اتبسطي
اتبسطي
— اتبسطي بحريتك على قد ما تقدري —همستلي—.. الليلة دي هتخسري حاجة أغلى بكتير من ابني.
موبايلي رن بصوت الإشعار. كانت صورة لبنتي، متاخدة من دقيقة واحدة بس.. من الكنبة الوراانية لعرية معرفهاش.
الحرية ما دامتش أكتر من سبعة وأربعين ثانية بالضبط.
خرجت من مجمع محاكم التجمع الخامس، والهوا البارد يلطش في وشي وأنا حاسة بإحساس كنت نسياه من زمان: الخفة. بعد تسع سنين جواز من شريف، خلاص مبقتش مراته، ولا بقيت كنة سوسن هانم اللي كانت دايماً بتهيني وتبصلي بقلة قيمة، ولا الست اللي جوزها وأمه كانوا بيقولوا عليها “عاطلة وبتاكل وبتبات” عشان سابت شغلها عشان تربي بنتها.
وقفت على السلم، أخدت نفس عميق وابتسمت. كنت حاسة إني حلوة.. مش عشان الفستان الأبيض ولا شعري اللي لسه قصاه، بس عشان ولأول مرة من سنين، مفيش حد يقدر يؤمرني أوطّي وشي في الأرض.
سوسن ظهرت ورايا، متكلفتة في العباية الفرو والغل ماليهم.
— اتبسطي بحريتك على قد ما تقدري —همست في ودني—.. الليلة دي هتخسري حاجة أغلى بكتير من ابني.
الموبايل اتهز في إيدي.
على الشاشة ظهرت صورة لـ “نور”، بنتي صاحب السبع سنين، قاعدة في الكنبة الوراانية لعربية سودة. عينيها كانت حمرا ومطبشة على شنطتها المدرسية. الصورة دي كانت متاخدة من أقل من دقيقة.
الدنيا لفت بيا.
لثانية واحدة، صوت العربيات والدوشة في الشارع اختفوا تماماً، ومبقيتش سامعة غير ضربات قلبي المرعوبة وهي بتدبدب في قفصي الصدري من غير رحمة.
— عملتوا فيها ايه؟
سوسن ابتسمت بروقان كأنها لسه كسبانية المزاد.
— شريف عاوز يكلمك. لو تنازلتي عن الحضانة وسحبتي قض..ية التزوير والنصب اللي رفعاها، البت هترجع البيت عادي.
عصرت الموبايل في إيدي لحد ما صوابعي وجعتني. هي كانت مستنية مني صريخ، دموع، أو إني أترما تحت رجليها وأتوسلها زي ما عملت ياما في سنين جوازي.
بس بدل كل ده.. رفعت عيني وبصلتها بثبات.
— هي في عربية نوعها ايه؟
ابتسامتها تهزت.
— بلاش تعيشي دور الذكية يا ندى.
— أنا مش بعيش الدور.. أنا ذكية فعلاً.
مشيت ناحية الرصيف. مثلت إني بشاور لتكسي، بس في الحقيقة فتحت برنامج مستخبي جوة أبلكيشن الآلة الحاسبة على الموبايل. نقطة زرقا كانت بتنور وتطفي وبتتحرك ناحية طريق إسكندرية الصحراوي.
قبل تلات أسابيع، ولما شريف هددني إنه “هفيّ الكتاكيت” ويخفي نور لو خسرت القضايا، خيطت جي بي إس صغير ومترخص جوة بطانة شنطة المدرسة بتاعتها. القاضية كانت عارفة بالتهديد ده، وشرطة الفرقة كانت عندها علم بكل حاجة.
سوسن وشريف كانوا جاهلين بحاجة ثانية مهمة جداً.
أنا ماسبتش شغلي زمان عشان خايبة. أنا قبل ما أتجوز كنت مراجعة حسابات وتحريات أموال عامة. وعلى مدار ست شهور، جمعت صور الفواتير المزورة، والتحويلات للشركات الوهمية، والإيميلات اللي شريف وأمه كانوا بيمهدوا فيها عشان يصفوا الشركة ويدبسوني أنا في الديون.
طلبت رقم كنت حافظاه عن ظهر قلب.
— سيادة المقدمة سارة.. خطفوا نور. الجي بي إس شغال وبيعلم.