ولدت ابني لوحدي
طارق دخل الأوضة.
وهو مبتسم.
”والله وعملتيها،” طارق قالها وهو بيعدي بعينيه عليا وبعدين على البيبي.
وراه دخلت أمه نادية.
عقد اللؤلؤ في رقبتها.
شعره متظبط.
ودقات جزمته الكعب برنة عالية في الأوضة.
لا ورد.
لا كارت معايدة.
ولا حنية.
عينيها راحت على طول على ابني: “هو ده بقى؟”
”ده ابني.”
طارق ضحك ضحكة خفيفة: “لحد دلوقتي بس.”
الدكتور وقف في ساعتها حائل بينهم وبين سرير البيبي.
الـ ID بتاعه على البالتو كان مكتوب عليه:
د. مراد التهامي
ملامح وشه اتغيرت تماماً.
الصدمة اختفت، وبقى شكله حذر جداً ومتحفز.
نادية أخدت بالها منه.
واتسمرت في مكانها.
”مراد؟”
الأوضة بقت هس هس.
ابتسامة طارق اختفت تماماً.
”أنت بتعمل إيه هنا؟”
د. مراد بص لطارق بثبات: “بعتني بالطفل اللي أنت رميته وطفشت منه.”
فيه نظرة شرار وعداوة مرت بين الاثنين… حاجة قديمة أوي.
نادية هي اللي لحقت نفسها الأولى: “دي أمور عائلية خاصة.”
د. مراد ما اتحركش من مكانه: “أنا الطبيب المعالج هنا.”
طارق لف وشو ناحيتي: “فريدة، اسمعيني كويس. أنتِ تعبانة ومفلسة ولوحدك.”
حط فايل على الترابيزة اللي جنين سريري: “إبصمي على تنازل مؤقت عن الحضانة ليا النهاردة، وأنا هتدفع كل مصاريف المستشفى والعلاج.”
بصيت لابني المولود، صوابعه الصغيرة كانت ملفوفة حوالين حرف البطانية.
”لا.”
نادية قربت خطوة: “خليكي عاقلة. إحنا نقدر نضمن للطفل ده حياة مستقرة وعز، أنتِ تقدرِي تقدمي له إيه دلوقتي؟”
ابتسمت ابتسامة خفيفة.
الابتسامة دي قلقَت طارق أكتر ما لو كنت بليت السرير دموع.
”بتضحكي على إيه؟”
”افتكرت حاجة.”
”إيه هي؟”
”قد إيه بتبقى مهمل ومغفل لما تفتكر إن اللي قدامك ضعيف.”
وشه اتغير في ثانية.
الممرضة دخلت ومعاها أوراق.
د. مراد أخد منها الفايل، قرأ أول صفحة وحواجبة اتعقدت: “التأمين الطبي بتاعها اتلغى؟”
طارق هز كتافه بلامبالاة: “غلطة إدارية.”
مراد بص له بصرامة: “يلغى التأمين الطبي لست شايلة ابنك في بطنها؟”
”دي طليقتي.”
”والطفل؟”
نادية مسكت إيد طارق: “خلاص يا طارق، المحامين هم اللي هيتصرفوا في المهزلة دي.”
”يا ريت،” أنا قلت ببرود. “هاتيهم.”
الاتنين بصوا لي باستغراب.
مديت إيدي في شنطة المستشفى بتاعتي.
وطلعت فايل مليان ورق.
مش الأصول طبعاً… الأصول كانت محفوطة في أمان عند المحامية بتاعتي.
دي كانت صور ونسخ.
طارق لما شاف الإيميلات المطبوعة، الدم هرب من وشه.
رفعت أول صفحة: “دي مع معالي الحاجة نادية وهي بتقول نذيع إشاعة الخيانة لو ما وافقتش على شروط الحضانة.”
نادية اتجمدت مكانها.
رفعت ورقة تانية: “ودي تحويلات مالية من الجمعية الخيرية بتاعتك لشركات استشارية مفيهاش أي شغل حقيقي.”
ورقة تانية: “فواتير بأسماء خدمات وهمية.”
ورقة كمان: “وطلب إلغاء التأمين الطبي اللي متقدم بإمضاء مزورة باسمي.”
طارق قرب خطوة وهجم: “هاتي الورق ده هنا!”
مراد وقف في وشو وسد طريقه: “ارجع ورا.”
طارق بص لمراد بغل: “أنت ما تعرفش أنت بتدافع عن مين!”
مراد بص ناحية ابني، ولثانية واحدة ملامح القسوة في وشه اتكسرت: “لا…” قالها بصوت واطي: “أنا عارف كويس أوي أنا بدافِع عن مين.”
بالليل، بعد ما طارق وأمه مشيوا بالخزي، ابني كان نايم على صدري.
بعد كام ساعة، د. مراد رجع الأوضة لوحده.
سحب كرسي وقعد جنب سريري.
”فريدة،” قالها بالراحة: “فيه حاجة لازم تعرفيها عن طارق.”
نبرة صوته كانت بتقول إن الجملة الجاية هتغَيّر كل حاجة.
مراد قعد جنب السرير ثواني ساكت.
وبعدين قال: “طارق يبقى ابني.”
بصيت له بذهول: “جوزي يبقى ابنك؟”
هز رأسه: “أنا ونادية اتطلقنا لما طارق كان عنده ٥ سنين.”
صوته وطي والكسرة ظهرت فيه: “فهمته إني بعته وسبته، كانت بترجع جواباتي، وترفض الهدايا، وغيّرت أرطام التليفونات… كل محاولة مني عشان أفضل في حياته كانت بتموت قبل ما توصل له.”
بصيت لابني النايم: “طاب وليه طارق أتعامل معاك كأنه يادوب يعرّفك؟”
مراد ابتسم ابتسامة مكسورة: “هو كان عارف كويس أوي أنا مين.”
”طاب ليه دموعك نزلت أول ما شفت ابني؟”
عينيه راحت ناحية السرير الصغير: “عشان عنده نفس الوحمة الصغيرة اللي كانت عند طارق وهو بيبي.”
سكت ثانية وأكمل: “واللي كانت عندي أنا كمان.”
بصيت تحت لابني.
بلع ريقه وقال: “أنا أدركت إني باصص في وش حفيدي.”
الصبيحة، طارق رجع تاني.
المرادي جاب معاه اتنين محامين.