رواية جديدة جدا 1
************************
عند همام…
تحرك رأسه ببطء شديد، وكأن عنقه يحمل ثقل جبل.
ألم حاد انساب في جسده كله مع أبسط حركة، فأن بصوت خافت لم يسمعه أحد سواه.
فتح عينيه بصعوبة، ورمشه ثقيل، والرؤية ضبابية للحظات.
أدار عينيه حوله بارتباك، جدران بيضاء، رائحة مطهر قوية، صوت أجهزة منتظم يخترق الصمت.
الذاكرة عادت دفعة واحدة.
الزنزانة، الضرب، الدم، صورتها.
رأى ممرضًا يمر بجواره، فمد يده بتعب، وأمسك بطرف ثوبه بصعوبة، وصوته بالكاد يخرج:
“أنا فين دلوقتي؟”
نظر إليه الممرض بنظرة سريعة، وقال بنبرة جافة عملية:
“فى المستشفى العسكري.”
ثم حرر يده ومضى، تاركًا خلفه صمتًا أثقل من الألم.
أغلق همام عينيه مجددًا.
لم يكن الألم الجسدي هو ما يقت..له،
بل الإهانة، العجز، والفكرة التي تنهش صدره: أنه أصبح بلا شيء.
زفر ببطء، يحاول أن يهدأ، لكن قلبه فجأة تسارع، شعور غريب تسلل إليه.
فتح عينيه بسرعة، كأن أحدًا نداه باسمه.
“عهد؟”
لكن الغرفة كانت فارغة.
لا شيء سوى صدى الأجهزة.
ابتسم بسخرية من نفسه.
كيف تخيل أنها ستأتي؟
أدار وجهه نحو النافذة، يحاول أن يقت..ل الأمل داخله، لكن فجأة، سمع صوتًا يعرفه جيدًا.
“مين اللي عمل فيك كده؟”
تجمد قلبه، التفت نحو الباب ببطء، وكانت هناك.
تقف عند العتبة، عيناها ممتلئتان بالقلق والخوف، وكأنها تحمل وجعه فوق كتفيها.
اقتربت منه بخطوات حذرة، كأنها تخشى أن تلمسه فينكسر أكثر.
قال بصوت ضعيف، لكنه ممتلئ بشيء يشبه الحنين:
“الزمن هو اللي عمل فيا كده يا عهد، أنا اللى وجعني اكتر بعدك عني يا نور عيوني.”
جلست بجواره فورًا، دون تفكير، وأمسكت يده بحنان، كأنها تطمئنه أنها هنا، وأنها لم تتركه.
قالت بنبرة عاشقة صادقة:
“أنا الموت عندي اهون من أن ابعد عنك يا همام، انت عارف أنا عملت ايه علشان اعرف اجيلك دلوقتي؟”
نظر لها بدهشة، الألم اختلط بالقلق في عينيه:
“ليه هو مانع خروجك؟”
أومأت برأسها بحزن، وهمست:
“ايوه ومعين حراسة عليا بس انا علشانك مستعدة اعمل اي حاجه، خليت الدادة تساعدني وخرجت معاها على أن بنتها ولبست النقاب لان بنتها منتقبه.”
رغم الألم، ارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة:
“مجنونة واتوقع منك أي حاجه.”
انحنت وقبلت يده بحب، ثم نظرت إليه بعينين تلمعان بالدموع:
“أنا بحبك يا همام، وحبك هو اللي بيقويني، علشان كده مستعدة اهد الدنيا كلها علشان خاطرك.”
رفع يدها ببطء، رغم الألم، وقبلها هو الآخر، وقال بصوت ممتلئ بالعشق:
“وانا بعشقك، ومستعد ارمي نفسي فى النار علشان أحميكي يا نن عيوني.”
مدت يدها تتحسس الجروح على وجهه برفق، وكأن لمستها بلسم:
“قطع ايديهم اللي مدوها عليك، شد حيلك، وكسرهم كلهم، أنا واثقه أن حبيبي سوبر هيرو.”
ضحك بخفة رغم الألم، وقال:
“بعشقك وبعشق خفة دمك.”
لكن ابتسامته خفتت قليلًا، وتوترت ملامحه، ثم قال:
“عهد ممكن اطلب منك طلب؟”
أومأت سريعًا، بلا تردد:
“طبعا يا حبيبي اؤمرني.”
قال بنبرة مختنقة، وكأن الكلمات ثقيلة على قلبه:
“أمي أبقى أطمني عليها، زمانها حزينه وبتعيط علشاني، ومش هتقدر تيجي ليا لانها مش بتقدر تنزل السلم ولا تطلعه من رجليها، واختي صعب تيجي علشان عيالها وجوزها مش هيرضى يدخلها قسم شرطة، انتي هتكوني، حلقة الوصل بينا.”
ترددت لحظة، الخوف مر في عينيها، لكنها ابتسمت رغم ذلك:
“هحاول، المشكله لو بابي شم خبر أن خرجت من وراه مش هيعديها بالساهل، بس متقلقش مش هغلب يعني، اهم حاجه خلي بالك على نفسك علشان خاطري.”
نظر إليها بحب خالص، وقال:
“خاطرك غالي عندي يا عهد، حاضر هخلي بالي على نفسي، وانتي كمان خلي بالك على نفسك يا عمري.”
وقفت ببطء، وكأنها تجبر نفسها على الابتعاد، وقالت بصوت مبحوح:
“أنا لازم امشي بقى هجيلك تاني، ومش هسكت غير لما اوصل للحقيقة واخرجك من هنا.”
أومأ لها، وعيناه تمتلئان قلقًا عليها:
“ماشي يا حبيبتي، اوعي تعرضي نفسك للخطر يا عهد!”
لم تجبه بالكلمات.
اكتفت بابتسامة عاشقة، ثم انحنت فجأة وقبلته على خده قبلة سريعة أربكته، قبل أن تركض نحو الباب وتغادر.
ظل ينظر إلى الباب بعد خروجها، وكأن جزءًا من روحه خرج معها.
رفع يده ببطء إلى مكان القبلة، وأغمض عينيه، واستقرت على وجهه ابتسامة هادئة.
لأول مرة منذ دخوله هذا الجحيم، شعر أنه ليس وحده.
*************************