حماتي مكنتش تعرف إني واقفة في الطرقة

شحب وجه محروس كأنه رأى شبحًا، وعجز عن الكلام بينما كانت الحروف تخرج متقطعة وغير مفهومة. أما الست التي كانت معها، فبمجرد أن سمعت كلام فوزية عن زوجته التي ترقد في المستشفى وشقة والدته، انتفضت مرعوبة وقالت بحدة وهي تنظر إليه باحتقار:
—”إنت إنسان نصاب وكذاب! بتلعب بيا وبمرارتك كمان؟!”
وتركتهم وانصرفت وسط نظرات الاستهجان من كل الموجودين على القهوة.
​وقفت فوزية أمامه وعيناها تلمعان بغضب شديد، وخاطبته بصوت صارم:
—”انهض أمامي يا محروس.. المحطة القادمة ليست البيت، بل القسم والمحامي، لكي تعيد لهدى كل قرش سرقته، وتطلقها برضاك، لأنك لا تملك من الرجولة شيئًا ولا تستحق امرأة ضحت بعمرها من أجلك ومن أجل أمي!”
​في المستشفى، كنت جالسة على السرير وياسين يمسك يدي بحنان، حين انفتح الباب ودخلت فوزية وبصوتها الدافئ أخبرتني بكل ما حدث بالتفصيل دون أن تخفي عني حرفًا. في تلك اللحظة، شعرت وكأن جبلًا من الهموم انزاح عن صدري. نزلت دموعي، لكنها هذه المرة لم تكن دموع قهر، بل راحة لأن القناع سقط أخيرًا وظهرت الحقيقة عارية أمام الجميع.
​بعد أسبوع، غادرت المستشفى، لكنني لم أرجع لشقة محروس. أصرت فوزية أن أقعد في مكان مؤقت هادئ حتى تستقر الأمور قانونيًا. حاول محروس مرارًا أن يترجاني، مبررًا أفعاله بأنه كان ضحية ظروف و”الشيطان غلبه”، لكن كلامه أصبح بلا أي قيمة لدي.
​تم استرداد أموال الممرضة كاملة بالقوة من رفاعي ومحروس، ووقفت فوزية بجانبي وقفة شجاعة لا تنساها أي أم؛ إذ ساعدتني بكل ما تستطيع لكي أسترد حقوقي وأقف على قدمي من جديد.
​أما خالتو صبيحة، فلما علمَت بحقيقة ما فعله ابنها ومحاولته منح شقتها لعشيقته، صُدمت صدمة جعلتها تراجع نفسها، وباتت تبكي وتقول لي بندم: “سامحيني يا هدى، كنت ظالمة وعمياء”.
​الآن، وبعد مرور شهور، عدت لعملي الذي أحبه، واسترددت صحتي وعافيتي وقوتي. ياسين ابني يذهب لمدرسته وضحكته تملأ الدنيا، وبات ينظر إلي بفخر وأنا أصنع حياة جديدة تخصني وحدي، حياة أساسها الاحترام المتبادل وكرامة لا يمكن لأحد أن يمسها بسوء بعد اليوم.

 

الصفحة السابقة 1 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *