حماتي مكنتش تعرف إني واقفة في الطرقة
حماتي مكنتش تعرف إني واقفة في الطرقة لما قالت في التليفون: “مراتي ابنها ما بتشتغلش، فمالهاش أي سبب تتعب”. كنت بقالي سنة بخدمها ليل نهار ومش قادرة أقف على رجلي. فضلت ساكتة لحد ما سمعت سلفتي بتجيب سيرة الـ 84 ألف جنيه اللي بعتهم لجوزي. ساعتها بس فهمت إنهم خبوا عني مصيبة.
القسم الأول
—لو قوي كفاية مضايقك خدمة أمي، روحي اشتغلي وهاتي واحدة بفلوسك تخدمها! —صرخ فيا جوزي، وهو مش متخيل إن أخته كانت بقالها ست شهور بتبعت له الفلوس دي بالذات عشان يجيب ممرضة.
الجملة دي وجعتني أكتر من التعب كُله اللي اتجمع في السنة الأخيرة دي. اسمي هدى، عندي تسعة وثلاثين سنة وعايشة في إمبابة. لحد من اتناشر سنة فاتت كنت شغال في مكتب بريد، وكنت عارفة أغلب الزباين اللي بيجوا دايماً وبحب أساعد الناس الكبار في السن.
قدمت استقالتي لما حماتي، خالتو صبيحة، اتعرضت لمضاعفات بعد عملية الحوض. بقت محتاجة مساعدة عشان تقوم، وتدخل الحوض، وتمشي. وبما إن شقتها كانت فاضية وفي بيتنا أوضة فاضية، اقترحت نجيبها تقعد معانا لحد ما تخف.
كنت مفكراها أسبوعين تلاتة، بس الموضوع اتحول لسنة بحالها.
حماتي كان وزنها زايد وصعبة الحركة جداً. وبرغم كده، طلباتها كانت أبعد ما تكون عن احتياجاتها الطبية.
—يا هدى، عدلي لي المخدة.
—يا هدى، هاتي لي مçية، بس مش باردة.
—يا هدى، عايزة قرص طازة. بتاعت إمبارح كانت ناشفة زي الحجر.
وبالليل كانت بتصحيني طول الوقت عشان تروح الحوض أو تتأكد إن باب الشقة مقفول كويس. وطول النهار لازم أطبخ، وأغسل هدومها، وأغير الملايات، وأخلي الشقة تلمع.
جوزي، محروس، كان بيصلح أجهزة تكييف وثلاجات وكان دايماً يقول إنه محتاج يرتاح.
—إنتي مش بتصحي بدري تروحي شغل —كان بيكرر الجملة دي—.. ما تبالغيش.
ابننا ياسين، اللي عنده ستاشر سنة، بدأ يقلق أول ما شافني بنام وأنا واقفة أعمل له السندوتشات.
وفي يوم حضنني وهمس في ودني:
—يا ماما، أنا بجد وحشني نقعد نتكلم زي الأول. إنتي دايماً في البيت، بس بحس إنك مش معايا خالص.
معرفش رديت عليه قلت له إيه.
وفي الفترة الأخيرة بقيت أدوخ وأنا طالع السلم، وكان ضهري بيوجعني ومش قادرة أنطق بعد ما أساعد حماتي تقوم. طلبت من محروس نجيب مساعدة تيجي كام ساعة في الأسبوع.
وكان رده دايماً هو هو:
—مافيش فلوس.
حتى إنه بدأ يفكر إنه يسيب البيت ويروح يقعد مؤقت في شقة أمه الفاضية عشان ينام براحته. وطبعاً، كان ناوي يسيبني لوحدي.
وكل حاجة اتغيرت يوم الخميس، لما رجعت من سوق العتبة ومعايا سمك، وخضار، وكل طلبات الغداء اللي حماتي طلبتها بالمللي.
وقبل ما أدخل أوضتها، سمعتها بتتكلم في التليفون مع فوزية، أخت محروس الكبيرة اللي عايشة في الإسكندرية.
—إزاي يعني ما تعرفيش لوسي؟ —سألت فوزية—.. محروس قال لي إنه جابها من شهور.
—مافيش هنا أي لوسي خالص —ردت حماتي—.. هدى هي اللي بتعمل كل حاجة، ده غير إنها الفترة دي مهملة خالص.
وقفت في مكاني ومتحركتش.
—يا ماما، أنا بقالي ست شهور ببعت أربعتاشر ألف جنيه كل شهر لمحروس. تسعة آلاف للممرضة وخمسة لهدى! دي سيبت شغلتها عشان تخدمك!
حست إن الشنط وقعت من إيدي ومكنتش حاسة برجلي.
أربعة وثمانين ألف جنيه!
الفلوس دي كانت بتدخل بيتنا وأنا قاعدة أتحايل عليهم أرتاح ساعة واحدة.
—وهدى بتاعة الخمسة آلاف؟ —أصرت فوزية.
—أنا ما بتقوليش على حاجتها —ردت خالتو صبيحة—.. بس لو بيدوها فلوس، المفروض تخدمني أحسن من كده. إمبارح ناشف السمك شوية.
دخلت الأوضة وقلت:
—يا فوزية، أنا هدى.. عمري ما قبضت ولا مليم، ومافيش أي ممرضة هنا أصلاً.
حصل سكوت طويل أوي على الناحية التانية.
وساعتها قالت سلفتي الجملة اللي خلصت عليّا خالص:
—محروس طلب مني إن ما أجبش سيرة الفلوس دي قدامك أبداً.. وأكد لي إنك بتقبضيها بنفسك وإنتِ اللي مكسوفة تاخذي أجر على خدمة أمي.
وقبل ما ألحق أرد، دخلت حماتي وهي متعاكسة:
—ياسلام! بطلو رغي في سيرة الفلوس دي بقي! يا هدى، سيبي التليفون ده وزقي إيدك في الأكل، ما إنتِ ما صدقتي لقيتي لقمة تاكليها هنا!
وفي اللحظة دي بس، فهمت كويس أوي.. إن بالنسبة لعيلتي، تعبي وجهدي ملوش أي تمن ولا تلات قروش.
الليلادي، لما محروس جه البيت، حتى ما سألنيش أنا عاملة إيه. رمى عُدّته جنب الباب ودخل المطبخ علطول.
—فين القرص اللي أمي طلبتها؟
—وفين الأربعة وثمانين ألف جنيه اللي أختك بعتهم؟
وقف مكانه كأنه اتشل.
—إنتِ كلمتِ فوزية؟
—آه، وكمان عرفت إننا عندنا ممرضة وهمية اسمها لوسي. ممكن تفهمني إيه الليلة دي؟
محروس قعد على الكرسي ببطء. الأول قعد يحور ويقول ده سوء فهم. وبعدين اعترف إنه كان شايل الفلوس على جنب عشان يغير العربية.
—العربية بتاعتي بقت بتقف في السكك كتير، ومحتاج عربية معتمدة أكل منها عيش. وفي الآخر الفلوس دي لينا كلنا.
—أنا بقالي شهور مش نايمة يا محروس! كنت بطلب منك مساعدة عشان حاسة إني هاوعى من طولي، وإنت كنت قاعد تفكر تشتري عربية!
—ما أنا ما طيرتش الفلوس يعني!
قمت وقفت وطلبت منه يوريني الفلوس دي راحت فين. وهنا اعترف إنه سلف جزء منها لرفاعي، صاحبه المقرب، ولمعارف تانيين.
—هيرجعوها، ما تعمليش دراما ملهاش لازمة.
قمت عشان أرد عليه، بس الدنيا لفت بيا فجأة، واضطريت أطول في الترابيزة عشان ما اقعش. محروس بص لي بثبات ثواني.
—إنتِ أعصابك تعبانة زيادة عن اللزوم، خلينا نتكلم بكرة.
وفي اللحظة دي، صوت حماتي طلع من الأوضة بتزعق:
—يا محروس يا ابني! هات لي كوباية شاي بمليسة! وقول لهدى بكرة عايزة فطير مشلتت بالجبنة القديمة!
جوزي قام جرى يخدمها. وأنا قعدت مكاني وأنا بحاول ألقط نفسي بصعوبة.
بعدها بيومين، فوزية وصلت من إسكندرية، وأول ما حطت عينها عليا رمت الشنطة على الأرض:
—يا هدى، هو إنتِ أخر مرة دكتورة كشف عليكِ امتى؟
—مش فاكرة.
مسكتني من دراعي ولاحظت إني مش قادرة أثبت على رجلي، وراحت ضربة تليفون لأخوها:
—محروس، سيب اللي في إيدك وارجع البيت حالا. أنا هأخذ هدى المستشفى.
—أنا في الشغل يا فوزية، وما أقدرش أسيب الزباين.
—مراتك بقالها سنة بتهد في صحتها وبتلغي نفسها عشان تخدم أمنا.. النهاردة الدور عليك إنت.
وما قبلتش أي حجة.
في المستشفى عملوا لي تحاليل وفحوصات. طلع عندي أنيميا حادة ومحتاجة علاج ومتابعة دقيقة، وقلة النوم والمجهود الهائل هدوا حيلي خالص. الدكتور قالها بصراحة:
—الحالة محتاجة راحة تامة ورعاية فورية، ممنوع منع بات أي مجهود بدني زي اللي بتحكيه ده.
وحجزوني في المستشفى للمتابعة.
بالليل، ياسين ابني جه ومعاه شبشبي وكتاب وشاحن التليفون.
—جايب لك كل حاجة يا ماما.. العمة بتقول إن الكبار هيخلوا بالهم من جدتي دلوقتي.
حاولت أبتسم، بس عياطي غلبني ورميت نفسي في حضنه. ولأول مرة من شهور طويلة أنام كذا ساعة ورا بعض من غير ما أسمع صوت حد بينادي عليا بصوت عالي.
وفي الوقت ده، فوزية بدأت تتحرى ورا الفلوس راحت فين. كلمت رفا عي وطلبت منه يرجع السلف.
—طبعا هرجع لمحروس فلوسه.. بس مكنتش أعرف إن حالتهم المادية صعبة كده، ده حتى لسه عازم الشلة كلها على مشروبات في القهوة يوم التلاث!
فوزية اتجمدت مكانها.
ونفس اليوم العصر، محروس أعلن إنه نازل يصلح غسالة قريبة من السوق. أخته استنت دقايق وقررت تمشي وراه في سكتها.
جوزي مشي لحد قهوة بلدي صغيرة، وكان قاعده هناك ست شيك، لابسة عباية حلوة، وعندها حوالي خمس وثلاثين سنة. فوزية دخلت بهدوء وقعدت على ترابيزة بعيدة شوية. وشافت محروس وهو بيمسك إيد الست دي ويديلها علبة قطيفة صغيرة فيها دهب. الست ضحكت وباسِتّه على خدة، وبعدين سمعت محروس بيقولها:
—قريب أوي هيكون عندي شقة لوحدي.. ما أنا قلت لك جوّازي ده خلاص في الفنش، وهناك هنقعد براحتنا من غير ما نتخفى من حد.
الست ردت عليه:
—بس إنت وعدتني إنك خلاص سبت مراتك وبعيد عن بيتك.
—الموضوع مكعب، هدى لازقة في خدمة أمي ومش فايقة أصلًا أنا بروح فين ولا باجي منين.
فوزية الدم فرفر في عروقها وكانت هتروح تفرمهم. طلعت تليفونها واتصلت بيا وهي واقفة في الطرقة:
—يا هدى، محتاجة أسالك سؤال.. هو محروس نازلة ينقل في شقة أمك؟
—آه.. بيقول محتاج يرتاح.. ليه في إ ايه؟
سلفتي خدت نفس عميق:
—عشان هو هنا دلوقتي.. مع واحدة تانية، وواعدها بنفس الشقة!
حسيت بسقعة مميتة في صدري.
—مين دي؟
—لسه مش متأكدة، بس هعرف حالاً.
ولما فوزية رجعت لهم الترابيزة، كان محروس بيمسح على وش الست دي بحنان. فوزية قربت منهم ببطء وقفت على راس الترابيزة:
—مساء الفل يا خويا.. وبما إني لقيت “العميلة” المحترمة بتاعتك، يبقى لازم تشرح لنا احنا الاتنين الحكاية دي فيها إيه!
الست رفعت عينها مذهولة، وفوزية نطقت السؤال اللي محروس كان بيموت ولا إنه يسمعه:
—هو إنت بجد ناوي تقعد عشيقتك في شقة أمنا، مرمرت مراتك في المستشفى بسبب خدمتها؟