بيت جدي
“لما يجيُّوا ياخدوا البيت ده”، همس، “سيبيهم.”
كشرت. “ليه؟”
“سيبيهم يكسروا. سيبيهم يرموا حاجتي. سيبيهم يمثلوا إن البيت بيتهم.” وقف لحظة ونظرة خبث ظهرت في عينه. “سيبيهم يوروا الكل قد إيه هم مفلسين ومزنوقين.”
بلعت ريقي بصعوبة. “وبعدين؟”
“خلي مارجريت تفتح باب مكتبي.”
ده كل اللي قاله.
وعشان كده أول ما أهلي وصلوا، نفذت كلامه بالحرف. مصوتش. ومقولتش ولا كلمة لما أمي قالت إني عالة. سبتهم يتكلموا براحتهم. ويفترضوا اللي يفترضوه. ويسيبوا نفسهم يقعوا في الفخ.
بعدين، صوت تكة خفيفة جه من ناحية الممر. الكل وقف.
باب مكتب جدي اتفتح بالبطيء.
أمي لفت وشها ناحيته.
وفي اللحظة اللي شافت فيها مين واقف على الناحية التانية… أكياس الزبالة وقعت من إيديها.
الست اللي كانت واقفة في الباب مكنتش واحدة من بتوع النقل. دي كانت مارجريت سوليفان، محامية جدي الشرسة وأقرب صديقة ليه من تلاتين سنة. مكنش وشها وش واحدة حزينة، دي كانت عاملة زي الجلاد.
أكياس الزبالة البلاستيك الثقيلة خبطت في الأرض الخشب بصوت مكتوم. وش أمي اتبدل ولونه راح تماماً. “مارجريت؟” همست، وقناع غرورها اتهد في ثانية.
مارجريت خطت جوه الصالة. مكنتش ماسكة وصية عادية، دي كانت ماسكة ملف جلد تخين ومعاه ورق بختم قاضي لسه طازة.
”أنصحك تقول للناس اللي بينقلوا يقفوا يا ريتشارد”، مارجريت قالتها وصوتها قطع الهوا الرطب زي الس\كينة. “لأنكم مش جايين تاخدوا ميراث. أنا عارفة بالظبط إيه اللي حصل الساعة تمانية الصبحية دي. عارفة موضوع البنك والحجز والقصر اللي بأربعة مليون دولار اللي مبقتش تملكه أصلاً.”
بابا اتسمر مكانه على السلم.
مارجريت رفعت الورقة المختومة. “ها، هتمشوا بالذوق، ولا أوريكم فخ الـ ٣٥ ألف دولار اللي سابه آرثر؟”…
عقلي فرك في وش بابا زي الشاكوش. إفلاس بأربعة مليون دولار؟ ده معناه إنهم جم يستخبوا في بيت جدي ويفترسوا الميراث عشان مفلسين وفيه حجز على كل حاجة يملكوها!
بابا بلع ريقه بصعوبة، ووشه بقى أصفر زي الليمونة المتبقية في الثلاجة، وقال بصوت مهزوز: “ميراث مين… إحنا… إحنا بنطالب بحق بنتنا وأمها في بيت أبويا!”
”أبوك؟!” مارجريت ضحكت ضحكة ناشفة باردة، وطلعت ورقة تانية من الملف الجلدي. “آرثر الله يرحمه كتب البيت كله باسم حفيدته فريدة من خمس سنين، يعني من يوم ما رميتوها على باب بيته. وأصلًا إنتوا مش ملكتوش فلوس تدفعوا قسط الفيلّا بتاعتكم، وجايين تسرقوا بيت جدي عشان تبيعوه وتدفعوا ديونكم للبنك!”
أمي جريت على مارجريت وهي بتصرخ بصوت عالي: “إنتي بتخرفي! البيت ده بتاعنا، والبنت دي عالة وما تملكش حاجة!”
”العالة هي اللي أنقذتكم من الحبس يا أم فريدة!” مارجريت بصت لها باحتقار ورفعت المستند الأخير. “خمسة وثلاثين ألف دولار.. دي التكلفة الإجمالية للقضايا والديون اللي أبوكي سددها عنكم من وراكم في السر على مدار السنة اللي فاتت، عشان ما تدخلوش السجن في قض\ية النصب بتاعتكم.. وفي المقابل، كان واخد عليكم إقرار بالنزول عن أي حقوق في البيت ده، وموثقه في الشهر العقاري.”
الكل سكت تماماً في الصالة. أمي فتحت بقها وعينها نطت لبرا من الصدمة، وبابا قعد على السلم حاطط إيده على راسه كأن جبل وقع فوقيه.
بصيت لهم وأنا واقفة مكانها، وقولت بصوت هادي وواضح: “جدي مكنش بيبني حيطان للبيت ده.. جدي كان بيبني سجن ليكم، عشان لما تيجوا تطردوني في يوم من الأيام، تلاقوا نفسكم أنتوا اللي مطرودين.. الشنط قدامكم، والباب اللي كرفتوه ببراقعكم.. اخرجوا برة بيتي.”