بيت جدي
بعد ١٧ سنة من ما سابوني وأنا عندي ٥ سنين، أهلي كسروا باب بيت جدي بعتلة حديد الصبحية بعد جنازته على طول. “ارمي الزبالة دي برة ولمي هدومك، إنتي عالة”، دي كانت طالعة من أمي بصوت حاد، وقت ما أختي حجزت غرفة النوم الرئيسية لنفسها. كانوا مفكرين إنهم يقدروا يطردوني عشان يداروا إفلاسهم اللي بأربعة مليون دولار، بس فخ الـ ٣٥ ألف دولار بتاعي كان مستنيهم جاهز.
أختي سلمى نطت فوق إطار الباب المكسور وهي لابسة نظارة شمس ماركة كبيرة وشكلها أوفر. بصت بعيد عن إكليل الجنازة الأسود، ورفست برجلها كتب جدي اللي كانت متبعثرة، وابتسمت ببرود.
“أنا اخدت الأوضة الكبيرة.”
كنت واقفة في الصالة، مبلولة من المطر للضلفة، وباصة للخراب ده. البيت لسه كان ريحته زهور جنازة وجو الخريف المبلل، مخلوط بريحة تبغ غليون جدي اللي اتعودت عليها.
أمي كانت واقفة في الصالة كأنها صاحبة البيت من زمان، والبالطو البراند بتاعها مبلول. بصتلي من فوق لتحت.
“شكلك زبالة يا فريدة.”
بابا حضنني؟ أبداً. مقالش حتى إنه زعلان إن جدي مات. بدل ما يعمل كده، شاور على ساعة جدي العتيقة.
“ارمي الزبالة دي برة في الحوش. محتاجين مكان لعفشنا.”
في حاجة جوايا سكنت وهدِت تماماً.
كنت لسه ابني خمس سنين لما قالوا لجدي إنها هتقعد عنده الويك إند. الويك إند ده اتحول لسبعتاشر سنة. لا مكالمة في عيد ميلاد، لا زيارات، ولا حتى تفسير. جدي هو اللي رباني، وضحي بصحته وكان بيشتغل ورديات بالليل رغم روماتيزم المفاصل عشان يعرف يصرف عليا.
إمبارح دفنته. النهاردة، الناس اللي رموني كسروا البيت عشان ياخدوا تعب عمره.
أمي فرقعت بصوابعها، وزقت كيسين زبالة سود في حضني.
“لمي حاجتك”، أمرت بصوت عالي ومزعج مش طبيعي. “هدومك، فرشة أسنانك، أي حاجة تخصك. لازم تمشي. النهاردة.”
بصتلها بإستنكار.
“إنتي كنتي عالة على جدي يا فريدة”، قالتها من بين شفايفها بشر. “هو مات خلاص. والبيت ده بقى بتاعنا.”
بابا بصلي أخيرًا، والعرق بينقط من جبينه رغم برودة الأوضة.
“ماتصعبهاش. أنا الوارث الشرعي. اطلعي برة.”
وارث شرعي! كنت هطق من الضحك.
بدل ما أضحك، حطيت أكياس الزبالة على الأرض بكل حرص. لأني كنت فاكرة آخر وصايا جدي.
قبل ما يموت بكم يوم، كانت إيده رفيعة وضعيفة جوه إيدي، بس عينه كانت حادة وذكية.