رواية جديدة جدا 1

“الفصل الرابع”
وصلت عهد إلى المنزل مكسورة الروح، كأن الطريق ابتلع منها ما تبقى من قوتها، كانت خطواتها متعثرة، ودموعها تنساب على وجنتيها بلا توقف، لا تمسحها ولا تحاول إخفاءها، وكأنها تترك للحزن حرية أن يعلن عن نفسه.
كانت خيبة الأمل تركض خلفها كظل ثقيل، تطارد أنفاسها، تخنق صدرها.
دفعت باب المنزل ودخلت، لتجده جالسًا في مكانه المعتاد، مستقيم الظهر، جامد الملامح، وكأن شيئًا لم يحدث.
لم يبد عليه أثر قلق، ولا حتى انزعاج.
رجل قرر، فانتهى الأمر بالنسبة له.
اقتربت منه بخطوات مترددة، وانحنت قليلًا أمامه، وصوتها يرتجف تحت وطأة الرجاء:
“بترجاك يا بابي ساعد همام، هو مظلوم أنا متأكدة، ابوس ايدك.”
رفع عينيه إليها ببرود قاسي، وكأن كلماتها لا تعنيه، ثم قال بنبرة آمرة لا تحمل سوى الحسم:
“اعملي حسابك خطوبتك بكرة على أسر فريد الهواري.”
شعرت وكأن صفعة غير مرئية هوت على وجهها.
هزت رأسها بسرعة، بعناد ممزوج بالخوف، وصوتها يخرج مختنقًا من بين دموعها:
“أنا قولتلك مش موافقة عليه يا بابي، أنا مستحيل اكون مع حد تاني غير همام.”
استقام بجسده فجأة، ونظرة السيطرة تلمع في عينيه، وقال بصوت لا يقبل الجدال:
“وانا قولت خطوبتك بكره ورجلك فوق رقبتك.”
تكسر شيء بداخلها عند تلك الكلمات.
ارتفع صوتها، لا قوة فيه، بل وجع يمزق الحروف:
“أنا مش عايزاه يا بابي، مش هقدر اكون مع أي راجل غيره.”
وفجأة، مد يده وأمسكها من شعرها بعنف أوجع فروة رأسها، فشهقت من الألم، بينما هو يضغط أكثر، وصوته يخرج غاضبًا، مشحونًا بالشك والغيرة والسلطة:
“ليه مش هينفع عمل معاكي ايه بالظبط؟ انطقي.”
لم يكن الألم في قبضته فقط،
بل في اتهامه.
دموعها ازدادت، لكنها رفعت عينيها إليه، والصدق يرتجف في نبرتها:
“معملش معايا حاجه والله العظيم، همام كان بيخاف عليا حتى من نفسه، وعلشان كده حبيته يا بابي، حبيت شهمته، أنت لو عرفت همام هتحبه صدقني والله.”
ازدادت قبضته قسوة، كأنه يريد أن يقتلع اسم همام من جذوره داخلها، وقال بتحذير بارد:
“الواد ده تنسي، كده كده مش هيخرج من الحبس دلوقتي خالص، وانتي هتتجوزي أسر الهواري، فااااهمه.”
كانت كلماته الأخيرة كالحكم النهائي.
ثم دفعها بقوة، فسقطت أرضًا، ارتطم جسدها بالأرض الباردة، وبقيت لثواني لا تتحرك، ليس من شدة الألم، بل من ثقل الحقيقة التي ألقيت عليها.
رفعت رأسها ببطء، تنظر إليه بعينين يغمرهما الانكسار.
لم تعد ترى أباها، بل رجلًا غريبًا، يختار المال على قلب ابنته.
نهضت بصعوبة، كأن جسدها صار أثقل من قدرتها على حمله، واتجهت نحو الدرج بخطوات بطيئة.
كل درجة تصعدها كانت كأنها تبتعد أكثر عن طفولتها، عن أمانها القديم.
دخلت غرفتها وأغلقت الباب خلفها، مستندة إليه للحظة، تحدق في الفراغ أمامها، في الجدران التي شهدت أحلامها الصغيرة.
ثانية واحدة فقط حاولت فيها أن تتماسك، ثم انهارت، انفجرت دموعها، وسقطت أرضًا، تحتضن نفسها، واسم همام يخرج من بين شهقاتها الممزقة، كأنه النجاة الوحيدة في بحر يغرقها.
“همام.”
لم يكن نداء بصوت عالي، بل كان استغاثة روح.
***********************
داخل القضبان الحديدية، جلس همام على الأرض، يضم قدميه إلى صدره كمن يحاول أن يحتمي من العالم بجسده فقط، أسند رأسه عليهما، وعيناه معلقتان بفراغ لا ينتهي.
كان السجن حوله صاخبًا بأصوات متداخلة، لكن داخله كان أشد ضجيجًا.
صور تتلاحق دون رحمة، ضحكة عهد، ارتعاشة صوتها حين تناديه باسمه.
نظرة عينيها وهي تراه يقتاد بين رجال الشرطة.
تلك النظرة، المكسورة، المصدومة، التي ظلت عالقة في صدره ك..سكي..ن بارد.
ارتفعت أنفاسه، ثقيلة، متقطعة.
أغمض عينيه سريعًا، كأنه يخشى أن تخونه دمعة، أن تسقط رغمًا عنه، أن تفضحه أمام ذاته قبل الآخرين.
كتمها بقسوة، فهو لم يبقى له سوى كبريائه.
زفر تنهيدة حارة خرجت من أعماقه، كأنها تحمل وجع عمر كامل، وفي تلك اللحظة اخترق سكونه صوت خشن:
“الحلو بقى جاي هنا في أيه؟ مخد..رات ولا سرقة ولا حاجة تانيه؟”
فتح عينيه ببطء، ورفع رأسه باتجاه الصوت.
نظر إلى الرجل بضيق صامت، عينان فارغتان من الخوف، ممتلئتان فقط بالاحتقار، لم يرد، وفجأة جاءت الركلة قاسية في جانبه، تبعها صوت غاضب يهدر:
“لما اكلمك ترد عليا يا روح أمك.”
اشتعل شيء بداخله، لم يكن خوفًا، بل غضبًا نابعًا من خسارته لكل شيء.
نهض بسرعة، وكأن الألم أعاد إليه الحياة للحظة، ولكمه في وجهه وهو يصيح:
“انت مجنون! ابعد عني احسنلك، أنا واحد خسران كل حاجه، ومش باقي على الدنيا فى حاجه.”
تجمد المكان لثانية، ثم انفجر.
أمسكه الرجل من عنقه بعنف، وأصابعه تضغط حتى كادت تقطع أنفاسه، وقال بنبرة شرسة:
“مدام مش باقي على الدنيا، أنا بقى حققلك امنتيك وهخرجك منها.”
لم تكن مجرد كلمات، كانت إعلان حرب.
في لحظة، التف الرجال حوله.
قبضات تتساقط، أقدام تركله.
أصوات سباب وضحكات خشنة تمزق الهواء.
قاوم في البداية، ضرب بيديه، حاول أن يبعدهم، لكنهم كانوا أكثر، وأقسى.
كل ضربة كانت تسحب منه نفسًا.
كل ركلة كانت تسقط جزءًا من قوته.
حتى خارت قواه أخيرًا، وسقط جسده على الأرض، يتلقى الضرب بلا دفاع.
سال الدم من جبينه، خطًا داكنًا فوق الأرض الإسمنتية الباردة.
كان الألم يضرب جسده، لكن داخله كان في مكان آخر.
بين الفوضى والضجيج، وسط العتمة التي بدأت تزحف إلى وعيه، ظهرت صورتها أمام عينيه، عهد، كما كانت تبتسم له.
كما كانت تنظر إليه بثقة لا تتزعزع.
ارتسمت على شفتيه ابتسامة حزينة، بالكاد ترى.
كأن آخر ما أراد أن يحمله معه قبل أن يغيب، هو ملامحها.
ثم أغمض عينيه، وسقط في العتمة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *