رواية جديدة جدا 1

“الفصل الثالث”
كان يجلس خلف مكتبه الخشبي العتيق، منكفئًا فوق أوراقه، يحاول أن يغرق نفسه في تفاصيل العمل هربًا من أفكار تطارده منذ الصباح، كانت ملامحه هادئة ظاهريًا، لكن عينيه تكشفان عن توتر دفين.
قطع ذلك الهدوء صوت طرقات متتابعة على الباب، طرقات لم تكن عادية، بل حملت في حدتها شيئًا من التوجس.
رفع رأسه وقال بصوت ثابت:
“اتفضل.”
دخل السكرتير الخاص بمكتب رياض، فتجمد همام في مكانه لحظة، ونظر إليه باستغراب واضح وقال:
“انت! خير؟”
أجابه الرجل بصوت غليظ يخلو من المجاملة:
“رياض باشا عايزك فى مكتبه.”
انقبض قلبه دون أن يشعر، لكن ملامحه لم تفضحه، أومأ برأسه وقال:
“ماشي روح وأنا جاي وراك.”
خرج السكرتير، وبقي همام لحظة واقفًا مكانه، يشعر بأن شيئًا ثقيلًا يهبط فوق صدره، كان يعلم أن تلك المواجهة قادمة، لكنه لم يتوقع أن تأتي بهذه السرعة، أخذ نفسًا عميقًا، شد قامته، ثم اتجه بخطوات محسوبة نحو مكتب رياض.
وقف أمام الباب، طرقه بخفة، فأتاه الصوت المألوف يأذن له بالدخول.
فتح الباب، ودلف إلى الداخل، وتكلم باحترام واضح:
“اؤمرني حضرتك.”
كان رياض يجلس خلف مكتبه، ينظر إليه نظرة طويلة فاحصة، نظرة تحمل في طياتها احتقارًا مبطنًا. ثم قال بصوت حاد:
“ادخل اقعد.”
اقترب همام وجلس على المقعد المقابل، بينما كان قلبه يدق بعنف داخل صدره، كأنما يستعد لمعركة غير متكافئة.
نهض رياض من مكانه، وسار ببطء متعمد حتى وقف أمامه مباشرة، ثم قال بنبرة مهينة:
“تاخد كام؟”
رفع همام عينيه إليه بعدم فهم، وقال متسائلًا:
“يعني ايه؟ مش فاهم حضرتك.”
عاد رياض إلى مقعده، جلس متكئًا إلى الخلف، ونظر إليه بازدراء صريح:
“يعني نقصر الطريق على بعض، أنت وقعت بنتي فيك، علشان تطلع بقرشين منها، وانا قولت اقصر الطريق عليك، واديك القرشين دول بنفسي، وتبعد عن عهد وتسيبها تشوف حياتها، البت عبيطه وفرحت بالكلمتين اللي بتغنيهم ليها.”
أطبق همام جفنيه بقوة، كأنه يحاول أن يحبس غضبه قبل أن ينفجر. كان الإهانة كصفعة على وجهه، لا لكرامته فقط، بل لحبه الصادق. ثم قال بصوت مختنق بالغضب:
“بس أنا عمري ما فكرت فى الفلوس، أنا بحب عهد وعايز اتجوزها، وهي بتحبني وموافقة تعيش معايا على قد ظروفي، ومش عايزين حاجة من فلوسك.”
ضرب رياض بيده على سطح المكتب بعنف، فاهتزت الأوراق، وقال بغضب مستعر:
“اسمها الانسه عهد، انت نسيت نفسك ولا ايه يالا، انت فاكر هتعرف تضحك عليا بالكلمتين دول، أنا ممكن اوديك وراه الشمس لو مبعدش عن عهد بنتي، بص على قدك يا حلو، واعتبر نفسك مطرود من الشغل.”
في تلك اللحظة، اشتعلت نظرات همام، ولم يعد قادرًا على كبت غضبه. نهض ببطء، واقترب منه خطوة خطوة، وقال من بين أسنانه:
“شركتك عندك، اللي خلقك خلق غيرك كتير، ربك مبينساش عباده، بس أعمل حسابك عهد مش هسيبها وهتجوزها برضاك أو غصب عنك.”
كان ذلك كافيًا ليفقد رياض أعصابه تمامًا، فاندفع نحوه، وأمسكه بقوة من عنقه، وضغط بأصابعه بعنف، وقال بتوعد مخيف:
“لو شفتك فى نفس المكان اللي فيه بنتي حتى لو صدفة، اختك وامك اترحم عليهم يا ننوس عينها.”
شعر همام بالاختناق، لكنه لم يخفض عينيه، بل نظر إليه بنظرة تحد واضحة، وقال بصعوبة:
“لو فكرت تمس شعرا واحده منهم، مش هرحمك يا رياض، فااهم.”
دفعه رياض بعيدًا بقوة، فتراجع همام خطوة، ثم استدار وغادر المكتب وأنفاسه تعلو وتهبط بعنف، بينما يغلي صدره بالوعيد.
وما إن خرج، حتى وجد عهد تقف أمامه، ملامحها يملؤها القلق والدهشة. قالت بتساؤل سريع:
“همام مالك ورايح فين كده؟”
نظر إليها بعينين مشتعلتين، وقال بغضب مكتوم:
“ماشي من هنا وحسابي مع ابوكي قريب اوي.”
تجمدت في مكانها، وقالت بعدم فهم:
“انت بتقول ايه؟ مش فاهمه منك حاجه يا همام، وبابي ماله عملك ايه؟”
دفعها جانبًا دون قصد لإيذائها، لكنه كان غارقًا في غضبه، وقال وهو يغادر:
“ابوكي عندك اسألي!”
وقفت تتابع أثره حتى اختفى عن ناظريها، وقلبها يرتجف خوفًا مما حدث. ثم تحركت بسرعة نحو مكتب والدها، ودخلت دون استئذان، وقالت بقلق:
“بابي ايه حصل بينك وبين همام معصبه كده؟”
نظر إليها ببرود قاسي وقال:
“طرده من الشركه وحسك عينك تتكلمي معاه، فاااهمه؟”
تجمعت الدموع في عينيها، وقالت برفض واضح:
“ليه يا بابي ليه؟”
هدر بها غاضبًا:
“علشان ده واحد نصاب، طمعان فى فلوسك يا متخلفة، وانتي زي العبيطه ماشية وراه، ورفضي ابن فريد علشانه.”
هزت رأسها نفيًا، والدموع تنهمر على وجنتيها، وقالت بين شهقاتها:
“لا يا بابي همام مش نصاب، أنا وهو بنحب بعض، وانا واثقه فيه ومستحيل اكون لغيره، ارجوك يا بابي ابوس ايدك وافق اننا نتجوز أنا سعادتي معاه هو.”
كان عناده أصلب من رجائها، فقال بتحذير صارم:
“عهد، انا قلتلك مستحيل ده يحصل، الولد ده لو مبعديش عنه أنا هحبسه، وهشرد أهله كلهم.”
شهقت بألم حقيقي، وقالت متوسلة:
“ليه يا بابي، انا بحب همام ومش هقدر اشوف نفسي مع غيره، انت عايز تقف ليه فى طريق سعادتي، أنا متأكدة أن هو بيحبني بجد، وانه مش طمعان فينا زي ما بتقول.”
ضغط على أسنانه وقال ببرود قاسي:
“انا قلتلك اللي عندي يا عهد، لو فكرتي تقربي من الولد ده هحبسه، وجربي تستهتري بكلامي.”
لم تعد قادرة على الوقوف أمامه. شعرت أن الأرض تميد بها. خرجت من المكتب راكضة، والدموع تحجب عنها الرؤية. هبطت الدرج بسرعة تكاد تسقطها، ثم صعدت إلى سيارتها، وأدارت المحرك بيد مرتجفة، وانطلقت بها بسرعة جنونية، كأنها تحاول أن تهرب من قدر يطاردها بلا رحمة.
************************
جلس همام على أحد المقاعد الحديدية المنتشرة على جانب الطريق، كأنما احتمى بها من صخب العالم وضجيجه، كان الشارع يعج بالمارة والسيارات، إلا أنه لم يكن يرى شيئًا مما حوله، عيناه مثبتتان أمامه، لكن روحه كانت غارقة في كلمات قاسية ما زالت تتردد في أذنه، كلمات رياض التي جرحت كرامته قبل قلبه.
شعر بمرارة لم يختبرها من قبل. لم يكن الألم فقط في الإهانة، بل في شعوره بالعجز. لام القدر، لام الفقر، لام الظروف التي جعلته يقف في مواجهة رجل يملك المال والنفوذ بينما لا يملك هو سوى قلب يحب بصدق، تملكه إحساس بالتمرد على كل شيء، وكاد يفقد اتزانه من شدة الغليان داخله.
في تلك اللحظة، أعلن هاتفه عن اتصال وارد.
نظر إلى الشاشة، فظهر اسمها، “عهد”.
تأمل الاسم طويلًا، كأنما يستمد منه قوة أو يودعه بصمت. ثم ضغط على زر الاستجابة، وتكلم بصوت مختنق:
“ايوه يا عهد.”
جاءه صوتها مبللًا بالدموع:
“انت فين يا همام عايزة اشوفك؟”
أغمض عينيه لحظة، يحاول أن يسيطر على ارتجافة صوته، ثم قال بصعوبة:
“سبيني دلوقتي يا عهد، عايز ابقى لوحدي شوية.”
لكنها لم تستسلم، وجاءه صوتها متوسلًا:
“ارجوك يا همام أنا محتاجك.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *