتي مصدقة الكلام ده يا عهد؟”
هزت رأسها سريعًا:
“لا طبعا يا همام، بس انا خايفه عليك بابي مصمم يقدم المستندات دي لشرطة.”
ظل ينظر إليها طويلًا، وكأنه يفتش في عينيها عن يقين يطمئنه، ثم قال بألم:
“بس نظرة عيونك بتقول غير كده يا عهد، انتي مصدقة أن انا حرامي مختلس؟!”
أبعدت نظرها لحظة، فسبقه صوته وهو يقول:
“تعرفي أن نظرت الشك اللي فى عيونك ليا دي كسرتني يا عهد.”
أمسكت وجهه بين كفيها وقالت بعشق صادق:
“لا عاش ولا كان اللي يكسرك يا همام، أنا سبق وقلتلك حتى لو شفتك بتعمل كده بعيوني هكدبهم واصدقك، انت حاجه كبيره اوي فى نظري، أنا بس خايفه عليك، بابي مش هيسكت، أنا متأكدة أن المحاسب الجديد ده هو اللي عمل كده ولبسها ليك، وانا مش هسكت غير لما اكشف الحقيقه.”
نظر إليها بعينين منكسرتين وقال:
“مش عايز ابهدلك معايا يا عهد، أمشي وانسيني وعيشي حياتك مع اللي يستحقك.”
صرخت بانهيار:
“محدش يستحقني غيرك يا همام، انت حياتي ودنيتي كلها.”
وفي تلك اللحظة، دوى طرق قوي على الباب، طرق لم يكن غريبًا على مسامع همام.
تجمد للحظة، ثم نظر إليها وقال بصوت مختنق:
“أمشي يا عهد علشان خاطري، مش عايزك تشوفيني وانا كده.”
لكن الباب فتح، ودخل رجال الشرطة.
تقدموا نحوه، وأمسكوا به، وأرغموه على التحرك معهم.
كانت نظراتهما معلقة ببعضهما، كأن العالم اختفى ولم يبقى سواهما.
دموعه توقفت داخل عينيه، تأبى السقوط حفاظًا على كرامته،
بينما دموعها انهمرت كشلال لا يتوقف.
خرج به من الباب، وقلبها ينتزع من صدرها مع كل خطوة يبتعد بها عنها.
*************************

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *