لمدة ثلاث سنين، كنت عايش وأنا فاكر إن مراتي سابتني ورمتني

لمدة ثلاث سنين، كنت عايش وأنا فاكر إن مراتي سابتني ورمتني وأنا طريح الفراش في المستشفى. وفجأة، شفت دعاء واقفة على بلكونة منورة قدام فندق في الساحل الشمالي، وفي حضنها طفل صغير عيونه نفس لون عيوني الرمادي. وقفت مذهولة كأنها بتشوف عفريت، وأنا واقف مكاني ومش مصدق، بكلم نفسي هو أنا لسه تحت تأثير المسكنات ولا سافرت ثلاث سنين لقدام؟ “ياسين؟” همست باسمي، وصوتها في وداني كان واجعني أكتر بكتير من حادثة العربية اللي كانت هتموتني. الطفل الصغير بص ليها وبصلي وسأل: “يا ماما، مينو ده؟”

​قبلها بثلاث سنين، فوقت من الحادثة ورجلي مكسورة، وضلوعي متكسرة، وذاكرتي فيها خرم أسود، وأمي قاعدة جنبي لابسة حرير أسود. ناهد هانم قالت لي إن دعاء مشيت وأنا غايب في الوعي، وضيفت إنها مضت أوراق، واختارت راجل تاني، ومبقاش يفرق معها أمري خالص. كنت مخدّر، مش قادر أتحرك، ومطرود من منصبي في شركة العيلة، ومستني أمي في كل صغيرة وكبيرة: زيارات، مكالمات، أوراق، وكل قرار في حياتي. وكل ما أسأل عن دعاء، أمي تفضل تفكرني إن فيه ناس بتتبخر أول ما الدنيا تشد عليهم. ومع الوقت صدقتها، لأن البديل كان إني أعترف إني أصلاً مش فاهم حاجة من اللي بيحصل برا الأوضة دي.

​دلوقتي دعاء كانت واقفة قدامي، أنحف، أكبر، ومكسورة أكتر بكتير من الست اللي عرفتها زمان. ضمت الواد لصدرها وقالت كلمة خلت الدنيا تلف بيا: “أنا أمك قالت لي إنك متت.” فضلت باصص لها ومش مصدق، لحد ما كملت وقالت إن ناهد بعتت لها رماد، وشهادة وفاة، وكل جواب حاولت تبعتولها. في اللحظة دي، القصة اللي عشت فيها ثلاث سنين اتفرفتت قدامي حتت.

​الطفل الصغير بصلي بعيونه المألوفة دي، وسألته عن اسمه عشان كنت خايف جداً من الإجابة. دعاء بلعت ريقها وهمست: “حمزة.” سألتها عنده كام سنة، بس أنا كنت عارف من قبل ما ترد ومن شكل وشها اللي اتقلب. ثلاث سنين معناه إن فيه سؤال واحد متبقي، ولما سألتها إذا كان ابني، دعاء بصتلي كأنها مستغربة إني مش عارف. “أيوه يا ياسين،” قالت لي، “ده ابنك.”

​حمزة مد إيديه الصغيرة وشد الكرافتة بتاعتي وقالي إن شكلي زعلان، وكنت هاستسلم للدموع هناك على التراس. مسكت صوابعه بحذر شديد، وكنت خايف لحسن الحركة الغلط دي تخلي اللحظة دي كلها تختفي. طول الثلاث سنين اللي فاتوا، كنت متخيل دعاء عايشة مبسوطة مع راجل تاني وأنا بتعلم أمشي تاني وبحاول أنسى اللي فضل من جوازنا. لكنها في الواقع كانت بتربي ابني وهي مفكرة إنها دفنتني. الغضب اللي جوايا ناحيتها طار بالسرعة دي لدرجة إن شعور أبرد وأخطار حل مكانه.

1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *