حنان 2
:
الفصل الرابـــــع
نص الليل… ستين… الأولى جوزها جابها لحد أوضة الولادة، وفضل واقف ورا الباب رايح جاي، مش على بعضه وقلبه بيدق مع كل صرخة من صرخاتها… لحد ما شالوا مولودهم سوا.
والثانية، جوزها رماها عند الباب ورجع لسريره يكمل نومه… نفس السن، ونفس الوجع… بس شتان الفارق!
الأولى بتصحي الصبح تلاقي فطار دافي ووردة بيضاء… وابتسامة راجل بيقدر كل دقيقة وجع عاشتها بسببه.
والثانية، بتمد إيدها تاكل الباقي من فطار زميلتها في الأوضة… وبتبص بعيون مليانة كسر، يمكن مش حسد، بس حسرة على قرار خدته في يوم من الأيام، وحست إنها فِهمت متأخر معنى أجمل كلمة ممكن لسان ينطقها: الحب. فِهمت إن الحب تفاصيل صغيرة قبل الكبيرة… وإن الراجل احتواء وأمان دافي، مش مجرد سلطة عليا بناخد منها أوامر وبنديلها احترام من غير مقابل اسمه التقدير.
والخلاصة… الحب مش شطارة واجتهاد، الحب رزق من ربنا.
حكاية غمزة.. وجع ملوش آخر
واقفة في أوضة نومها قدام المراية، بتظبط طرحتها والساعة خلاص بتقرب من أربعة العصر. سمعت صوت رنين تليفونها، وقلبها دقاته اتسارعت… عارفة إنه جوزها، أصل مفيش حد بقا يتصل بيها غيره. جريت بسرعة تدور على الصوت، لقت الموبايل مرمي بإهمال على السرير، خطفته وفتحت الخط بسرعة، ليرقع فيها بصوته الحاد والزعاق:
— خير إن شاء الله يا أستاذة؟ بقالي ساعة برن عشان جنابك تردي؟!
قالت بتلعثم وصوت واطي ومكسور:
— أنا… آسفة…
رجع يقول بنفس الحدة والقسوة:
— سعادتك أمي هتفضل مستنية جنابك كتير يا ست هانم؟
ردت بسرعة وخوف:
— لا لا.. أنا نازلة ليها حالاً أهو.
رد عليها بتهكم وقرف:
— طيب، على الله المرة دي تكون بفايدة… أنا مش بلاعة فلوس عشان فلوسي تترمي في أرض بور! يالله غوري من وشي عشان مبقاش طايق أشوفك وبتجيبي لي الغثيان!
قفل السكة في وشها. حست برغبة قوية إنها تعيط وتنفجر، بس حاولت تتماسك وتخد نفس طويل عشان تسيطر على أعصابها. هي مسافرة مشوارها الشهري لدكتورة النسا مع حماتها كالعادة، وعارفة كويس ومن سنين المشوار ده بينتهي بإيه والكلام اللي بيسم البدن بعده. هي عارفة إن ليلتها طويلة وهتتجرع فيها المر، فـ ليه تستعجل العياط من دلوقتي؟
جمعت حاجتها ولبست جزمتها بسرعة، وقفلت باب الشقة وراها ونزلت لشقة حماتها اللي تحتها. لقتها قاعدة بكامل هدومها على كرسيها المفضل جنب الباب اللي كان مفتوح على آخره مستنيها. بصت لها نظرة “غمزة” حافظاها صم وعارفاها عن ظهر قلب، كأنها بتقول لها: “استعدي للي هيجرالك النهاردة”.
العودة من الطبيب.. وبداية العاصفة
فتحت باب الشقة بمفتاحها الخاص بإيد بترعش بعد ما رجعوا من عند الدكتورة، واللي للأسف بلغتهم للمرة الألف إن مفيش حمل. حماتها زقتها ودخلت هي الأولى، ووقفت “غمزة” بعيد عن طريقها. دخلت الحما وقعدت على كرسي في نص الصالون، قلعت طرحتها بسرعة وهي بتمسح العرق اللي مغرق وشها، وقالت بنبرة آمرة وجافة:
— افتحي.. افتحي المروحة يا هانم بسرعة، وروحي اعمليلي كوباية عصير ساقعة، ولا هتفضلي متنحة في مكانك كتير؟!
جريت غمزة تعمل اللي اتقال لها بسرعة، وسمعت حماتها بتنفخ بحنق وبتقول:
— وأنا مستنية البيه المحترم جوزك لما ييجي عشان نشوف آخرة الحكاية دي إيه!
أول ما غمزة سمعت سيرة جوزها، جسمها كله اقشعر، وفضلت تدعي في سرها: “يا رب عدّيها على خير المرة دي.. يا رب يا كريم”.
فتحت باب الثلاجة، طلعت فاكهة طازة ووقفت تغسلها على الحوض عشان تضربها في الخلاط، بس قبل ما تدوس على الزرار، سمعت صوت رزع باب الشقة بره. جسمها اتقبض والارتعاشة زادت، وسمعت صوته الجهوري وهو بيزعق:
— يا ترى المدام فين؟!
ردت أمه بلؤم وتمثيل مسكنة:
— مش عارفة، رمتني ودخلت جوه.. الهانم مش طايقة تقعد معايا في مكان واحد، شاييفة إن أنا مش من مقامها!
زعق أحمد بعصبية أعمى:
— متقوليش كده يا أمي! جزمتك فوق رقبتها ورقبة اللي يتشددوا لها!
وهدر بغضب:
— إنتي يا ست هانم!
خرجت غمزة وهي بتموت من الخوف وإيديها بترجف:
— أنا… هنا أهو…
بص لها أحمد بعيون بتطق شرار، والدم محمل فيهم من العصبية، قرب منها وهي انكمشت في نفسها وظهرها خبط في الحيطة، ودموعها نزلت غصب عنها. مسكها من دراعها الشمال بعنف وهو بيصرخ في وشها:
— وصلت بيكي الجرأة تسيبي أمي لوحدها؟! ليه وبأمارة إيه؟! مش عاجبك تقعدي مع أمي في مكان واحد؟!
حاولت تدافع عن نفسها بالعافية:
— والله أبداً ما حصل! هي اللي طلبت مني أعملها كوباية عصير ساقعة!
قالت حماتها من وراه بخبث:
— يعني أنا كدابة يا أحمد؟ أم صباعين دي بتطلعني كدابة؟!
أول ما سمع كلام أمه، لطشها قلم شديد على وشها وهو بيصرخ:
— احترمي نفسك يا حُرمة!
حطت إيدها على وشها وهي بتعيط وبتحاول تحمي نفسها من قسوته، بس نزل عليها بقلم تاني أقوى وهو بيقول:
— نسب يجيب العار! مابقتش عارف أمشي وسط الناس ورأسي مرفوعة بسبب أختك الفاجرة اللي خدت لقب مطلقة!
ردت بشفايف بترتعش وبتجيب دم:
— نسبنا جابلك العار عشان أختي اطلقت من راجل مش راجل؟! مبيصرفش على بيته وكل يوم بيضربها ويهينها قدام عيالها؟!
بكل غل وقسوة ضربها تاني وهو بيقول:
— وليكي عين كمان تدافعي عنها؟!
قالت أمه:
— كام مرة قلتلك ابعد عن العيلة العرّة الواطية دي ومسمعتش كلامي؟! وقلت إيه.. بحبها يا أمي! أهو اشرب بقا من بحر حبك لحد ما تشبع!
التفت أحمد لغمزة وقال بقرف:
— بلا حب بلا قرف.. أنا طهقت وزهقت من العيشة دي!
ردت أمه فوراً:
— اتجوز عليها يا ابني.. اتجوز بنت خالتك دي بتتمنى الرضا ترضى، مش زي البومة دي! على الأقل هتحيى بيتك وتجيب حتة عيل، ولا إنت خايف من الليدي غمزة؟!
ردت غمزة بقهر مالي قلبها:
— لا والله.. مش ممانعة، اتجوز!
لف لها أحمد وصقعها قلم تالت وهي وشها ورم تماماً:
— اخرسي خالص! هو إنتي ليكي رأي ولا كلمة في الموضوع ده؟! احمدي ربنا إنك لسه على ذمتي وأنتي أرض بور ومبتخلفيش!
كملت حماتها بقساوة:
— الدكتورة قالت مفيش حمل.. اتجوز يا حبيبي وشوف دنيتك، وسيب دي هنا خدامة ليك ولعيالك!
صرخت غمزة بهيستريا ووشها مخدر ومورم من كتر الضرب:
— ده ظلم! أنا ذنبي إيه والدكتورة قالت إني سليمة ومفيش سبب يمنع الخلفة؟!
شدها من طرحتها بعنف، فـ الدبوس جرح رقبتها وسال دم، صرخت من الوجع وهو بيطحنها ضرب بإيديه ورجليه. حماتها قامت بكل برود وهدوء وقالت:
— أنا نازلة أعمل العشا لأبوك.. وفكر في الكلام اللي قلته لك.
قفلت الباب وراها، وهو فضل يضرب فيها لحد ما طلع كل غله، وسابها مرمية على الأرض وهو بيقول بتأفف:
— أنا مش عارف اتجوزت ليه وعشان إيه؟! عشان أجيب وجع الدماغ لنفسي؟! قومي يا هانم اخلصي جهزي لي العشا.. يالله!
سابها ودخل الأوضة يغير هدومه. حاولت تقوم من على الأرض، جسمها كله مكلوم ومورم، استندت على الحيطة بالعافية ووقفت، ودخلت المطبخ بخطوات تقيلة وهي مش قادرة حتى تعيط، دموعها جفت. حطت الأكل في الأطباق ورصته على السفرة. خرج هو لابس بنطلون أسود وتيشرت قطن أبيض، بص لها بغضب وقعد ياكل ببرود أعصاب غريب وريثه عن أمه، وهي واقفة مستنية أي أمر تاني. أول ما خلص، قامت تلم الأطباق، فسمعته بيقول:
— روحي اغسلي وشك ده، والبسي قميص نوم حلو، وافردي وشك العابس ده واسبقيني على أوضة النوم!
وقفت مكانها مذهولة… كل مرة بتروح فيها للدكتورة بيحصل كده، بس المرة دي كانت أبشع. سألت نفسها عن سلامة قواه العقلية؛ إزاي بني آدم يضرب مراته بالوحشية دي، وبعدها بدقائق يطلب منها تتزوق وتضحك له كأن مفيش حاجة حصلت؟! مش عارفة الليلة دي هتعدي إزاي، ومش طايقة لمسته، بس معندهاش حل تاني لأنها مش هتحمل ضرب جديد. دعت في سرها: “يا رب مرر الليلة دي على خير”.
حكاية حياة وآدم.. صراع العشق والكسرة
ولا يَعلمُ سِرُّها سِوى مَن سَرَّها، ومَن سَرَّها أَسَرَها وأُسِرَ بها.
قاعدة مبحلقة في السقف، وإيديها متشبثة بمفرش السرير بقوة، وهو نايم جنبها في غيبوبة رضا وراحة كأنه التهم خروف كامل بعد جوع طويل. عيونها مش بترمض، كأنها ميتة، ومفيش دليل على حياتها غير صدرها اللي بيعلو ويهبط ببطء شديد، كأنها خايفة تتنفس من هوا الأوضة دي. مش قادرة تصدق اللي حصل.
بق الها نص ساعة على الوضع ده مليانة صدمة عقدت لسانها، وهو لافف دراعه حواليها وبيحضنها وهو نايم. بصت له، ولقت ابتسامة رضا على شفايفه، وده خلا الغضب والثورة يشتعلوا جواها. ماقدرتش تتحمل، صرخت بكل طاقة عندها وفضلت تهزه بعنف.
اتنفض من النوم مخضوض وبص لوشها المتألم وسألها بهلع:
— في إيه؟! إنتي كويسة؟! ردي عليا!
قعدت بسرعة وهي بتلم المفرش حوالين جسمها العاري، وبصت لقطرات الدم اللي على الملاية البيضاء، وشاورت بصابع بيترعش وقالت بذهول:
— إيه ده؟!
قام آدم من غير ما يبص، هو عارف كويس بيتكلموا عن إيه ومش محتاج دليل. وقف قدامها وقال بسخرية:
— تفتكري إيه يعني؟!
زعقت فيه وصرخت:
— متستهزأش بيا.. رد عليا إنت!
بص لها بنظرة حادة وشاور بصابعه بتحذير:
— صوتك ميعلا ش عليا تاني، وإلا مش هكون مسؤول عن اللي هيحصلك!
صرخت تاني ومش فارق معاها تهديده:
— رد عليا وبطل لف ودوران!
زعق فيها:
— صوتك! نسيتي إن أهلي في نفس البيت؟! كفاية صريخ يا حياة وبطلي تعملي فضايح!
شاورت على صدرها ودموعها نازلة:
— أنا اللي بعمل فضايح؟! أنا؟! يا اللي سرقتني من أبويا وفضحتني قدام الخلق كلهم؟!
مسح آدم على شعره الأسود وزفر بنفاذ صبر، وبص للسرير بطرف عينه وقال بتقرير:
— أعتقد دلوقتي بقيتي عارفة إنك بقيتي مراتي قولاً وفعلاً.. مأجرمتش ولا عملت حاجة حرام، أنا مارست حقي بس، فـ بلاش كلام فارغ.
الاعتراف ده نزل عليها كالصاعقة، عيونها الفيروزية واسعت وضلمت، وقالت مش مصدقة:
— يعني حقك ده اسمه الحقيقي اغتص…اب الحلال؟!
رفع حواجبه مستنكر كلامها، فـ عادت تسأله بهذيان:
— رد عليا يا آدم.. ليه اغتصبت حقي في ليلتنا الأولى؟! هل عشان تثبت رجولتك وصك ملكيتك عليا يا ابن العم؟!
ابتسم وهو بيبص لجمالها الطبيعي اللي بيزيد كل يوم، وقال بنبرة هامسة وصادقة:
— كنتي وما زلتي يا زوجتي الغالية… أنا كنت بتحرق وأنتي بعيدة عني، في حرق أقوى من بعدك خمس سنين في الغربة؟! كنت عايش في مرار وعذاب!
حاولت تبعد وتتحرك بس قبضته على معصمها منعتها، فبصت له بنظرة حارقة وقالت:
— ابعد عني يا آدم.. ابعد! أنت ذبحتني…
حط إيده على وسطها وقربها منه، وتجاهل تفاجؤها، وهمس وهو بيمسح دموعها بشفايفه:
— آسف.. آسف.. بلاش عياط أرجوكي، اغضبي واعملي اللي إنتي عايزاه بس بلاش دموع! دموعك بتنزل زي النار على قلبي وتحرقه.
في اللحظة دي، وبدون إرادة منها، رمت نفسها على صدره وكل الأمان رجع لكيانها، وهمست بشهيق:
— متعملش كده تاني أبداً.. أنا حبيت آدم اللي بيحس بيا، مش اللي بيوجعني بقسوته… متطلعنيش للسما مرة واحدة وتسيبني أقع كطير مقتول.
المواجهة الكبرى.. الشيك المفتوح وطلب الطلاق
حاولت تتملص من بين إيديه وقالت بارتباك:
— ابعد.. أنت مش خايف حد من عيلتك يسمعنا؟!
قرب وجهه وثبت عيونه في عيونها وقال بعدم اكتراث:
— يفهموا اللي يفهموه.. قريب هتكوني مراتي قدام الكون كله، سأنزع عيون أي حد يلفظ اسمك.. أنتي ليا بكل معنى الكلمة، فاهمة؟
كلامه بعثر عقلها، بس حاولت تقف على رجليها وقالت بشراسة:
— في أحلامك أيها البغيض! أنت بتعيش في خرافات، وسيبني دلوقتي قبل ما أخلي وشك يجيب دم بدل الغرور ده!
ضحك بصوت عالي وهي بتتحرك في إيديه زي القطة اللي مش بتستسلم، وقال بسخرية:
— اعملي اللي تقدري عليه يا صغيرتي، أنتي بالفعل بقيتي ملكي والدليل قدامك أهو.
جرحت قبضته بأوافرها من كتر المستفز، فابتسم وقال بتوعد:
— مفيش حد هيروض الفرسة دي غيري.. استني عليا بس يا حياتي.
— فلتذهب إلى الجحيم!
صاحت بقوة وجريت بره الأوضة ورزعت الباب وراها، وهي بتتوعد له.
رجعت الأوضة تاني تصرخ بهستيريا:
— رد يا آدم.. ليه جنيت عليا؟! ليه أجبرتني على الجواز بالطريقة دي؟! وليه أجبرت أختي تتجوز أخوك؟!
رد ببساطة وهدوء:
— لأنك حقي مهما كانت الطريقة.. أنتي حقي.
صرخت باستهزاء:
— حقك؟! مش فاكرة إن أبويا باعني ليك!
قرب منها ومسك ذقنها بحدة:
— حقي من يوم ما نطق بيها لسان عمي، ويوم ما همست بيها شفايفك… حقي يوم…
قاطع كلامهم خبط متلهف على باب الشقة. كز على أسنانه وقال:
— أكيد صوتك الفاضح هو اللي خلاهم يطلعوا.
لبس هدومه بسرعة وفتح الباب لقى أمه “حليمة” واقفة مرعوبة. قال آدم:
— تعالي يا أمي ادخلي.. متوقفيش كده.
قالت أمه بترعش:
— الصريخ.. افتكرتها قتلتك.. أو بتنزف!
ابتسم آدم وقال:
— مين اللي تقتلني يا أمي؟ مراتي؟!
ردت أمه:
— تعملها.. والله تعملها بنت جميلة عشان تحرق قلبي عليك! إمال الملعونة دي كانت بتصرخ ليه؟! هي جُنت؟!
في اللحظة دي، خرجت حياة لافة المفرش القطني حوالين جسمها العاري، وشعرها منكوش وعيونها ورمة، وشايلة الملاية البيضاء اللي عليها دليل عفتها، وقالت بصوت تقيل ومقهور:
— أنا مجنتش يا زوجة عمي… أنا خرجت عشان أوريكي ده بس! مكنتش مدنسة لما ابنك أجبرني على الجواز.. هو خدع الكل وخدع أبويا وأختي! أريد الطلاق.. لم أكن يوماً لك ولن أكون! طلقني.. أسمعتني؟! طلقني!
حكاية بشرى.. طبول الحرب تشتعل
ذات صباح غابت ملامحه… فرسمه الوتين كفراشة عشق.
بتنظف شقتها المكونة من تلات أوض. قاعدة بتروق السرير ولابسة بيجامة شورت أسود وتيشرت أخضر بكم قصير. رغم إنها مخلفة طفلين، جسمها لسه ممشوق وزي ما هو، ومحدش يصدق إنها داخلة على الـ 22 سنة، تبان كأنها لسه مخلصة 17 سنة لتوها.
سمعت خبط على الباب، استغربت لأن الوحيدة اللي بتدخل أوضتها هي “موشجان”. لبست وشاحها بسرعة عشان تخبي شعرها وهدومها، وفتحت الباب مواربة… لقتها هي فعلاً، “موشجان”، اللي بقت بين يوم وليلة ضرتها بعد ما كانوا أعز أصحاب!
فتحت بشرى الباب على وسعه ورحبت بيها بأمل إن حبال الصداقة ترجع تاني:
— تعالي ادخلي.. متوقفيش على الباب.
دخلت موشجان مختالة بعبايتها البيضاء وصوت كعبها العالي بيرن في المكان. بصت للطفلين بنظرة دافية، أصلها ساعدت بشرى في تربيتهم وبتعتبرهم عيالها، بس النظرة دي اتقلبت لسواد لما لفت تبص لبشرى. قالت موشجان بسخرية:
— شايفاكي قلعتي الأسود ونسيتي الحزن؟! لحقتي تنسي إبراهيم بالسرعة دي؟!
اتسعت عيون بشرى وقلبها صقع… إزاي تنسى اللي شملها بحنانه ورِقته؟! إزاي تنسى جوزها وصاحبها في البيت ده؟! طفرت الدموع من عيونها وهي بتفتكر يومه الأخير؛ لما كان بيكلمها في التليفون الساعة تلاتة الفجر وهو راجع من مأمورية شغل على طريق صحراوي مظلم، وبيقول لها: “بحبك وبحب عيالنا.. وجنون بيكوا”. وفجأة، وهي بتكلمه، سمعت صوت انفجار رهيب وصوت تقلب العربية، وصوت أنفاسه اللاهثة وأنينه اللي انقطع تماماً… صرخت يومها لحد ما يئست وأغمى عليها.
صحت من ذكرياتها على صوت موشجان وهي بتعيد:
— نسيتي إبراهيم بالسهولة دي يا بشرى؟!
ردت بشرى بصوت مخنوق:
— كفاية قسوة يا موشجان.. كفاية! أنتي عارفة أنا كنت بحب جوزي إزاي، وعارفة إني اتجبرت على الجوازة دي من أخوه، فـ بلاش عداوة… إيه اللي غيرك؟! كنا زي الأخوات!
عقدت موشجان دراعاتها وقالت:
— كتير اتمغير يا بشرى.. لو الوضع مقلوب كنتي هترضي أشاركك في جوزك؟!
ردت بشرى وهي بتمسح دموعها بعنف:
— الوضع مختلف! أنا مكنتش هسيب عيالي، وجوزك ميهمنيش في حاجة غير إنه عم عيالي! وبس!
بصت لها موشجان بسخرية من فوق لتحت:
— باين فعلاً.. باين من اللبس اللي شايلاه!
صاحت بشرى:
— أنا في أوضة نومي يا موشجان!
قالت موشجان بغيظ:
— والله لو لبستي إيه، جوزي عينه مش بتشوف غيري، فـ متتعشميش كتير عشان متتصدميش!
تنهدت بشرى بنفاذ صبر:
— متقلقيش عليا.. أنا بلغت جوزك وحمايا الصبح إني مش عايزاه، فارتاحي بقا!
برقت عيون موشجان لما عرفت اللي كانت خايفة منه، وقالت بلؤم:
— طيب بما إنك قلعتي الحداد، يلا وريني شطارتك وساعديني في البيت؛ المطبخ عليكي النهاردة، اعملي الغدا!
اتسعت عيون بشرى:
— المطبخ؟! ما أنتي عارفة إني ماليش في الطبيخ وطول عمرك أنتي اللي بتعمليه! إيه اللي اتغير؟!
ردت موشجان ببساطة وهي بتمشي وتتمايل:
— بقيتي ضرتي… شيلي شيلتك بقا!
سابتها وخرجت وقبلت الباب، وبشرى بتغلي من الغضب. كانت فاكراها جاية تصالح، طلعت جاية تعلن الحرب! خبرتها في الطبيخ 2 من 10، وكل تجاربها القديمة انتهت بالحرق أو في زبالة! تأففت وقالت بغيظ:
— منك لله يا موشجان أنتي وجوزك!
نهاية المواجهة.. الحقيقة المُرّة
في شقة آدم وحياة…
نزل آدم بكفه وضرب حياة قلم قوي على وشها عشان تسكت وتوقف صريخ، وقال بصوت مهدد:
— مش هكرر كلامي تاني! مفيش طلاق، وهتفضلي معايا لآخر نفس في عمرك، عجبك أو معجبكيش! أنتي بقيتي مراتي والأمر انتهى!
شدها من شعرها لجوه الأوضة وهو بيقول بزعاق:
— الخروج بالمنظر ده ممنوع! مش هسمح بقلة القيمة دي!
حاولت أمه “حليمة” تحوش بينهم، فـ زقها آدم برا الشقة بهدوء وقال لها:
— انزلي يا أمي وبيني وبين مراتي كلام لازم يخلص دلوقتي.
قفل الباب وبص لحياة اللي واقفة وعيونها بتطق تحدي. قال لها بغضب:
— إزاي تخرجي كده؟! إزاي تسمحي لنفسك تخرجي عريانة قدام أمي؟!
ردت بتحدي وقوة:
— وأنت مش عريتني قدامهم كلهم من الأول؟!
ضاقت عيونه وقال:
— في يوم من الأيام هتخليني أقتلك يا حياة!
ردت بعناد:
— ما أنت عملتها ودبحتني بسكي..نة تلمة يا ابن عمي!
زعق فيها:
— أنا زهقت من السيرة دي! دي حياتك ولازم تقبليها! زمان كنتي أميرة على عرش قلبي، دلوقتي أنتي مجرد زوجة، ولازم تشوفي واجبات اللقب ده وإلا…
— وإلا إيه يا ابن عمي؟! وإلا إيه؟!
كز على أسنانه وقال:
— مفيش علام، ورجلك مش هتعتب باب الشقة!
وقعت الكلمات عليها كالمطرقة، بس ردت بصرامة:
— مش هيكون ليك حكم عليا، أنا هسيبك، ولو مطلقتنيش هخلعك!
ابتسم ببرود وقعد على الكرسي وقال بنبرة هادية تخوف:
— باين عمي مقالكيش على الشيك اللي مضى عليه!
قربت منه بخطوات تقيلة وقالت بخوف:
— تقصد إيه؟!
قال ببساطة:
— أبوكي ماضي على شيك على بياض تأمين لينا عشان محدش فيكم يخل بالاتفاق ويهرب من البيت ده! لو خرجتي من الباب ده، أبوكي بكرة الصبح هيكون ماثل قدام النيابة بتهمة تبديد وصل أمانة بـ 20 مليون جنيه!
شهقت برعب وحطت إيدها على بقها… مش قادرة تصدق إن ده آدم اللي كان بيعشق التراب اللي بتمشي عليه!
سألته ودموعها نازلة:
— ليه؟! قولي بس ليه عملت كده؟! ليه أوهمت الكل بالجوازة دي؟!
رد ببساطة:
— كانت مخاطرة.. بس مكنتش هسيبك تروحي لغيري، مكنتش هتحمل أشوفك مع الدكتور عبد الله… أنتي اتخلقتي ليا أنا وبس!
غمرت الدموع وشها، واهتزت عيونها بذكرى قديمة من خمس سنين… ذكرى حفرت في قلبه وعقله، وبقت هي مجرد أشلاء لبقايا حياة… حياة كانت في يوم من الأيام يانعة بالحب.
يقظة آياز.. والحديث عن دراما حياة
في الشقة التانية…
قاعدة جنبها على السرير بتهزها برقة وتناديها:
— آياز.. آياز.. بتنامي كل ده إزاي؟!
تململت آياز في الفراش وبدأت تفتح عيونها الناعسة، ولقت قدامها فتاة بتبتسم وبتهزر معاها:
— إيه كل النوم ده يا أزي؟! هو أنتوا معندكوش سرير في بيتكم؟!
فتحت عيونها على وسعها وقالت بدهشة:
— نائلة؟!
ابتسمت نائلة برقة:
— أيون أنا.. إيه رأيك، حليت صح؟!
قعدت آياز على السرير وفكت طرحتها والدبابيس بضيق بسبب العرق، وقالت نائلة:
— بتنامي بالطرحة والدبابيس إزاي بس؟!
سرحت آياز شعرها المنكوش بإيديها وبصت لنائلة؛ لقتها كبرت وبقت في طولها تقريباً، وليها شعر أسود طويل واصل لحد وسطها.
قالت آياز:
— أنتي حليتي أوي يا نائلة.
ردت نائلة بتفهم:
— طول عمرك ترفعي معنوياتي يا أزي.
وسألتها آياز عن الساعة، فردت نائلة:
— العصر قرب يأذن.
صاحت آياز بصدمة:
— يا نهار أبيض! أنا نمت كل ده؟!
ضحكت نائلة وقالت بسخرية:
— طول عمرك بتعشقي النوم.. قومي قومي، فاتك كتير من دراما الأميرة حياة!
اتنفضت آياز بفزع:
— مالها حياة؟! في إيه؟!
ردت نائلة وهي بتهز إيدها بلا مبالاة:
— من ساعة ما جات وهي مش مبطلة صريخ، لدرجة إن أمي اتخضت وطلعت لهم، ومن ساعة ما نزلت وهي ساكتة ووشها مبيتفسرش.. ومن ساعتها مسمعناش لهم صوت!
العالم الوردي.. والاستسلام للمكتوب
دخل الأوضة وبدفع وقوة شدها ناحية السرير، وقرب منها بشغف ولهفة بيلتهم شفايفها في بوسة مشتاقة ومحمومة، لدرجة إن عقلها غاب تماماً عن التفكير. سلمت كل حصونها كالعادة معاه؛ عاطفة قوية اقتحمت أنوثتها ولفت عقلها… أصل ده آدم، ومفيش غيره اللي امتلك قلبها وعقلها.
بعد وقت، رفع راسه عنها وأنفاسه لسه عالية وثايرة، وباس طرف شفايفها ونزل لرقبتها بنهم، وهو بيقول بصوت متقطع وسط بوساته:
— وحشتيني يا مالكتي… مابقتش قادر أصبر أو أقاوم أكتر من كده.
وكالعادة، ماقدرتش تقاوم أو تعترض، استسلمت للعالم الوردي اللي بياخدها ليه، عشان تثبت لنفسها إنها طبيعية وإن اللي فات مأثرش فيها. تكرر الأمر ده كذا مرة بعد كده، وهي بتوافق بسكوت وسعادة متدارية جوه ضلوعها بشغفه بيها… أليس الشغف وعدم القدرة على البعد نوع من أنواع الحب؟!
وبنبرة حنونة قال لها:
— حياتي.
ردت بصوت واطي:
— نعم…
— كلي أي حاجة عشان خاطرك، أرجوكي.
غمضت عيونها وقالت في سرها: “وقف أرجوك.. أنا عايزة أكرهك مش أحبك أكتر.. وسط كل القسوة دي لسه بتهتم؟!”.
تنهد آدم بحمل تقيل وقال:
— وعشان خاطري أنا كمان.. عشان متتعبيش وتمرضي.
هزت راسها باستسلام، وأعلنت موافقتها…
يُتبع…..
الفصل الخامس
قاعدة في عربيتها وهو سايق بسرعة هادية، بتبص من الشباك اللي جنبها وتراقب الدنيا حواليها بابتسامة مالية وشها، ابتسامة مبترفضش الهزيمة… كيانها كله بيرقص من الفرحة والانتظار في نفس الوقت… خلاص، قربت توصل لبوابة أحلامها… لعالم تاني ياما رسمت حواليه قصص وردية… ده أول يوم ليها في الجامعة.. أول يوم في كلية الصيدلة.
حلم الطفولة مكانش الكلية بالذات، بل دخولها للمرحلة دي.. مرحلة الحب والخطوبة والجواز.. الأحلام الوردية اللي بتيجى في بال كل البنات واللي ياما أصحابها حكوا حواليها قصص وروايات.
رفع عينه عن الطريق وبص ناحيتها، راقب ابتسامتها دي للحظة، وفجأة شفايفه اترسمت عليها ابتسامة زيها بالظبط وكأن العدوى اتنقلتله.. هو عارف هي مبسوطة قد إيه، رغم إنه معش الإحساس ده قبل كده.. قال بمرح:
باين عليكي مبسوطة أوي يا آياز..!!
التفتت ليه وابتسامتها وسعت وبقت منورة أكتر، زي طفلة صبحت يوم العيد وعمالة تاخد هدية ورا هدية.. عينيها بتلمع بالفرحة زي نجوم فضية في سماء ضلمة وصافية أوي، وقالت بنبرة صوت باين فيها النغم والرقص وهي بترفع دراعاتها وبتلف بجسمها المليان ناحيته.. هي يمكن مبقتش تخينة أوي زي الأول، بس لسه مليانة:
جداً.. جداً يا آدم.. مبسوطة أوي.. طول عمري بحلم باليوم ده يا آدم.. طول عمري بحلم بيه.. هأدخل الجامعة خلاص.. عمرك حسيت بالشعور د…
سيل كلامها وقف فجأة وقاطعت نفسها لما شافت ابتسامته اختفت، ولاحظت عك لسانها اللي قالته بحماقة.. وطت رأسها وشبكت إيديها فوق بنطلونها وقالت بصوت واطي:
آسفة يا آدم.. مكانش قصدي..
دار وشه ناحية الشباك بتاعه وقال بصوت ثابت:
بتتأسفي على إيه يا آياز؟ ما دي الحقيقة، أنا مكملتش تعليمي واكتفيت بالثانوية بس..
وبعدين كمل بصوت واطي وساخر يكاد يتسمع:
كفاية إني بفك الخط وبعرف أقرأ وأكتب..
رجعت تتكلم وهي بتعتذر، وفرحتها اتحطمت على صخور لسانها اللي خانها، وزعلها عليه خلاها تضايق من نفسها وتلومها، وبعدين قالت بحماس:
أنت الأحسن يا آدم.. التعليم مكانش هيفرق معاك في حاجة.. (وبلهجة فخر نست فيها كسوفها) أنت آدم القاضي اللي البنات والستات بيتمنوا منه نظرة واحدة بس!
التفت يبص لها وهو مذهول، وزعله اتمسح واتحول لابتسامة واسعة وجميلة وهو رافع حواجبه لفوق.. آياز عضت على شفايفها بكسوف بعد ما فهمت من نظرته هي هببت إيه بلسانها، ووطت عينيها وهي بتتمنى لو كانت اتولدت خرساء.. فضل يبص لها بابتسامة متفاجئة، وبعدين رجع يبص للطريق وظهرت قدامه بوابة الجامعة الضخمة، والطلبة من الجنسين داخلين وخارجين.. وقف العربية وبص لها وقال:
وصلنا يا أميرة..
بصتله ومن غير ما تحس وشها بقى زي الطماطم من الكسوف، وتحت تأثير نظراته ليها، وطت عينيها.. وبعفوية، نزل كام خصلة من شعرها الأسود الناعم زي الحرير من طرحتها الصغيرة، رفعتهم بإيد مرتعشة ودخلتهم تاني.. ولما كانت خلاص هتنزل، رجع يكلمها بجدية وهو بيتأمل قميصها الأبيض وضغط جسمها المليان على الزراير لدرجة تحس إنها هتتقطع، وقال بتردد:
عايز أكلمك في موضوع الأول.. مش هأخرك يا آياز..
عينيها لمعت بالفرحة وهي بتبص له.. هي مين أصلاً عشان ترفض له طلب؟ مين المجنونة اللي تضيع فرصة كلام مع… حبيبها.. أيوة، حبيبها! أخيراً اعترفت لنفسها بحبها ليه، الحب اللي واخد كل حواسها وتفكيرها ليل ونهار.. قالت بابتسامة منورة وبلهفة غلبت كسوفها:
سامعاك.. كلي آذان صاغية..
ابتسم لمرحها وحيويتها، هو طول عمره معجب بحيويتها دي:
خايف كلامي يضايقك.. بس هأتكلم على أي حال عشان مصلحتك تهمني..
مهتمتش بالنص الأول من كلامه، هي مسمعتش غير الكلمة الأخيرة دي.. عند الكلمة دي، عينيها فضحوا كل مشاعر الحب اللي مخبياها.. مصلحتها تهمه! كان نفسها تقوم ترقص وتصرخ بأعلى صوتها بحبه.. كل خلية في جسمها وكل دقة قلب بتنادي عليه.. دقات قلبها بقت عالية زي الطبل لدرجة حاسة إنها سامعاها بودانها وقلبها هيطلع من بين ضلوعها.. قالت في سرها: “إيه اليوم الساحر ده؟ هي كل السعادة دي ليا لوحدي؟ واخدة من وقته وحبه واهتمامه..” هي عارفة إن أبوه هو اللي أمره يوصلها، بس هو متذمرش ولا اشتكى، بالعكس، أعلن اهتمامه.. رجع يتكلم بصوت واطي بس حازم:
نظام لبسك مش عاجبني، ومش لايق على بنت في مكانتك..
راقب رد فعلها ولدهشته لقى ابتسامتها بتزيد وعينيها بتلمع بفرحة.. كان متوقع تزعق أو تقوله بذكاء ميتدخلش في اللي ملوش فيه، بس لقى العكس، فسمح لنفسه يكمل.. بص لشعرها اللي باين من قدام وقال:
نص شعرك باين من الطرحة.. وده ميوصحش..
مع كل كلمة بيقولها ابتسامتها بتكبر، ومع كل نظرة قلبها بيدق ويصرخ: “الحقوني.. هيموتني الفرح!”
بص لجسمها بسرعة ودار وشه وهو بيكمل:
هدومك ضيقة أوي.. بنطلونك كأنه طبقة جلد تانية على رجلك..
هي كانت لابسة الهدوم دي عشان تبان أرفع.. عايزه يشوف جمالها.. عايزاه يشوفها كحبيبة يتمنى يقرب منها، مش مجرد زوجة هيتفرض عليها عشان مرض أمها وأمنيتها تشوفها عروسة قبل ما تموت.. رجع يبص في عمق عينيها وهو بيقول:
مبطقش حد يشوف جمالك ده..
هو شايفها جميلة؟ اللي سمعته ده صح؟ هي جميلة فعلاً؟ الدموعملت عينيها وكانت هتنزل.. مش قادرة ترمش حتى عشان متفوتهاش نظرة من عينيه مع سحر كلامه.. هو ده حلم؟
رجع قال بأسف:
باين كلامي ضايقك.. أنا آسف.. بس أنتِ بنت عمي ومقبلش عليكي كده..
صرخت جواها: “لأ.. لأ.. متحددهاش في المكان ده بس! مش عايزة أكون مجرد بنت عمك اللي بتغير عليها.. متكسرش فرحتي يا آدم..”
بص قدامه على الزحمة اللي عند البوابة ومستنيين الحرس يفتح.. وبص للطلبة وخاصة الشباب، ورجع بص لها وقال:
خديها نصيحة مني يا آياز.. ركزي في تعليمك وبس، وموتشغليش بالك بتفاهات.. يلا انزلي، ولو عوزتي أي حاجة كلميني فوراً، ولو حد ضايقك قوليلي وأنا هأتصرف..
حطت إيدها على مقبض الباب وهتفتحه، لما قال بتحذير:
مفيش صداقة بين ولد وبنت يا آياز.. خدي بالك.. خدي بالك..
هزت رأسها بالموافقة كذا مرة زي البلهاء.. بس ما هي فعلاً دايبة في حبه.. قيس قالوا عليه مجنون ليلى، وهي سميت نفسها مجنونة آدم.. حلم كل بنات العيلة.. مجنونة بكل نظرة وبكل رمشة عين ولتأمل كل حركة بيعملها.. ومش عارفة الإحساس ده هينتهي إمتى..
ده اللي افتكرته وهي واقفة تحت المية.. هو ممكن ذكرياتها معاه تقع وتتمسح بسهولة كده مع المية اللي نازلة على جسمها؟ ميعادش ليها حق حتى في الذكرى، خلاص اسمها ارتبط بواحد تاني، وهو ارتبط باللي قلبت كل الموازين.. مش عارفة الأمور اتبدلت إزاي بين يوم وليلة.. مرت السنين يا آياز ولسه قلبك شايل، ولسه المأساة دي جواكي.. واليوم ده لسه ذكراه سيئة معاها ومع الكل.
فاقت من سرحانها على خبطة خفيفة على باب الحمام، وبعدها محاولة لفتح الباب، بس المقبض مبيتحركش عشان هي قفلاه بالقفل.. قفلت المية وشدت الفوطة البيضاء ونشفت شعرها كويس، وفتحت الباب وهي متوقعة تشوف نائلة.. مواربة الباب ومخبية جسمها وراه بابتسامة.. ملامحها اتخطفت وشهقت بصدمة لما لقت اللي اسمه جوزها واقف قدامها وماسك هدوم في إيده! وبص عينه العابثة على قطرة مية نازلة من شعرها اللي لازق في رأسها، وتابعها وهي نازلة على رقبتها وصدرها لغاية ما وقعت على الفوطة..
وش آياز بقى زي الطماطم، وأول ما استوعبت، جريت لجوه وقفت الباب وراها.. صدرها بيعلو ويهبط بسرعة ووشها بيولع من الكسوف.. رجع يخبط على الباب تاني وقال بعبث وبنظرة وقاحة:
تعرفي؟ أنا بقيت أحب الحجم المليان.. طالعة زي البطة الشهية اللي تفتح النفس..
وشها احمر أكتر وسخن من الكسوف.. طول عمره فظ في كلامه معاها.. رجع يتكلم بنفس النبرة:
يلا يا آزي اخرجي وخدي الهدوم دي.. مش عارف أصلاً هتيجي مقاسك إزاي؟
هزت وشها برفض عنيف وكأنه شايفها.. رجع يناديها وهي بتهز رأسها برفض، فقال بزهق:
آياز.. الكل مستنينا تحت، ولو تأخرنا أكتر هيشكوا فيا..
شهقت بصوت عالي وهي حاطة إيدها على بقها من الكسوف، وهو سمع الشهقة دي وابتسم بسخرية وقال متهكم:
عارف يا حبيبتي، مش عايز حد ياخد فكرة وحشة عننا.. أعوذ بالله من الفتن.. يلا أخلصي..
لوت شفايفها بضيق زي الطفلة الصغيرة.. مكسوفة تخرج كده.. يمكن لو كانت “حياة” مكانها مكانتش هتتكسف، خصوصاً وهي بالجمال والنحافة دي.. ساعتها أدهم مكانش هيتريق عليها.. ياما شافت إن أدهم وحياة لايقين على بعض أوي كزوجين مثاليين، وهي و… رجعت تستغفر في سرها وهو عمال ينادي برة، فقالت بتلعثم وصوت مخنوق من الكسوف:
حطها على الأرض وامشي..
طلع صوت استهجان من حنجرته وزعق:
أخلصي يا آياز.. بلاش سماجة.. اطمني، ماليش شوق فيكي..
ساب الهدوم على الأرض بزهق ومشي لغرفة تانية.. سمعت خطواته وهي بتبعد، ففتحت الباب براحة ووطت جابت الهدوم بسرعة وقفلت الحمام تاني.. حطت إيدها على صدرها وهي بتنهج كأنها عملت مجهود جبار.. شافت الهدوم والدم جري في وشها لما لقت ملابس داخلية أكيد أدهم شافها.. الله يسامحك يا نائلة على الإحراج ده!
حاولت تلبس الهدوم بس مجتش مقاسها، تنهدت بضيق وقالت: “وتقولي خسيتي كتير! مسكينة، تيجي تشوف..” رمت الهدوم بضيق ودورت على هدومها القديمة، كانت متضايقة من ريحة العرق بس مفيش حل تاني.. لبستهم بسرعة وشدت العباية الخضراء اللي نائلة جابتهالها.. واسعة ويمكن تيجي مقاسها.. حطتها من فوق رأسها وبتشدها لتحت بصعوبة، فجسمها المليان فصلها أوي.. العباية بينت خصرها وجسمها المليان.. لوت شفايفها بضيق وهي بتشتم غبائها إنها افتكرت هدوم نائلة الرفيعة هتيجي مقاسها.
خرجت في نفس اللحظة اللي هو خرج فيها من أوضته بعد ما غير هدومه لهدوم بيت مريحة.. بص لها بصدمة وعينيه لمعت للحظة.. عينيه مشيت عليها ببطء من أول شعرها المبلول لجسمها الملتف بالعباية.. اتكسفت من نظراته وبصت الناحية التانية.. حست كأنها عريانة قدامه.. عارفة إنه هيتريق عليها وعلى تخنها.. عمرها ما نسيت اللقب اللي قاله ليها زمان “شوال البطاطس”.. سمعته فعلاً بيقول بصوت واطي وبطيء:
إزاي…
عرفت إنه هيتريق، فجريت على الأوضة اللي نامت فيها، بس ملحقتش تمشي خطوتين وسمعته بينادي بحدة.. ملتفتتش ليه، فرجع سأل بسخرية:
أنتِ فاكرة إني هسيبك تنزلي بالمنظر ده؟
التفتت ليه وعقدت حواجبها مش فاهمة، وافتكرت سبب فقالت:
أكيد هألبس الطرحة..
طلع صوت زهق وقال متهكم:
وهتحطيها فين؟
ردت بغيظ:
بذكائك كده هأحطها فين؟ أكيد على رأسي..
جز على أسنانه وقفل إيديه بغضب وزعق بصوت عالي وساخر:
والله؟ وأنا اللي افتكرتك هتلفي الوشاح ده على وسطك وتنزلي ترقصي!
شهقت آياز وحطت إيدها على بقها.. وبصت للعباية ورغم إنها عارفة إنها ضيقة قالت:
مش شيفاها مجسمة زي ما بتقول، بالعكس شيفاها واسعة ومبحبحة..
عينيه وسعت من الصدمة وقال بعدم تصديق وفظاظة:
مبحبحة! طب أقولك إني العباية المبحبحة دي مسابتش حاجة للمخيلة وقامت بالواجب وزيادة؟
قرب منها خطوتين.. وبعدين خطوتين كمان لغاية ما بقت المسافة بينهم خطوة واحدة، ومشى عينيه على جسمها ببطء كأنه بيعريها، وقال بصوت واطي حست معاه كأنه بيلمسها بإيده:
طب أقولك إنك خسيتي كتير وجسمك بقى يفتح النفس أكتر، وتفاصيلك بقت مغرية و…
زعقت آياز وقاطعت كلامه:
بس.. اسكت!
مكانش قصدها بس يوقف كلامه الفظ، بل كمان يوقف نظراته دي.. وأول ما سمع زعيقها، عينيه راحت لعينياها عل طول.. عينين ضلمة فيهم لمعة غريبة ملمحتهاش قبل كده، بس في ثانية اللمعة دي اختفت واتبدلت بنظرة تريقة وقال:
شطورة، باين عليكي موافقاني الرأي إنك لازم تغيري بدلة الرقص دي..
قالت باستسلام:
نائلة مأجبتش غير الهدوم دي..
دار وشه ومشى ناحية باب الشقة وقال:
خليكي هنا وأنا هأتصرف..
لوت شفايفها بضيق وقالت في سرها: “وهأروح فين يعني يا غبي؟”
إيده كانت على المقبض وهيفتح الباب، لما التفت ليها بابتسامته العابثة اللي جعدت عيونهم وقال بسخرية:
إذا كانت العباية عاملة كده.. أومال الحاجات التانية عاملة إزاي؟
ردت آياز بسرعة ومن غير تفكير:
مدخلتش أصلاً!
بس أول ما استوعبت كلامها، حطت إيدها على بقها ووشها بقى دم وسخونة غطت جسمها كله.. في حين هو ضحكته العالية طلعت وقال بعبث:
أهو أنا برضه قولت كدة..
وسابها تغلي من الغيظ من نفسها ومنه.. الفظ المتبجح ده!
الكل قاعد حوالين ترابيزة سفرة طويلة.. ضياء قاعد على رأس الترابيزة وجنبه مراته من ناحية، ومن الناحية التانية آدم وجنبه نائلة، وفي وشها قاعد أدهم وجنبه آياز اللي لابسة عباية سوداء واسعة أوي عليها، كأنها سارقاها أو حد أشفق عليها وادهالها.. العباية دي كانت بتاعة حماتها.. افتكرت لما أدهم أجبرها تلبسها وفضل يضحك عليها..
بدأوا يأكلوا، فآياز سألت آدم بحيرة:
هي حياة فين يا آدم؟
آدم مارفعش عينه من الطبق وقال ببرود:
في شقتها..
نائلة سابت المعلقة وقامت وقالت:
هأطلع أجبها..
آدم مسك إيدها بسرعة وبص لها بغلظة وهو بيضغط على حروفه:
سيبك منها.. مشغليش بالك..
نائلة خافت من نظرته فسكتت وقعدت مكانها وكملت أكلها، بس آياز مقدرتش تسكت وقالت بحيرة:
وهي منزلتش ليه؟ أنت منعتها؟
ساعتها آدم رفع عينه ليها وقال بنبرة ثابته:
مأظنش الموضوع يخصك في حاجة.. بس هأرد عليكي المرة دي.. لأ ممنعتهاش.. هي اللي منعت نفسها..
عينيها وسعت وبقت مذهولة.. من إمتى آدم بيكلمها كده؟ من إمتى بيعاملها بالمنظر ده؟ قالت بتلعثم:
بس دي أختي..
قال آدم من بين أسنانه:
وهي مراتي دلوقتي.. ويمكن لازم أقولك من دلوقتي تفصلي بين وجودك في نفس البيت وبين تدخلك في حياتي مع… أختك..
ولما كانت هترد وتتكلم، أدهم دغزها بكوعه في دراعها وقال بصوت واطي وناشف:
اسكيتي.. وماتتدخليش..
حاولت تعترض وتتكلم، فدغزها تاني وقال:
اخرسي..
رجع الكل يأكل بوشوش قالبة، محدش طايق الأكل، كل واحد سرحان في أفكاره والسكوت كان سيد المكان.
بعد ما خلصوا الأكل، ضياء قام ونادى على آدم:
عايزك في أوضتي..
هز رأسه بالموافقة وهو عارف كويس هيكلمه في إيه.. ونائلة قامت تلم الأطباق، فآياز قامت معاها تساعدها في المطبخ.
آدم خبط على باب أوضة أبوه، وأبوه أذن له بالدخول.. دخل لقى أبوه ممدد على السرير وساند ظهره، وطلب منه يقعد، فآدم جاب كرسي وقعد قدامه.. أبوه بص له بنظرات قوية ودخل في الموضوع عل طول:
أمك قالتلي على اللي عملته مع حياة..
آدم كان وشه مقلوب وداير وشه عن أبوه.. أبوه سأل بحيرة:
وليه قولتلي العكس؟
بص آدم في عين أبوه عل طول وقال:
أنا مقولتش حاجة.. أنت اللي فهمت اللي أنت عايزه..
أبوه سخر من كلامه وقال:
بجد؟ وطالما كدة مصلحتليش ليه؟
رد آدم بغلظة أبوه عمره ما شافها منه:
أنتوا أردتوا إني أجبرهم على الجواز وأهو حصل.. لحد هنا وكفاية، محدش ليه دعوة بحياتي مع مراتي..
ضياء اتنفض من على السرير ومسكه من ياقة قميصه عشان يوقفه قدامه وزعق في وشه بغضب:
أنت إزاي بتكلمني كده؟ إزاي بتكلمني كده يا ولد؟ هي بنت سليم لحست مخك زي ما أمها عملت مع أبوها زمان؟
آدم رمش بثبات وقال:
كفاية يا بابا.. كفاية.. أنا مابقتش طايق نفسي.. كفاية اللي حصلي زمان وكفاية اللي عملتوه.. أنا نفذت طلبك وخطبت آياز عشان أمنية امرأه عمي قبل ما تموت، وأنا وحياة اللي دفعنا الثمن.. سيبني أدير حياتي بالطريقة اللي تريحني.. لحد هنا وكفاية.. بطلوا تخلوأني لعبة في إيديكم تحركوني زي ما أنتوا عايزين!
سابه أبوه براحة وقال بزهق:
هو مش كل ده كان عشانك وعشان أخوك؟
ابتسم باستهزاء وعدم تصديق بس سكت، كل اللي محتاجه دلوقتي هو هدنة.. هدنة بس يلم فيها شتات نفسه.
العبرة ليسَت بالزِّحام ولا بعددِ السَّائلين، وإنَّما بركن دافئٍ منطوٍ في ثنايا روحِك.. تلجأ إليه كلَّما أحسْستَ من العالم فزعًا!
فتحت الرف الفوقاني من الثلاجة وطلعت مكعبات ثلج عشان تحطها على وشها اللي واجعها وبقا ورم ومزرق من أثر الضرب.. اللي كان بالأمس وجع، النهاردة بقا جحيم، كل شبر في جسمها بيوجعها.. حاسة بجسمها تقيل أوي.. مش قادرة تشيل رأسها.. الصداع بقا لا يطاق.. فتحت الثلاجة تاني تدور على حبوب صداع.. المرة دي أخدت حذرها وجابت حبوب للصداع اللي عارفة إنه هيجيلها، ومرهم للورم ومسكن للآلام.. هي كانت عارفة اللي هيحصل ومكانش بإيدها حاجة تعملها، لما اشتكت لأمها في أول جوازها من سوء معاملته، أمها زعقت فيها وقالت لها: “عيشي واستحملي، كفاية مصيبة أختك..”
بس اللي كانت فاكراه سوء معاملة، كان دلع ودلال بالنسبة للعنف الجسدي اللي شافته بعد كده.. ولما اشتكت تاني لأهلها، أمها زعقت في وشها:
عيشي وتأقلمي.. أنتِ مش عارفة تسايسي جوزك إزاي.. بلاش كبرياء، هو مش كفاية إن كل طلباتك مجابة وعايشة عيشة عمرك ما حلمتي بيها لا أنتِ ولا أهلك؟ ولا وحشتك أيام الجوع والتبهدل؟ بكرة تخلفي عيال وينسوكي كل ده..
ساعتها غمزة كتمت عياطها واتمنت تخلف قريب عشان يمكن يرحمها من إيده.. بس الخلفه مأجتش، والإيد دي معش الرحمة.. ولما مقدرتش تستحمل في مرة، وأخدت شنطتها وراحت لأمها، أمها طردتها وقالت لها ارجعي لبيت جوزك.. يومها قطعت صلتها بأهلها اللي موقفووش جنبها ولا فكروا فيها، وسابت بس علاقتها بأختها.. لغاية ما قطعت علاقتها بيها هي كمان بعد طلاقها، في وقت أختها كانت محتاجة لها فيه أوي.. وياما أحمد ضربها يومها وشتمها هي وأهلها..
افتكرت أختها وحنت ليها، هي الوحيدة اللي كانت بترحملها وتهون عليها.. قالت بصوت مسموع: “يا ترى يا أمل عاملة إيه دلوقتي؟”
تنهدت بضيق ووجع وهي بتحط المرهم على وشها، ولما خلصت غيرت هدومها ولبست جلباب منزلي واسع وحطت طرحتها عشان تنزل كالعادة لحماتها تنظف شقتها.. رغم إنها بتكره حماتها بس قعدتها معاها أرحم من قعدتها مع جوزها.. مفيش ست في الدنيا بتبقى مبسوطة لما جوزها يمشي زيها.. لما نزل الشغل الصبح كمحاسب في مصلحة حكومية، هي اتنفست الصعداء.. وصلت لشقة حماتها وخبطت على الباب المفتوح أصلاً ودخلت، لقت حماتها قاعدة على كرسيها المفضل، وأول ما شافتها قالت:
بدري يا هانم!
بصت غمزة للساعة على الحيطة لقتها تسعة الصبح، فبصت لها وهي مستغربة، بس قالت:
حقك عليا يا ماما..
بصت حماتها برضا للزرقان اللي في وشها وقالت:
تمام، يلا يا ست هانم ادخلي خلصي اللي وراكي..
دخلت غمزة المطبخ تنظفه وتبدأ شغلها اليومي.. وبعد كام ساعة من تنظيف وغسيل ومسح حوائط حماتها ادعت إنها مش نظيفة، قعدت تعبانة على الكرسي قدام حماتها بتنهج.. فحماتها شدت السجادة من على الأرض بكل قوة وصحة مش موجودة في شباب سنها وقالت بزهق:
إيه القرف اللي أنتِ فيه ده؟ هي أمك مأعلمتكيش النظافة ولا مكانتش فاضية لده؟ ولا كانت فاضية تعلمكم قلة الأدب والمسخرة عشان تصطادوا رجالة؟
وزعقت أكتر وقالت:
قومي امسحي الصالة.. قرفتيني في عيشتي يا متعوسة!
بلعت غمزة الإهانة من غير ما تقدر ترد، هي مش حمل رد فعلها.. قامت تجيب جردل المسح وتبدأ شغلها، وحماتها قاعدة حاطة رجل على رجل ومبتبطلش شتيمة وتريقة:
نظفي يا نحس.. أمم ظهرت ألاعيبكم، أهلك ما صدقوا رمواكي لينا.. ولولا إن ابني قلبه طيب كان فهم ملعوبكم.. بس ملحوقة، لو مجوزتهوش لإلهام بنت خالته مبقاش أنا نجية بنت أم هاشم!
غمزة قالت في سرها وهي بتستغفر: “تشبع بيه وتنقعه وتشرب ميته! آآآه ده منى عيني وأمنيتي اللي بدعي بيها في كل صلاة إن ربنا يعتقني منه لوجه الله..”
فاقت من أحلامها على صوت حماتها وهي بتزعق:
أخلصي يا بومة.. رجالة البيت زمانهم جايين!
دعت غمزة في سرها: “يا رب تنقلب بيهم العربية في الطريق، أو تجيله سكتة قلبية أو…”
زعقت فيها حماتها تاني:
أخلصي يا ست هانم..
ردت غمزة باستسلام:
حاضر.. حاضر يا ماما.
سمعوا هما الاتنين صوت الباب بيفتح وعرفت إن جوزها وحماها وصلوا.. سابت الممسحة وفكت الجلباب اللي كانت ربطاه على وسطها ونزلته.. دخل جوزها وحماها اللي ألقى السلام، فردت هي وحماتها.. حماها سأل مراته:
السلام عليكم يا حاجة، عامة إيه؟
ردت نجية بنعومة:
الحمد لله بخير يا أبو أحمد، ربنا يخليك لينا وميحرمنيش من سؤالك..
ابتسم صالح والد أحمد ومشى على أوضته يغير هدومه، في حين أحمد قال لأمه من غير ما يبص لمراته:
أنا عزمت إلهام وخالتي على الغدا.. زمانهم في الطريق.
قالت أمه بفرحة:
يا نهار الهنا والسرور! يا ألف نهار أبيض..
بص لمراته وقال بحدة:
يلا خلصي اللي في إيدك.. أوف، كنتِ بتعملي إيه طول اليوم؟
محاولتش غمزة ترد، هي في كل الأحوال غلطانة.. مش دي أول مرة المحروسة تيجي، بس أول مرة جوزها هو اللي يعزمها بنفسه.. يمكن وافق على كلام أمه، وهي بتتمنى ده من كل قلبها.
قلْ كيف طاوعك الغيابُ
وكيف تكفرُ بالوعود،
وبأيِّ وجهٍ قد تبرّرُ كلَّ خيباتِ السنين،
ولإنْ سألتُك حين تأتي بأي وجهٍ قد تعود، قلْ أيَّ شيءٍ غيرَ أنك كنتَ تشعرُ بالحنين
حطت الأكل أخيراً على السفرة وملحقتش تفوتها نظرة موشجان الشامتة فيها، اللي كانت قاعدة جنب آيهم اللي دخل متأخر عن معاده لحسن حظها، كفاية عليها زعيق حماها كل شوية وهو بيسأل على الأكل اللي تأخر أكتر من ساعة.. حطت آخر طبق واتنهدت براحة، هي كلمت أمها ومشيت معاها خطوة بخطوة.. بصت برضا للأكل اللي كان عبارة عن سلطة وفراخ مسلوقة ملحقتش تحمرها، ومكرونة حمراء باهتة ومستوية زيادة ومعجنة في بعضها، والصلصة سايلة برة الأطباق.. ورغم كده كانت راضية، على الأقل خلصت حاجة.. وقفت تأكل عيالها الأول.. ولسه لابسة العباية السودا تحدي لرأي حماها.. حطت شوربة على المكرونة وبدأت تأكل أليف اللي فتحت بقها جعانة، ولما حطت الأكل في بقها ولفت تأكل سامي، إيدها وقفت لما شافت وش أليف وهي بتقرف من الأكل، ومع صرخة حماها وهو يرمي المعلقة بقوة في طبق الشوربة لدرجة طرطشت على السفرة:
إيه ده يا ست أنتِ؟! إيه الأكل ده؟!
أليف تفيت الأكل في إيدها وهي مقروفة، بشرى عقدت حواجبها وبصت للأكل وأخدت معلقة تذوقها.. لقت طعم وحش أوي، الشوربة حادقة جداً والمكرونة معجنة وليها طعم غريب مش فاهماه.. قام حماها وهو بيزعق في وشها:
إيه القرف ده؟ بعد كل التأخير ده آكل القرف ده؟
بشرى مردتش وبصت في الأرض بكسوف، فقامت موشجان وقالت بنبرة كله انتصار:
هأعملك حاجة سريعة يا عمي.. متضايقش نفسك..
زعق حماها بحدة:
ولما أنتِ بتعرفي، معملتيش ليه من الأول قبل الكارثة دي؟
موشجان مردتش وقالت:
مش هأتأخر يا عمي..
ساب الحاج حسين السفرة بغضب وبص لها بنظرة قوية، في حين أليف قالت:
ماما، أنا جعانة..
حست بالعجز والكسوف قدام عيون آيهم اللي كان بيراقبها، وقام وساب الأوضة وهو بيقول ببساطة:
لما تخلصي إكل عيالك، عايزك في مكتبي..
مطلبش ولا سأل، ده أمر.. حتى مبصش ليها.. تنهدت بضيق وجريت تدور على حاجة تأكلها لعيالها.
خبطت على باب مكتبه ودخلت أول ما سمح لها.. قاعد ورا مكتبه الأبنوس الضخم ومربع رجله، وحاطط نظارته الطبية على مناخيره وبيقلب في ورق قدامه.. قالت بغيظ في سرها وهي تفتكر جوزها المرحوم في نفس الجلسة: “الحياة بتمشي ومبتوقفش على حد.. ورثت منه كل حاجة، ورثت شغله وفلوسه وحتى مراته وعياله ورثتهم منه..” رجعت تقول بقلة حيلة وبصوت واطي: “لله الأمر من قبل ومن بعد..”
رفع رأسه فجأة لما سمع همسها وقال:
بتقولي إيه؟
ردت بثبات:
مفيش، بذكر ربنا بس..
بص لها نظرة طويلة مش مصدقها وقال بسخرية:
ماشي يا ست الشيخة.. تعالي اقعدي.
أخدت كرسي قدام مكتبه وقعدت، ورفعت وشها الهادي والثابت ومستنية كلامه.. رجع يبص في الورق اللي قدامه ويقرأ بتركيز، ورقة ورا ورقة.. تنهدت بضيق.. وبصت لملف تاني فيه ورق كتير.. هي هتفضل مستنية كل ده؟ وسألت نفسها هو نادى عليها ليه؟ بدأت تخبط بصوابعها على المكتب، فرفع عينه للحظة وبص لصوابعها وا تضايق، وقال بنرفزة:
بس.. بطلي!
صوابعها وقفت عل طول وفردت إيدها على المكتب وسألت:
طيب قولي عايزني في إيه؟ أو أمشي ونتكلم في وقت تاني عشان معطلكش..
قامت عشان تمشي، بس وقفها صوته الناشف:
اقعدي.. مأذنتلكيش تمشي..
قعدت بشرى فوراً وقالت:
هو أنا محتاجة إذن؟
رد آيهم وهو بيبص في عينيها الحادة:
أيوة، محتاجة إذن..
كانت هترد وتعترض، بس كلامه وقفها وهو يرفع إيده في وشها فبلعت كلامها:
قبل ما لسانك يقول كلام ملوش لازمة، هأرد عليكي وندخل في الموضوع عل طول..
وبص لعبايتها السودا وقال:
شايفك لسه مصممة على رأيك؟
ردت بهدوء:
شيفاها حرية شخصية محدش ليه دعوة بيها..
عقد حواجبه وقال بصوت واطي:
يعني إيه محدش ليه دعوة؟ هو أنتِ مسؤولة عن نفسك؟
ردت بهدوء:
أيوة.. أنا طول عمري ست حرة..
صوت آيهم علي شوية:
حرة! اسمعيني كويس وافهمي كلامي مش هأعيده تاني.. أنتِ مراتي من يوم ما مضيتي على عقد الجواز.. وأنا مش هسمحلك تتخطيني.. (وسكت للحظة وقال بسخرية) أو تعيشي دور الحرة.
كانت عاقدة حواجبها مع كل كلمة بيقولها بس ساكتة.. رجع يتكلم وهو بيشاور على لبسها:
أولاً، مش عايز نقاش مع أبويا، اللي يقوله يتنفذ.. وهو مبيطلبش حاجة مستحيلة، كل اللي عايزه إنك تقلعي الأسود ده.. مأظنش الموضوع صعب..
زعقت بشرى ومقدرتش تمسك نفسها أكتر:
أنتوا هتفرضوا عليا ألبس إيه؟! أنا جوزي مات و…
قاطعها آيهم بحدة:
ومات من إمتى؟.. أنا جوزك دلوقتي.. إبراهيم مات الله يرحمه، أما أنا فحي يرزق ولما ربنا يعوز أمانته هياخدها، ولغاية ما الوقت ده ييجي أنتِ مراتي وواجب عليكي تطيعيني..
اتنفضت بشرى من مكانها وزعقت فيه:
أنت إزاي بتتكلم كده بكل البرود ده؟! ده أخوك اللي مات! إزاي قادر…
كلامها وقف لما لقت دموعها نزلت، وهو وقف وزعق:
أيوة أخويا، ومش أنتِ اللي هتقوليلي أحزن عليه إزاي أو تحكمي عليا.. أنتِ دلوقتي مراتي.. أنا مغصبتكيش على الجوازة دي ومجبرتكيش..
ردت بضعف ودموعها نازلة:
أبوك اللي عمل كده.. أبوك اللي جبرنا..
وقعدت بتعب على الكرسي.. قلبها لسه بينعي حبيبها، حتى ضحكة عيالها بتفكرها بيه..
فضل واقف للحظات بيراقب دموعها، وبعدين تنهد بضيق وقعد على كرسيه تاني وهي موطية رأسها بتمسح دموعها بظهر إيدها.. رجع يتكلم بنبرة هادية:
ماشي، يمكن أنا اللي لازم أخيرك.. لو عايزة الطلاق هطلقك بكرة..
رفعت رأسها وبان في عينيها الأمل، هي حاسة بالجوازة دي زي حبل المشنقة كل ما الأيام بتمر بيضيق أكتر.. قالت بلهفة:
بجد؟ بتتكلم جد يا آيهم؟
حرك كتافه بلا مبالاة:
وهأكذب ليه؟ هأخاف منك مثلاً؟
تجاهلت تريقته وابتسمت ومسحت دموعها بصوابعها وقالت:
خلاص، نروح بكرة للمأذون ونخلص الموضوع ده..
رد بهدوء:
ماشي..
بصتله بابتسامة واسعة.. أخيراً هتخلص من الجوازة دي.. أخيراً.. وافتكرت حاجة فقالت بسرعة:
يمكن وجودي هنا بيضايقكم، فأن أ ممكن أروح بيت أهلي.. وممكن نتفق على مصروف شهري ليا وللعيال من ميراث إبراهيم..
رفع إيده في وشها عشان يسكتها وعينيه ضيقت وعقد حواجبه:
حاسبي.. حاسبي.. هتروحي فين؟ وميراث إيه؟
ابتسامتها اختفت وتفاؤلها راح وعينيها وسعت بصدمة وقالت بصوت ضعيف:
مش أنت قولت هطلقني؟
رد بثبات:
أيوة قولت..
رجعت تسأل بنفس الصوت:
أنا عارفة إن موشجان بتضايق من وجودي، عشان كده هأسيب البيت وأقعد عند أهلي..
سألها بهدوء:
ومين بقى اللي هيسيب العيال يمشوا؟ أنتِ عايزة أبويا تجيله جلطة؟
تنهدت بحزن ووطت رأسها باستسلام وقالت:
خلاص مش هأمشى، هأقعد هنا..
طلع علبة السجاير من درج مكتبه وولع واحدة وهو بيراقبها بنظراته، وأخد نفس طويل كتمه في صدره وعينيه مانزلتش من على رأسها الموطية، وبعدين أخرجه مرة واحدة وطلع سحابة دخان حواليه.. وسألها بهدوء:
ومين قالك إن إبراهيم ليه ميراث أصلاً؟
رفعت رأسها وبان عليها الحيرة وقالت ببديهية:
أكيد ليه ميراث..
نفض رماد السيجارة في الطفاية وسند ظهره على الكرسي وبص لها نظرة طويلة وقال بهدوء:
أخويا الله يرحمه مكانش يملك أي حاجة.. أبويا ما كتبش ليا ولا ليه أي حاجة باسمنا..
الكلام نزل عليها زي الصدمة.. مكانتش تتخيل ده.. كانت دايماً فاكرة إن شغله لوحده ووجوده المستمر في شركة أبوه، وإن حماها ساب الشغل وقاعد في البيت، يبقى أكيد كتبله حاجة..
رجع آيهم يتكلم وهو بيراقب رد فعلها:
حتى عربيته باسم أبويا.. وعربيتي كمان.. باين إن الموضوع صدمك..
قال جملته الأخيرة بتريقة وشك في نواياها.. وهي فهمت قصده فاتنفضت واقفة وزعقت في وشه بحدة:
أنت فاكرني بدور على فلوس لنفسي؟!
لوى شفايفه وحرك كتافه بلا مبالاة وقال:
قولي أنتِ..
شهقت ومش مصدقة.. هو فاكرها بجد بتدور على الفلوس والثروة؟ دي بتدور بس على مصاريف لعيالها.. ردت بحدة:
أنا مطلبتش من أخوك طول جوازنا حاجة واحدة زيادة.. أنا بس محتاجة حد يصرف على عيالي..
فضل يسمعها ببرود، ولما خلصت كلامها قال بهدوء:
اقعدي يا بشرى..
بصتله للحظة وبعدين استسلمت وقعدت، وهو طفى السيجارة في الطفاية وشبّك صوابعه قدام وشه وقال:
مبدئياً، إحنا مش هنرمي عيال إبراهيم عشان تدوري على حد يصرف عليهم.. والميراث مفيش حاجة نتكلم فيها.. والطلاق أنا مممانعتش، لو عايزة دلوقتي هأجيب المأذون حالاً..
ردت بسرعة وهي بترفض بإيدها:
لأ.. أبوك هيعرف.. خلينا إحنا نروحله..
عقد حواجبه وضيق عينيه وقال بحيرة:
أبويا هيعرف.. وأنتِ فاكرة إني هطلقك من غير ما أقول لأبويا؟ أكيد هأقوله..
عينيها وسعت وقالت بسرعة:
بس.. أبوك هيرفض.. وساعتها..
قاطعها بصرامة:
مش شغلك.. لو عايزة الطلاق هطلقك.. أبويا مش هيقدر يمنعني..
قالت بهذيان كأنها بتكلم نفسها:
بس هو هيحرمني من عيالي، هيخليني أسيبهم وأمشي..
رد آيهم بثبات وبرود:
ده موضوع ماليش دعوة بيه..
بصتله والأمل ضاع منها قدام نظراته الحادة والباردة، وتنهدت بضعف وقالت باتهام:
بتلووا دراعي بطريقة غير مباشرة.. ماشي، مش عايزة طلاق..
قال آيهم:
قولتلك الموضوع ماليش دعوة بيه ودي مشكلتك مع أبويا مش معايا.. بس لو اخترتي تكملي الجواز فأن أ عندي شروط..
عينيها وسعت ومش مصدقة وقالت بزعيق:
وعندك شروط كمان؟!
بص لها بحدة وولع سيجارة ثانية وعينيه في وشها وقال:
وطي صوتك.. أولاً، أنتِ مراتي يعني كل اللي أطلبه يتنفذ من غير مناقشة، ولو عايزة حاجة تطلبيها مني، ولو عايزة تروحي في أي حتة تاخدي موافقتي الأول.. يعني ليا كامل حقوقي كزوج..
قاطعته بسخرية باينة، فبص لها بحدة وقال:
ولو عايزة تكملي الجواز ونقسم ليالي الأسبوع مع موشجان، معنديش مشكلة ومش هأمانع..
هنا شهقت بقوة ومش مصدقة إنه بيكلمها كدة.. حاسة بيه كأنه غريب عنها ومش قادرة تتقبل فكرة إنه جوزها.. عشان كده زعقت بحدة:
أكيد مش عايزة.. هتفضل طول عمرك عم عيالي وبس!
رفع إيده يوقفها.. الحركة المعتادة منه كأنه سلطان على الكرسي، ملوش غير الأمر عشان يتنفذ فوراً، ولو رفع إيده كأنه بيقول للكل يسكت.. هكذا حست معاه.. قال بهدوء:
أولاً، أنا كمان مش عايز، أنا بس كنت بسأل عشان أطمن على رغبتك.. ثانياً، أنا جوزك ومش عم عيالك وبس.. حطي ده في حسابك..
عقلها كان فيه مية فكرة وفكرة، ومشاعرها متلخبطة، وهو عمال يدخن سجارته وبيراقبها ببرود.. قالت:
مراتك متبطقنيش..
هز كتافه وقال بلا مبالاة:
شغل الستات ميهمنيش ومش هأشغل بالي بيه.. بس أعتقد ده طبيعي.. ولا إيه؟
بيتريق عليها وهي عارفة، بس لخطبتها خلتها ساكتة ومش قادرة ترد، وهو بيراقبها ومبسوط بلخبطتها وقلة حيلتها.. فضلت دقايق ساكتة وماسكة جبهتها كأنها بتفكر في حاجة صعبة.. رفعت عينيها وبصتله، والنظرة طولت وحست بالكسوف فقامت تمشي بسرعة، بس وقفها كلامه الساخر:
شوفي حل لعكك في الأكل ده، عشان معدتي مش هتستحمل القرف ده تاني..
التفتت ليه وقالت بغيظ:
وأنا أعمل إيه؟ ما أنا مبعرفش أطبخ.. خلي مراتك تطبخ وأنا هأعمل باقي شغل البيت..
ابتسم لأول مرة من ساعة ما قعدوا، وبانت غمازات في وشه ملمحتهاش قبل كده، وقال ببرود:
أنتِ بقيتي مراتي زيها، وأنا بحب أكل البيت.. يبقى لازم تتعلمي..
لوت شفايفها بضيق ومفيش بإيدها حاجة تانية، وهو كمل كلامه ورجع يبص للورق:
وم تلبسيش الأسود ده تاني..
بصتله بعيون تايهة وسألته:
أومال ألبس إيه؟
رفع عينه ليها وقال بتقرير:
اللبس اللي الستات بتلبسه في البيوت.. البسي زي موشجان..
ردت بغيظ:
مش هألبس زي حد!
ابتسم تاني:
خلاص، البسي اللي يعجبك ويعجب أهل البيت.. يلا امشي، عندي شغل..
بصت لـ رأسه الموطية بغلظة وغضب، وجريت برة وهي بتلعن أيامها في البيت ده.
ويل لشخصٌ تتنفسه أنثى..
كالغيمة بأحشاء صدره..
وكل الصلوات وعلاجات الأرق لن تجدي معه..نفعاً
لقاها نايمة على الكنبة بقميص النوم القصير ده، بلع ريقه بصعوبة وهو بيقرب منها، واتسمت على وشه ابتسامة ساخرة.. هو اللي اشترى الهدوم دي اللي كانت بتحلم تلبسهاله زمان.. قرب ناحيتها وحط إيد ورا ظهرها وإيد تانية تحت ركبها وشالها وهو بيبص لها بحب لما شاف ملامحها البريئة وهي نايمة.. بس إزاي؟! “حياة” وملامحها بريئة؟! مكانش مصدق، ولأول مرة من ساعة ما اتجوزوا يشوفها بالهدوء ده.. لأول مرة يشوفها من غير غضب ولا زعيق ولا تهديد.. لأول مرة يشوفها هادية كده بين إيديه، فاستمتع بالإحساس ده ومأهتمش هتعمل إيه لما تصحى.. شالها براحة ودخل بيها أوضة النوم وحطها على السرير ببطء وهو بيتأمل ملامحها اللي بيعشقها.. مش قادر يبطل يبص لوشها اللي كان جميل لدرجة تجنن! فضلت تضرب الغطاء برجلها لغاية ما شالته من عليها وبان القميص القصير لغاية الركبة.. فنام جنبها وهي مرتاحة بين أحضانه… ودفن رأسه في رقبتها عشان يستمتع بدفا أنفاسها…
يتبع…..
السادس
= تفاجأت غمزة باتصال جوزها الصبح بعد ساعة واحدة من وقته ما ساب البيت وراح شغله، عشان يبلغها ويؤمرها -زي السيد اللي بيمشي كلامه على الخادمة اللي ملزمة تطيعيه- إنها تنظف الشقة عشان إلهام جاية ضيفة عندها.. وقالها لازم تفرش الورد تحت رجليها.. وكمّل تنبيه عليها إنها تعاملها كويس وتستقبلها أحسن استقبال.. فالكونتيسا وافقت أخيراً على طلبه للبلواز منها.. المفروض كانت تغضب وتثور، بس العجيب إنها ما حستش بدا زي أي زوجة بتغير على جوزها.. بل كانت بتدعي ربنا إن الموضوع يتم من غير نكد أو مشاكل.. وإنهم يسيبوها بس في حالها وتفضل مستورة تحت سقف بيته.. سألت غمزة نفسها بتعجب وهي بتحط آخر الرتوش واللمسات الجمالية على شقتها: بس هو ليه هيجيبها هنا؟ ليه ما يستقبلهاش في شقة والدته أو يأخدها للشقة اللي هيعيشوا فيها؟ كملت شغلها، فماذا لديها لتفعله وهي اللي كانت إعرابها طول عمرها في جملة شاقة “مفعولاً به” ومش “فاعل”.. أيهم أصعب المُـــُر ولا القهر؟ ولا يا ترى الاتنين بطعم العلقم…؟؟!!
= عطرت الشقة بمعطر الجو.. لقت الساعة اللي على الحيطة مايلة شوية عن مكانها المظبوط، فجريت عليها عشان تعدلها، مش عايزة إلهام تشوف حاجة مش عاجباها.. ضحكت على نفسها وعلى طريقة تفكيرها وقالت في سرها: أنا باينة غريبة أوي والله…
= لبست عباية استقبال مناسبة لونها أزرق.. ما رضيتش تتزين عشان ما تعملش غيرة وضغينة ضدها، فجمال إلهام ما ينفعش يتحط في مقارنة قدام جمال غمزة الهادي.. فإلهام كانت طويلة ونحيفة ووشها أبيض وطويل ومناخيرها طويلة…
= قعدت في الصالة تستناهم وهي مجهزة العصير وطبق كبير فيه فواكه كتير…. وما هي إلا لحظات وسمعت صوت مفتاح بيتحط في باب شقتها.. واتفتح الباب عشان تشوف جوزها وبعلها… بيوسع الطريق لإلهام عشان تدخل من جنبه وهو بيقول بكل ود:
= اتفضلي يا إلهام.. اتفضلي ادخلي
= قامت غمزة عشان ترحب بيها ورسمت ابتسامة واسعة على وشها، وده خلا إلهام تندهش، بس بسرعة اتغلبت على دهشة وقلبتها لنفور واستنكار لما شافتها.. شدتها غمزة لحضنها.. وبستها وهي بتقول بفرحة:
= نورتي يا حبيبتى اتفضلي…
= بعدت إلهام عنها باشمئزاز ورفعت راسها لفوق بطريقة مبالغ فيها زي الطاووس، فبان مناخيرها الطويل للغاية بشكل ملفت للنظر.. ولما لاحظت غمزة اشمئزاز إلهام منها ومن لمستها كأنها حاجة مش نظيفة هتوسخها، قالت في سرها:
= أهو ما كانش ناقصني غير أم مناخير أبو قردان دي…
= لوحت غمزة بؤها، بس أحمد شدها من أفكارها وهو بيبص لها بنظرة حادة ومحذرة.. وقال:
= مش عايزك تضايقي إلهام يا غمزة، وروحي هاتي العصير لنا أو أي حاجة
= قال كلامه ولف وهو واخد إلهام معاه ناحية واحدة من الأوض، عشان تسمعه غمزة وهو بيقول لإلهام:..
= اختاري الأوضة اللي تعجبك عشان تكون أوضتنا الرئيسية
= لفت غمزة وهي مندهشة… إيه ده؟ هو هيتجوزها هنا معاها؟ وقالت بصوت مسموع بس واطي جداً وهي بتلطم على خدها اليمين: يا وقعتك السودة يا غمزة…
= سمعت المدعوة إلهام دي وهي بتتشرط على جوزها وتقول: بس أنا عايزة عفش جديد…
= سمعت جوزها بيقول بكل نعومة وطريقة كلام ما سمعتهاش منه من أيام الخطوبة.. قال:
= أنتِ تؤمري يا إلهام.. طلباتك أوامر..
= هنا زاد غيظ غمزة، مش على جوزها، ما كانتش مهتمة بيه أصلاً.. بل على شقتها.. على مكانها اللي بيحميها، فكانت فاكرة إنه بجوازه من إلهام هتخلص منه ويبعد عنها.. لكن المكان ده اللي بيلمها وبتتحمل علشانه كل اللي بيحصل لها.. لا.. وألف لا.. فصرخت بجرأة ما تعودتش عليها في نفسها: عفش إيه..؟؟ وعن أنهي أوضة بتتكلم الكونتيسا.. هي هتقعد معايا في شقتي؟؟!!
= لفوا هما الاتنين لما سمعوا صراخها، فبص لها بنظرة حادة وهو كاتم غيظه وغضبه وقفل على قبضة إيده اللي بتخليه عايز يضربها زي ما اتعود.. بس حاول ما يظهرش الوش ده قدام إلهام عشان ما تخافش وترجع في كلامها عن الجواز منه.. ولما شافت غمزة نظرته الغاضبة دي، تراجعت شجاعة الأسد اللي جواها -واللي فاجأتها هي شخصياً قبل أي حد تاني- واتحولت لفار صغير من تاني، وقالت وهي بتتلعظم وبتحاول تسيطر على خوفها منه وهي بتتصنع الهزار:
= أنا .. أنااا افتكرت إنها هتقعد في شقة تانية…
= ومن كتر خوفها الواضح، بصت لها إلهام بنظرة نصر وفرحة.. فالبنت دي اللي من غير حسب ولا نسب أخدت منها حبيبها واللي كان بتاعها.. وها هي رجعت استردته تاني وقريب قوي هتطردها من حياته للأبد.. دا اللي دار في دماغ إلهام.
= أحمد قال وهو لسه بيحاول يكتم غيظه:
= إلهام هي اللي هتكون ست البيت.. وكلامها يمشي ويتطاع…
= رفعت إلهام راسها بغرور وفخر أكبر بنفسها، ونسيت إن الدنيا غدارة.. يوم ليك ويووم تاني -وربما أكتر- عليك.
= كبر الغضب والغيظ أكتر جوا غمزة اللي بتحاول ما تبينش ده، بس الموضوع كان صعب عليها جداً.. فأمرها أحمد بنبرة جدية وفيها شوية حدة:
= روحي هاتي العصير يا غمزة…
= اتضايقت غمزة في سرها، بس “أحمد” ما اهتمش بيها ورجع يشد إلهام معاه وهو بيقول برقة:
= ها يا حبيبتى قوليلي، هتحتاجي حاجة تانية..؟؟
= مشيت غمزة للمطبخ وهي بتلطم على خدها الغلبان وبتبرطم:
= يا مصيبتك السودة يا غمزة يا مصيبتك السودة…
= رجعت وهي شايلة صينية العصير والفاكهة.. لقتهم رجعوا قعدوا في الصالة.. راحت عندهم ووطت بجسمها عشان تدي كوباية العصير لإلهام اللي بتبص لها بتكبر، وأول ما أخدتها منها، قالت غمزة في سرها: بالسم الهاري إن شاء الله… مطرح ما يسري يهري.. آمين يا رب.
= أما إلهام، فأعدت تشمشم فيه وهي قرفانة وبعدين رجعته لها تاني وقالت:
= مش عايزة
= لف أحمد ليها وبيصالحها: ليه يا حياتي… اشربي دا الجو حر
= ردت إلهام وقالت: لا.. مش عايزة… أنا هروح عند خالتي..
= مشيت إلهام ناحية الباب، فلوحت غمزة بؤها ورا ظهرها وبتقلدها بطريقة تضحك وبتعيد نفس كلمتها الأخيرة من غير ما تطلع صوت، فبص لها أحمد بحدة وهو بيتوعدها وبيقول:
= الحساب هيجمعنا، هروح أشوف إيه اللي زعلها؟؟؟
= قالها وخرج يجري ورا إلهام، وساب غمزة المندهشة واللي لوحت بؤها وهو بيقفل باب البيت، وقالت بصوت مسموع للباب كأنه شخص عاقل بيفهم كلامها: زعلت… زعلت من إيه؟؟ مين فينا اللي المفروض يزعل !!!… هي الآية اتقلبت؟
= رجعت تقول وهي بتضرب كف على كف: بتكلمي مين يا غمزة… بتكلمي نفسك؟ مخك لسع خلاص… يادي النيلة عليا
متعب هو الليل ….!!!
يحاول أن يجمع مابيننا مجددا
مرهق هذا الليل بنا.لا وجع يحتمله او يحتملنا….
هو طويل وفراقنا أطول منه لا مزيد من الليالي الحالكة
لا مزيد
دع مجالا للصلح والابتسامة …افسح لها…..!!!!!
لا تقلق المفردات بمن ابتدأ الخصام
بك…
بي ….
بكلينا ….
المهم الآن ……أن نبحث عن مساحة صغيرة ……
لإعادة الود إلى قواعده مرة أخرى…
= بتعدي الحياة وبتمر الأيام وبتفضل الذكرى.. ذكريات أيام زمان، فمنا اللي بيشتاق ويحن ليوم عدا كنا فيه فرحانين كأننا فوق السحاب، ومنا اللي بيدعي ينسى.. دا اللي عملته.. بتدعي ليل ونهار إن ربنا يرزقها نعمة النسيان.. أيوا نعمة.. نعمة ما يعرفهاش غير اللي داق نار الحب.. نار ذكريات لسه بتحرق قلبها وبتضيع من أيام شبابها.. سنين عدت حاولت تتغاضى وما تفكرش في الموضوع لحد ما افتكرت إنها نالت النعمة دي وربنا كرمها بالنسيان، بس أول ما عينيها جت عليه عرفت قد إيه كانت غلطانة، فعقلها خدعها واتفاجأت إنه مخزن كل ذكرى جمعت بينها وبينه، وفتح كل الدفاتر القديمة عشان يولع نار قلبها من تاني.. الساعة دلوقتي عدت اتنين بالليل.. أول ليلة ليها في البيت ده، بيفصل بينها وبين اللي قلبها بيدق عشانه سقف واحد، وكم كان الموضوع سهل عليها زمان لما كان بيفصلها عنه كام كيلو.. مسافة أمان لسلامة قلبها.. بس مش السقف بس هو الفاصل بينهم دلوقتي، بل بقى بينهم شرع وقوانين تمنع مجرد التفكير حتى.. قاعدة قدام تلفزيون ضخم في أوضة المعيشة لعله يشغل عقلها شوية بعيد عن عذابها الداخلي.. قاعدة نص ممددة على الكنبة ولمة رجليها تحتها، ساندة ظهرها وراسها المليانة هموم على كف إيدها المفرودة على الكنبة، بتقلب في قنوات التلفزيون ببرود وبالها شارد.. عقلها غايب تماماً مش بيفكر غير في شخص واحد بس، كل حتة في جسمها بتنطق باسمه وبتشم ريحته.. ما اهتمتش أو لاحظت حتى إن جوزها ما جاش لحد الساعة المتأخرة دي.. بل كل اللي شغل بالها ذكرى قديمة وسؤال مش بيفارق دماغها.. أنا غلطت في إيه؟ وكان المفروض أعمل إيه عشان ما يحصلش كل اللي حصل؟ رمت الريموت بعيد بزهق ونفخة حادة، فوقع بعشوائية وإهمال على كرسي في زاوية الأوضة.. والحاجة اللي وقفت عليها القناة بالصدفة كانت سبب عشان تولع الجراح تاني.. سمعت صوت الفنانة أم كلثوم القوي وهي بتغني كلمات خلت عينيها تنزل الدموع وتطلع الكبت اللي في صدرها لحد ما بقى مجرد النفس معجزة بكل المقاييس..
الليل
ودقت الساعات تصحي الليل
الليل
وحرقة الأهات في عز الليل
وقسوة التنهيد
والوحده والتسهيد
لسه ما همش بعيد
وعايزنا نرجع زي زمان
قول للزمان ارجع يا زمان
وهات لي قلب لا داب ولا حب
ولا انجرح ولا شاف حرمان
من ناري من طول لياليه
ناري ناري ناري
وفرحة العذال فيا
من قسوتك وانت حبيبي
وقسوة الدنيا عليا
بيني وبينك وهجر وغدر وجرح بقلبي داريته
بيني وبينك ليل وفراق وطريق انته اللي بديته
بيني وبينك ليل وفراق وطريق انته اللي بيدته
تفيد ب أيه يا ندم يا ندم
وتعمل ايه يا عتاب
طالت ليالي ليالي الألم
وتفرقوا الأحباب
كفايه بأه تعذيب وشقى
ودموع في فراق
ودموع في لقى
تعتب عليا ليه
انا ب ايديه ايه
فات الميعاد فات الميعاد
= والدموع بتنزل من عينيها على حب بيوجع ومؤلم ملوش أمل ولا مستقبل، ولسانها بيردد بوجع..
ياما كنت اتمنى قابلك ببتسامة
أو بنظرة حب او كلمة ملامه
بس انا نسيت الأابتسام
زي ما نسيت الأالام
والزمن بينسي حزني وفرحي ياما
ان كان على الحب القديم
ان كان على الجرح الأاليم
ستائر النسيان
نزلت بقالها زمان
ان كان على الحب القديم واساه
انا نسيتوا انا
= يا ريت كمان وكمان تتناساه.. أنا أنسى روحي يا آدم ولا عمرى أنساك.. الموت أسهل من نسيانك يا ابن العم، صعب أكيد.. زاد شهيقها بالبكاء وهي بتحاول تريح صدرها الوجعان والمكسور.. بس ما كانتش تعرف وقتها إن إيد أختها كمان وقفت على نفس القناة وبتسمع نفس الأغنية بس بطعم تاني وبوجع تاني.. يمكن غلطت زمان.. يمكن ذنبها كان كبير.. يمكن دا عقابها.. بس هي بتدي نفسها كل العذر، دي كانت صغيرة.. صغيرة ما تعرفش الدنيا غير بين إيدين آدم.. صغيرة وحمقاء ومتهورة، فالزمن كان كفيل ينهي تهورها وحماقتها، وكان هو.. آدم، اللي أداها قوتها وصلابتها.. بس عقلها رافض.. كل ده ما يدلوش الحق إنه يدمرني.. يلوثني.. يغتصب شرفي وفرحتي.. مهما كان مش هقدر أتغاضى.. مش هنسى ومش هحطها في خانة النسيان.. يارب الهمني الصبر ونعمة الغفران والنسيان..
= بصت للتلفزيون وبقوة مليت كيانها المتألم، ردد لسانها وهي بتجز على سنانها: مش هكون ضحية تاكلها ببؤك زي ما أنت عايز، هوريك يا آدم… وحياة ربنا لأخليك تدوق من نفس الكاس.. وحياة ربنا لأخليك ندمان وراكع على ركبك بتطلب السماح ومش هدهولك… وفي عينيها اتجمدت دمعتين رفضوا ينزلوا، زي ما نشف قلب صاحبتهم.. ورغم الحر الشديد حست بموجة برد بتمشي في عضمها، فلفت شال حوالين كتافها وضمته لصدرها فوق جلابية بيت خفيفة ما اهتمتش تغيرها.. قعدت القعدة دي بعد ما صدرها ضاق من نفسه المخنوق في أوضتهم.. عايزة تصرخ، ترفض، تضربه بكل قوتها ومش بس تخربشه خربوش سهل يتداوى زي ما عملت من شوية، فما زال بيغصبها على قربه.. بس إيه اللي يفرق؟ ما عادش انتهاك الجسم يفرق بعد انتهاك الروح.. بس فيه بركان في صدرها.. نار بتغلي وتولع.. جحيم عايشة لوحدها فيه… لا، بل آياز كمان.. عارفة إن أختها عايشة في نفس الجحيم، لأن إرادتها هي كمان اتغصبت.. آياز.. أهو أذتها تاني.. أهو سببت لها ألم تاني.. وأهو دموعها الرافضة بتنزل بغزارة على خدودها لما افتكرت أختها.. يا لمصيبتك يا حياة.. إزاي قدر يعمل كدا معاها؟ مش هتقدر في يوم تصدق وهتفضل عملته علامة استفهام كبيرة مالهاش أي جواب منطقي.. رجعت راسها لورا وسندته على ظهر الكنبة باستسلام بتدور على الراحة، وغمضت عينيها اللي بتنزل دموع وقفلت دراعاتها فوق الشال على صدرها.. وقف هو على عتبة باب الأوضة يتأملها، بيراقب دموعها بقلب موجوع وحزين بيتعصر ألم لألمها، بس يعمل إيه وحبها وعشقها بيجروا في دمه.. قربها هو الهوا بتاعه.. وبعدها معناه إعلان وفاته.. طول السنين اللي فاتت كان زي الآلة، بيحلم كل ليلة بقربها وبحبها وبعدين يصحى على وجع ونار بعدها.. حتى رؤيتها من بعيد وعلى غفلة منها قدام بوابة جامعتها بحيويتها وجمالها وشقاوتها ما خففتش ألمه، بل زودت نار شقاه وولعت عشق عايز يمتلكها.. حبيبته الصغيرة رافضة حضنه.. رافضة قربه وكمان مش بتتأخر في أذيته.. لمعت عينيه بدموع زي دموعها بتشيل نفس الألم ونفس الوجع.. قرب برجليه الحافية على الأرض الرخام فما طلعش صوت لحركته.. اكتفى بس بإنه لابس بنطلون البيجامة، أما صدره العريض ففضل عاري، كأنه عايزها تشوف فيه صورتها اللي وشم بيها قلبه زي اللعنة اللي صعب على كل السحرة يفكوها.. قرب منها أكتر وهي لسه مش حاسة بوجوده، ولسه سرحانها في عالمها الحزين واخد عقلها وقلبها وروحها، ويمكن ملوش لوم.. يمكن اللي عمله غلط بس كان الطريق الوحيد لنجاته.. فإزاي حد يلوم الغريق اللي قرب يموت لما يتعلق بقشة عشان ينجى.. قرب وقعد جنبها، فجسمها اتنفض فجأة وعدلت قعدتها واتزحلق الشال من على كتفها وبصت له بحدة وصرخت في وشه:
= عايز إيه .. ؟
= راقب ملامحها الحادة ودموعها وببطء رفع صوابعه عشان تلمس خدودها الناعمة ويمسح دموعها الغالية وهو بيراقبها دمعة دمعة.. بص لعينيها الفيروزي بحزن ووجع لأنه هو السبب فيهم.. زقت صدره بإيدها الاتنين بتبعده عنها وهي بتصرخ:
= ابعد .. ابعد هو أنت ما شبعتش؟ عايز مني إيه؟ أنت مريض ..
= وبدراعاته القوية شدها غصب عنها لصدره وهو لافف دراعاته حوالين ظهرها.. وصاح بوجع وهو بيضمها جامد:
= أيوا مريض .. مريض بحبك وهواكي.. يا ريتني كنت أقدر أشيله من قلبي.. يا ريتني كنت أقدر أقطع أوردتي وشراييني عشان أخرجك من دمي.. أنتِ زي الهوا والمية.. من غيرك أموت يا حياة.. أموت..
= كانت بتبكي قهر على صدره بعد ما فشلت كل محاولاتها عشان تخلص من قيده.. وهو بيضمها أكتر لصدره كأنه عايز يدخلها بين ضلوعه وقلبه ويقفل عليها بروحه ودمه، فمش هيكون فيه مفر منه إلا بموته.. ضربت ظهره بكفوف إيديها وهي بتصرخ فيه:
= طب اموت.. مش عايزاك.. مش طيقاك.. موت يا آدم.. ريحني شوية.. ابعد عني..
= رجعت خربيشه تنزف دم.. بعد عنها شوية وجسمها لسه سجين في دراعاته، وبص لوشها ولعينيها اللي طول عمرها بتسحره بسحرها.. بتوجعه معشوقته.. بتهلكه.. بتحسسه بالعجز مع كل كلمة بتطلع من لسانها.. عينيه اتملت بحزن بائس زي موج حزين مكسور بينعي ليلة غاب قمرها.. أما هي فعينيها لمعت بدموع ثائرة وشرار ذهبي بيتوعد بحاجات كتير ورافض الاستسلام والهزيمة.. ساب دراعاتها وقام وساب الأوضة وخرج وهو ساكت.. قعدت تعيط بوجع وحطت وشها بين إيديها.. بتبكي ويا ريت البكاء بيريح، دا بيزود الوجع.. وما عدتش لحظة حتى ودخل الأوضة تاني، والمرة دي إيديه مش فاضية، بل كانت إيده الشمال شايلة سكي..نة حامية.. رفعت راسها أول ما حست بخياله.. وبصت للسكي..نة بنظرة حادة ورفعت عينيها ليه وسألته وهي مش فارق معاها مصيرها:
= هتقتلني يا آدم؟.. صدقني أنت عملتها قبل كدا، والمرة دي مش هتكون بتوجع أكتر، بل هتكون أريح بكتير..
= بيبص لها بعينين حزينة على الوضع اللي وصلوا ليه، ما رمشتش لما رفع السك..ينة ومداها ليها وقال بثبات وعينيه في عينيها:
= لا يا حياة… أنتِ عيشتي موتي وأنا ههديكي الطريقة.. يلا يا حياتي خدي بـتارك.. ريحيني يا بنت عمي.. مش هقاومك المرة دي..
= بصت له بعينين ثابتة وشافت لمعة دموعه في عينيه، دموع شخص عاجز.. رجع يصرخ بصوت تخين ومنفعل..:
= يلا يا حياة.. ريحيني.. اقتليني يا حياة.. اقتليني..
= فضلت تبص له وهي ساكتة، فصاح فيها بصرامة:
= يلا قومي وخدي بـتارك..
= فضلت ساكتة، فصرخ فيها بقوة:
= يلا قومي.. قومي…
= ملقاش قدام صراخه غير إنها تقوم وتقرب وعينيها بتبص له بحيرة متألمة.. هو عايزها تقتله؟ هو عايز كدا بجد؟ نقلت عينيها للسك..ينة الحامية.. هو ينفع تاخد بتارها؟ هو ينفع؟ لمعت نظراتها ببريق الدم وشردت للحظة فشافت السكي..نة وهي بتذبح شريانه الرئيسي في رقبته.. ودمه بيلطخ المكان وبيطهر ذنبها.. لمعت عينيها فما حستش بالخطوات اللي فاضلة وهي بتمسك السك..ينة بنشوة دم وممانعهاش هو بل سلمهالها ببساطة.. مسكتها وقلبتها في إيديها بسعادة.. تارها على بعد خطوة أو اتنين منها.. وبنشوة طيرت عقلها وبريق نور عينيها بشكل يخوف، أحكمت مسكتها للسك..ينة ورفعتها بقوة قد قوة ألمها ووجعها وبشاعة ذنبه في حقها، ورجعت ظهرها لورا وهي بتستعد تضربه ضربة قوية في صدره.. بس أول ما رفعت عينيها لعينيه اللي بتبص لها باستسلام، وقفت إيديها واتشلت ودمعت عينيها حزن وأسى.. غمضت عينيها عن نظرته وحاولت بل وأمرت دراعها يضرب الضربة بس دراعها ما نفذش وقلبها ما طاوعش وفي عقلها تردد بوجع:
= إزاي عملتها يا ابن عمي قبل كدا؟ إزاي دارت سكينتك وغرزتها في قلبي؟ إزاي قدرت توجعني؟ آه.. آه..
= وطلعت صرختها عالية.. صرخة ألم ووجع واستنكار مع خيبة فشلها في التار.. ووقعت السك..ينة رشقت في السجادة تحت رجليها زي ما كانت هترشق في قلبه وتنهي أنفاسه.. وقعت زي ما وقعت دموع خيبتها وفشلها.. فعدى الخطوات اللي بينهم وضمها لصدره بيحتضن حزنها وبؤسها وجنب ودنها قال بنبرة عميقة وتخينة:
= طالما ما قدرتيش تقتليني، يبقى اسمحي لي أعيش..
= ودفن راسه في رقبتها بيبوسها بنهم وعشق زي اللي قرب يموت وكانت هي الهوا بتاعه.. بيضمها بشغف وبياخد من جمالها وريحتها.. بيمشي كفوف إيده على ظهرها بشوق جارف.. شوق بيتجدد كل لحظة.. شوق مش بيشبعه مجرد لقاء.. شوق مش بيشبعه غير إنه ياخد الروح.. روح صاحبتها مستخسراها فيه.. وطلعت شهقاتها عالية كأن روحه بتطلع من جسمها.. قال جنب ودنها بنبرة عميقة..:
= وجعك بيقتلني.. ألمك بيقتلني.. حزنك بيقتلني.. تقبلي الأمر بس يا حياة.. تقبلي الأمر..
= بعد خطوة وحط دراع تحت فخاذها ودراع تاني لف بيه كتافها وشالها لأوضتهم.. هياخدها ومش هيمنعه حد عنها حتى لو كانت هي.. مش هيمنعه غير إن روحه تطلع من جسمه، أما هي فكانت زي الطير الذبيح، جسمها بيتنفض رفض لواقع بقى حقيقي.. لحياة بقى مفيش مفر منها.. بالظبط زي طير مذبوح بينه وبين الموت لحظات بس بيعاني الموت بالبطيء.
فضل الليلة كلها سهران جنبها يلمسها وهي نايمة.. يلمس وشها.. يلمس خصلات شعرها الطويلة اللي مغطية كل حتة جنب وشه.. ما أجمل شعرها.. زي الذهب والعسل مع بعض… طويل.. طويل.. بقى يدخل صوابعه بين خصلاته الطويلة ويقربها من وشه عشان يحس بنعومتها.. لحد إمتى… لحد إمتى هيفضل يرضى بأقل القليل منها؟ لحد إمتى هيتعذب.. ولحد إمتى هيعذبها….
” يصبح الحزن مضاعفاً حين تفقد من لا يعلم بأنك حزين لفقده ..! ”
نايم على سريره بيراقب شروق الشمس بنورها القوي من ورا ستارة شباك أوضة نومه اللي ضلمها فكان دا ضوءها الوحيد.. زهد الدنيا.. الأكل وحتى الشرب.. زاهد حتى في نفسه.. ولاده الاتنين بإيده وداهم لأخوه.. رجع بالذاكرة لسنين فاتت في اليوم اللي شقلب حياته رأس على عقب.. لما رجع السرطان يهاجم مراته شريكة عمره.. وصدى صوت الدكتور مش بيفارق ودنه.. كأنه عزف موت بيهدد حياته.. لما قاله الدكتور المعالج إن العلاج ما عادش بيجيب نتيجة وكل محاولاتهم بعد كدا عشان يبدأوا طرق جديدة في علاجها الأمل في نجاحها مش كتير.. وافتكر رغبة مراته في إنها تشوف بنتها الكبيرة آياز عروسة قبل ما تموت.. ومين يقدر يصون بنته ويسعدها..؟؟ غير ابن عمها الكبير آدم، كل كبار العيلة بيتمنوا يناسبوه عشان رجولته وشهامته وشطارته، تاجر ورجل أعمال رغم صغر سنه.. وليه لأ ما اطلبش من أخويا إن آدم يتقدم لخطبة آياز، ما هي أصلاً مكتوبة على اسمه من صغرها.. نفخ سليم بضيق وهو بيقول.. كان دا خطأنا وذنبنا اللي جنوه ولادنا.. سيبوا لأولادكم الاختيار، هما بس اللي تحدد المشاعر بوصلة قلوبهم..
= علي صوته بآهة حرقت قلبه الموجوع… لحد إمتى هيفضل الظلم قائم؟ لحد إمتى..؟ دا بعد بأسرته الصغيرة زمان بعيد عن أخوه.. واكتفى بيها.. هل هيسكت تاني؟ هل هيسمح لدائرة الظلم إنها تكمل؟ لما كان الموضوع بعيد عن بناته ما كانش بيهتم.. إنما دلوقتي الوضع اختلف.. ومش هيهدى له بال لحد ما ينتقم للي حصل لبناته الاتنين.. والله أعلم بوضعهم الحالي.. هيعمل كل اللي يقدر عليه عشان يوقف دائرة الظلم.. ويوقف أخوه عند حده.. لحد هنا وكفاية.. لحد هنا وكفاية.. ومن زوايا عينيه نزلت دمعتين سخنين.. وتاهت عينيه لذكرى عمرها سنين وسنين.. لما كان شاب في بداية العشرينيات.. يوم مشمس زي دا، قاعد والده بجلابيته ورا مكتب خشب في محله.. محل قماش.. وأخوه واقف مع الزباين بيهزر مع دي ويكلم دي، من أول يوم ليه وهو تاجر شاطر يبيع وما يشتريش إلا بأرخص الأثمان، وياما كان والده يزعق له عشان يتعلم منه أو يبص له بنظرة حادة كأنه بيكلم نفسه قرفان من خلفة الشاب الخايب دا.. يومها والده كان تعبان بضربات قلبه وحاسس إن الأجل قرب وبقى خايف على تجارته وشغله اللي شقي علشانه سنين، عشان كدا رجع يبص له بنظرة غليظة متضايق من خلفته ليه، وبعدين نادى لأخوه بعد ما مشيت آخر ست.. قعد هو وأخوه قدام والده اللي قال بقراره ونبرة صارمة قوية ما فيهاش نقاش:
= النهاردة كلفت الأستاذ نبيل المحامي يكتب المحل دا باسمك يا ضياء وهااا هي ورق ملكيتك..
وفي الوقت اللي فرح فيه ضياء ووشه نور بالبسطة، كانت الصدمة من نصيبه هو.. هو الهادي دايماً وأبداً.. هو الراضي دايماً بأي وضع.. قال باعتراض واطي:
= وأنا يا حاج.. ماذا عني؟
هنا قابله زعقة عالية من والده:
= ماذا عنك.. عايز إيه يا إبن أمك؟
= بلع إهانته على مضض، فدي كانت عادة والده إنه ينعته ويشبهه بوجع بانه خايب زي الستات.. رجع يقول بتلعثم:
= وأنا مش من حقي تكتبه بالنص بيني وبين ضياء.. ؟
= هنا صاح والده بغلظة:
= الفلوس فلوسي أنا.. وبتحاسبني.. يا لك من ولد ضال.. الموضوع إنني ابتليت بخالفتك.. امبارح نصبت عليك واحدة من الستات في مبلغ مش قليل وأنت زي الأبله.. وعايزني آأمنك على فلوسي وتجارتي؟ والله لتضيعها بين يوم وليلة..
وطى راسه لتحت مش عارف إزاي الست دي غفلته في الحساب ونصبت عليه، بس ما خلصش من توبيخ والده وأخوه طول اليوم.. رجع يقول بنبرة واطية:
= بس يااا…
= نهرة والده بعنف وقاطع كلامه:
= اسمع.. مش عايز اسمع صوتك.. دي فلوسي وأنا حر فيها.. وأخوك مش هيظلمك، هيقاسمك في الدخل بالنص بينك وبينه..
= ابتسم ضياء وهو بيقول بسرعة:
= طبعاً يا حاج.. كله بعدل الله.. مش هدخل جيبي مليم حرام.. لا تقلق يا أخي.. لا تقلق..
= وطى سليم راسه موافق باستسلام.. ويمكن دا كان غلطه يومها.. ما عدتش شهور قليلة إلا وتوفى والده وشاف على إيد أخوه الكتير والكتير.. رضي بالظلم يوم بس مش هيرضى تاني.. هيفضل يحارب ظلم أخوه ولآخر نفس في عمره، فلقد طال بظلمه بناته الاتنين حبيباته وقرة عينيه وكل اللي كان بيتمناه في يوم.. وفي الوقت اللي لسانه حاول يدعي بالرحمة لوالده بس ما قدرش، فالجرح لسه كبير ولسه بينزف.
قاعدة في الجنينة تحت مظلة كبيرة بتراقب الطفلين وهما بيلعبوا بالألعاب وقرب أذان المغرب.. النهاردة اتفاخرت موشجان باللي عملته من أصناف أكل كتير وكمان حلويات تعويض عن اللي عملته هي امبارح.. بتتعمد تهمش دورها ووجودها ومش هتجري هي عشان تثبت العكس.. كل اللي عايزاه إنها تنعم بشوية هدوء نفسي.. بقت تبص حواليها وحاولت تاخد نفس عميق وتستمتع بجمال الورد والخضرة حواليها.. جميل كل اللي خلقه الخالق الوهاب، وموسخ وقبيح كل اللي داسته رجل بني البشر.. لمحت موشجان واقفة عند عتبة باب الفيلا.. بصت لبشرى بنظرات ضيقة وحادة.. فالأنثى مسالمة ورقيقة بتتحول لقطة شرسة مبرزة أنيابها للي فكر وقرب من ممتلكاتها.. وكان هو ممتلكها الوحيد ومن تملك قلبها عشقه.. كانت خلاص هتمشي، فيكفيها بس تبين أنيابها من وقت للتاني.. نادتها بشرى بلهفة فلفت ليها ورفعت حاجب لفوق.. قامت بشرى وقربت منها بخطوات سريعة.. وقفت قدامها فبصت لها موشجان بنظرة تريقة وقالت بنبرة متهكمة:
= شايفاكي سيبتي نقابك كمان زي ما سيبتي الأسود..
= خدت بشرى نفس طويل وهي بتشجع نفسها وحاطة هدفها قدام عينيها وقالت:
= وهلبسه قدام مين؟ ..
= جزت موشجان على سنانها.. بتفكرها بوضعها الحالي.. واللي رفضته لشهور طويلة بقى حقيقة قدامها دلوقتي.. صحيح هو مش بيشاركها السرير بس مش كفاية إنها بتشاركها اسمه؟ ما بقتش هي لوحدها زوجة أيهم القواس.. بقت تشاركها هي كمان.. قالت بمضض:
= أيوا ما عادش فيه حد تتنقبي قدامه..
= شافت بشرى الحزن في عينيها وسواد خفيف تحت عينيها وصعبت عليها جداً.. بل كانت عايزة تطمنها.. قالت بشرى بمواساة:
= موشجان اسمعيني.. موضوع أيهم مش هاممني.. .
= بصت موشجان ليها وهي مش مصدقة وبعدين دارت وشها الناحية التانية متضايقة منها، فبصت بشرى حواليها وكانت تتمنى لو سمحت لها موشجان تاخدها في حضنها وتواسيها.. قالت بشرى وهي بتقترح:
= ليه ما نقعدش ونتكلم بتحضر..
بصت موشجان ليها بحدة وضيق وبعدين وافقت بمضض وهي بتبص لأليف وسامي لأنها وحشوها هما الاتنين ونفسها تاخدهم في حضنها..
= قعدوا هما الاتنين تحت المظلة الضخمة قدام بعض، كل واحدة قاعدة على كرسي خشب عريض.. بدأت بشرى الكلام..:
= ليه ما نفصلش بين علاقتنا والعلاقة اللي اتفرضت علينا؟ ليه ما تنسيش اللي حصل؟
ردت موشجان بحدة:
= عشان دا حقيقة وحصل.. أنتِ اتجوزتي جوزي..
= جاوبتها بشرى:
= جبر وغصب.. مش بمزاجي صدقيني..
= لوحت موشجان بؤها لجنب واحد، فرجعت بشرى تقول:
= خلينا ننسى أيهم يا موشجان.. خلينا ننساه ونتعامل مع الموضوع كأنه ما حصلش.. ما اتغيرش حاجة عشان تتغير نفوسنا..
= ردت موشجان وهي بتبص لوشها اللي احمر بحمرة فاتنة بسبب قعدتها بره مع الشمس اللي لسه طالعة.. :
= بل اتغير.. أنتِ بقيتي تكشفي وشك قدامه..
= ردت بشرى:
= وهل عايزاني أغطي وشي قدامه؟ تخيلي معايا.. هيقول إيه حمانا وقتها؟ أو لو عملتها في العلن قدام حد تاني هكون مسخرة ليهم وتريقتهم.. قولي كلام منطقي.. كمان أنا مش بالجمال والفتنة دي..
= تأملتها موشجان بغيظ، وشها الرقيق وملامحها الطفولية الجميلة اللي تاخد العقل.. زمان ما كانش يهمها جمال بشرى من عدمه بالذات وهي عارفة مقدار جمالها.. إنما دلوقتي الوضع اختلف.. هل خايفة إن أيهم يشوف جمالها أو يتفتن بيها؟ سكتت والنار بتولع في صدرها فهي لحد دلوقتي ما حملتش بطفل منه ولسه رابطها بيه ضعيف.. ضغطت على شفايفها من جوه بسنانها.. وبشرى بتقول: = خلينا نوقف الخلافات والمشاكل دي.. ننعم بس بشوية هدوء يا موشجان.. وصدقيني مش هقرب من أيهم.. هو بس عم لأولادي.. افهمي دا..
= سكتت تاخد نفسها.. عارفة إن سكوت موشجان لحد دلوقتي معناه إن محاولتها معاها بدأت تجيب نتيجة وعشان تثبت الهدنة دي نادت على الطفلين.. فجت أليف عندهم بخطوات ثقيلة وسامي جيه وراها، فصبت لهم بشرى بابتسامة أمل ناحية موشجان اللي عينيها اتعلقت بالطفلين بشغف:
= يلا روحوا خدوا خالتكم موشجان في الحضن..
وفي الوقت اللي هي متبسطة بحضنهم الطفولي ودفء نفسهم ومش فارق معاها عبايتها تتبهدل.. بس بتاخدهم في حضنها وتبوسهم بلهفة وشوق واضحين لعينين موشجان اللي اتنهدت راحة وقتها.. ومن ورا ستارة شباك مكتبه وقف هو يراقب بابتسامة على بؤه وهو بيقول:
= فوق جمالك عندك رجاحة عقل.. ذكية.. ذكية وجميلة… وعض على شفايفه بانبساط وهو بيردد… آه يا بشرتي الجميلة….
يتبع…..