حنان 1
:
الفصل الأول
بشرى كانت بتبكي بهستيريا.. مش عايزة تتجوز، ليه بيجبروها؟ بنت جميلة، جسمها رقيق ومتوسطة الطول، متدارية جوة عباية سودا واسعة وطرحة بنفس اللون مخبية شعرها الناعم اللي زي سلاسل العسل ونفس لون عينيها اللي بتلمع بشكل يلفت الانتباه.. عينين صغيرة بلون دهبي وفيها شرارات خضرا، مناخير مستقيمة وشفايف مليانة.. ركعت جمب راجل ضخم، أكبر منها بعشرات السنين، شعره شايب وجسمه مايل للبدانة.. وشه بمناخير صغيرة وعينين واسعين، وكانت ماسكة كف إيده وبتتوسل له.. شد إيده منها بعنف وهو بيرجع يبص من شباك الصالون، صالون بيتكلم عن ثراء وأناقة أصحابه ويليق بفيلا عيلة شمس الدين القواس.
اتشبثت بجلابية أمها اللي واقفة قليلة الحيلة ومش بإيدها حاجة قدام جبروت الحاج “حسين”، حما بنتها بشرى اللي صرخت بنحيب يقطع القلب:
أمي أرجوكي قولي لأبويا مش عايزة أتجوز.. مش عايزة أي راجل بعد جوزي المرحوم.. مش هأخد “أيهم” لو دبحتوني!
أمها ضمتها ودموعها نازلة بغزارة، حسرة على طفلتها اللي اترملت بدري وفي رقبتها طفلين مات أبوهم في يوم ميلادهم الأول.. حاولت تقنعها لأنها معندهاش القدرة تتحدى الحاج حسين وقراره، هما فقرا قدام نفوذه وفلوسه ومركز عيلته.. من ساعة ما بشرى عرفت بطلب حماها إنها تتجوز “أيهم” أخو جوزها، وهي هتتجنن.
الباب اتفتح فجأة، فالأم ضمتها بحماية وقوة أكبر وهمست بتعب:
أرجوك يا حاج حسين بلاش تضغط على بشرى، لسة جرحها على فراق جوزها بينزف.
الحاج حسين زعق:
يا أم بشرى مش عايزك تتدخلي أكتر من كدة.. اللي مات ده ابني أنا، واللي اتقوى بنار فراقه هو أنا مش حد تاني.. لازم تعرف إنها هتتجوز أيهم رضيت ولا مأرضيتش.. أنا عايز أحفادي يكبروا في كنف عمهم، هو أولى بيهم من الغريب.
بشرى صرخت بنشيج، فالحاج حسين زمجر بحدة، وفجأة دخل أيهم زي الموج الهادر وهو بيصرخ في وشها:
متصرخيش في وش أبويا عشان مدفنكيش في أرضك! أخويا توفى، والنهاردة أو بكرة أو بعد ألف سنة هتتجوزي غيره، ومتقنعيش نفسك إنك هتعيشي راهبة على ذكراه، وجوازنا هيكون على سنة الله ورسوله مش ورقة عرفي! قالها وهو بيمشي من المكان كله وسابهم يطلعوا اللي في صدورهم.
ده ظلم!
بشرى اتكلمت بغضب، فأمها ضمتها لصدرها خوفاً عليها وهي بتبص لهم بعيون مهزوزة ومليانة خوف.
عمي بالله عليك هعمل كل اللي أنت عايزه إلا ده.. اشترط اللي أنت عايزه وأوعدك هنفذه من غير ما أنطق بحرف.. بالله عليك يا عمي.
رد بنبرة باردة:
مسبتيش ليا خيار تاني يا أم سامي…
تعمد يضغط على حروف الكلمة الأخيرة، وهي دموعها نزلت وعادت تتوسل.. قامت وقفت وراه عشان تحاول تخليه يرجع عن قراره، وقالت بصوت باكي ومتحشرج:
عمي أنا لسة مخلعتش الأسود.. أنا..
قاطعها بعنف وهو بيلتفت ليها بملامح شرسة وحادة:
ده ابني أنا ومش هتحزني عليه أكتر مني يا بشرى!
عينيها فضلت متعلقة بعينيه، ورغم إن نظراته كانت شرسة وعنيفة، قدرت تلمح لمعة دموع محبوسة، دموع منزلتش لسة على ابنه الغالي.. فلذة كبده وسنده والعكاز اللي كان بيتسند عليه.. وفي عقله كان بيردد بقهر: “مين يشيل مين.. ربيتك عشان تكون ليا سند لما العمر والعجز يغلبوني.. ربيتك عشان تكون قوي من بعدي وتعتمد عليك أختينك وأخوك، ومكنتش أتخيل للحظة إني هقف على غسلك وأشيل نعشك وأداري جسمك بالتراب”.. خبط على قلبه، مكان وجعه وحزنه، بقوة بكف إيده اليمين وهو بيصرخ فيها والدموع لسة محبوسة في عينيه:
ده ابني البكري.. سندي أنا.. سامعة؟ مش تحزني عليه زيي.. متعيشيش دور الضحية!
وقفت تواجهه وتواجه اتهاماته:
إبراهيم كان سندي أنا كمان.. وحب حياتي.
قاطعها تاني بنبرة حادة ومستنكرة:
سندك! كان جوزك لسنتين بس.. (وبنبرة فيها ألم وتحشرج أكتر كأنها صرخة من أعماق أعماقه وهو بيكلم نفسه وبيقعد بسرعة على الكنبة بعد ما حس إنه هيقع) لكنه ابني من اتنين وتلاتين سنة.
وبص لبعيد كأنها مش واقفة قدامه وهي عارفة حجم ألمه وقهره رغم إنه مش مبين.. عارفة ده لأنها عاشت معاه من وقت ما اتجوزت ابنه.. بص ليها كأنه بيفكر نفسه بوجودها وبأهمية اللي بيعمله، لأن ابنه ساب توأم رضع لسة مكملوش شهرهم السادس.. رجع يتكلم بنبرة أهدى:
أنتي صغيرة ولسة في عز شبابك، مش همنعك من الجواز.
قاطعته بسرعة:
يا عمي أنا مش بفكر في الجواز صدقني.. هفضل عندك.. هفضل معاك ملقلقش.
قاطعها بحدة وهو بيقوم يقف عشان يظهر قوته وقال:
إياكي تقاطعينى تاني يا بشرى.
بصت للأرض وقالت بصوت خافت:
مكنش قصدي يا عمي حسين سامحني.
رجع يتكلم بنبرة حادة وصارمة مفيهاش نقاش:
قدامك خيارين ملهومش تالت، يا تتجوزي ابني أيهم يا تسيبى الطفلين وتمشى في حال سبيلك، مش هيربي أحفادي راجل غريب وأنا عايش على وش الدنيا.
أيقنت إن مفيش مفر من قراره ومش هيرجع عنه، فظهرت شراسة أمومتها زي قطة بتدافع عن عيالها، وصوتها علي شوية:
لو مش هتسمحلي أفضل عندك، هاخد عيالي وأمشي، مفيش شرع ولا قانون يرضى بكلامك ده.
سألها ببساطة وسخرية:
على فين؟
شفايفها ارتعشت وبصت حواليها من غير ما تبص في عينيه الساخرة، بعدين استجمعت قوتها وقالت:
عند أهلي.
قال:
وبعدين هتعملي إيه؟ هتصرفي عليهم منين؟
ردت عل طول:
هشتغل.
سخر منها:
هتشتغلي بإيه؟ بشهادة الثانوية؟! أنتي ناسبة إنك لسة بتدرسي..
ملقتش رد، فرجع يتكلم:
أنتي عارفة قدرتي على إني أحتفظ بالطفلين، وبالنسبة للقانون الموضوع مش هياخد مني جلسة واحدة في المحكمة وآخد الحضانة.
أعصابها باظت وصرخت في وشه:
اتقي الله فينا عشان إحنا فقرا؟! ملناش قوة بيكم!!!
قرب منها بسرعة وكلامها البسيط ده خلاه يفقد أعصابه، فرفع صباعه بيحذرها:
خدي بالك من الكلام اللي بيطلع من بقك كويس، عشان صبري مش هيطول عليكي يا.. يا أم سامي.
بحثت في عقلها عن أي مفر، فطق لسانها بسؤال:
وهل أيهم وافق فعلاً يتجوزني على مراته؟
رد بثقة وهو بيقعد براحته على كرسي:
ابني ميرفضش ليا طلب.. وأنتي مسمعتيش منه من شوية قالك إيه؟
عضت على شفايفها اللي تحت لحد ما قربت تجيب دم، وسألته بدهشة:
ومراته ترضى إنه يتجوز عليها؟
رد بنرفزة:
ملهاش حق الرفض.
اتملت غيظ، فجوزها وأبوه بيأمنوا إن الست كائن مهمش ملهاش غير الطاعة وملهاش حقوق.. بس كانت مستغربة من مراته، إزاي ترضى جوزها يتجوز عليها وهي لسة عروسة مكملتش السنة الأولى من الجواز.. بس ده مش مهم، المهم وضعها هي دلوقتي هتعمل إيه.. حماها محاصرها من وقت استشهاد “إبراهيم” جوزها في هجوم إرهابي على كتيبته، والنهاردة عايز قرار نهائي.. معندهاش حل يا أيهم ومعاه ولادها، يا الشارع والولاد مش هيلاقوا ترحيب عند أهلها ومش هتقدر توفرلهم سكن.
حاولت تتكلم وتجادله وتقنعه بوجودها معاه، بس هو كتم أي محاولة وهو بيرفع إيده في وشها وبيردد بصرامة:
أيهم اتصل والمأذون هيكون هنا الساعة تمانية بالليل.
غضبها زاد وعينيها اشتعلت وحاولت تعارض:
عمي حسين…
قاطعها تاني:
يا كدة يا الباب يفوت جمل، مش عايز أشوفك تحت سقف بيتي.
فضلت واقفة قدامه وهي بتغلي وتكتم غيظها، وجواها بركان وهي بتفتكر لما عرضت الموضوع أول مرة على أبوها وأمها ورحبوا جداً وشافوها فرصة لبنتهم اللي اترملت في عز شبابها، ومين هيرضى بواحدة معاها طفلين مش من صلبه.. فالأولى تتجوز عمهم، وده العرف والتقاليد اللي الزمن عدا عليها بيتعاملوا مع أرملة الابن كأنها ورث سابه الميت.. بل إنهم استغربوا من رفضها، ويمكن عذرتهم لأنهم ميعرفوش “أيهم” زي ما هي عارفاه، كان عكس جوزها الراحل تماماً؛ بارد وقاسي وصلب ويشبه حماها لأبعد حد، وكانت دايماً بتتجنب التعامل معاه.. بس هتعمل إيه، مش هتقدر تعوم عكس التيار.. سكتت وهو عرف إنها توافق وملهاش بديل، وبالفعل سمعها بتمتم بخزي كلمات بسيطة وهي مطأطأة راسها واستسلمت:
هقعد يا عمي حسين… هقعد.
دخل قصر القاضي بخطوات قوية بتهد الأرض، وملامح وشه سودا من الغضب، بينفث نار من مناخيره وحركة جسمه المشدود بتبين قمة غضبه!
لكنه خبى كل ده ورا قناع جليدي عشان مشاعره متفضحوش!
قرب من مكان قعدتهم وهو بيبص للحقير “عريس الغفلة” زي ما بيسميه بنظرات كره تكاد تزهق روحه، واضح إنه متعلمش الدرس كويس أو تهاون معاه شوية، والغبي ده بيتحداه بكل بجاحة رغم حالته اللي محتاجة رعاية مركزة في المستشفى بسبب اللي عمله فيه..
لكنه مصمم على الموت، وهو مرحب جداً إن موته يكون على إيده وبأبشع الطرق عقاباً ليه لأنه قرب من حاجة تخص غيره، وخصوصاً هو..
آدم القاضي!
وقف وحاطط إيديه في جيوب بنطلونه وبيتكلم بنبرة تبدو هادئة بس شايلة جواها غضب مرعب لو أطلقه هيحرق الأخضر واليابس.
بدأ يسرح خصلات شعره بأصابعه بعصبية مدروسة وهو بيفتكر لما أخوه كلمه وهو في لندن وقاله إن عمه وافق على خطوبة “حياة” لدكتور تقدم لها بعد ما شافها في فرح بنت خالتها.. اضطر يأخد قرار النزول لمصر بعد خمس سنين قضاها بعيد عن عيلته وأحبابه، بعد ما تعقدت العلاقة بينه وبين عيلة عمه فاروق بعد ما اشتد عليها المرض وماتت عل طول بعد ما فسخ آدم خطوبته من “آياز” بسبب حبه لأختها الصغيرة “حياة” وطلبه الجواز منها.. مع تعنت عمه ورفضه للجوازة دي خوفاً من الفضيحة والكلام اللي هيتقال إنه ساب بنت عمه الكبيرة عشان يتجوز الصغيرة حياة.
تنحنح وهو بيظبط صوته وقال بثبات مدروس:
ممكن أفهم إيه اللي بيحصل هنا بالظبط؟ مين سمح للحيوان ده ييجي هنا؟
زعق عمه سليم بنبرة غاضبة وهو بيبوخه:
إزاي تسمح لنفسك تقتحم مجلسي وتزعج ضيوفي؟ لو فاكر إنك هتبوظ خطوبة بنتي حياة فأنت بتحلم.. (وبعدين مسح على وشه بعصبية وقال بغضب): أنت مبقاش حد يملا عينك ولا إيه! (قام من مكانه وشاور بصباعه قدام وش آدم): لو عايز تشاركنا الخطوبة دي اتفضل اقعد بكل احترام من غير ما أسمعلك كلمة، أما لو غايتك تبوظ فرحتنا اتفضل اخرج بهدوء.
كتم غضبه وهو بيضغط على سنانه وضروسه لحد ما صوت صريرها وصل للبنت اللي قاعدة ومطأطأة راسها وبترتجف وقلبها بيدق بعنف.. خوف وشوق.. آدم حياتها ومعذب قلبها اللي رما عليها لعنة عشقه زي تعويذة سحرية، مهما حاولت تتحرر منها بترجع تأسرها تاني بطريقة أقوى وأعمق.
خلل أصابعه في شعره وقال بخبث وبنبرة ليها معنى، قاصد يولع القاعدة بالقنبلة اللي هيرميها عليهم، وقف بثبات وقال بتهكم من بين سنانه:
مش الست اللي تجمع بين راجلين في نفس الوقت تكون مذنبة وبتعتبر في نظر القانون جري..مة؟ ولا أنا غلطان والقانون اتغير؟
الاصوات عِليت في المجلس وقام الدكتور اللي عايز يتجوزها ووقف قدام آدم وهو بيصرخ في وشه:
لو فاكر إنك بالنمرة الرخيصة دي هتخليني أرجع عن خطوبة حياة، فاعلم إني مش هتراجع، بل زدت تمسك بيها.
آدم تجاهل الراجل اللي واقف قدامه، وفضل باصص ليها هي ومحادش عنها.. طلع ورقة من جيبه وفتحها قدامهم وقال:
دي ورقة جوازي من حياة وموثقة من المحكمة وهي مراتي قولاً وفعلاً.. يعني بالمختصر المفيد الجلسة دي انفضت والمولد انفض.
وقبل ما يتحرك، كان “عبد الله” الدكتور العريس باغت آدم بلكمة على غفلة.. آدم كان هيقع لولا إيد أدهم أخوه اللي كان قاعد وسط الحضور مسكته.. آدم اتعدل وهو بيبص بشر مش بيطمن للشخص اللي اتجرأ عليه، حرك فكه يمين وشمال وهو بيمسح الدم من بقه وابتسم بتهكم وعاجله بلكمة طيرته كام خطوة لورا، وقبل ما يستوعب إيه اللي حصل انقض عليه آدم زي الأسد وفضل يديله لكمات لحد ما الحاضرين اتدخلوا وبعدوه عنه قبل ما يموت من غضب آدم الحارق.
بعد ما الحاضرين فضوا الاشتباك واللي كانت الغلبة فيه لآدم، انسحبت عيلة الدكتور وأخدوه على المستشفى.
ولما كبار العيلة قرروا إن الجواز لازم يتم بعد ما آدم أقنعهم إنه غلط مع بنت عمه حياة وعايز يتجوزها عشان يصلح غلطته.. اتعدل في وقفته بيراقب أثر اعترافه على وشها.. حس بنشوة وعينيه لمعت لما شاف الصدمة على ملامحها؛ بوقها المفتوح وعينيها اللي اتسعت والدموع المحبوسة فيها.. صدمة ربطت لسانها فمنطقتش بحرف وهي شايفاه بيلتفت ويعطيها ضهره بخطوات ثابتة وباردة كأنه مغرسش سكين في قلبها.. وفجأة صرخت صرخة استفزته قدام كل الرجالة دي، فحط إيده على بوقها عشان يكتم صرخاتها.. شدها من وسطها وضغط عليه بقوة.. كانت بتقاوم بكل قوتها، بتتنطط وتحاول تفلت من بين إيديه.. بس مقدرتش أبداً ودراعه مطوق جسمها زي الكلبشات الحديد.. بص ليها بعيون مشتعلة وأنفاس سريعة وقال بصوت جهوري:
عايزة ترتبطي بغيري وتتجوزيه يا حياة؟ بجد عايزة تكوني في أحضان راجل غيري!
شهقت بالبكاء وحطت إيديها على إيده اللي بتضغط على وسطها عشان تشيلها.. وكل ما قاومت، زاد آدم في ضغطه وهي أنَّت بألم وضعف:
بشفايف مرتعشة: وأنت مالك بيا؟ مش اللي بينا انتهى من يوم ما أمي ماتت؟ مش كفاية كل الخراب اللي سابه حبنا لبعض!
زعق آدم بعيون مظلمة وعروق بارزة من كتر الغضب:
أظن الأحسن للكل منبشش في الماضي يا حياة، وأقسم بالله لو مرجعتيش لعقلك هتشوفي وش تاني لآدم، والمسخ اللي وافقتى تتجوزيه ده لو الموضوع حصل زمان كنتي زمانك في قبرك دلوقتي.. موتك عندي أهون من إن راجل غيري يلمس شعرة منك.. (وضغط على فكها بإيديه بقسوة وزعق): أنتي ليا يا حياة من يوم ما جيتي الدنيا وأنتي مكتوبة على اسمي أنا.. آدم القاضي!
دموعها نزلت وهي بتحاول تخلص وسطها من إيديه اللي ماسكاه زي الكماشة.. رفعت صوابعها المرتعشة بتدفعه بعيد عنها، يمكن تنجح المرة دي.. بس هو فاجأها وسابها بعد ما بص ليها بلامبالاة كأنه مش نفس الشخص اللي كان بيهدد ويتوعد من شوية.. التفت بكل برود ومشي زي ما جه.
بكت زي ما بكتش في حياتها قبل كدة، دموعها رسمت على وشها حكاية حزينة جاية هتكون هي بطلتها.. مفيش حد من عيلتها ممشتش تترجاه.. هي بنت عيلة “آل القاضي”.. الرقاب تتقطع عشانها.. مفيش حد من عيلتها هيسكت على اللي حصل.. الكلام اللي قاله آدم مش هين، ولو مرخضتش لقرار كبار العيلة هتكون هي وأبوها وأمها سيرة على لسان الناس.
غمضت عينيها وإحساس الذل والمهانة بيملى روحها من غير أي رحمة لما أبوها رماها بكل عنفوان على الأرض الخشب.. رفعت راسها ودموعها لسة نازلة، وشافت ستات كتير؛ أغلبهم علامات الشماتة على وشوشهم والبعض الآخر الشفقة.. هي يتشفق عليها! هي حياة!
عضت شفتها اللي تحت بقسوة لحد ما داقت طعم الدم، وده مزادش غير غلها وكرهها لكل أفراد العيلة دي “آل القاضي”.. حسدت بإيد بترفعها من الأرض بنعومة، فوقفت وقابلت وش بنت في نفس عمرها تقريباً.. مبانتش اهتمام بملامح وشها وهي سامعة صوته وهو بيكلم أخته:
نائلة، المأذون جاي بعد ساعتين.. جهزيها بنفسك هي وآياز.. وبالنسبة للأمور التانية أنا وأدهم هنتكفل بيها، والكل عارف هيعمل إيه.
قالها بجدية، لترد هي بقهر وصوت حاد:
مش هتعوزك يا آدم، ومفتكرش إنك بافترائك وكدبك على أبويا وكبار العيلة كدة لويت دراعي وفزت.
تجاهلها تماماً، فحاولت تجري وراه وهي شايفاه بيخرج.. بس أخته وبنات العيلة لفوا حواليها زي الكفن عشان يمنعوها من الهروب!
فلاش باك
مش هتكوني لغيري يا حياة إلا على جثتي..
ضرب على وتر حساس عندها.. وهي ست بكيدها ورفعتها مش بترتضي المهانة أبداً.
رفعت حاجبها استخفافاً بكلامه وقالت بترفع وهي بتميز راسها لفوق:
مش هجوزك يا آدم آل القاضي، حتى لو كنت آخر راجل في العالم.. أفضل الموت على إنه يتقال إني سرقت عريس أختي الكبيرة.
تنهد بألم من كلماتها القاسية قبل ما يغمض عينيه ويرجع بالذاكرة تمنتاشر سنة..
كان بيحاول يتظاهر بالنوم لما سمع صوت خطوات بتجري وتوقفت قدام أوضته، وسمع والدته والخادمة بيتكلموا:
الخادمة: الست حليمة بتتألم جامد يا هانم وأظن ده وجع ولادة.. خايفة تولد قبل ما الدكتور ييجي.
طبطبت جميلة على ذراع خادمتها عشان تطمنها بنبرتها الحنونة:
متقلقيش يا نفيسة، أنا كلمت الدكتور وهو على وصول، وإن شاء الله بعد شوية صراخ الصغير هيملى البيت فرحة بسلامته وسلامة والدته بإذن الله.
وبعدين استعجلتها عشان يمشوا، بس التفتت لما سمعت باب الأوضة وراها بيتفتح براحة، وظهر منه ولد عينه عسلي وشعره فاتح وجسمه طويل ورقيق بيبص لها بترقب.. قالت له عل طول:
آدم! إيه اللي صحاك من جمب أخوك يا حبيبي في وقت متأخر كدة؟ ارجع نام عشان أخوك الصغير ميصحاش ويخاف لو لقاك مش جمبه.. أنت عارف إنه بيخاف.
الطفل هز راسه ببطء وهو ماسك مقبض الباب وعينيه بتتحرك في كل اتجاه.. نفيسة زفرت بصبر ونزلت على ركبة واحدة لمستواه ومسحت على شعره بحنان:
حبيبي، أنت عارف إن مرات عمك حليمة حامل؟
الطفل هز راسه، فكملت بحنان:
أنا لازم أكون معاها، أنا وعدتها ووعدت آياز إني أنا اللي ههتم بالطفل أول ما يتولد.
الولد قرب شوية ومسك طرف فستان أمه وقالها برجاء وصوت ضعيف بس ثابت:
أمي، فاكرة لما مرات عمي حليمة تعبت قبل ما تحمر بالطفل ده قلتيلي إيه؟ لو خفت وحملت بطفل بعد آياز، أنا اللي ههتم بيه وأراعيه.
الدموع نزلت من جميلة من كلام ابنها الصغير اللي كبر قدام عينيها فجأة وبقى راجل قبل الأوان.. شعور بالفخر ملاها تجاهه، طبطبت على خده برقة وهي بتطمن قلبه:
أنا فخورة بيك يا آدم، وواثقة إنك قد المسؤولية اللي مرات عمك ادتهالك.
الطفل هز راسه بقوة موافق على كلام أمه وقال بحماس:
أمي، أنا هخلي بالي من أخويا وآياز والطفل.
عيني الأم لمعت بابتسامة حب وقالت بتشجيع قبل ما تبوس جبهته بحنان:
أنا عارفة إن ابني الصغير شجاع وهيكبر ويكون بطل.
وقفت وماسكة إيد ابنها وبتدعي لسلفتها.. دخلت جميلة أوضة حليمة بتوتر وماسكة إيد ابنها مستنيين خروج الدكتور لما سمعوا صوت صراخ طفل جوة.. جميلة ابتسمت بفرحة وقالت لابنها:
مرات عمك حليمة ولدت يا آدم.. ولدت يا قلب أمك.
بعد شوية خرج الدكتور يبشرهم بفرحة:
مبروك، المدام بخير وولدت بنت.. واستأذن ومشي. دخلت الأوضة بسرعة والابتسامة مالية وشها وقعدت جمب السرير تشكر ربنا على سلامتها وسلامة المولودة.. آدم قرب بحذر وهو بيرفع راسه بشغف عشان يشوف البنت اللي أمها شايلاها بعناية وحنان.. حليمة بصت للولد اللي ملهوف يشوف بنت عمه.
مدت حليمة إيدها بالبنت لجميلة اللي شالتها بحنان وابتسمت لآدم وللصغيرة:
ما شاء الله يا حليمة، نسخة منك في الجمال.. البنت زي القمر. (حليمة كانت بجمال أوروبي لـ أصولها التركية).. التفتت لابنها الواقف جمب السرير:
تعالى يا آدم قرب عشان تشوف الملاك الصغير ده يا بني.
قرب بترقب ورفع صباعه براحة يلمس وشها الرقيق..
غمض عينيه بألم وشبه ابتسامة على وشه وهو بيفتكر إحساسه لما شالها أول مرة؛ إزاي شالها بين إيديه، إزاي ضم اللفة البيضاء بخطوط وردي لحضنه.. بيبص لها بانبهار رغم إن عمره وقتها كان عدا التلاتاشر سنة، بس محسش بأجمل من إحساس إنه يشيل الكائن الرقيق ده بين إيديه.. فاكر كويس إحساسه إن البنت الصغيرة دي مش هتكون مجرد بنت عمه الصغيرة وبس، بل إن أمرها بقى كله مسؤوليته لما فتحت عينيها أول مرة في وشه وبصت له بعينيها الفيروزي المميزة.. ربطته بيها وربطتها بيه وهو بيضمها لصدره ويحاول يهديها ويتكلم معاها ويطمنها ويوعدها إنه هيراعيها.. وده اللي حصل.. حتى اسمها، أمها رفضت تسميها، وهو اللي سماها (حياة).. مش عارف ليه بس قلبه كان بيقوله إنها هتتظلم ويكون ليها نصيب من اسمها، فالحياة دار شقاء وألم.. وده اللي حصل طول سنينها التسعتاشر عشان تنتهي بوجع على إيديه، وينهي أي أمل ليها في مستقبل مستقر.
جميلة سألت حليمة بفضول:
ها يا حليمة، قررتي هتسميها إيه؟
فتحت بوقها تجاوب بس وقفها صوت آدم اللي قال بصرامة مش متعودة من طفل في سنه:
حياة.. اسمها حياة.
ومكنش يعرف إن من الوقت ده، بقت هي حياة آدم من اللحظة اللي شالها فيها وبص في عينيها.. كأن تعويذة ربطتهم ببعض.
الفصل الثاني
عدت شهور عدتها.. أربع شهور كاملة مرت على وفاته وهي لسة عايشة على ذكرياته.. مش قادرة تنسى حبيب قلبها وشريك حياتها.. دفنت وشها في المخدة الحرير وهي بتشهق بكا مكتوم.. ميعلمش غير ربنا قد إيه اشتاقت له.. قد إيه بتتمنى تشوفه ولو لمرة واحدة.. تعترف له المرة تلو الأخرى بعشقها ليه.. يا رب قد إيه بتحبه وتتشاق له!
خبطت المخدة بقبضتها وهي بتهمس باسمه بلوعة.. بتناجيه.. تتمنى يشفق عليها ويزورها في أحلامها على الأقل.. جسمها ارتعش بمجرد ما تخيلت إنها ممكن تنسى ملامحه في يوم من الأيام.
طلع من بوقها آهات موجوعة وهي بتنتحب باسمه: “إبراهيم.. إبراهيم.. إبراهيم.. إبراهيم.. ارجعلي.. آه مشتاقالك أنا وولادك!.. مشتاقالك حبيبي.. ربنا يرحمك.. آه يا ربي!”
ومع مرور الثواني، بكاها كان بيزيد ودموعها بتنزل زي الجمر وقلبها بيئن بألم الفراق.. بوجع.. بشوق.. بضياع.. صغيرة هي على كل المعاناة دي، والله صغيرة.. لسة مكملتش العشرين من عمرها.. فإيه الظلم ده اللي يخلي بنت في سنها أرملة وأم لطفلين، تترحم على جوزها الشاب اللي راح بين يوم وليلة؟!
لا في نومها بترتاح ولا وهي صاحية بترتاح.. كل حتة في روحها بتستنجد باسمه.. بتناديه وترجوه يرجع.. غريب شعورها بإنها حاسة إن ملهاش حياة.. ولا وطن ولا أهل! ملهاش حد.. عايشة الحياة من غير إرادة منها.. بتتمنى لو روحها راحت مع روحه ولولا أطفالها كانت ماتت قهر عليه.
رفعت راسها بحدة فجأة بعد ما صحيت من شرودها اللي بيوجع قلبها وعصره بقسوة ذكريات الماضي الجميل على صوت باب أوضتها وهو بيتفتح.. بشرى بصت لأمها بعينيها الحزينة اللي بتحكي حكاية من الأساطير الحزينة.. فالأم دمعت وقلبها وجعها على منظر بنتها الصغيرة البريئة اللي لسة في أول شبابها.. بل لسة طفلة.. وشاء القدر يأخد جوزها منها فجأة وهي في العشرين من عمرها وتترمل بدري.
الأم وقفت قدام أوضة بنتها وحاطة إيدها على صدرها وبتتنهد بتعب، هي عارفة إن بنتها من صفاتها الوفاء لأصحابها وأحبتها.. فكيف لو كان جوزها اللي عشقته! إزاي ترضى تتجوز غيره وهي بتموت في هواه؟ وعلى ذكراه أكسجينها اللي بتتنفسه!
الأم غمضت عينيها بحزن قبل ما تفتح الباب وتقرب من بنتها اللي اتعدلت في قعدتها على السرير.. ومن غير ما تقدر تكتم عاطفتها كأم ضمتها لصدرها، فالبكا زاد وقطع القلوب شفقة وحزناً على حالها وهي شايفا الطفلين نايمين زي الملايكة.. الأم شاركت بنتها البكا وهي بتهدهدها زي ما كانت بتعمل معاها وهي طفلة صغيرة.
بدأت تمسح على شعرها وتقول لها:
اهدى يا قلب أمك.. قطعتي قلبي.. ارحمي نفسك يا بشرى.. هتموتي وأنتي بتتحسري على فراق المرحوم إبراهيم.
بشرى اتشبثت وهي بتشهق من البكا في جلابية أمها وبتبكي بآهات وجعت قلب والدتها وزادت من حزنها:
آه.. آه.. يا أمي.. قتلني فراقه.. قطعني حتت صغيرة.. آه يا أمي.. آه لو تعرفي قد إيه مشتاقة له!
الأم شاركتها بحسرة في نوبة البكا الشديدة، مش قادرة تمنع الجواز ده اللي فرضه حما بنتها.. زودت من ضمتها لبنتها وقرأت عليها بصوت عذب آيات من القرآن وبنتها مستمرة في بكاها ورثائها لجوزها المرحوم.
أنا عارفة سبب جيتك يا أمي.. جه وقت الإعدام مش كدة؟
ميعرفش ليها شكل ولا يميز ملامحها، دايماً متدارية بالأسود خاصة بعد رحيل أخوه إبراهيم.. اتأمل دخولها لصالون بنفس الهدوم السودا كأن كتاب كتبها مش دلوقتي، براس مطأطأة ومتغطية بالأسود لأنها منتقبة وحتى عينيها متغطية بالأسود.. شايلا على دراعها طفل من ولادها “أليف” وماسكة بالإيد التانية “سامي”.. اتأمل دخولها بحواجب معقودة وملامح صارمة.. قاعد براحته جمب أبوه على الكنبة ويجاوره المأذون اللي بيكتب البيانات في دفتره على الكرسي اللي جمب الكنبة.. قعدت على أقرب كرسي وقعدت أليف على رجلها، ورغم محاولة أمها تشيل البنت إلا إنها رفضت واتشبثت بطفلتها كأنها بتحتمي فيها، أما سامي فكان واقف لازق في طرف عباية أمه وحاطط صباعه في بوقه وبيبص لعمه بخوف واضح.. مربعتش راسها ناحيته من وقت ما دخلت مستنية حضور أبوها وجوز أختها الكبيرة وأخوها.. وهو بيراقب الكتلة السودا دي، فرغم إنها قاعدة عندهم بقالها سنتين تقريباً إلا إنه محسش بوجودها قبل كدة ولا لمح لها طرف.. زفر بضيق من طول الانتظار لحماه المستقبلي، هو وراه أشغال كتير مستنياه ده غير مراته “موشجان” اللي ثارت في وشه لأول مرة رافضة الجوازة دي بس هو مأهتمش ورد على صراخها بزعيق وعرفها إن الموضوع مش بمزاجها وسابها تضرب راسها في الحيط.
أخيراً صوت الجرس قطع الصمت المميت، فبشرى بصت ناحية باب الصالون المقفول بسرعة وقامت عشان تفتح الباب ففاجأها صوته الجهور القوي وهو بيشاور لها بإيده عشان تقعد، وأمرها كالعادة بطاعة كل اللي حواليه ليه:
اقعدي.. هفتح أنا.
رجعت بشرى قعدت باستسلام وراقبت خروجه؛ شاب طويل ورفيع في أواخر العشرينات، أبيض البشرة ومأثرة فيه الشمس، بمناخير طويلة وشعر قصير جداً.. فتح الباب يرحب بالضيوف؛ تلات رجالة، واحد منهم صورة مصغرة من الراجل الكبير والتاني في نفس طوله.. رحب بيهم بكلمات بسيطة من غير ما يبتسم ودخلهم الصالون.. بشرى قامت بلهفة تحضن أبوها اللي ابتسم ابتسامة هادية وهو بيحضنها.. ومفيهاش لحظات وبدأ المأذون في عقد القران، ودموعها نزلت من غير ما حد يحس، ولما المأذون سألها:
تقبلي بالسيد: أيهم حسين شمس الدين القواس زوجاً ليكي؟
دموعها نزلت أكتر وجسمها ارتعش بشهقات وهي بتفتكر جملة شبه دي بس الذكرى مختلفة تماماً؛ كانت لابسة الأبيض والابتسامة مفارقاها وكان قدامها إبراهيم فارس أحلامها بيبص لها بابتسامة.. كانت أجواء فرح وسعادة مش زي المأتم ده.. الشيخ أعاد السؤال تاني والكل لاحظ بكاها، وصوت الشيخ رجعها من شرودها فرفعت عينيها تلقائياً ناحيته لتلاقيه بيبص لها بنظرات نارية ومتجهمة.. والشيخ نادى عليها تاني:
يا بنتي!
التفتت ليه وغمغمت وهي بتقول: “موافقة”.
ثمة دمع حلو المذاق..
يحايل الأجفان ألا تذرفه..
ثمة آه تطلب العفو ألا أصرخها..
يحدث ذلك كلما وقع بقلبي همسك.
ثمة قلوب في العشق آثمة….
وقف شارد الذهن، لمحها وهي داخلة الأوضة مع أخته.. وتدفقت ذكريات الأمس البعيد ولمعت في راسه كأنها النهاردة.
“آياز” زعقت فيه وقالت:
أنت عمرك ما أحبتني يا آدم!
طلعت من شفايفها كإقرار مش سؤال.. ثبت نظراته عليها وأكتافه نزلت.. رفع إيديه لفوق بقلة حيلة وقال باستكانة:
حاولت أقسم لك يا آياز حاولت.. عشرات المرات، لدرجة إني مش فاكر كام مرة حاولت أحبك وأتقبلك كزوجة مش كبنت عمي أو كأخت ليا.
بتهكم وابتسامة مريرة قالت:
بس عرفت إزاي تحب أختي!.
قالتها باتهام.. كأنها بتطلع سيف العدل وتشهره في وش الجاني.. أطرافه اتجمدت وأنفاسه ضاعت.. بيبص لها برهبة وذهول.. مجاش في باله إن حياة تكون قالت لها على اللي حصل من كام ليلة.. كل اللي في باله دلوقتي إنه ميسبش حد من عيلتها يؤذيها.. وهو متأكد إن حياة مش هتؤذي أختها بجرح زي ده:
هي قالتلك؟
هزت راسها بعصبية مفرطة وهي بتنفي وتقول:
لأ، بل أنا شفتكم وسمعتكم فوق السطح.
عارف إن الكل هيقول عليه خاين للأمانة.. وإنه قاتل لمعاني الرجولة.. وإنه واطي المقام.. ومع كدة القلوب ملهاش سلطان وهما اللي قرروا عنهم من صغرهم ومسبوش لهم مجال للاختيار:
أقسم لك حاولت أمنع نفسي إني أنجرف في العشق ده ومقدرتش.. مقدرتش أقاوم العشق اللي شق قلبي.. آياز أنا من غير حياة أموت، لا حياة من غير آدم ولا آدم من غير حياة، هواها مالي روحي وقلبي.. حاولت أشيلها من قلبي وعقلي ومقدرتش، هي تغلغلت في أنفاسي وروحي من وقت ما شلتها وهي طفلة في المهد.
نطقها.. نطقها كأن بيلعب في الجرح بسكينة مصدية.. عينيها اتجمدت وجسمها انهار.. ابتسامة حزينة ظهرت على شفايفها.. يمكن كانت ساخرة.. من مين؟ من نفسها! من قدرها!.. سكتت وسكت كل حاجة حواليها.. لربع ساعة، يمكن ساعة معرفتش.. برودة قارصة دخلت عضمها وجسمها ارتعش والدفا ضاع.. أخيراً رفعت عينيها ليه وقالت والكلام بينزف وجع:
حياة هتنساها.. أبويا هيجوزها للدكتور عبد الله، هو يستاهلها.. لأنه راجل حقيقي.. وأنت هتختفي من حياتنا.. ابعد وامشي بعيد عن حياتنا، كفاية اللي جرالنا من وراك وموت أمي بحسرتها وقهرها بسبب لعنة العشق الأسود ده.
بالفستان الأبيض ده، حلم كل بنت، كانت واقفة برجلين مش شايلاها جمب آياز أختها وهي موطية راسها جامد.. مش عارفة هو فستان أحلامها ولا كفن حلم حياتها.. كانت مطأطأة راسها كأنها عملت جري..مة.. فمن وقت ما عرفت بقرار أبوها إنه هيجوزهم لولاد عمامهم وافقت باستسلام ومن غير اعتراض بس كاتمة قهر جواها، ومئات الأسئلة مستنية إجابة بتدور في بالها.. بصت للشخص اللي بقى جوزها بطرف عينها من غير ما ترفع راسها فجت عينيها على رجله الطويلة، فرفعت راسها أكتر لتلاقيه رافع راسه لفوق وشكله متضايق ومش بيحاول يخبي ضيقه، فبصت بعيد والأسئلة زادت.. إيه اللي عملته أختها عشان تنال الجرم ده من ابن عمها آدم وعشقه الأسود.. بيشوفها حق مكتسب ليه.. سألت بقهر وهي بتتنفس بضيق:
إيه اللي حصلهم بين يوم وليلة؟
قال ضياء بسخرية وهو شايف أخوه قرب يمشي ببناته:
على فين العزم يا سليم؟
سليم التفت ليه بقلب تقيل ومليان هموم:
هيكون على فين! هروح بيتي ببناتي.
ضياء ضحك بسماجة وهو بيلعب بالسبحة اللي في إيديه وقال:
تمام يا أخويا تقدر تمشي.. بس مراتات ولادي رايح بيهم فين؟
سليم عقد حواجبه وضيق عينيه ونفسه اتكتم بعد ما جاهد يتنفس.. وقال بصوت خافت كأنه خايف حد من المارين يسمعه:
تقصد إيه يا ضياء؟
ضياء رجع يضحك تاني لحد ما ضحكته عليت وجذبت نظر الكام واحد من كبار العيلة اللي حضروا كتب الكتاب، وكانوا شهود على قطيعة الماضي بين الأخين، وعلى حاضر ربطهم بجرح.. ضياء رجع يقول ببرود:
أقصد إن مكان بناتك دلوقتي جمب ولادي، مش كتب الكتاب اتكتب ولا نسيت بالسرعة دي؟
حياة وآياز رفعوا عينيهم ومندهشين من عمهم ضياء، وسليم بلع ريقه بصعوبة كأن بوقه بقى صحرا مليانة شوك.. ضياء كمل كلامه:
أنت عايز تأخدهم كدة من غير فرح؟ عايز تفضحني يا أخويا الكبير؟
ضياء بص لسبحته وللحبات للحظة وبعدين بص لأخوه وقال:
أنت عايز تفضح نفسك وتفضحني معاك؟ فرح إيه اللي بتدور عليه وأمنا مكملتش كام شهر على وفاتها يا ابن أبويا وأمي.
سليم اتلعثم وفكر للحظة وهو بيواجه نظرات أخوه الحادة الشبه بنظرات ذئب هيفرس فريسته وقال:
خلاص نستنى السنة تخلص ونعملهم فرح مناسب.
آدم ضغط على إيديه وجسمه اتصلب رافض للحظة انتظار ممكن تبعده عنها أو يتكرر فيها اللي حصل زمان، بس رغم خوفه الداخلي سكت لأنه عارف أبوه كويس وعارف قدرته على إنه يعمل اللي هو عايزه.. ضياء زعق بسخرية:
يناسب مين؟ هي الهلاوس رجعت لعقلك تاني؟
آياز رفعت راسها فجأة وبصت ناحيته رافضة إهانته لأبوها، ووش حياة ظهر عليه الاستنفار وبتلجم نفسها عشان متتهورش في وسط الطريق، والاتنين سمعوا باقي سخريته زي العلقم:
أنت صدقت نفسك يا أخويا؟ أنت نسيت ستري عليهم؟
سليمان بص حواليه برعب وعينيه زايفة وخايف أخوه يفضحه.. ضياء أمر ولاده بصوت حازم من غير ما يضيع وقت:
يلا.. كل واحد يأخد عروسته، المسرحية دي خلصت.
كأنهم رايحين للإعدام، عينيهم واسعة من الخوف والغضب وجسامهم متصلبة، بصوا لعمهم للحظات طويلة وهو بيرد نظراتهم بنظرات تحدي، فنقلوا عينيهم لأبوهم بيحاولوا ينطقوا بأي نداء استغاثة بس.. أبوهم مبصش ليهم بل كأنه كبر فجأة وضهره انحنى وظفر الخزي والوجع والعجز في عينيه.. ضياء زعق لولاده وحاجبه اترفع بتحدي:
يلا.. مالكم.. مسمعتونيش؟
آدم بص لحياة وتفاجأ بنظرة عينيها المتحدية وإيديها المقفولة، وبعدين رفعت وشها بكبرياء وكرامة الساعات اللي فاتت مقدرتش تاخدها منها، ومشت ناحية أبوها عشان تودعه لأن انكساره هزمها وهي مش مستعدة تشوف نظرة الخزي في عينيه تاني.. آياز اترمى في حضن أبوها وبكت جامد بعد ما كانت بتحاول تسيطر على نفسها، فأبوها طبطب على ضهرها بحنان ودموعه نزلت.. جسمها كان بيتهز من البكا وأبوها كان عاجز تماماً مش قادر يستعين بحد ومش قادر يعترض.. بعدت عن حضن أبوها ومسحت دموعها وبصت لأختها اللي دايماً كانت بتحسدها على قوتها وتحكمها في أعصابها والمرة دي مش استثناء، فأختها مبصتش جمبها ولا وراها بل جمعت قوتها عشان تواجه اللي مستنيهم.. حياة ضمت آياز لحضنها وقالت جمب ودنها بصوت حاد وقوي رغم إنه خافت:
تماسكى يا أختي فاللي جاي أصعب.
آياز ردت بضعف وهي لسة في حضن أختها اللي اتملا بدموعها:
أنا خايفة يا حياة.. خايفة لحد الموت يا أختي.
حياة غمضت عينيها للحظة تجمع قوتها وردت بنفس النبرة:
متخليش حد يحس بضعفك.. متخليش حد يشوف خوفك وحزنك.. كوني قوية عشان متبقيش لقمة سهلة في بوقهم.. اللي جاي أصعب ومش عايزاكي تتداسي تحت الأرجل.. كوني قوية يا أختي فده سلا..حنا الوحيد.
حست بقربهم وصوت جزمتهم على الحصى فبعدت أختها وقالت لها:
يلا امسحي دموعك.. متخليش حد يشوفك كدة.
آياز أطاعتها.. دايماً الصورة كانت مقلوبة، آياز بتاخد من أختها الصغيرة حياة الأمان والقوة كأنها هي الكبيرة مش العكس.. أما أدهم اللي وشه متضايق ومش راضي، قرب من آياز اللي لزقت في أختها ومتجنبة تلمس جسمه تماماً.. أدهم مأهتمش بيها بل زفر بضيق من كل اللي حصل من أول اليوم وإجباره على الجواز من واحدة مش عاجباه.. انتبه لصوت رسالة على تليفونه فطلعه من جيبه والضيق لسة معاه بس ملامحه اتغيرت وبقت فرحانة فالفريسة وقعت في المصيدة والمغامرة بدأت.. وبعينيه اللي فيها انتصار قرأ الكلمات البسيطة:
خلاص موافقة يا ابن القاضي.
كأنه سامع صوت ضحكتها العالية مع الحروف دي.. أيام وليالي بيحاول يتقرب منها، الجميلة الشبه بنجمات السينما، طويلة وجسمها مليان إغراء وبيضا جداً وبتلبس أسود كتير شبه لون شعرها الطويل.. بتلبسه فيعمل تباين رهيب مع بياض بشرتها.. ست شفتها مرة لما جت فرح قريبتها وبعد أيام من التدوير وراها جاب رقمها ومبطلش تودد ليها بكل طريقة؛ مرة بالغزل اللي هو شاطر فيه ومرة بهدايا غالية يطلبها بالتليفون والشركةتوصلها.. ست جميلة جداً صورتها على شاشة تليفونه.. ست أرملة ومعندهاش أطفال.. كان من فترة طلب يقابلها وكانت بترفض تدلل.. والنهاردة وافقت.. بص للبنت اللي انكمشت جمب أختها وهو بيقول جوايا:
باين وشها حلو عليا.. مهجة قلبي وافقت على المقابلة.
وبسرعة بدأ يكتب رسالة تانية كلها شوق ونار؛ كتب:
هيكون الخميس الجاي الساعة خمسة هقابلك في المدينة وعايز أعرفك بس.. كل حتة فيا بتصرخ فرحة بقرب المقابلة يا نجاتي المنتظرة.
وبعد لحظة جه الرد سريعاً، كأنه سامع الدلال في صوتها الناعم وهي بتقول:
أنت خوفتني منك يا أدهم.
ابتسم وكتب:
والجميل بيخاف من إيه؟ من حبيبه؟ يعقل الكلام ده.. كلي شوق ليكي يا جميلتي.
ولما سمع نغمة الرسائل تاني، أخوه بص له بفضول.. أدهم الواقف جمب مراته كان في عالم تاني بطلته نجوى.. فتح الرسالة وتفاجأ بإيموجي وش بيضحك ومكسوف بس، مفيش أي حرف تاني.. تضايق بس قرر يكلمها بعدين ويسمعها غزل كتير.. رجع التليفون لجيبه وهما خارجين من شقة جدتهم المرحومة، والماضي بيصارع الحاضر قدام عنيهم.. راجعين للعمارة دي ذات الأربع أدوار المطلية بالأبيض وحوافها بني وبرتقالي.. عمارة قديمة دهانها جديد في المدينة في مكان متميز، تبعد عن البلد الريفية بربع ساعة بالعربية.. العمارة على شارع رئيسي كبير عكس شوارع بلدهم الصغيرة.. آدم التفت لحياة اللي فضلت واقفة مكانها كأن رجلها متسلسلة وهي بتبص للمكان بطرف عينها.. العمارة دي شهدت على حاجات كتير.. عمارة مليانة كره وبغض بين أصحابها.. من إمتى هي غريبة عن المكان ده؟ من إمتى سابته بمزاجها؟ خمس سنين.. هل هما خمس سنين بجد؟ ليه باين كأنه دهر كامل فلقد حاولت تقفل الصفحة دي ورا ضهرها.. صحيت من شرودها على صوت صوابع آدم اللي خبطت على كتفها.. فبصت له بنظرات قوية وحادة.. دايماً قوتها وصلابتها بتضايقه، فزعق فيها بنفاد صبر:
يلا مش هنفضل طول اليوم مستنيين الجناب البرنسيسة.
بصت له بنظرة طويلة ومشت برجلها وهي محتفظة بملامحها الباردة، وأدهم سبق الكل وطلع السلم.. آياز كانت ماسكة في دراع أختها وخايفة تطلع السلم.. الاتنين بيبصوا بملامح جامدة ومتضايقة.. ففي العمارة دي ضاعت أحلام وردية كتير واتصدموا بواقع مرير.. دخلوا جواها.. عمهم عمل شوية تجديدات بس ملامح الماضي لسة محفورة فيها.. طلعت كام درجة لحد ما وصلت للدور الأول وهناك وقفت شوية وبشكل عفو بصل لفراغ كان زمان فيه باب شقتهم قبل ما عمهم يضمها لشقتها.. مرات عمهم كانت واقفة حاطة إيدها في وسطها على باب شقتها ولابسة جلابية بيت ألوانها بني وزيتي ورابطة طرحة شبهها.. ست بيضا ومليانة وعينيها واسعة ومناخيرها صغيرة ووشها مليان شوية.. قالت بسخرية وهي بتميل بوقها يمين وشمال:
يا أهلا يا أهلا ببنات حليمة.
جسم حياة اتصلب لمجرد رؤيتها وزاد أكتر لما سمعت اسم والدتها المرحومة على لسان الست دي.. مردتش ومنطقتش بل اكتفت بإنها تبادلها النظرات بحدة وغضب.. الست رجعت تقول بسخرية:
برحب بيكم ومش عاوزين تتعبوا نفسكم وتردوا عليا.. صحيح بنات آخر زمن.
حياة مقدرتش تسكت أكتر فردت بحدة:
عايزة إيه يا مرات عمي؟ عايزانا نفرح لما نشوف وشك؟ أسفة ليكي بس رؤيتك مش بتفرحني بل العكس فاعذريني.
مرات عمها شهقت وحواجبها رفعت لفوق وخبطت على صدرها بكف إيدها وزعقت فيها:
كمان بتقل بأدبك؟ إزاي واحدة في موقفك تكون وقحة كدة؟ بدل ما تترمي تحت رجلي وتبوسيها وتشكري… (ورجعت تميل بوقها وتزعق): صحيح بنت عديمة الحيا والأدب.
غضبها ثار والضغوط زادت وفضلت تصرخ فيها، وآدم جِري من تحت لما سمع صوتها.. صرخت بسخرية:
أنا أبوس رجلك أنتي ليه؟ هو حال الدنيا اتقلب؟ اعرفي قدر نفسك الأول يا مرات عمي ومخل…
قاطعها صرخة حادة من آدم:
اخرسي يا حياة!
الست دي بصت لها بشماتة وقالت بسخرية:
اعرف قدر نفسي أنا يا عديمة الشرف؟ قدري أعلى من قدرك يا اللي ستر عليها ابني ومنع الفضيحة.
حست بنار جواها بتحرقها فصرخت بانفعال:
ابنك هو اللي عمل فيا كدة.. هو اللي ادعى إنه سرق شرفي.. (وشاورت ناحيته بعصبية بصباع بيرتعش والدموع محبوسة في عينيها): هو اللي دمرني ودنس شرفي قدام العالم.. (ورجعت تشاور لنفسها وهي بتصرخ): وبتحاسبيني أنا؟ اتقي الله.. عندك بنت.. ترضي لها اللي حصل معايا؟
جميلة مرات عمهم متأثرتش وعينها مطرفتش بل رجعت تسخر وتزعق:
بتقارني نفسك ببنتي؟ بنتي أنا؟!
حياة انتفضت وصرخت:
حسبي الله ونعم الوكيل… حسبي الله فيكي وفي ابنك.. حسبي الله في..
قاطع كلامها صراخ آدم وهو بيشدها من دراعها وبيطلع بيها الكام درجة اللي فاضلين بينهم وبين شقتهم اللي فوق شقة أبوه.. شدها بالعافية وهو بيضغط على سنانه بضيق وانفعال وهي بتقاوم إيده الماسكاها جامد.. وتحت وقفت آياز حيرت مش عارفة تعمل إيه ولا تروح فين، وحليمة فضلت تبص لها بنظراتها ولما آياز رفعت عينيها الخايفة ليها زي غزال شاردة في غابة الأسود، حليمة زعقت فيها وقالت:
وأنتي يا خايبة الرجا.. واقفة كدة ليه؟
آياز توترت أكتر ورفعت صباع بيرتعش زي جسمها وقالت بنبرة مهتزة وضعيفة:
أنا مسمحلكيش.. أنا مش خايبة الرجا.
حليمة طلعت صوت ساخر وهي بتميل بوقها:
مش إيه يا بنت جميلة؟
آياز قاطعتها بعيون واسعة وهي بتحاول تجمع شجاعتها الضايعة:
اسمي آياز ومسمحلكيش تجيبي اسم والدتي الله يرحمها.. (هدت شوية وسألتها): قوليلي بس أروح فين وأريحك من وقفتي دي.
حليمة شاورت لها بإيدها ناحية السلم لأن رجلها وجعتها من كتر الوقوف.. صحيح هي مستنية اليوم ده من سنين بس فرحتها مكنتش زي ما كانت فاكرة لأن جميلة ماتت قبل ما تحقق أمانيها.. وقالت بضيق:
شقتك في الدور التالت اللي فوق شقة أختك.. المفتاح في الباب.. يلا امشي.
آياز بصت لها نظرة أخيرة وطلعت السلم لفوق.
الفصل الثالث
تقف تقشر أحدى حبات البطاطس بمطبخها رافعة شعرها البني الناعم المعكوص لأعلى ترتدي جلباب قصير يصل لركبتيها يتندى بعض حبات العرق الصغيرة فوق جبينها ….جميلة للغاية طويلة ذات وجه مستدير وأنف صغير وخدود مرتفعتين وردية بينما وجهها أبيض ناصع البياض ..شردت قليلا وهى تقشر أحدى الحبات فجرح السكين الصغير أصبعها ليخرج الدم مندفعا لتنال بعض حبات البطاطس بعض قطرات الدماء فذهبت سريعا للحوض واضعة أصبعها المتألم أسفل صنبور الماء …لم تشعر بدخول زوجها خلفها والذي رأى بعض قطرات الدماء على أرضية المطبخ النظيفة ورأى أيضا تلك المتساقطة على حبات البطاطس فصرخ مشمئزا:
إيه القرف ده!
استدارت غمرة مندهشة وهى لم تشعر بدخوله بتاتا وقالت متلعثمة: غصب عنى والله … السكينة جرحتني.
نظر تجاه أصبعها شزرا ثم أدار وجهه وهو يشير تجاه البطاطس بإصبعه: ارمي القرف ده… أنا قرفت خلاص وهنزل عند أمي آكل…. دي مش عيشة دي…. ألا يكفي إنك أرض بور.. وفوق كل ده مقززه!
قال الكلمات دي واستدار مغادرا المطبخ بل المنزل بأكمله وقفل الباب بعنف عمل صوت عالي. ومع سماعها صوت قفل الباب هبطت بساقيها على أرضية المطبخ مكانها ووضعت يديها على وجهها وأجهشت بالبكاء اللي كانت كتماه طوال الليل تسيطر عليه بكل قوتها وتطلق عنانه لما يغادر المنزل…
فقط لما يغادر فهي لا تجرؤ على البكاء أمامه. تتمنى كل يوم قرب اجلها… تظن فيه الخلاص… أحيانا تدعو بالذرية التى يعايرها بها وليس لها يد فى عدم انجابها رغم مرور خمس سنوات على زواجها.. ذهبت للعديد من الاطباء والجميع أخبرها بأن ليس هناك سبب لتأخر الإنجاب…. يعلم أنها تشعر بالألم الكبير عند ذكر الانجاب فلا ينفك عن التحدث بشأنه وإهانتها به… هى تعلم ذلك… تعلم أنه ليس لها أهمية لديه.. مجرد خادمة فى بيته وجسد رائع يعشق التهامه فى الليل… وكم تشعر بالذل أثناء ذلك يضربها ويهينها وفى الليل يجذبها لأحضانه دون أى شعور بالذنب كجارية دفع سعرها مقدما… أخذت تبكي وتبكي… إلى أن انتفخت جفونها وأحمر أنفها وآلمتها رأسها هى تعلم أنه لامفر من الجوازة البائسة دي لامفر… وكم تكره شعور العجز ده… استغفرت الله كثيرا… هدأت قليلا عزمت على الاستحمام لعلها تهدأ قامت وهى تردد… ليتنى استمعت إليكي… ليتني استمعت..
كانت تحبه بالقدر اللي يخليها
تترك كل الأشياء خلفها وتفر معه
وكان يحبها بالقدر اللي يخليه
يرفض رغبتها المجنونة بالفرار
أيهما أحب الآخر أكثر..؟
ما إن فتح الباب بيده الفاضية حتى دفعها للداخل بحدة.. كانت هتقع ولكنها وازنت نفسها سريعا ثم دخلت مفرودة الظهر مرفوعة الرأس أدارت وجهها يمين وشمال فى المكان حولها.. شقة مفروشة بذوق راقي تميزت بالألوان الترابية.. صالة واسعة جداً بها طقمان صالون وأنتريه.. وهناك عدة لوحات مطرزة معلقة أعلى الأريكة أضافت روحاً دافئة للمكان ويتفرع من الصالة ممر طويل تتفرع منه باقي غرف المنزل.. كان بيتأملها يتأمل وقوفها.. ظهرها المفرود كراقصة بالية أجادت الرقص على دقات قلبه التى أصبح صوتها مرتفع كطبل.. تسائل بداخله.. كم أزداد طولها.. لقد أصبحت تماثله طولا.. وألتوت شفتاه ببسمة صغيرة وهو يفكر من كان يحملها على ذراعيه ليعبر بها الطريق أصبحت تماثله طولا.. ورغم ما حدث وكثرة الضغوط عليها ظلت صامدة قوية.. أراد نعت نفسه فهو من علمها تلك القوة التي تشربتها منه منذ صغرها.. هو من أكسبها تلك الصرامة.. هو من كانت ماضيا تظهر ضعفها أمامه.. أصبحت اليوم تغلف نفسها بواجهة باردة فى التعامل معاه.. أستدارت تنظر إليه تحدجه بعينين فيروزتين باردتين كبحر هادئ لا تعلو له موجة ولكنه يعلم خير علم أنه الهدوء السابق للعاصفة فإن خدعت العالم أجمع لن تستطيع خداعه.. هو من كانت تقص له المقالب التى تفتعلها مع أصدقائها وأبناء الحي عندما كانت طفلة.. فملامحها الهادئة الباردة لا تدل أبدا على أنها شعلة نار وقوة وحماس.. تأمل جمال عيناها ذات اللون الآسر.. لطالما كان بهما سحرا غامضا يجذبه.. عالما كبيرا ينشده يتمنى أن يحتويه يوما.. حاجباها الرفيعان باللون البنى الداكن أرتفع قليلا لأعلى وهى تهتف ساخرة:
إيه.. هتفضل تبصلي كده.. ألم تكتفى بعد من فترة مراقبتك لى وأنت تفتري علي بقصة جوازنا قدام الناس…
أرادت تذكيره بجرمه فى حقها.. أرادت أن يشعر بالخزي مما فعل ولكنه لم يطرف له رمش بل تقدم منها خطوتين بثبات لا تبارح عيناه عيناها وهو يقول بنبرة بطيئة:
ولو تكرر الموقف ألف مرة هعيده يا حياتي…
أتسعت عيناها قليلا مفكرة.. كيف له تلك القوة فى أذيتها.. كيف له أن يهينها هكذا.. كيف فعلها معها بقلب بارد بعد ما مضى..
عاد يتحدث بعد أن أقترب خطوة إضافية لتصبح المسافة بينهما خطوتين فقط ولكنها لم تحاول الإبتعاد.. هتف وهو يرفع كفه ببطء نحو حجابها يضغط أذنها بنعومة من فوق الحجاب الذي أصر على لبسها إياه منذ تفجرت أنوثتها أمامه، هتف بنبرة خافتة وقد برقت عيناه بوهج الذكرى:
فاكرة يا حياتي.. فاكرة أيامنا سوا.. فاكرة لما كنت أناديك بحياتي.. عذراء الروح والجسد… والسمع.
وهمساتها تخرج متحشرجة.. قاطعته وهى تزيح يده بحدة بظهر كفها وصاحت فى وجهه: لا تلمسنى.. مش من حقك تلمسني.. لا تحلم بكده.. يا آدم.. إهانه وانتهاك!
أغمض عينيه بألم وغضب منها وعليها.. الألم من شعوره بالعجز بإعطائها حق طبيعي لها بالأمان.. وغضب من كلام مسموم أصبحت في ليلة وضحاها تجيد النطق به، ليكور يديه ويتمتم من بين أسنانه: “توقفي.. بس توقفي عن كلامك المسموم ده، هل علي تذكيرك كل مرة بأنك لم تنتهك ولكنك كل مرة كنت موافقة، سعيدة، وراضية بل وبعض المرات ساعية! يكفي يا حياة.. أعلم أن كلامي يجرحك ولكن لا تستمري في استفزازي فلن تنولي شيئا منه”
ردت بغضب: “أنت كف عن دور الأخ المراعي المهتم الحنون كف عن ده” لتكمل بوقاحة: “أنا بقرف لما أفتكر كم أنت رجل متلهف شغوف معي وفِي العلن أخ وأب حنون مراعي يحافظ جيدا علي”
صرخ بها: “كفى.. بس كفى، فأنا أحاول التمسك بأعصابي يا وقحه بس من أجل مراعاة الحالة النفسية التي تمرين بها والتي لا أعرف ماهيتها بالظبط، فلا تستغلي هدوئي واحتمالي لك ياحياة حتى لا أوريك الوجه الحقير والانتهاك الحقيقي، لا تدعي دور المرغمه المكرهه، تجنبي إثارة غضبي. فهذا لن يكون جيدا لك وللمرة التي نسيت عددها كلنا وافقنا على الوضع، كل منا اختار بإردته الحرة.. وإذا كنت مشمئزة هكذا أعدك يا حياة لو كان الثمن حياتي لن ألمسك مرة أخرى أبدا”
ردت عليه بسخرية لم تستطع ان تسيطر عليها والوجع لا يتركها: “ده اللي وصلك من ثورتي؟ ده هو الحل لمصيبتي؟!”
هزها قليلا و لكن حركاته جميعها تتسم بالهجوم.. بالعنف.. بالجنون.. والغيرة…
” أعني أنكِ إن كنت تتنكرين لمبادئك و تضربين بها عرض الحائط.. و تبحثين عمن يرضي حاجتك الأنثوية و رغباتك.. فها أنا موجود يا زوجتي المصون ” هل فاكرة أنني سأغفر لكي أنك أردتي أن تكوني لرجل غيري…
قال آخر كلماته ملوحا بذراعه الآخر.. و كلماته رغم بشاعتها فقد أرسلت القشعريرة لكامل جسدها و خيالها يقوم بدوره مصورا كلماته لفعل.. و لكنها نفضت احساسها هذا سريعا..
” سيبني ”
همستها مشددة على حروفها لتضرب كبريائه في مقتل ثم حاولت سحب مرفقها من بين أصابعه إلا أنه لم يسمح بذلك..
” ليه ؟”
و السؤال عنيف.. بهسيس غاضب.. كاره.. مشتاااق.. مجنون.. غيور و بشدة.. جذبها أكثر حتى تماس جسديهما مشعلا كل منهما بكهرباء عالية التأثير.. و مدوية الحدوث.. و صوته يرن داخل عقلها متمتما..
” أنا رجل صاحب مبادئ.. من يومي يا ابنة العم و لكني على استعداد للتنازل عنها في مقابل ما سأحصل عليه منك.. ” ثم يضيف متواقحا.. ” و سأرضيك.. ”
همسها ناظرا لكامل جسدها بمعنى وصلها كاملا عما يعرضه.. ده مش ابن عمها الكبير الحكيم بكل تأكيد …. ده مش آدم الرجل الذي أحبته منذ أول مرة رأته خاطفا روحها.. ده الرجل الغاضب.. الكاره.. الوقح.. بالتأكيد مش آدم القاضي الرزين..
كانت تهز رأسها يمينا و يسارا بذهول مع تفكيرها.. و كأن عقلها و قلبها يتناحرأن داخل معركة ينتظرأن النتيجة لصالح أحدهما.. و همسها يخرج متوسلا رغم عدم نطقه الصريح..
” أنت بالتأكيد بتهزر.. مش كده؟ ”
و انتظرت إجابته بحمق و لكن ليس أمامها سبيل آخر.. و بأمل داخلها أعادت سؤالها بطريقة أخرى.. و أكثر وضوحا..
” أنت بالتأكيد.. لا.. تقصد المعنى.. الذي وصلني.. ”
ليقضي هو على انتظارها الراجي.. و قاضيا على كل أمانها و أحلامها بلحظة.. فيفاجئها ضاحكا بتهكم.. مداريا ضعفه لرؤيتها بهذا الشكل.. أو مستغلا لضعفها.. لا يعرف..
” واضح أنكِ محتاجة إثبات عملي لكلامي ”
و قبل أن تعي ما يعنيه وجدت نفسها محاطة بذراعيه.. ملتصقة بجسده.. و شفتاه تهاجمان شفتيها بقبلة رغم عنفها أذابتها.. للحظات شعرت فيها و كأنها أخيرا طالت السحاب بأطراف أصابعها.. قلب ثائر بين الضلوع… و عقل تغشاه غمامة ولدتها قبلته.. كفه المفرود على ظهرها رغم قسوته فهي منذ نعومة أظافراها تعرف أنها خُلقت لهذا المكان.. تحديدا بين ذراعي الحكيم.
أما هو.. فاختلف كثيرا عن حالها.. فقد كان إحساسه أعظم.. إحساس عودة الروح للجسد.. آدم الحكيم عاش لسنوات في بعدك ميتا.. و الآن فقط عادت له روحه.. أفلتها بتروٍ.. يلهث من فرط ما يعيشه في تلك اللحظة.. أنفاس تخرج بصعوبة.. و بنظرة واحدة منه لوجهها المحتقن أدرك فداحة ما فعله.. اتسعت عيناه بقلق.. و ذهول.. ثم ابتعد خطوة واحدة للوراء و مازالت عيناه تمشطانها، لم ينائلة إلا أن يبتسم بسخرية لعيناها وكفه كما هو مرتفع فى الهواء بعد أن أطاحته بعيدا.. لم تمتلك عيناه العاشقتان سوى الإلتماع بسخرية لعيناها و هتف بنبرة ثقيلة:
ما تعودتش عليك غبية يا حياة.. أنت بقيتي حقي والقبلة دي ما هى إلا قرصة ودن عشان تفتكري أنك بقيتي زوجة آدم القاضي.. مفيش على وجه الأرض اللي يقدر يمنع يدي عن ملامستك.. عن التمتع بجمالها..
وأرفق كلماته بأن حرك كفه بحرية على صفحة وجهها فتحولت لنار ملتهبة أرتفعت حرارتها فوريا وأحتقنت دماءا ليس إثارة أو خجلا بل غضبا و مقتا.. عادت تبعد يده بعنف أكبر من المرة الأولى وهى تصيح به:
أنا اللي همنعك يا آدم.. مش ليك ومش هكون..
حرك حاجبا أسودا لأعلى ساخرا وهو يقول:
والعقد اللي اتكتب من حوالي ساعة.. أعتقد حبره لسه مانشفش..
ردت متحدية:
ما يخصنيش في حاجة.. أنت أجبرتنى على الجوازة البائسة دي.. اذن لا يعني لي هذا شيئا العقد الذي تتباهى به…
لم تضع فى حسبانها ردة فعله تلك عندما دوى صوت ضحكاته عالية.. ضحكات لم تكن تحوي مرحا بل سخرية وإستياءا.. أخذ يضحك ويضحك وكأن لا نية له للتوقف كمن فقد عقله تواً وأخبروه بنقله لمستشفى المجانين.. تأملته بعينين أشتعلتا غضبا وألتمعت بهما شرارات ذهبية نارية و زيادة فى دهشتها فكما ضحك فجأة توقف فجأة وتجهمت ملامحه بصورة مريعة وهو يهتف:
فى جميع الأحوال هو عقد جواز يبيح لى مطلق الحرية معاك سواء شئت أو أبيت يا ابنة العم.. لن يمنعنى أحد عنك.. حتى ولو أنت.. ضعيها فى رأسك الفاضي ده..
قالها وهو يضرب جانب جبهتها بحدة.. عادت ترد بحدة هى الأخرى:
مش هعترف به مهما عملت.. يا آدم.
رد بلا مبالاة:
براحتك يا حياتي.. ده يرجع لك.. ربما يمكنك الإعتراف لما (ووضع كفه بنعومة فوق رحمها: تشيلي في بطنك الجميلة دي طفلى..)
قالها وهو يراقب أنفعالاتها الداخلية وتغير ملامحها للتقزز والنفور فأصاب قلبه سهما آخر من سهامها.. سهما نفذ لقلبه مباشرة فتركه جريحا ينزف دماً.. هتفت بغيظ وأسنان مطبقة بعنف:
وهل ده هيغير من الأمر شئ.. هتفضل حقير فى نظري طيلة عمري.. هتفضل صغير يا ابن عمي.. سيظل قدرك هينا أمام قدري.
وعند تلك النقطة لم يستطع التحمل أكثر.. قديما أبتلعها بصعوبة أنما الآن أصبحت ملك يمينه فليفعل بها ما يريد ويريها حقيقة قدرها ذلك.. لذا أطبق على أسنانه بعنف هو الآخر و بقبضة قوية لا تلين أمسك رسغها دون أى مبالاة بمقاومتها التى لم تسفر عن شئ وجرها خلفه نحو الممر ومنه نحو غرفة مغلقة فتحها بعنف ودخلها جاذبا إياها خلفه ثم قفل الباب خلفها موصدا إياه بإحكام وأنتزع مفتاحه ليضعه في جيب قميصه الأبيض.. حاولت صفعه بيدها الفاضية ولكنها قبل أن تهبط لمبتغاها على وجنته كان هو الأسرع فى إمساكها بيده الأخرى.. حدجها بحدة وعنف وهو يهتف:
يبدو أن عيارك فلت و وجب عليَّ التصرف.
ودون أن يترك لمخيلتها التفكير فيما يقصد كان قد ألقاها بطول ذراعه لتقع على ذلك الفراش الواسع خلفها والذى وضع أعلاه مفرش أبيض مطرز خاص بالعرائس.. أسندت نفسها على مرفقيها وهى ترفع رأسها والنصف العلوى من جسدها وفغر فاهها وأتسعت عيناها وهى تراه ينزع حزامه الأسود من بنطاله ويرميه جانبا وعيناه لا تفارق عيناها ثم بدأ يفك أزرار أساور قميصه وأعقبها بحل أزرار قميصه ببطء مستفز.. أعتدلت بعنف ما أن وصل لذهنها نيته ورفعت أصبعا مهددا وهي تهز رأسها رافضة وهي تصرخ:
مش هتجرؤ.. مش هتعمل كده.. يا آدم.
ابتسم بسخرية دون رد فأشتعلت غيظا وهى تبحث فى أنحاء الغرفة عن مفر.. هنا وهناك.. ولكن لا يوجد فالغرفة يحتلها دولاب ضخم للملابس والناحية الأخرى تسريحة موضوع عليها الكثير من العطور وأدوات التجميل ويقع أمامها كرسيا دون ظهر بينما يوجد شماعة لتعليق الملابس على شكل عامود خشبي طويل معلق به قميص نوم أبيض لا تظهر ملامحه وبجانبها بيجامة رجالي سوداء.. رددت داخلها برعب.. هل يصدق نفسه.. هل يصدق أنها ليلة زفاف طبيعية.. نزع قميصه و ظل بقميص قطنى داخلي أبيض ضيق يظهر عضلات صدره القوية وأقترب خطوتين منها فأنتفضت بقوة أعلى الفراش تقف عليه كمن يقف على الحلبة مصارعا متأهبة لأي حركة منه.. ضحك وهو ما زالت أقدامه ملتصقة بالأرض ثم هتف بنعومة خادعة:
أليس من المفترض أن تلبسي قميص النوم ده وتتزيني لزوجك يا عروس..؟
أرتفع ضغطها وزاد ضغط الدماء أعلى رأسها وأشتعل وجهها بالأحمر القاني في سابقة لم تحدث لها أن وصل غضبها لهذا القدر فأخذت تصرخ به:
قميص نوم إيه اللي عايزني ألبسه..؟؟!!
هتف بهدوء وهو يومئ برأسه:
عندك حق يا حياتي لست بحاجة للإغراء..
رددت بدون تصديق:
هتغتصبنى يا آدم وتأخذني غصباً.. هل أنت مريض ليرضيك هذا ؟؟
رد بثبات وهو لا يحيد نظرة عنها:
أيوه سيرضيني.. سيرضيني وسآخذك كيفما أشاء.. نصيحتي لكي حاولي التأقلم..
جنت أكثر وأصبحت عيناها زائغتان تبحث يمينا ويسارا عن أي مخرج.. أو أداة ما لتضربه بها.. لم يمهلها وقتا أكثر من ذلك فصعد للفراش على غفلة منها وجذبها من ساقها فتعثرت وأنقلبت بجانبه أعلى الفراش وأصبحت كالفأر الواقع بالمصيدة بينما ذراعيه تقيد حركتها.. أخذت تحرك ذراعيها من قيد ذراعيه محاولة الفكاك منهما ولكن دون جدوى لقد أزدادت عضلات ذراعيه قوة حتى أصبحت واضحة وضخمة.. شل حركتها ولكنها حاولت مرة أخرى وأخرى التخلص من ضغط ذراعيه ولم تفلح فتوقفت عن الحركة يائسة وقد آلمها ذراعيها فأحتضن جسدها المتشنج وحرر ذراعا أرتفع كفه ليحرر شعرها من حجابه حاولت الإعتراض والحركة ولكن ذلك لم يزدها إلا أقترابا منه فتوقفت.. نزع دبابيسها ببطء وكأنه على مشارف الوطء بقدمه لأرض الأحلام.. يتذكر لون شعرها منذ الطفولة قبل أن تحجبه عن عيناه المشتاقتين.. ما أن زال تلك الطبقة الحريرية الطويلة حتى شهق إندهاشا لرؤية جماله لقد أصبح لونه داكن عن الماضي.. لقد أصبح بنيا بلون البندق ناعما لامع يأسر النظر ثم أتجه للدبابيس المثبتة لشعرها وحلها واحدة أثر أخرى لتزداد لهفته بإثارة لرؤية طوله.. وأخيرا هبطت خصلاته بحرية على ذراعه طويلة متموجة بطبيعة خلابة فهتف بعينين براقتين:
جميلة.. أنت جميلة جدا يا حياتي وملك يدي..
هبط بفمه على خصلات شعرها يقبله بنهم ويشتم رائحته بعد طول إنتظار.. لم يبالي بإعتراضاتها ولا يبالي بلسانها الحاد الذى لم يتوانى عن نعته بأقذر الشتائم عله يرتجع.. لم يبالي ولم يسمع ولم يهتم سوى بالحلم الذى طال إنتظاره وأصبح بين ليلة وضحاها ملك يده فأقترب أكثر وشفتاه لم تكتفي بالتجول على شعرها بل أنتقلت بكل رحابة صدر لوجنتها الساخنة تلتهم من جمالها.. وبينما هو شارد بعالمه كانت تبحث عن خلاص عما ينجيها من بين يديه.. صرخت بصوت عالي لدرجة قادرة على ثقب أذنه ولم يبالى.. أخذت تحرك ساقها ترفسه بها فى بطنه ولكنه لم يتوقف عن تقبيلها وأكتفى فقط بأن حرك ساقه لتلتف حول ساقيها مقيدا إياها.. عادت تصرخ مرة أخرى وتضرب ظهره وأعلى كتفه بذراعها الفاضية وما زاده ذلك إلا جرأة فى لمساته وتقربه منها أخذت تزرع أظافرها فى ظهره خادشة إياه إلى أن شعرت بخروج الدم بين أظافرها ولكنه لم يأن ولم يبتعد أيضا فأخذت تصرخ كطير ذبيح أوشك على لفظ أنفاسه الأخيرة ودون أن تدري قد هبطت دموعها الأبية على وجنتيها كشلال بينما هو يلتقطها دمعة دمعة بشفتاه فأخذت تتوسله أن يتركها ولكن توسلاتها لم تلقى سوى آذان صماء.. مكتفي هو بالنعيم بين يديه ومنتظرا ليحظى بالسعادة بين ذراعيها بينما رفضها ونفورها لم يعنى له شيئا فهو ماض فى نيله لحقه.. حق أنتظره لسنوات طويلة أمتلاكها الآن….
أستمر في هجومه الشرس عليها مراعياً خجلها وانها مرتها الأولي فتاره يكون جامح عنيف من فرط مشاعره الجياشه وتاره رقيق مراعي….
وصلت يديه إلي أزار بلوزتها التي يكرها هي وأي شيئ يلامس جسدها غيره.. رماها علي طول زراعه وأخذ يقبل كل انش في جسدها بدأ من عنقها الأبيض الطويل إلي أن وصل إلي صدرها البض الذي رغم صغر حجمه الا أنه اثاره وبشده خاصه وهي تغطيه بحماله صدر صغيره باللون الأسود أعكست شده بياض بشرتها والتي غذاها الأحمرار من الغضب والرفض والشوق كلها مشاعر وتناقضات اجتاحتها من دون رحمة، ارتجافة جسدها تحته من شده الأثاره….
خلع عنها صدريتها وهنا فقد السيطره علي نفسه فاكتسح جسدها دون اعطاءها فرصه للاعتراض…
بعد أن تخلى عن قسوته وشراسته معها، أخذها بكل رقه مراعياً عذريه جسدها وأغرقها في بحر من الشهد بلمساته الحنونه الخبيره التي كانت تعزف لحناً خاص به علي أوتار جسدها البض…
وما أن أقتحم قلعتها حتي هجم علي شفتيها يبتلع صرختها في جوفه ممتصاً آلامها بشفتيه….
وبعد وقت طويل، طبع قبله مطوله علي جبينها وهو يلهث بشده والعرق يتصبب من جسده، هامساً بانفاس ساخنه مبحوحه من فرط الجهد والاثاره: مبروك يا حياتي… مبروك يا مدام آدم القاضي.
ما أن دخلت لتلك الشقة حتى قابلها صقيع ولا تعلم من أين.. هل من الممكن أن يقشعر جسدها بردا فى شهر أيلول.. هذا ما شعرت به وهى تدلك أعلى ذراعيها بكفيها علها تشعر ببعض الدفء.. أغلقت الباب من خلفها رغم أن الشقة جميلة حيوية عصرية تحوي العديد من الألوان ما بين الأحمر والذهبي والأبيض إلا أنها شعرت بها مهجورة منذ آلاف السنين.. تعلم أن زوج الهنا مش موجود بها فلقد دخل أمامها شقة والدته وبداخلها أخذت تدعو بلهفة أن يبقى بها وألا يصعد إليها.. دخلت ثم جلست على أقرب كرسي وأخذت تنتحب بقوة واضعة وجهها بكفيها.. أيام وشهور وسنوات طويلة مرت على آخر يوم لهم بذلك المكان.. يوم كئيب أمتلأ صراخا و عويلا أعقبه خروج والدها ووالدتها وجدتها من ذلك المنزل بغير رجعة و ها هم يعودون إليه مكرهتين مجبورتين.. كيف للإنسان أن يكون خبيثا ويخفى خبثه ذلك هكذا فما لا تفهمه أبدا كيف فعل آدم ذلك بشقيقتها.. عادت تبكى.. لقد تغيرت البناية كثيرا منذ مغادرتهم ولكن ذكراهم التى عششت فى كل ركن من زوايا هذا المنزل ما زالت حية نابضة.. تلفتت حولها لا تعلم ماذا ستفعل الظهر لم يؤذن بعد واليوم يبدو طويلاً طويلاً.. نهضت وأخذت تسير متجولة بتلك الشقة التي تبدو وكأنها سجن راقى لها لا تعلم إلام ستؤول حياتهم فى ذلك البيت.. هل هو جواز طبيعي.. هل ستحيا دوما هنا.. أم عمها ينوي ذلهم أكثر من ذلك.. لا تعلم حقا الهدف من وراء تلك الورطة وما هى غنيمته التي يسعى إليها.. لقد أمتدت قطيعتهم منذ رحيلهم بل أنها قبل ذلك ببضعة سنوات ولكن جمعهم سويا طفولة مشتركة حتى أنها تتذكر نفور أدهم الدائم من اللعب معها وشجاره مع شقيقه ليلعب مع حياة.. فتحت باب أحدى الغرف ودخلت إليها لا ترغب سوى براحة حرمت منها منذ البارحة عندما أقتحم آدم مجلس خطبة شقيقتها، وألقى بقنبلته أمام الجميع، كادت تجن هى ووالدها بعد أن وصم آدم شقيقتها بعترافه أنها زوجته فعلا وقولاً.. وجدت فراشا ضخما يحتل نصف مساحة الغرفة على سطحه مفرشا فضيا مزركشا متناسب مع الغرفة المطلية باللون الأحمر النارى المرصع بنجوم فضية بينما أحتلت خزانة ضخمة باللون الأسود اللامع الحائط المقابل للفراش والحائط الآخر بجانب الشرفة أحتلته تسريحة صغيرة.. أتجهت نحو الفراش بأقدام متثاقلة ثم ألقت نفسها فوقه بإستسلام لينخفض الفراش تحت ثقل جسدها.. دارت عيناها متأملة طلاء الغرفة وهى تهتف بداخلها.. حتما هذا ذوق أدم.. دائما يميل للألوان النارية عكس شقيقه المائل للألوان الترابية فكثيرا ما فضل إرتداء الأسود وكثيرا أيضا ما أرتدى معه الأبيض عاشقا للتضادين.. رفعت عيناها للسقف وهى تعقد ذراعيها أسفل رأسها محدجة فيه وتاهت فى ذكرى عمرها عشر سنوات عندما كان عمرها خمسة عشر سنة فى بداية عهدها بالحجاب بل كان هذا أول يوم ترتدي فيه حجابا فأختارت واحدا باللون الوردي متماشيا مع بشرتها الخمرية وملتفا حول وجهها المستدير كانت أكثر سمنة فى صغرها حد البدانة فكان وجهها ممتلئا للغاية ووجنتيها مرتفعتين لأعلى فقد كان الطعام متعتها الوحيدة.. كانت سعيدة بحجابها.. سعيدة لما يعنيه هذا الحجاب.. سعيدة لعلامات الأنوثة التى بدأت فى الظهور فكل ذلك يعني أنها كبرت وأصبحت فتاة ولم تعد طفلة بضفائر سوداء.. تهبط الدرج سعيدة مبتسمة وربما كانت هي فيما سبق مبتسمة على الدوام لا تحمل للدنيا هما ترتدي بنطال ضيق من خامة الجينز الأزرق يعلوه كنزة وردية ضيقة لحد ما فتظهر إمتلاء جسدها.. كانت فى طريقها للذهاب لدرس خصوصي عندما أصطدم كتفها بكتف أدهم الذى دخل لتوه من بوابة البناية راكضا كالصاروخ.. لم يكن خطأها حينها ولكنه أخذ يتأفف بل وأحتد عليها صارخا:
أنت مش بتشوفي قدامك أبداً؟
تلاشت إبتسامتها فورا و عقدت حاجبيها بتوتر:
آسفة.. لم أقصد.
رد بضيق عليها وأخذ ينفض كتفه موضع إرتطامه بها وكأنها لوثته بشئ ما:
و أنا هعمل إيه بأسفك ده؟
رددت بحدة:
ما حصلش حاجة لكل ده يا أدهم.. ثم إنك أنت اللي خبطت فيا مش العكس فـ أنت اللي كنت بتجري أعمى البصر والبصيرة..
صرخ بوجهها وهو يشيح بكفه:
أعمى البصر والبصيرة! .. أنت بت قليلة الأدب..
نظرت فى ساعتها فلقد كانت على عجلة من أمرها وشجارها اليومي مع أدهم الذي يكبرها بعامين مش هيفيد بشئ بل على العكس تماما ستتأخر على موعد الحصة وبالتالى سيعاقبها المدرس عقابا علنيا أمام زميلاتها وزملائها الذكور مما يجرح كرامتها وأنوثتها الوليدة.. لذا هتفت بنفاذ صبر ساخر:
اعتبرني ما عنديش أدب.. يالا اتحرك عاوزه أعدي..
تضايق من سخريتها منه وأستهزائها به فصاح بغضب:
طيب إيه رأيك بقى مش هتحرك خطوة واحدة يا عديمة الأدب ويالا وريني هتعملي إيه..
ضربت آياز الأرض الرخامية بحذائها ضيقا ثم أخذت تتأفف ثم صاحت به:
أنا مش عارفه بتطلعلي منين..
صاح بها: احترمي نفسك يا آياز.
انتبه لتوه لحجابها الوردي الصغير فإبتسم ساخرا وهو يقول مغيظا إياها:
هو أنت لبست الحجاب؟
عدلت آياز بعفوية حجابها مصدر سعادتها قبل رؤيتها لذلك الغليظ.. عاد يهتف بنفس النبرة الساخرة:
ده كان شعرك أحلى حاجة فيكي.. دلوقتي بقيتي شبه شوال البطاطس اللي أمي جابته امبارح يا تخينة..
ثم أخذ يضحك بصوت عالي بينما الدموع تلتمع بعيناها كنجوم فضية على وشك الهبوط.. دائما يعشق تجريحها وإهانتها ولم يتوانى يوما عن معايرتها بالتخينة التى لم تكن يومها لتتحكم بها لذا بعقل طفولي بحت رددت وهى تنظر لطوله بإستحقار فلقد كان طويلا رفيعا يظهر بوجه بعض حب الشباب المتناثر عليه.. رددت بإستحقار:
أحسن من كستوت المحطة بوش مشوه..
بهتت إبتسامته الساخرة فورا فلقد وفقت فى تسديد الضربة إليه فكز على أسنانه غضبا و ألتمعت عيناه شرا وردد بلا تفكير:
أختك أحلى منك بكتير وخليكي عارفه إنك هتعنسي ومفيش حتى فار جربان خارج من بلاعة صرف صحي هيرضى يبص في وشك اللي بيفكرني بالضفدعة كل يوم الصبح…
المرة دي خرجت الدموع مدرارا من عيناها ليس فقط لإهانته لها بل أيضا لبخسه من قدرها وجمالها أمام من سحر لياليها و أول من دق قلبها له.. آدم.. آدم الذى دخل لتوه من بوابة البناية بهى الطلة كعادته ما زال مرتديا لنظارته السوداء يرتدي كنزة بيضاء ذات رقبة مثلثة وبنطال من خامة الجينز الأسود يومها كان فى العشرين من عمره حلم كل فتاة فى مثل عمرها كثيرا ما كانت تلقي زميلاتها على أذنها عبارات الحسد لمجرد أنها إبنة عمه.. لمجرد أنها تراه يوميا.. فلقد كان ساحرا طويلا ذو جسد رياضى معضل.. جذابا بشعره الأسود الغزير الذى كان يتركه طويلا قليلا عن المعتاد مثيرا حنق والده و رائحة عطره التى كانت تذيبها عشقا إليه.. طالما ألقى على مسامعها منذ كانت صغيرة أنها لآدم وآدم لها حتى أصبحت مخيلتها نشطة بما يسمح لها سن الطفولة التخيل فمرة تتخيل عندما تضع خاتمه بيدها و مرة عندما سيتنزهوا سويا و أخرى عندما يصطحبها لأماكنها المفضلة وعندما يحنو عليها ويضمها لصدره.. ما أن رأى وقفتهم المتحفزة على الدرج حتى فطن أنه شجارهم اليومى لذا صاح:
واقفين كده ليه..؟
نظرت آياز أرضا وقد خمنت أنه سمع إهانة شقيقه لها ومسحت دموعها المتساقطة بظهر يدها فلاحظ آدم حركتها تلك فعقد حاجبيه بضيق وضاقت عيناه متسائلا:
بتعيطي ليه يا آياز ؟
لم ترد آياز بل أزداد نشيج بكائها ونحيبها فأقترب سريعا قاطعا المسافة إليهما فى ثلاث خطوات كبيرة ثم أزاح شقيقه الذى أشاح بكفه بلا مبالاة ليقترب منها وهو يمسك بأعلى ذراعيها ثم حرر ذراعا ورفع وجهها لأعلى ناظرا لدموعها الغزيرة وهتف بضيق:
الغبي ده قالك إيه عشان يزعلك كده ؟
أطلق أدهم صيحة إستنكار من خلفه بينما أبتسمت آياز إبتسامة صغيرة ألتوى لها شفتاها قليلا فكانت غريبة الهيئة بها ومتناقضة مع دموعها اللامعة أعلى وجنتيها الناعمتين الحمراوتين المكتنزتين.. عاد آدم يسألها:
كنت رايحة فين يا صغيرة ؟
نظرت آياز بهلع فى ساعتها الملتفة حول رسغها الأيسر ثم صاحت بخوف:
أنا اتأخرت بجد.. مش هلحق وأستاذ راضي هيعاقبني قدام المجموعة كلها.
و رفعت عيناها نحو أدهم هاتفة بحنق: منك لله..
أبتسم آدم لطفولتها ثم أقترح عليها ببسمة:
طب إيه رأيك لو أوصل أنا الجميلة بعربيتي عشان تلحق درسها من غير عقاب وبالمرة تحكيلي المغرور ده عمل معاكي إيه..
برقت عيناها سعادة وتوهجت ستثير اليوم ضغينة وحسد زميلاتها نحوها وسينظرون نحوها بمنظور آخر.. منظور الفتاة الجميلة.. وافقت سريعا وأتجهت معه نحو سيارته المصطفة بالخارج أمام بنايتهم بينما حدج آدم شقيقه بنظرة صارمة وهو يخبره بصرامة:
حسابنا لما أرجع.. مش هعديها لك المرة دي..
صعدت بجانبه وبينما هو يجذب ناقل السرعة ويحرك المقود أبتسم بلطف هاتفا:
مبروك الحجاب.. زادك جمالاً..
أخفضت وجهها لأرضية السيارة و قد أشتعلت وجنتاها وأزدادت حرارتهما وبرقت عيناها بنجوم فضية ليست دموعا بل سعادة فاقت الوصف.. سعادة جعلتها لا تنسى ذلك الموقف له أبداً ومواقف أخرى حتى يومها هذا مما يشعرها بالخزي من نفسها.. هل كانت لتسعد لو كانت تزوجت آدم عوضا عن ذلك الغليظ رغم أنه أصبح وسيما بشكل لا يصدق بشامته البنية الصغيرة أسفل عينه و وجهه الذى أصبح خاليا من حب الشباب و أنفه المستقيم وشعره الأسود القصير و بنيته التى عمل عليها وأصقلها بالمراكز الرياضية حتى أصبح عريض الكتفين معضل الذراعين.. هل كانت لتسعد لو كانت هى من أنتهكها آدم وأخذها بالافتراء والكذب.. أستدارت على جانبيها بعنف مغمضة عيناه بشدة وهى تصرخ بصوت مسموع.. لا.. لم تكن لتسعد بل أنها تتألم كثيرا لألم شقيقتها بل تريد تهشيم رأسه بمطرقة عله يفيق.. كيف فعلها آدم.. آدم الرقيق الذى طالما دافع عنها.. هل هى مستاءة فقط لأنه فضل شقيقتها عليها.. هذا طبيعي ليس هناك عينا تبصر “حياة “وترى شيئا آخر بجانبها.. صحيح هى فقدت الكثير من وزنها ولكنها ظلت ممتلئة الجسد مكتنزة كما أن وجهها ليس به ما يميزه على الأقل كاااحياة.. تسائلت داخلها بحسرة.. إلى متى ستظلين تضعين نفسك معها فى مقارنة يا آياز.. إلى متى.. هل كنت لترحبى بوضعها الحالى.. عادت تصرخ بصوت عالى.. لا وألف لا.. ولكن دون قصد منها عادت تطرق ذكريات قديمة زوايا عقلها بعنف لم تتركها حتى بعد أن خلدت لنوم عميق.
تقف بشرى أمام مرايتها التى كانت على شكل نصف دائرة كحال شرفتها تمسك بيد نقابا وبالأخرى حجابا يماثل لون النقاب باللون الأسود تنظر لهذا حينا ولهذا حينا حائرة أيهما ترتدى.. هل يعقل أن ترتدى نقابا فى بيت ليس به من الرجال سوى حماها الحاج حسين وزوجها ولكنها تخجل من كشف وجهها أمامه وفى نفس الوقت تخشى أن يحتد حماها عليها أو أن ينهرها أيهم لذلك.. لذا آثرت الجانب الآمن و أرتدت الحجاب الأسود مماثل لعبائتها السوداء الواسعة دون نقش أو زينة كأسدال.. ألتفتت لكلا طفليها الجالسان أعلى الفراش يلهوان ببراءة بأحد الألعاب المطاطية و أنحنت مقبلة كل منهما أعلى رأسه بسعادة فهم فرحة عمرها وهم دافعها لتلك الزيجة.. حملت كلا الطفلين و أتجهت نحو باب الغرفة و فتحته مغادرة إلى الطابق الأرضى.
يقف أمام مرآته يغلق أزرار قميصه الأزرق الداكن الذى ألتصق بعضلات صدره وأبرز بنيته الرياضية يتأمل هيئته بالمرآه لقد قصر شعر رأسه هذه المرة لدرجة أظهرت جلد رأسه.. أخذ ساعته ولفها حول معصمه ثم أغلقها بحرص.. أستدار ينظر لتلك المحدقة به.. كانت تتكأ على مرفقها وهى ممدة على الفراش تضع رأسها الأسود المشعث على كف يدها اليمنى ساندة إياه.. تذوب عيناها الخضراواتان عشقا فى مراقبته وتأمله تنطق ملامحها الهائمة به عشقا تخطى عمر علاقتهم القصير.. ترفع مفرش السرير لأعلى صدرها بذراعها الآخر مغطية عرى جسدها.. قابل نظراتها الناعمة الشغوفة بأخرى حادة غليظة لا تناسب ما كان بينهما خلال ساعات الليل.. هتف بصرامة:
يالا يا موشجان.. هو أنت هتفضلي في السرير طول اليوم.. ؟
أبتسمت موشجان راضية فالليلة الماضية عندما دخل إليها ووجدها باكية محمرة الأنف ومتورمة العينين حاول مراضاتها كثيرا على غير عادته بل و دللها فى سابقة من نوعها لتحي معه ليلة ليس هناك ما يضاهيها جمالا حتى ليلة زفافهم الأولى فالأول مرة يكون رقيقا معها شغوفا بها صبورا عليها.. عاد ينهرها بحدة:
موشجان.. مالك سرحانة في إيه؟
عادت تبتسم مرة أخرى كفتاة مراهقة قبلها حبيبها لأول مرة مما زاده حنقا وناداها متأففا:
موشجان!
رفعت عيناها لعينيه الصغيرتان وما زالت البسمة محتلة شفاهها وملامحها:
نعم يا حبيبى.. آآمر..
رفع حاجبا مرتاباً من هيامها الصباحى ثم هتف بحدة:
موشجان أنا مش بطيق الحركات دي الصبح بدري خليها بالليل دي تناسبه أكثر..
أزدادت إبتسامتها أكثر شقاوة وهى تنهض من الفراش وتجر معها مفرش السرير وتقترب منه هاتفة بدلال:
وهى إيه الحركات اللي أنا بعملها دي؟
وأقتربت أكثر ثم رفعت كفها تلامس فكه السفلى العريض بنعومة وأقتربت منه تتدلل أكثر فاتحة فمها بإغراء مغمغمة بخفوت:
أنا لسه ما شبعتش من حبك.. يالا بوسني…
أبعد كفها عنه وهتف بتذمر:
موشجان هتعطل على شغلي..
مطت شفتيها للأمام معترضة بدلال:
وهل هتعطلك مجرد بوسة؟
رفع آيهم حاجبا و هو يبتسم و هتف:
بتقوليلي مجرد بوسة.. ماشي.
و دون أن يترك لها لحظة تفكير جذبها بنفاذ صبر لأحضانه و ألتهم شفتاها إلتهاما بين شفتيه مقبلا إياها بعنف وكفيه يتحسسان ظهرها العاري لأعلى ولأسفل ثم أنهى قبلته التى طالت وحركت مشاعرها.. أنهاها بنعومة سحرت لبها وقلبها معا ثم أحتضن جسدها بين ذراعيه وهتف بجانب أذنها بنبرة خافتة تكاد لا تسمع:
قولتلك كذا مرة إنها مش بتعني لي حاجة فمفيش داعي لخوفك ده..
قبل شعرها المشعث وخفف من ضغط ذراعيه عليه إستعدادا لتركها بينما هى رفضت وزادت جذبا لجسده لحضنها تمرغ وجهها فى صدره كقطة تطلب دلال صاحبها و أقترحت بنعومة:
طب ما تفضل معايا النهاردة.. ونعيد يوم من أيام شهر عسلنا..
حاول إبعادها هاتفا:
يالا يا موشجان أنت قولتلي إنها مجرد بوسة ما تكونيش مخادعة كده.. وبعدين شغلي مش ينفع يتأجل..
أزاح ذراعيها من حول جسده غير مبالي بإعتراضاتها وهو يأمرها بلطف:
يالا استعدي وهستناكي تحت عشان نفطر ما تتأخريش أكتر من كده..
تركها تضرب الأرض الرخامية بقدمها العارية متأففة حانقة و زادها حنقها ألم قدمها التي أرتطمت بالأرضية بقوة.
تقف بشرى في المطبخ تنقل عدة أطباق لطاولة الطعام بالسفرة حائرة ومتعجبة من تأخر سكان البيت على غير عادتهم فى الإستيقاظ فمن طبيعتهم التواجد على طاولة الطعام فى السابعة والنصف يليه مغادرة آيهم لعمله وجلوس حماها بالحديقة لحين آذان الظهر وجلوسها مع موشجان التى قاطعتها مؤخرا وأصبحت العلاقة بينهم نارية.. هل يجب عليها تناول إفطارها وحيدة أم تذهب لتيقظ عمها.. أنها الآن الثامنة وتجهل ما عليها فعله.. لقد حممت أطفالها وأطعمتهم و هاهما يلعبان على أرضية الصالة بألعابهم.. ستضع الطعام على الطاولة ولتفطر وحدها ولن تزعج أحدا.. لم يكمل عزمها فلقد سمعت صوت عمها مناديا بحنق:
بتعملي إيه كل الوقت ده ؟
فاقت بشرى من شرودها و ركضت سريعا من المطبخ تضع باقي الأطباق على الطاولة التى يجلس على رأسها فيبدو أنه كان ينتظرها منذ فترة.. جلست على الكرسي بجانبه وهى تهتف:
آسفة يا عمي.. ما عرفتش إنك صحيت..
نظرت نحوه بطرف عيناها يبدو وكأنه كبر فجأة.. حزينا.. تهدل جلد وجهه وتورم جفني عيناه.. يبدو أن ضغطه قد أرتفع مرة أخرى.. تسائلت.. إذا كان زواجها من آيهم أحزنه بتلك الطريقة لما أصر عليه.. لما.. الله يرحمك يا إبراهيم كنت نعم الزوج و الإبن.. الله يرحمك..
قاطع أفكارها بحدة:
فين آيهم مش صحي لسه ؟
أحمر وجهها بعفوية و أخفضت عيناها وهى تفكر… هل يعتقد أن ابنه قضى ليلته معها ولهذا هو تأخر فى النوم.. أصبحت حرارة وجنتيها لا تحتمل.. سمعت صوتا هادئا من خلفها:
أنا هنا يا بابا..
سأله الحاج حسين: اتأخرت كده ليه.. وفين موشجان.. مالكم النهاردة ؟
لم تلتفت بشرى لتنظر إليه فظلت مولية إياه ظهرها بينما سمعته يرد بثبات وهو يتخذ المقعد المقابل لها كعادته: هتنزل حالا..
نظر للأطباق أمامه دون أي مبالاة بها.. كعادته أيضا فنظرت للأطباق أمامها هى الأخرى وفزعا كلاهما على صوت الحاج حسين الحاد عندما نهرها هاتفا مشيحا بكفه فى وجهها:
هو ابني الثاني مات عشان تلبسي الأسود عليه هو كمان يا ست أنتِ..
أضطربت بشرى فى حين رفع آيهم نظره نحوها متوقعا غيمتها السوداء ولكنه على العكس وقعت عيناه على جمال لم يكن ليتخيله أبدا حجابا أسودا يلف وجهها الطويل الأبيض كشمس متوهجة وعينان كالعسل الصافى تبرقان وأنف دقيق للغاية وفم شهى ممتلئ ووجنتين مرتفعتين بدأ الأحمر القاني يغزوهم.. جميلة.. جميلة للغاية.. ولا يمكن أن يرى أحد هذا الجمال مهما أرتدى السواد أن يظنها فى حالة حداد.. أطال نظره نحوها يتأملها بينما هى أضطربت أمام نظرته الثاقبة تلك و أرتعش فمها ثم هتفت:
أنا مرتاحة كده يا عمي..
رد الرجل بحدة لا تقبل نقاش:
مش بمزاجك.. أنا مش بطيق أشوف اللون ده قدامي تاني.. (ثم أبتلع غصة مريرة بحلقه وهو يهتف) وبعدين جوزك ليه حق عليكِ..
أضطربت بشرى و زاغت ملامحها و هى تنقل بصرها بين حماها و آيهم ثم تشجعت هاتفة بصرامة وقوة وليحدث ما يحدث ستضع النقاط على الحروف:
آسفة يا عمي.. أنا مش معترفة بجوازي من آيهم.. يعني ملوش أي حقوق عليَّ..
ضاقت عينا آيهم وتحكم بغضبه الذى ثار.. من دي عشان ترفضه.. بينما الحاج حسين ضرب الطاولة بكفه بقوة مصدرا صوتا عالياً و هو يصيح بها بصوت عالى:
تقصدي إيه يا بشرى ؟
توتر جسدها وأنتفض أثر صفعة حماها القوية للطاولة وتخيلت لو كانت نزلت تلك الصفعة على جسدها.. أغمضت عيناها رهبة وهى تشجع نفسها.. عليها توضيح الأمور.. هتفت بنبرة شبه ثابتة:
أقصد أن الهدف من الجوازة دي تحقق.. حضرتك خايف إني آخذ أطفالي وأسيبكم عشان أتجوز من حد تاني.. ولكنى الآن أصبحت فى عصمة إبنك يعني مفيش طريقة للجواز من حد تاني.. عشان كده ملوش حقوق عليا فالهدف من الجواز ده إلزامي بالبيت ده.. وأهو حصل..
أزداد ضيق عينى آيهم بينما والده عاد يصفع الطاولة بضربة أعلى و هو يصرخ بها وقد خرجت كل أنفعالاته منذ الأمس بلا قيد:
هو أنتِ اتجننتي يا ست أنتِ.. هو أنتِ جرى لعقلك حاجة.. بتحرمي اللي ربنا شرعه وكده بعين بجحة ومن غير حياء..
وقفت بشرى وهى تحاول تمالك أعصابها أمام حماها:
قولتلك يا عمي مش ده كان الهدف من الجواز.. وأنا مش من غير حياء أنا عملت اللي طلبته ومش تؤمرني باللي مش أقدر عليه..
قالتها وألتفتت تحمل أبنائها بينما صاح الحاج حسين بولده:
هو أنت قاعد كيس جوافة قدامي يا آيهم كده بدل ما تقوم وتجيبها من شعرها وتديها قلمين يظبطوا حالها المايل ده..
أرتفعت رأسها تحدج حماها بدهشة وأعين متسعة و حاجبان مرفوعان لأعلى.. أستنكرت.. هو بيحرض إبنه على ضربها.. لا والله مش هسكت..
نظرت نحو آيهم متحدية لتقابلها نظراته الهادئة وهو ينقل عيناه على ملامح وجهها ببطء ثم رفعها لعيناها هاتفا:
سيبها يا بابا.. أنا ماليش رغبة فيها..
أليس هذا مطلبها لماذا شعرت بكلماته صفعة على وجهها.. لماذا شعرت بها كإهانة لها..
أحمر وجهها غضبا ورفعت طفليها سريعا مغادرة لجناحها وعلى الدرج قابلت موشجان التى تزينت كعروس صباح ليلة زفافها فتركت شعرها المتوسط الطويل حرا طليقا على كتفيها ولم تبخل على وجهها بأي من أدوات الزينة ولكن بجمال محددة عيناها الخضراوتين مبرزة جمالهما.. مرتدية عباءة إستقبال بيضاء اللون تحدد جسدها بنعومة.. مرتدية حذاء عالى الكعبين يماثل لونه لون العباءة.. تركتها بشرى صاعدة لجناحها بينما موشجان ضيقت عيناها ورفعت حاجبا مرتابا.. هو في حاجة حصلت.. لم يكن عليها التأخر كل ذلك الوقت.. هبطت باقي الدرج بتوجس و أتجهت نحو غرفة الطعام و سمعت أحتداد صوت حماها مما أكد شكوكها وهو يصيح:
ازاي تسمعها بتتكلم كده وتفضل ساكت.. هو أنت لوح تلج.. مش بتحس..
نهض آيهم حتى لا يصيبه لعنات وسباب والده أكثر من ذلك.. فوالده أصبح سئ الطباع للغاية منذ وفاة شقيقه.. فاستأثر الصمت لذا نهض بهدوء وهو يهتف:
مش تضايق نفسك يا بابا.. هى مش تقدر تمنعني عن اللي أنا عاوزه.. مش تضايق حالك..
وعندما نهض أرتطمت عيناه بموشجان التى جحظت عيناها برعب عندما سمعت كلماته تلك.. هو بيكذب عليها.. هو بيسخر منها.. هو أنا بقيت بلهاء للدرجة دي.. هو أنا بقيت غبية في حبه للدرجة دي عشان مش ألاحظ كذبه عليا.. حدجها بنظرة و هو يهتف بداخله بتذمر.. يا ليلتك الطويلة يا آيهم مجهودك امبارح ضاع على الأرض.. حدجها بنظرة أخيرة قبل أن يسارع فى المغادرة ماراً بها دون أن يطرف له جفن محتفظا بوجهته الباردة..
يتبع…..