ولدت ابني لوحدي

كملت الولادة من غير ما جوزي يكون جنبي، عشان ببساطة على حد كلامه: “أنا مبقتش مسؤوليته”.
​بعد ما ابني نزل الدنيا بعشر دقايق، الدكتور شاله بين إيديه، وبص في وشه الصغير بتركيز—
وفجأة وشه اصفرّ والدم هرب منه.
​وبعدين عينيه اتملت دموع.
​”ده…” همس وهو مش مصدق. “ده مش ممكن يحصل أبداً.”
​كنت تعبانة ومجهدة لدرجة إني مش فاهمة هو يقصد إيه.
​شعري كان ملزق على قورتي من العرق.
​وإيديا كانت لسه بـترتعش.
​جسمي كان جاب آخره وخلاص طاقتي اتصفّت.
​في الصبحية دي، سوقت عربيتي بنفسي ورحت المستشفى في المعادي قبل ما الشمس تطلع، إيد ماسكة الدركسيون بكل قوتي، والإيد التانية محطوطة لحماية بطني.
​”استحمل معايا بس كمان كام دقيقة،” كنت بهمس لابني طول الطريق.
​بس هو ما استناش.
​من ثلاث شهور بس، جوزي، طارق العزازي، حط ورق الطلاق على ترابيزة السفرة.
​وأمه، الحجة نادية، كانت واقفة وراه على طول.
​هادية.
​متشيكة على آخر طراز.
​وبتبصلي كأنها كانت مستنية اللحظة دي بفارغ الصبر.
​بصيت للورق وبعدين بصيت لطارق.
​”أنا حامل.”
​عدل ساعته الفضة الغالية في إيده بمنتهى البرود.
​”توقيت مش موفق خالص.”
​الحجة نادية ابتسمت بصفار.
​”ما تعمليلناش فيها دراما وتراجيديا يا فريدة. واحد زي طارق مش مفروض يتدبس في جوازة مش مريحة لمجرد إن وحدة حملت فجأة.”
​أنا ضحكت من قلبي لثانية.
​مش عشان الموقف يضحك.
​بس عشان التهمة والقسوة كانوا أكبر من إن عقلي يستوعبهم.
​”أنا عمري ما طلبت منكم مليم.”

​الحجة نادية ردت: “يمكن مش بشكل مباشر. بس ياما اتهنيتي بالنعمة والفلوس اللي طالعة من جيبه.”
​على آخر الأسبوع، كان طارق جمد حساباتي الماليّة المشتركة معاه.
​التأمين الطبي بتاعي اتلغى.
​وفجأة أصحابنا المشتركين بدأوا يسمعوا كلام عن إني كنت خايناه!
​الإشاعة انتشرت زي النار في الهشيم.
​الناس بقوا ما بيردوش عليا.
​الأصحاب اللي كانوا بيرقصوا في فرحنا بقوا يتعمدوا يدوروا وشهم وما يبصوليش لو شافوني في الشارع.
​فما كانش قدامي غير إني أشتغل.
​بالليل، كنت بروح أنظف شركات ومكاتب في التجمع.
​وقبل الفجر، أقعُد أفرغ وأعدل عقود وقضايا أونلاين.
​وفيه أيام بعد الظهر، كنت بشتغل في مغسلة أوتيل، ألفّ الملايات والفوط لحد ما رجليا تترم من الوقفة.
​كل جنيه كان معروف رايح فين: إيجار الشقة، كشوفات الدكاترة، والمصاريف الأساسية بتاعة البيبي.
​بس في نفس الوقت، كنت بجهز حاجة تانية خالص…
​ملف كامل.
​عشان طارق نسي أنا مين قبل ما أكون مراته المطيعة الهادية.
​أنا كنت مراجعة حسابات وعقود في أكبر مكتب محاماة في البلد.
​وطارق كان مهمل ومغرور جداً لما يفتكر إن اللي قدامه مكسور وما حيلتوش قوة.
​لما قفل عليا الحسابات، نسي الباسوردات القديمة.
​تحويلات البنوك.
​الفواتير.
​الإيميلات المتأرشفة.
​والرسايل اللي بينه وبين أمه نادية وهما ببيتوا النية إزاي يضغطوا عليا عشان أتنازل عن الحضانه.
​فيه رسالة منهم كانت بتقول:
​ضيق عليها الخناق حبتين، وهي بنفسها هتيجي تبصم على كل حاجة.
​ما واجهتهمش.
​ما اترجيتش حد.
​أنا سحبت نسخة من كل حاجة.
​ودلوقتي، بعد شهور، أنا نايمة على سرير المستشفى والدكتور باصص لابني اللي لسه مولود كأنه شايف حد من ماضيه!
​”فيه إيه يا دكتور؟” همست بصوت واطي.
​الدكتور بصلي وسألني:
​”مين أبوه؟”
​بطني اتعقدت من الخوف.
​”طارق العزازي.”
​صوابع الدكتور اتشدت على اللفة الزرقاء اللي ملفوف فيها ابني.
​وقبل ما يلحق يقول أي كلمة، الباب اتفتح.

1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *