حنان 3
الفصل السابع
= حبيبي.. وحشتني أوي.
جملة قالتها موشجان بلهفة وهي بتـحـضـن أيهم وبتبوس خدوده، وقالت:
= مصدقتش لما قلتلي إنك هتيجي النهاردة، غيبتك طالت المرة دي أوي.
أيهم حـضـنـها هو كمان وهو مشتاق ليها:
= الموضوع كله كان ست أيام بس يا موشجان.
رجعت تبوس خده تاني وهي بتقول بنعومة من بين شفايفها الـمـتـلـونة بالأحمر القاني—اللون اللي هو بيموت فيه—: والله العظيم وحشتني جداً يا قلب موشجان.
ابتسم وهو بيـشـد على حـضـنـها، وبعدين باس رقبتها ومشي إيديه على ضهرها اللي جاله رعشة شوق حس بيها، فـضحكته وسعت ورجع يبوس رقبتها تاني. حاولت تبعد شوية وقالت وهي بتـتـلعـثـم:
= أحضر… أحضرلك العشا؟
ضحكته وسعت أكتر وغمازاته ظهرت وهو بيقول:
= مش دلوقتي.. عندي اللي أهم من العشا.
شفايفها اتهزت وخدودها اتلونت باللون الوردي، ونفسها بدأ يعلى ويوطى بشكل ملحوظ لعينيه اللي زي الصقر. فك زراير كم قميصه وشـدهـا بـعـنـف لـصـدره، وهو أسلوب هي اتعودت عليه في علاقته معاها، وباسها تحت ودنها فـشهقت شهقات ورا بعض وهي مستمتعة بقرب حبيبها وتايهة في عالمه الخاص…
”تعبان من القعدة في المكان الغلط، ومن التعايش مع الحاجات الـمتاحة مش الـمرغوبة..!”
= أنت يا ابني هيا اصحى…. ياللا…
صاحت حليمة وهي قاعدة جمب ابنها أدهم اللي نايم على سريره القديم في شقة أبوه…. أدهم دعك راسه وهو بيتنهد بغيظ وعينيه مقفولة، فـصاحت أمه تاني: أنت يا ابني قوم.. ياللا اخلص… أبوك لو عرف إنك بايت هنا هيخلي عيشتك جحيم.
أدهم نفخ بضيق وهو بيتعدل في قعدته وبيـخـلل صوابعه في شعره وهو بيتثاوب، وقال بسخرية وصوته تخين ومبحوح: وأنام فين يعني؟
ردت حليمة ببديهية: في شقتك طبعاً..
سخر أدهم: نعم… قلتيلي شقتي…
حليمة طبطبت على ضهره وهي بتقول:
= يا حبيبي يا ابني أنا عارفة إيه اللي في دماغك، بس مالها مرأتك عشان مـتـقـربـلـهاش… صحيح أنا كنت رافضة الجوازتين دول خالص، بس أمر الله نفذ، وأنا بؤكدلك إنها هبلة خالص وخايبة، وهتبقى زي العجينة اللينة في إيدك تشكلها زي ما أنت عايز، إنما أخوك آدم يا عيني يا حبيبي…. أنا خايفة عليه من الحرباية دي، دي طالعة لأمها بالظبط!
أدهم قال: سيبوه في حاله… كفاية ظلم ليه.
أمه اتنـفـضت من جمبه بعصبية وضربته على ضهره بكف إيدها:
= هو أنا بظلمه… هي أمك ظالمة يا أدهم؟؟؟
بص ليها، ونظرته كانت إجابة واضحة مش محتاجة كلام، بس لسانه عجز إنه ينطق، فـصاحت أمه بعصبية:
= أنا ظالمة يا ولد…. أنا اللي مرَضيتش بجوازات زي دي، وعصرت على نفسي ليمونة عشان أقبل بـبـنت جميلة في بيتي… (وصوتها علي وهي بتـنـهره) متقولش الكلمة دي ليا تاني أبداً…. (وقعدت تتكلم كأنها بتكلم نفسها) أنا اللي قاعدة على نار وخايفة العقربة دي تعمل حاجة في أخوك… يا خوفي تخنقه وهو نايم.. أو تحطله سم في الأكل… لا أنت مشفتهاش المرة اللي فاتت… يا ربي عيونها بـتـبـرق زي القطط! والله جسمي قشعر… أكيد ناوية على شر… قلبي حاسس بكده… ربنا يحميك يا ابني… صحيح تربية تشرف وتشرح القلب…
أدهم ضحك على حال أمه وجـرّهـا من دراعها عشان تقعد جمبه على السرير، وحط راسه على فـخـذها وحـضـن وسطها بدراعاته وهو بيطمنها:
= متخافيش من حاجة، خير إن شاء الله.. وبعدين مش أياز اللي كنتِ بتقنعيني بيها من شوية دي هي بنت جميلة برضه؟
حليمة دعكت فروة راسه بصوابعها الـمـلـيانة وجاوبت ببديهية:
= قلتلك هتبقى طوع أمرك صدقني… وبعدين دي حلوة وأوزة زيي..
أدهم ضحك وقال:
= قلتيلي زيك…
أمه وكزته وهي بتقول:
= نعم زيي، عندك اعتراض يا ابن بطني…؟
أدهم اتعدل وبعد عنها وهو بيرفع حواجبه لفوق وبيهزر:
= لا لا.. أنتِ قمر 14 يا بغاشتي…
نهرته وصاحت وهي بترفع صباعها في وشه:
= ولد مـتـتـوهـش الـموضوع… من النهاردة تبات في شقتك.
أدهم قام ووقف بعيد: أنتِ عارفة إن الـموضوع صعب يا وزتي.
حليمة ضربت كف على كف وقالت:
= وليه إن شاء الله يا حبيب أمك؟
بص ليها وبجدية مش من عادته وقليل لما بيتكلم بيها:
= أنتِ عارفة ليه… في يوم من الأيام كانت على اسم أخويا… في يوم كانت…. (والكلام تقل في بؤه وشرد وتاه فعلياً… هيقولها إزاي ويعترف بحب مراته لأخوه… هو عارف إنها لسه بتحبه وعقلها تايه في عالمه، هو شاف نظراتها ليه.. شافها وهي بتراقبه لما اتجمعوا لأول مرة… هيعمل إيه وإيه اللي في إيده يعمله… هو حاول وحاول يهرب من الجوازة دي بس مفيش مفر… مفيش مفر من تنفيذ طلب أبوه.. مفيش مفر..)
لف لأمه وقال بحزن: سيبي الـموضوع ده يا أمي ومـتـفـتـحـهـوش تاني.
حليمة لوّت شفايفها وقالت:
= أسيب الـموضوع… وإيه يعني إنها كانت مخطوبة لأخوك، هو دخل بيها وأنا معرفش… وبعدين إذا كان فيه ستات بتتجوز أخو جوزها بعد ما يموت أو تطلق منه… ودي مكنتش جوازة، دي كانت خطوبة يا ابني…. خطوبة…. متظلمش نفسك وتظلمها معاك.
صاح أدهم: أمي… أرجوكِ مـتـتـكـلـمـيـش في الـموضوع ده تاني.
دخلت نائلة وهي بـتـتـحـسـر، وكانت سامعة كلامهم بره:
= سيبيه يا ماما، والله خسارة فيه… يرفض أياز… الجميلة الرقيقة خفيفة الدم..
سخر أدهم: خفيفة الدم.! مين، أياز… حرام عليكِ.. دي طول عمرها بتموت في النكد…. زيك بالظبط… سبحان الله وافق شن طبقة… فولة وانقسمت نصين…
نائلة طلعت لسانها بتـغـيـظه، وبعدين اتكلمت بصيغة أمر:
= على العموم دي مرأتك وعليك تتحمل مسؤوليتها وتلبي طلباتها.
سألها باستفهام:
= وهي إيه اللي ناقصها يعني؟
نائلة عدت على صوابعها: عايزة هدوم… عايزة فلوس….
قاطعها أدهم وهو بيـزعـق: وأنتِ مالك أنتِ بتتكلمي بصفتك إيه… الـمحامي بتاعها؟
جابت نائلة وهي بتهدده: بل عملك الردي، وهي مش هتسكت لو لمست شعرة واحدة من راسها.
وشاورت بصباعين لعيونها وبعدين ليه، إشارة منها إنها بتراقبه.
زقها بأطراف صوابعه بعيد عن الباب عشان يعدي، فـاتهزت بعيد، وده خلاه يضحك بسخرية عليها:
= لا خوفتيني والله….
ولما كان خلاص هيفتح باب الشقة، لف ليها تاني وقال بقرار:
= خلاص، انزلي معاها النهاردة وهاتي كل الهدوم اللي هي محتاجاها.
ابتسمت نائلة ببلاهة وهي بتقول: يا أخواتي عليا… وحش…. أنا وحش…. فتاااااااك….. يا دومي..
حدفها بفوطة كانت في إيده جت على وشها، وأخدتها هي بـتـكـشـيـرة.
الـحُب :
أعرف أنّه أكثر الاشياء رِقّة…. وأكثرُها قَسوة……
يرفعُك حين اللقاء بجناحين للجنّة، ويرميك حين الفراق على أكثر صخور الأرض صلابة…..
أعرف أنهُ يقسم القلبَ نصفين، والفرح نصفين، والحُزن نصفين…. والعافية نصفين، والألم نصفين، يجعلك تعرف ماذا يعني أن تكون اثنين وأنت واحد!
لا يعود الإنسان بعدما أحب من قلبه، لا يعود كاملا كما كان، لا يعود قلبه على ما يرام،… ولا حتى أيامه القادمة ولا أوقاته التي يعيشها بخلوة مع نفسه،…..
سيتذكر كل شيء حتى وإن أظهر النسيان…… سيبكي كثيرًا، سيُصبح ضحية أمام الذكريات…..،
كل شيء لن يعود كما كان بعد أن تحب، لأن الذي بيسار صدرك لم يعد لك.
وكم من قصيدة حب تغنى بيها الشعراء، وكم من كلمة عشق ارتوت بيها قلوب البنات، وكم من ليالي خاصم النوم فيها عيونهم… عشان يبقى السحر الأكبر والشغف الأول هو الترياق ده..
”وصفولي الصبر لقيته خيال، وكلام في الحب يا دوب يا دوب ينقال، وأهرب من قلبي أروح على فين، ليالينا الحلوة في كل مكان.. مليناها حب إحنا الاتنين..”
صوت أم كلثوم الرنان كان مالك أركان أوضتها وهي نايمة على سريرها بتـتـقـلـب يمين وشمال كأنها على جمر نار، بتحاول تهرب من ذكرى.. ذكرى لنفس الأغنية… من دفاتر قديمة بتـجـري وراها والتراب طار من عليها، وصفحاتها مابقاش فيه مفر من إنها تتفتح، وغصب عنها بقت مقاومتها ونسيانها شيء مستحيل.. ضغطت بكفين إيدها على جانبين راسها وقفلت عيونها جامد وهي بتقول بصوت لاهث وغاضب:
= كفاية… كفاية… مش عايزة… مش عايزة…
ومن جمب عيونها الـمـقـفـولة جامد، نزل خط دمع سخن زي سخونة ذكرياتها…. كانت ليالي جميلة…. جميلة فعلاً… ليتها دامت… ليتها استمرت…. ورغم الرفض والـمـقـاومة واليأس من الـمحاولة… رست سفينة ذكرياتها على بلكونة بيت كان في يوم من الأيام بيتها، مصدر أمانها وضحكتها وطفولتها.. لحيطان مابقتش موجودة… لـمكان ماباقيش منه غير الأطلال والأوجاع….. قعدة جماعية جميلة على الضوء الهادي لـمبة بلكونتهم وأجواء الربيع حواليهم.. تـمـايل الشجر وجمال الورد وهوا مليان بريحة الفل والياسمين والريحان…. بيقعد رب الأسرة على رأس ترابيزة صغيرة مدورة وفوقيها لعبة الدومينو الشهيرة، قطعها متطورة بشكل منظم، قدام مراته اللي قاعدة قصاده وخابية بكف إيدها اليمين كام حتة من اللعبة عشان تداريها عن عيون جوزها اللي مش شايف غيرها.
وشها عليه ابتسامة ثقة ويقين بالنصر كعادتها، وهو دايب وولهان بجمال ملامحها اللي شبهتها فيها حياة، وإن كان الأصل أحلى وأجمل رغم عمرها اللي عدا الأربعين.
وقاعدة على الجانب التاني أياز وحياة بيراقبوا الأجواء الرومانسية دي، اللغة اللي بتـنـطق بيها العيون قبل اللسان، فـيـصـقـفـوا هما الاثنين بابتسامة ورا صوت الراديو اللي شغال بأغنية من أغاني الست…. عيني عيني على العاشقين…. حيارى مظلومين… وبغمزة عين من حياة لأياز بتـعـكس الأجواء الجميلة والنظرات الـمـخـتـلسة بين أبوهم وأمهم، ويمكن مكنتش في يوم مختلسة بل دايماً صريحة وواضحة من أبوها اللي بيعشق التراب اللي بتمشي عليه مراته، عشان يتمنوا هما الاثنين زوج زي أبوهم، بيجاهر بالعشق اللي جوه قلبه…
ودارت الأيام… ومرت الأيام.. وهل الفجر بعد الهجر بلونه الوردي بيصَبّح.. وفجأة جرس الباب رن، فـقامت أياز وهي فاكرة إنها الشقية نائلة اللي جمعتهم الصداقة قبل صلة الدم رغم فرق السن بينهم، والابتسامة على وشها زي ما الهوا بيلعب بشعرها ومطيره حوالين وشها، وهي بتـغـني بكلمات الأغنية بنعومة صوتها الجذاب… ودارت الأيام ومرت الأيام ما بين بـعـــاد وخصام… فتحت الباب عشان تتصدم عيونها برؤية اللي دابت عشقاً في هواه.. حلو الطلة، وسيم الـمـلامح، شعره تقيل، ووشه مبتسم كالعادة.. تاهت عيونها في ملامحه ولفت على تفاصيله، وصوت الراديو شغال حواليهم: “وقابلته… نسيت أني خاصمته، ونسيت الليل اللي سهرته، وسامحت عذاب قلبي وحيرته، ما أعرفش إزاي إزاي أنا كلمته… ما أقدرش على بعد حبيبي.. أنا ليا مين إلا حبيبي… أنا ليا حبيبي إلا حبيبي..”
ابتسم وهو بيقول:
= كالعادة عمي مبيسمعش غير أم كلثوم ومبيقتنعش بغيرها مطرب..
ردها الوحيد كان هزة خفيفة من راسها وهي مش قادرة تنطق.. شاردة فيه حتى وهو معاها.. عيونه جت على شعرها الأسود الـمـنـكـوش الناعم اللامع، فـعرفت إنه باصص عليه، ورفعت إيد بتـتـرعـش بتـتـحـسس شعرها وشهقت بـخـضة وحطت إيدها التانية على بؤها وهي بتـصـيـح:
= يا خبر…..!!!
وهو بيضحك على حركتها، جريت على أوضتها تظبط شكلها وتلبس طرحتها اللي مـقـلـعـتـهاش أبداً قـدامـه من ساعة ما لبستها. وبعد كام لحظة استجمعت أنفاسها اللي كانت ضايعة منها، ولبست إسدال واسع وخرجت ليه بابتسامة خجولة خلت وشها أحمر وردي، فـقال هو جواه.. أبويا عنده حق ومش هلاقي أحسن منها في يوم من الأيام…. تأمل وشها الـمـتـورد البريء… هو عارف كويس بمشاعرها ناحيته، الصغيرة البريئة دي طالما حسسته بالـفـخر والـتـمـيز بنظراتها دي، وكمان نسيته إنه “آدم القاضي” اللي مكملش تعليمه، واللي فضل الشغل في التجارة اللي ورثها عن عيلته عن إنه يضيع سنين عمره عشان ياخد شهادات في الآخر هـتـتـعـلـق برواز على الحيطة… آدم اللي حاسس جواه بالنقص، بتيجي هي وتحسسه إنه ملك على أرضها وبتـنـصبه سلطان على قلبها.. طلعتـه من أفكاره وهي بتقول بصوت واطي ورافعة عيونها ليه زي الحور: اتفضل يا آدم بابا جوه..
تقدم خطوة لجوه البيت وهي نادت أبوها: بابا آدم هنا..
ومن جوه طلع صوت أبوها وهو بيـنـافس علو صوت الست وبيـنـادي عليه: تعالى يا آدم يا ابني اتفضل.. اتفضل..
سكت لحظة ورجع يقول بهزار:
= تعالى عشان تشوف حريم عمك..
دخل آدم لجوه البيت لحد البلكونة الـمـفـتـوحة على الآخر، وأياز بتلاحق خطواته وبتبص لشعره اللي زي جناح الغراب بإنبهار.. دخل وسلم، وعيونه جت الأول على مرأت عمه، الشقراء ذات الجمال التركي الخلاب، واللي دايماً بيحس بـتـحـفـظها من غير ما يعرف سبب لده.. دايماً تبص ليه نظرات مبيفهمهاش.. رغم وقوفه معاها لما مرض السرطان هاجمها تاني، كان ليه موقف رجولة وشهم الكل شهد بيه، فهو اللي كان بياخدها الـمستشفى عشان تاخد جرعات الكيماوي… مال براسه شوية وهو بيسلم عليها، فـجت عليه نظراتها الزمردية النارية في نفس الوقت وقالت: أهلاً…. (سكتت لحظة وكملت).. يا آدم..
بص للشقية الصغيرة اللي عندها ستة عشر سنة، النسخة الـمـصـغـرة من أمها بس مش زيها، دي تربية إيديه.. كده قال لنفسه…. ابتسم ليها فـقابلته عيونها اللامعة الشقية وقالت بمشاكسة: مش هـتـسـلـم عليا يا آدم.. ولا أنا بقيت شفافة مش شايفني..
ابتسم وقال بيهزر: عاملة إيه يا (قردة أم فصادة)؟
ضحكت بصوت عالي وهي بترجع راسها لورا فـشعرها الطويل البني الـمـربـوط ديل حصان اتهز.. آدم دايماً كان بيلقبها بالقردة لشقاوة حركاتها…. قالت بخفة والابتسامة على وشها:
= بخير…
رجع بص لأياز وأخد نفس طويل وطلعه مرة واحدة، ووجه كلامه لعمه وهو بيقول:
= عمي كنت عايز أتكلم معاك.
سأله ببساطة:
هرش سليم راسه وهو بيفكر في اتفاقه مع أخوه الكبير ضياء الدين، وهااا هو آدم جه عشان ينفذ اللي اتفق عليه الأخوات مع بعض..
سليم: خير إن شاء الله… اتكلم مفيش حد غريب هنا.. اقعد الأول وقولي عندك إيه..
رجع آدم يبص لأياز والعيون اتقابلت، وبعدين بص لعمه وقال بصوت هادي:
= أنا طالب إيد أياز.
وكأنها قنبلة وانفجرت، وطلعت الأصوات ما بين فرحة وسعادة وبين رفض واستنكار، فـأياز نطت في مكانها زي الأطفال وهي بتـصـيـح بسعادة:
= بجد يا آدم… بجد..
صاحت أمها: إيه.. أنت اتجننتي…! مين أنت عشان تخطب أياز، دي الدكتورة أياز؟؟؟
سليم بص ليها وهو بيـشـاور ليها تسكت.. كلامها كان زي السكينة اللي رشقت في قلب جروحه النازفة وكرامته.. رد وهو بيفرد طوله ورافع راسه لفوق وخصلات شعره الطويلة بتـطـير مع نسمات الهوا الساقعة في اللحظة دي.. رفعها بـفـخر مش حاسس بيه بجد وقال بـعـنـجهية وهو بيوجه كلامه لمرأت عمه:
= أنا آدم ابن ضياء الدين القاضي، من أكبر تجار الهدوم والعطور، وأي بنت في البلد تتمنى ضفري.
قالها وعيونه ولعت غضب، وهي قابلته بسخرية وهي بتـلـوي بؤها يمين وشمال، وكانت خلاص هتـقـلل من رجولته وفخره بنفسه، بس جوزها وقفها بإشارة من إيده ونظرة حادة. لف آدم عشان يمشي وهو بيـبـلـع الإهانة بصعوبة، كبرياء جريح، فـوقـفه عمه وهو بيـصـيـح، وأياز تحركت فعلياً ناحيته بتـمـنـعه من الـمشي بعد ما فرحتها ماتت وهي لسه في الأول:
= استنى يا آدم…
مـلـفـش ومـتـحـركـش، بل كز على سنانه وضغط كفين إيديه، وسمع صوت ضرب جميلة للترابيزة اللي قدامها بكف إيدها في رفض قوي وصريح قبل ما تـتـنـفـض وتـمـشي لأوضتها وهي بتـبـرطم بكلام مش مفهوم… وعمه رجع يطلب منه:
= اقعد يا آدم .. أنت عارف إن مزاجها بقى صعب التحكم فيه بسبب مرضها وكمية الكيماوي اللي أخدتها… ومـتـنـسـاش عرق العجرفة التركي .. يا ولدي…
رفع آدم عيونه لأياز اللي كانت بتبص ليه بترجي، وإيدها كاتمة بؤها بتـدعي في سرها بإخلاص إنه يعدي حركة أمها… واقفة قدامه بتـتـرجّاه، وحياة وقفت بينهم بطولها الفارع بتـراقب الـموقف، فـقفل آدم عيونه وهو بيـلـم شتات نفسه وبيـكـتـم غيظه، ولف لعمه وهو راسه مـنـزلة من إهانته… سليم حاول يرسم ابتسامة ودودة على وشه وهو بيقول:
= مـتـخدش على خاطرك من مرأت عمك.. واللي اتفقت عليه مع أبوك هو اللي بيننا ومحدش هيـمـنـعـنا من تنفيذه… بس صدقني هي مـتـقـصـدش حاجة.. وأنت…
قاطعه آدم وهو بيـزعـق: مرأتك أهانتني..
رد سليم: امسحها فيا… ودلوقتي قولي، هل لسه عايز تكمل في خطوبة .. أياز؟
سكت آدم بيفكر تاني، هل هيستحمل إن الست دي تكلمه كده تاني.. هل الـموضوع يستاهل.. بل هل أياز تستاهل..؟ … سكت وطول سكوته فـقلب أياز سقط بين رجليها وقلبها بيصرخ فيها تـكـلـمه وتـمـنـعه من إنه يتأثر لكرامته.. أبوها بص ليها وهو عارف مشاعر بنته لابن أخوه، وهو نفسه كان بيتـمـناه جوز لواحدة من بناته.. ومش هيضيع الفرصة دي من إيديه… رجع يلح في الطلب:
= آدم؟؟؟
رد آدم:
= نعم يا عمي، مش هلاقي أحسن من أياز زبـدة ليا…
أخيراً ارتاحت ملامح وشها الـمـشـدودة ورجع الأمل والابتسامة لشفايفها، وأبوها ابتسم وقال بهدوء:
= وليه أبوك مجاش معاك؟؟؟
رد آدم: لما نتفق على كل حاجة، أبويا هييجي.
رفع سليم نظره لبنته الكبيرة وقال: خلاص نحدد ميعاد..
وهنا سمعت دقات قلبها زي الطبل ومشاعرها رقصت رقص، ورسمتها عيونها رسم، خلاص حلمها تحقق وسعادتها كملت، أو كده افتكرت، فـمن هنا دق الناقوس واتـقـلـبت الآية واتـقـلـبت القصة واتـحـوّلت الحكاية… فـآه وآه من عذاب بيـقـطّع الروح بمشرط بارد، وآه وآه من ذكرى بتـكـوي القلب… ويا ليتها دامت.. ليتها دامت ليالينا الحلوة..
رجعت تـتـقـلـب على سريرها فـجـاتـلها ذكرى تانية، ذكرى لـجـسـدين حاضنين بعض باشتياق وبوسة بين الشفايف بلهفة، وجواها صرخت وزاد ضغط جفونها على عيونها لعل الذكرى دي تـتـمـحي، ورجعت تـتـقـلـب تاني ودموعها بقت نازلة زي السيل، ومـحـسـتـش بنفسها إلا وهي مـكـسّـرة الراديو ده، ومن جواها طلعت صرخة مكتومة مابقاش ليها سيطرة عليها، ونزلت بعدها شهقات ودموع كتيرة ولسانها بيقول بشبه هستيريا:
= أستغفر الله… أستغفر الله…. اتـنـفـضت وقعدت وهي بتـدعـك جـبـيـنـها بكف إيدها وبعدين مسحت وشها.. ياما حاولت وحاولت تنساه وياما افتكرت إنها نجحت وعدت الـمرحلة دي من حياتها، بل ياما فرحت وهي بتكلم نائلة شبه يومي طول الخمس سنين اللي فاتوا من غير ما تسأل عنه أو تسمح لنائلة تفتح سيرته…. ودلوقتي اكتشفت إن الـموضوع مكنش غير خدعة من عقلها، القلب لسه على عهده مع أول نظرة ليه لحد ما قلبها دق جامد واهتز عرشه، وبصوت وجعان قالت:
= يا رب نجيني… يا رب… اعفو عني يا رب وانزعه من قلبي يا رب….
وكم من حب كان بلاء لصاحبه..
فتح باب شقته ودخل بهدوء، وعيونه لفت هنا وهناك وسأل نفسه هل لسه نايمة… الساعة عدت حداشر الصبح، مشي ناحية أوضة النوم اللي بتنام فيها وفتح الباب بيدور عليها، فـجت عيونه على السرير الـمـتـرتب وفاضي، فـبص بعيونه وجت على باب البلكونة الـمـفـتوح فـنادى عليها. ومفيش غير لحظات ودخلت هي متفاجأة من وجوده وهي لابسة العباية السودا بتاعة أمه ولافة طرحة حوالين وشها الخمري، هي نسيت وجوده أو يمكن تناسته، وهو بيدقق نظره فيها وفي حلقه غصة، دايماً مـبـتـشوفهوش، واللي زاد من ضيقه أول تجمع ليها مع أخوه لما عيونها فضحتها؛ هي لسه باقية على حبه طول السنين دي كلها.. اتكلم أخيراً وهو بيلوي وشه:
= كنت عايز أتكلم معاكِ.
قالها بوش مـكـشّـر وهي عيونها اتعلقت بعيونه بتحاول تعرف هو عايز إيه، هي عمرها ما خافت منه ومش هتخاف النهاردة، دايماً هو أدهم الولد اللي وشه مليان حبوب مهما كبر ومهما الشنب خط وشه ومهما جسمه بقى عضلات.
= أياز.. ناداها لما كان ردها الوحيد هو السكوت، فـردت بهدوء:
= ماشي..
شاور لبره الأوضة:
= خلاص تعالي نتكلم بره..
مـشـيت أياز قدامه وهي ترفع طرف العباية لفوق عشان مـتـتـكـعـبـلـش فيها، فـبانت فعلاً زي شوال البطاطس بالظبط زي ما كان دايماً بيلقبها. قعدت وقعد قدامها وبصت ليه مستنية، وهو ساب قعدته الـمـريحة وسند بدراعاته على رجليه:
= أياز.. كنت عايز أتكلم معاكِ ..
رفعت حواجبها لفوق وقاطعته:
= أنت قلت الجملة دي مرتين لحد دلوقتي.. قولي عندك إيه؟
عاتبها: شايفك لسه متسرعة..
دافعت بصوت عالي شوية:
= أنا! عمري ما كنت متسرعة بس أنت بتـعـيد كلامك كتير زي شريط تسجيل خربان.. أو سف في الـمسجل…
رفع حاجبه وهو غضبان، وهي حطت كف إيدها على بؤها متضايقة من نفسها ومن تهور لسانها، فـقال بسخرية: شايف إن خمس سنين فاتوا مـهـذّبـوش لسانك ومـكـبـّروش عقلك، لسه زي ما أنتِ بطة شوال البطاطس.
اتـنـفـضت أياز ووقفت ووشها أحمر وحطت إيدها في وسطها معترضة، ورسمت حاجبها الـمية وحداشر الشهيرة وقالت بغيظ:
= مش هسمحلك تقول عليا اللقب ده تاني يا أدهم.
ابتسم بثقل وقعد يتأملها ويتأمل الوسط الضيق والـمـلـيان من تحته ومن فوقه زي حبايتين الكمثرى، ولما نظراته الـمـدقـقة خلتها تتكسف وتـقـلـق، قال هو: شايف بعيوني إنك خسيتي كتير (وبـهـزار فضولي سألها) بس قوليلي عملتيها إزاي.. مـتـقـولـيـش عملية تدبيس..
ضحكته طلعت وهي وشها احمر أكتر واهتزت في وقفتها، فـشاور ليها بهدوء: اقعدي أرجوكِ.
بؤها اتفتح وهي تبص ليه.. هو قال أرجوكِ… أدهم قال أرجوكِ.
قعدت وهي مش طايقة، وهو كمل كلامه:
= خلاص يا أياز، إحنا الاثنين اتـجـبـرنا على الجوازة دي وأنا….
قاطعته وهي مش مصدقة: هو الراجل بيتـجـبر؟
بلع ريقه قبل ما يجاوب بثبات: زي ما أنتِ اتـجـبـرتِ.
رجعت تسأل بإلحاح:
= وإزاي ده؟
جاوب:
= الإجابة مـتـهـمـكـيش في حاجة… كفاية إن الـموضوع حصل وده اللي أنا عايز أناقشك فيه بالظبط.
كشّرت وهي بتفكر، وهو راقب ملامحها للحظات فـخلته يتكلم: وإيه اللي عايز تناقشني فيه..؟
بص لإيديه الـمـتـشـابكة للحظة قبل ما يبص ليها تاني، ولفت نظرها الشامة اللي تحت عينه الشمال.. كانت أكبر من كده زمان ولا هو بيـتـهـيـألها.. سمعته بيتكلم بصوت ثابت:
= أياز (ورجع يبص لصوابعه وهي بتلاحق بعيونها نظراته وزي ما ودنها بتسمع كلامه، باين الـموضوع كبير) أياز أنا عايزك تجاوبيني بصراحة…. (سكت لحظتين ورفع عينه يبص ليها)…
استعجلت كلامه بفضول:
= خير يا أدهم اتكلم..
أخذ نفس طويل وبص بعيد عنها وقال:
= إحنا دلوقتي ومن غير إرادتنا ملزمين نعيش مع بعض، فـكنت عايز أعرف أنتِ مستنية إيه من الجوازة دي؟
تكشيرتها زادت… وعيونها ضاقت… وطرف طرحتها الطويل نازل على صدرها.. قالت:
= أفندم أنا مش فاهمة.. عايز تقول إيه؟
بص بعينيه البندقي في عيونها وقال بيوضح وهو بيـشـاور على نفسه وعليها:
= أنا وأنتِ متجوزين دلوقتي.. أنا جوزك (وهرش بطرف صباعه راسه وهو مكسوف وقال بصوت واطي) أنتِ ست ومن الطبيعي يكون ليكي طلبات وأنا مش عايز أظلمك فـ..
قاطعته والدم اتمشى في وشها وجفونها اتهزت وهي بتبص في الأرض، وظبطت طرف طرحتها فوق كتفها بتوتر وقالت كأنها بتـنـفي عن نفسها تهمة مش حق من حقوقها: لا.. لا.. مفيش حاجة من دي خالص، أنا مـبـهـتـمـش غير بشغلي.. شغلي وبس.. (وبـتـلـعـثـم) ومـبـهـتـمـش بالـموضوع ده.. كتب الكتاب حصل بسرعة ومفيش حاجة في دماغي ناحيته.
بعيون بتـراقب حركاتها وجفونها اللي بتـرِمش من التوتر، قال وهو بيـحـمد ربنا:
= الحمد لله… أنا كمان آخر حاجة تهمني هي الجوازة دي وكنت خايف تـبـصي بجدية للعلاقة دي.. على العموم فيه عقد وفيه إلزام علينا نكون مع بعض عشان كده..
سكت وده خلاها تنتبه أكتر، رغم إن وشها أحمر وإن آخر حاجة تتخيلها إنها تتكلم مع أدهم—اللي كان في يوم ولد بحبوب في وشه—في الـموضوع الحساس والـمـحرج ليها جداً ده.. رفعت عيونها ليه فـكمل: إحنا ملزمين نحترم بعض، وننسى الـماضي ونبدأ صفحة جديدة كـناس كبار، ويمكن نوصل بعد شوية وقت لحل مع أبويا وأقنعه إننا لازم ننفصل.
وبالراحة بدأت تفهم الـموضوع.. هل فعلاً اللي فهمته صح.. هل هتـتـخلص في يوم من أدهم وكأنه مكنش وتجرح لحياتها الأولى من غير منغصات؟ وبفضول سألت:
= تفتكر ممكن يحصل في يوم من الأيام..؟
رد بثبات:
= لو عايزة هعمل عشان يحصل.. بس لحد ما يحصل أنتِ بالنسبة ليا زي نائلة أختي وليكي كل اللي تحتاجيه ومـبـطـلـبـش منك غير الاحترام..
مش مصدقة اللي بيحصل وكأن دعائها اتـسـتـجاب، هزت راسها ووشها ارتاح وهي موافقة، فـهو اتنفس الصعداء بعد كلام طويل وحرج كبير حس بيه.. وقال:
= على فكرة أنا اتفقت مع نائلة إنكم تنزلوا تـشـتـروا حاجات النهاردة لو الـموضوع يناسبك.
سألته: وليه؟
جاوب بحسم:
= أفتكر محتاجة هدوم بدل العباية دي.
قالت بكسوف ومش حابة إنه يصرف عليها:
= لا.. ملوش لزوم، هروح أجيب هدومي من بيت بابا.. الـموضوع حصل بسرعة ومش..
قاطعها بإشارة من إيده وقال: لأ هـتـروحي مع نائلة والـموضوع مفيش فيه نقاش.
وافقت وهي مش حابة، وبعدين افتكرت:
= هروح شغلي من الأسبوع الجاي.. مش هقدر أطول الإجازة أكتر من كده..
جاوب بقرار: طبعاً روحي ولا..
قاطع كلامه رن تليفونه بنغمة مخصوصة، فـوشه ارتاح وبؤه اتلوى لوية بسيطة، وطلع تليفونه من جيب بنطلونه وهو بيمد رجله لقدام عشان يطوله، ووقتها عيونه جت على اسم السليم الأيهم الآخاذ، فـرد علطول من غير ما يدير بال للي قاعدة قدامه، ويمكن نسي هي مين وتكون مين، والفرحة ظهرت في صوته والابتسامة على بؤه:
= يا صباح الجمال والرقة والنعومة..
ولما سمع ضحكة رنانة عرف صاحبتها، رفعت أياز حاجب وهي شاكة في كلام الغزل ده، هل الـموضوع وصل بيه إنه شايفها كيس جوافة قاعدة قدامه..
قام أدهم وهو بيقول: والقمر كان غايب فين؟
ومن غير ما يقول سلام مشي عند باب البيت وخرج، فـحاجبها التاني رفع زي الأول، وجواها ألف سؤال وسؤال، أولهم عن مين دي اللي بيكلمها ومش آخرهم هل أدهم هو اللي بيقول الكلام ده.. أدهم الولد اللي وشه مليان حبوب.. ومش بس سألت، دي بؤها اتفتح لما سمعته بيقول بوله وصوت ناعم: بجد وحشتيني من امبارح.
قالها وهو بيقفل الباب وراه، مش مهتم باللي بتـسأل بـعـجب هل ده أدهم فعلاً ولا بدلوه بحد تاني…..
غمزة مرت عليها الأيام بـتـقـهـرها أكتر وأكتر وكأنها حاجة بقت لازقة فيها.. جوزها الغالي.. بيعمل كل طلبات إلهام اللي بقت زياراتها يومية.
إلهام بأمر: عايزة أغير ديكورات الشقة.
أحمد: أمرك يا حبيبتي.
إلهام: عايزة أغير ألوان الشقة.
أحمد: حاضر من عيوني.
إلهام: وعايزة عفش جديد.
أحمد: أمرك وينفذ.
مـبـتـسـمـعش إلهام تقول حاجة غير.. أنا عايزة… ومـبـتـسـمـعش من جوزها غير كلمة حاضر وينفذ.
طول اليوم بيدلع إلهام، ولما ييجي الليل وتـمـشي إلهام، بيـاـخـدها في حـضـنـه بالليل كأنه مش هيـتـجـوز واحدة تانية وكأن الـموضوع عادي، بل إنه بيـضـربها ويـبـهـدلها عند أقل غلطة منها…..
والنهاردة من الصبح وهي بـتـنـظف وتـعـطّر شقتها وتعمل أحلى الأكل عشان تستقبل ضرتها…. إلهام.. فالنهاردة فرحها على الـمحروس جوزها.. وأول ما خلصت.. استحمّت ولبست عباية نظيفة عشان تستقبل جوزها ومرأته وهي بتقول بسخرية لنفسها:
= آه يا هبلة يا غمزة فوقي ارجعي لعقلك النهاردة فرح جوزك يا هبلة…
وبعدين لطمت على خدها وهي بتقول: متعوسة من يومك يا بنت انتصار.
الجرس رن بيعلن وصول العرسان.. راحت عشان تفتح باب الشقة وتشوف جوزها لابس بدلة فرحهم والابتسامة البلهة على وشه، وإلهام ماسكة في دراعه بفستانها الأبيض الكبير وهي بتبص ليها بنظرات حادة وبتـتـوعدها.. وواقف وراهم ستات كتير من القرايب ومنهم حماتها.. العزيزة اللذيذة.. وأم إلهام، وكلهم بيبصوا ليها نظرات حادة.. قعدت تبص بينهم، وحماتها مـلـت كف إيدها الشمال بـبودرة بيضا كانت حاطاها فوق طبق شايلاه عشان ترميه في عيون غمزة الـمـصـدومة فـعـيونها وجعتها.. وهي بتقول بصوت عالي:
= ومن شر حاسد إذا حسد.
الـبودرة دي مكنتش غير ملح طعام.. جـريت بسرعة على الحمام عشان تغسل عيونها ووشها بالـمية الساقعة.. بتدعي على حماتها ومصيبتها في البيت ده.. نجية المفترية.. وأول ما خلصت خرجت عشان تلاقي إلهام واقفة مستنياها قدام باب الحمام… استغربت وبعدين ابتسمت شوية جواها: إيه ده يا ست هانم، هو ساب عرسته يوم فرحها عشان يجيلك..
وملامحها بدأت تزيد وهي بتحلم تشوف وش حماتها لما تعرف بكده.. بس هو قال وهو بيـهـد اللي بتفكر فيه، ورافع شنطة صغيرة في إيده قدام عيونها، مكنتش غمزة شافتها في الأول فـبصت ليها باستغراب وحيرة، عشان يقول أحمد وهو مبتسم ببلاهة:
= بما إني عارف إن أمك مش هـتـرضى بقعدتك هناك.. فـخدي شنطة هدومك واقعدي عند ألوجي.. فأنا عريس يا غمزتي…
رفعت غمزة حواجبها لفوق باستغراب وهي بتاخد الشنطة.. حتى الأوضة اللي كانوا سايبينها ليها.. طردوها منها لأجل غير مسمى.. أخدت شنطتها وبدأت تنزل السلم لشقة حماتها وهي مـنـزلة راسها بكسوف.. وسامعاه بيقفل الباب وراها بالـمفتاح.. وكأنها هتفكر تطلع فوق تاني.
خبطت على شقة حماتها.. فـفتحت ليها الأخيرة وهي بتبص ليها بنصر وتـشـفّي.. وبعدين قالت وهي بتؤمرها:
= هااا ادخلي يا ست الحسن حضري لينا العشا أنا وحماكي.. فـأنا حيلي اتهد في الفرح.
وبعدين قالت عشان تغيظها وتـحـرّق دمها:
= كانت ليلة ولا في الأحلام ولا القاعة… هـتـفضلي واقفة قدام الباب ادخلي اخلصي…
دخلت غمزة وهي مش مصدقة إنها هتقعد مع حماتها ولفترة ميعلمش بيها غير ربنا وبعدين أحمد.. افتكرت أحمد وهي بتـوَلّع نار البوتاجاز.. فـدعت ربنا بحرقة وهي بتسيب اللي في إيدها وترفع كفين إيدها لفوق قدام وشها بعد ما قلعت طرحتها وبان شعرها البني… عشان تـسـتـجاب الدعوة زي ما افتكرت:
= روح يا بعيد إلهي لا تنفع ولا تشفع .. وفضيحتك تتنشر على القنوات التليفزيونية وفي الجرايد القومية .. وقطيعة تقطعك أنت والست أمك … أم قويق نجية المفترية … يا رب.
وأول ما جهزت الأكل لحماها وحماتها وغسلت الأطباق ونظفت المطبخ، ومبقتش قادرة تقف أكتر من كده.. فالتعب بتاع النهاردة خلاص جاب آخره معاها، راحت للسرير اللي حماتها منّت عليها بيه.. ونامت عليه وفجأة صرخت متألمة من ضهرها التعبان اللي لمس السرير الناشف ده، واللي بتفتكر إن حماتها اختارته ليها مخصوص وعشانها بالذات، وقالت بصوت مسموع شوية:
= منك لله .. أيتها العقربة الـمفترية … إلهي يبتليكي باللي يحرق دمك يا رب.
وبعدين قعدت تـنـدب حظها:
= يا وقعتك السودة يا غمزة .. يا سواد بختك يا غمزة .. يا مصيبتك يا غمزة .. وهكذا لحد ما النوم رحمها ومـكـمـلـتش موشح الـندب بتاعها.
أرجوك لا تحبني
فأنا امرأة لا تَصلحُ للحُب و الأحاديث الطويلة
امرأة لا تغريها الكلمات المعسولة
امرأة سريعة الملل متقلبة المزاج تارة كالعاشقة و تارة اخرى غير مبالية لاحد
امرأة تفقد مرحها سريعاً لتعود إلى قوقعتها و تغلق خلفها الباب جيداً.
لا تنخدع بابتسامتي، وتورّد خديّ و اهتمامي المباغت
وإياك أن تُغرم بالبريق في عينيّ و خفة دمي
لأنني بعد خروجي من هذا الحفل الصاخب الذي يقيمه العالم،
أرتدي وحدتي و انتعل كبريائي
ثم التحف لامبالاتي و اكمل مساري
أنا امرأة تُحكم قبضتها على قلبها و مشاعرها وتغلق بابه جيداً.
وكلما وقع في غرامها رجلٌ فتحت لعقلها الباب ليطلق صرخته و رفضه
أني غير صالحة للحب فانا أجهض الاشياء قبل زرع الروح فيها و امضي كأنني استأصلت رحمي.
أخيراً بشرى نفخت بتعب وزهق بعد ما طفليها ناموا وهدوا حيلها، شـدت الغطا عليهم وقامت، دخلت الحمام اللي جوه جناحها وغسلت وشها، وهي ناوية تحافظ على صداقة موشجان ومش هتسيب للشيطان مكان يوقع بينهم ويـمـلا قلبهم زعل، ظبطت بيجامتها الـمكونة من بنطلون وردي بشكل طفولي، وبصت في الـمراية وهي بتـسـرّح شعرها العسلي الطويل وبعدين ربطته ديل حصان عالي عشان تبان كأنها بنت عندها خمسة عشر سنة، هـتـرجع الود والكلام مع موشجان زي زمان والـمية هـتـرجع لـمجاريها، هي واثقة من كده لأنها نوت ده، ومش هـتـسيبها لحد ما يتصالحوا خالص، بصت بـصة أخيرة على عيالها اللي نايمين في سابع نومة وخرجت وقفلت الباب وراها.
حاولت ترسم ابتسامة ودودة على وشها لما وصلت لباب جناح موشجان سلفتها وضرتها، وجواها حلفت والله ما في حاجة هتـفـرّقنا، وبعدين خبطت وفي دماغها فكرة واحدة إنها مش هـتـسيبها لحد ما تحل سوء التفاهم والخلاف اللي بينهم إن شاء الله، هـتـحله. رجعت تخبط على الباب تاني بإصرار فالـوقت مناسب جداً وأيهم مسافر ومحدش هيـوقّف كلامهم، وبرضه مفيش رد، فكرت للحظة وقلقـت، وبعدين قالت لنفسها يمكن في الحمام فـرجعت تخبط تاني، وعدت لحظة والتانية، ورفعت إيدها كانت هتـخـبط تاني بس الباب اتـفـتح مواربة، ووقفت وراه موشجان وهي بتقول بقلق:
= بشرى، العيال كويسين؟؟؟!!
ردت بشرى بابتسامة كبيرة فـموشجان نقطة ضعفها هما العيال:
= لا كويسين والحمد لله.
وبعدين زقت الباب بإيدها رغم إن موشجان كانت مـمـانعة، وهي ناوية على الصلح وتـجـبر موشجان عليه، فـدخلت وموشجان بتبص ليها باستغراب، والتانية مـحـسّـتش بـتـوتر الجو حواليها وكملت كلامها: جيتلك عشان ندردش ونتكلم زي ما كنا بنعمل مـن…. وهنا عيونها جت على أيهم اللي واقف في آخر الأوضة، وزراير قميصه مـفـتـوحة وعضلات صدره القوية باينة، فـبقها اتفتح وشهقت بصوت عالي: أخ … يااا خبر أبيض..!!!
وبدأت تبص بينهم ووشها اتقلب وبقى زي الطماطم الحمراء وحرارته عـلـيت وهي شايفه قميص النوم الرقيق بتاع موشجان باين من الروب، وشعرها الـمـنـكـوش وشفايفها الـمـورّمة ووشها الأحمر شوية، وبصت تاني لأيهم اللي كان بيبص على كسوفها وخضتها اللي على وشها بابتسامة خفيفة وباردة، وشايفاه وشه متوهج هو كمان. الـموضوع أخد منها ثانية أو ثانيتين عشان تفهم وتعرف هي عملت إيه بإصرارها على الدخول، وبقت عايزة الأرض تـنـشق وتبلعها أو على الأقل تجري على أوضتها، بس الـمشكلة إن رجليها نشفت في مكانها، والابتسامة الباردة بتاعته زادت وقلع قميصه خالص وبقى عاري الصدر، فـضربت بكف إيدها على خدها اللي بقى نار ومحمر، وسمعته بيقول بود مزيف:
= خدوا راحتكم أنا هروح أستحمى.
ولما كان خلاص هيـمـشي، صاحت بـخـضة كأنها فاقت:
= والله العظيم مكنت أعرف إنك هنا.
وجريت بسرعة من غير ما تبص في وش موشجان وهي بتقول بـخـضة وكسوف:
= والله العظيم آسفة.. آسفة.
خرجت وهي بتـتـكـعـبل في مشيتها… لحد ما وصلت لأوضتها فدخلت بسرعة على الحمام وفتحت الحنفية وغرقت وشها بالـمية الساقعة، اللي كان بينزل عرق لحد ما بيجامتها اتبلت ومـهـتـمـتـش، وقالت:
= يا للإحراج يا ربي، هيقولوا عليا إيه دلوقتي!! موشجان هتفكر في إيه؟؟ ، هل هتفتكر إني عملت كده قاصدة؟؟ هو أنا غبية إزاي مـاـخـدتش بالي أو فهمت إنها بـتـتـأخر ومـتـوترة، إزاي دخلت كده…. يا ربي.
رجعت تحط مية ساقعة على وشها تاني: يا ربي هـقـابله إزاي بكره……
==============================
يتبع..