حنان 3

ال8
​غمزة شالت صينية الأكل للعرسان، فيها كل ما لذ وطاب ومن عمايل إيديها، وكل ده تحت نظرات حماتها اللي كانت خايفة لغمزة تحط سم لابنها وعروسته. حطت الصينية فوق راسها وهي مستعدة تطلع لجوزها، وحماتها كالعادة بتعيد عليها تحذير كل يوم:
​حطي صينية الأكل قدام الشقة، واضغطي على الجرس وامشي فوراً…
​غمزة ردت بغيظ في سرها:
​إلهي تقعي في نار جهنم يا بعيدة.. يارب.. عليكي وعلى نجية المفترية..
​غمزة طلعت السلم اللي بين شقتها وشقة حماتها عشان ترن الجرس زي الأيام اللي فاتت، بس المرة دي وقفت واستنت اللي يفتح الباب.. كان لازم تتكلم مع جوزها.. الوضع ده مبقاش يتسكت عليه، هي خلاص اتحولت لخادمة من غير أجر بتشتغل ليل نهار مقابل أكلها وسكنها. دقت الجرس تاني وقالت في نفسها بضيق:
​الله.. الله، هما مبيفتحوش ليه يا ترى.. يادي الهم والغم اللي ملازمك يا غمزة يا بنت إنتصار!
​أخيراً الباب اتفتح ووقف قدامها جوزها اللي مشافتهوش من وقت جوازه، وكان لابس بيجامة زرقا هي اللي كانت جايباها له في بداية جوازهم.. هرش في راسه أول ما شافها وقال بهزار:
​غمزتي.. واقفة كده ليه؟؟؟
​غمزة ردت وهي رايحة ناحيته:
​تفتكر المفروض أدخل!!!
​أحمد وقفها بدراعه اليمين وقال بلهجة ناشفة:
​لا.. طبعاً… مش مناسب.
​غمزة سألته بضيق:
​وأومال امتى هيجي الوقت المناسب؟؟؟
​أحمد سكت شوية وهو بيهرش في راسه ودقنه، وقال بجدية:
​أنا لسه عريس يا غمزة، هتقعدي معانا إزاي يعني..؟؟؟
​غمزة ردت:
​وأنا هفضل كده لحد امتى؟؟؟..
​ملقتش منه إجابة! فرجعت تسأله بغيظ:
​هي للدرجة دي “أم منخار” زي أبو منقار عاجباك؟
​أحمد ضحك بصوت واطي وحط ظهر إيده على بق غمزة عشان يسكتها وقال بتحذير:
​اسكّتي لتسمعك…
​غمزة استغربت ورجعت تقول:
​هااا وأنت خايف منها بقى، مش كده…
​أحمد بص لها بنظرة زعل، بس رجع لهزارة بسرعة وبص لها من فوق لتحت وقال:
​أنتِ غيرانة عليا يا غمزتي….؟؟؟
​غمزة سألت نفسها هي فعلاً غيرانة عليه؟ بس بسرعة ردت على نفسها بقوة وهي بتنكر:
​لا طبعاً، أنا بس عاوزة أرجع شقتي… ومتضايقة إنك بتعاملها بدلع ورفاهية وأنا مأخدتش من ده حاجة، ووشي مأخدش غير القلم ورا الثاني..
​حطت إيدها على خدها وهي بتفتكر القلمين دول.. وأحمد قرب منها قوي وقال في ودنها بصوت واطي:
​مفيش فعلاً أجمل ولا أحلى منكِ، هي متسواش حاجة جنبكِ.. أنتِ ملكة جمال..
​حط إيده حوالين وسطها عشان يقربها منه وهو حاسس بحنين ورغبة فيها، ومال براسه عليها وباس خدها وبأصابع إيده التانية كان بيلمس نعومته.. غمزة غمضت عينيها براحة وهي حاسة بلمسات جوزها وبتشم ريحته.. وفجأة قطعهم صوت إلهام المستغرب والحاد وهي بتصرخ:
​أحـــــــــــــمــــــــــــد….
​أحمد اتنفض من صوتها.. وبعد عنها ولف لوش إلهام الغضبان، والغريبة إنه بص لمناخيرها الطويلة وبقى يقول في نفسه:
​”عاوزة إيه.. يا.. يا أم منخار… مضطر أستحمل لحد ما تخلفي لي العيل اللي هفرح بيه..”
​غمزة بصت لها بغيظ، وإلهام قالت بطريقة فيها إهانة:
​وأنتِ واقفة كده ليه.. جبتي الأكل؟ يلا اتفضلي امشي من هنا…
​غمزة كانت خلاص هترد عليها وتهزأها وتعرفها إنه جوزها زي ما هو جوزها ولها حق عليه، لحد ما سمعت أحمد بيلتفت ليها وبيقول بزعيق عكس اللي كان بيعمله من شوية:
​يلا امشي دلوقتي يا غمزة، أمي مستنياكي..
​ولما حاولت ترد صرخ فيها:
​امشي دلوقتي يلا…
​غمزة نزلت وهي بتدعي على نفسها وعلى إلهام وأحمد، وقالت في نفسها بغيظ:
​صحيح “جوز الاثنين يا قادر يا فاجر” وأنت الاثنين مع بعض يا أحمد.. الاثنين… منك لله أنت وأمك أم أربعة وأربعين…. أخ من نجية المفترية مبيجيش من وراها حاجة طيبة أبداً ولا مفيدة…
​كان يناديني “يا سكر”..
كنتُ سُكّرة، استعار الكاف لغرضٍ فأصبحتُ سِرّه، سِرّه الخفي الذي خبأه دهراً، وحفظه وعداً.. أضاف كاف السكر إلى حبه فقال: أحبكِ.
​المشهد الثاني: نائلة وحليمة وحياة
​صوت التلفزيون كان عالي وشغال بأغنية مهرجانات راقصة، واللي واقفة قدامه وسطها بيروح يمين وشمال وأجدعها راقصة في زمانها، عمالة تردد الكلمات الشهيرة للأغنية ولابسة جلبية قصيرة لحد بعد الركبة بحاجة بسيطة وضيقة ومفصلة جسمها رغم قصر قامتها. ومفيش ثواني ومالت بظهرها وهي بتلف، ولما جت تدور اتخضت لما شافت أمها واقفة قدامها ورافعة الشبشب لفوق، وملحقتش تفكر ولا رجليها تسعفها تجري قبل ما شبشب أمها يديها درس مش هتنساه وهي بتزعق فيها:
​كام مرة نهيتك عن عمايلك دي يا مائعة؟؟؟
​نائلة انكمشت وحوطت راسها بدراعاتها الاثنين والشبشب مكنش بيميز أي مكان في جسمها، صرخت وهي رافعة دراعها شوية:
​اهدئي يا حاجة وصلي على النبي يا حاجة حليمة… يا عسل أنتِ يا لوما، كل ما بتكبري بتبقي سكرة يا ناس…
​حاولت تاكل بعقل أمها حلاوة وتخليها تسيب الشبشب، بس كل محاولاتها راحت على الأرض والشبشب مكنش بيبطل ضرب وكأنه بيأدي واجبه الوطني الأول، فصرخت وهي متألمة:
​يا ماما كفاية بالله عليكي…
​أمها زعقت:
​أنتِ هتبقي السبب في طلاقي في يوم من الأيام! متى هتعقلي وتكبري يا مائعة..؟؟؟
​نائلة دافعت عن نفسها:
​هو مش السبب في منعي كان إخواتي الصبيان؟ أهو هما اتجوزوا، الغلط في إيه بقى دلوقتي؟ هو حرام أرقص يعني!!!
​أمها ردت وهي لسه ماسكة الشبشب في إيدها وبتخوفها بيه:
​آه حرام، بالنسبة لي حرام ومش هعيد كلامي تاني يا نائلة، أنا هقول لأبوكي علطول وهو يتصرف معاكي. وبطلي تلبسي الهدوم الخليعة دي؟؟؟
​نائلة ردت بضيق وهي بتقوم وبتصلح شعرها اللي اتبهدل:
​وأنا هلبس براحتي فين يعني؟ مش ده بيتي؟ إيه العيب لما أرقص؟؟؟
​أمها رجعت رفعت الشب في وشها وهي بتهددها وعينيها بتطلع شر:
​اسمعي الكلام من غير نقاش، وإلا والله هقول لأبوكي….
​نائلة لوّت شفايفها واتنهدت بضيق وقالت بصوت واطي:
​خلاص…
​أمها ألحت وهي بتحرك الشبشب:
​خلاص إيه؟؟؟
​نائلة بصت بضيق للأرض ودلكت كتفها من فوق من الوجع اللي سببه شبشب أمها وقالت:
​مش هرقص ومش هلبس براحتي في بيتي.
​حليمة رمت الشبشب في الأرض ولبسته في رجليها بعد ما بصت لها بنظرة كلها تهديد وقالت:
​بنات آخر زمن يفقعوا المرارة، إيه الخلاعة دي؟ يلا يا قليلة الحيا على المطبخ اغسلي المواعين ونظفيها، والله لو مكنتش بتلمع لأخليكي تغسليها تاني.
​نائلة بصت لها بضيق ولفت وهي بتهبد رجلها في الأرض زي الأطفال وبتبرطم بكلام مش مفهوم، ورجعت قالت كلمة واحدة كام مرة:
​والله ده حرام، أوووف.. أوووف يا ربي امتى هتجوز وأرقص براحتي وألبس كل حاجة براحتي؟؟؟
​أمها سمعتها وهي داخلة المطبخ وراها فخبطتها بكوعها في جنبها، نائلة صرخت متألمة وأمها بتقول:
​جواز إيه اللي بتفكري فيه ده؟؟؟
​نائلة سابت اللي في إيدها وعينيها طلعت لبرة ولفت لأمها وهي بتسألها بخضة وتمثيل تريقة:
​وهل الجواز هو كمان بقى حرام؟
​حليمة فهمت تريقتها كويس وقالت:
​بت اتعدلي أحسن لكِ وإلا والله.. الشبشب عارف طريقه كويس..
​نائلة قاطعتها وحطت كف إيدها على بق أمها وهي بتقول بشبه ابتسامة:
​عنك يا حاجة ليما متكمليش والله حفظتها، وإلا هتقولي للسيد الوالد.
​حليمة زقت إيد بنتها بعصبية وراحت تطلع الحاجة اللي هتعملها للأكل، نائلة راحت ناحيتها بابتسامة هادية وحضنتها من ظهرها وباس خدها وسألتها:
​مالك يا ماما؟ إيه اللي مضايقك؟ مش مصدقة إن مجرد رقصي في البيت يضايقك للدرجة دي؟؟
​حليمة سابت اللي في إيدها ومقدرتش تسيطر على زعلها أكتر وانفجرت في العياط بعصبية:
​أنا شفت حلم لآدم وأدهم فزعني قوي. وغطت وشها بإيديها وهي بتعيط بحرقة.
​نائلة سألتها:
​وشفتِ إيه؟؟؟
​أمها رفعت إيديها وقالت:
​لا والله مش هحكيه، أنا مجنونة عشان أحكيه فيتحقق؟ مش أنا قلت إنك مش نافعة في حاجة.
​نائلة قالت بتهريج:
​والله مش عارفة لو مكنتش موجودة، كنتِ هتفشي غلك في مين؟
​حليمة زعقت فيها:
​بت!
​نائلة حطت إيدها على كتف أمها وقالت:
​استغفري الله بس ومش هيصيبهم حاجة.
​أمها بصت لها بأمل وهي بتقول:
​يا رب يا نائلة، يا رب.
​مسحت دموعها بإيدها وبصت لشغل بيتها، نائلة حبت تهون عليها فقالت بهزار:
​ماما، أنتِ بيضاء للدرجة دي ليه؟
​حليمة لوّت بقها من الموضوع ده اللي بنتها مبتزهقش منه وزفرت بضيق:
​أمر الله.
​نائلة لفت وبقت في وشها:
​طب امال أنا قمحاوية ليه؟ انطقي يا ماما واعترفي أخدتيني من قدام أنهي جامع.
​أمها قالت بنفاذ صبر:
​نائلة أنا معنديش مرارة لهزارك البايخ ده، سيبيني في حالي.
​نائلة دلكت جسمها وهي بتفتكر الوجع وقالت:
​أنا عارفة ومجرية ده كويس، وللعلم بالشيء إيدك بقت ثقيلة يا حاجة.
​أمها ردت:
​حلال عليكي.
​حليمة رصت كذا طبق على صينية مدورة وبصت لبنتها:
​يلا أنتِ اللي هتطلعي ليها النهاردة.
​نائلة اتخضت وقالت بصوت واطي كأنها خايفة حد يسمعها:
​لمين؟
​حليمة لوّت بقها يمين وشمال وقالت بغيظ:
​هكون لمين؟ للآية المقلوبة اللي فوق، لللي شقيقك بيوصي عليها كل يوم وهو رايح وهو جاي، والله أنا هشق جلبابي للذيل من عمايله.
​وكأن نائلة مسمعتش حاجة رجعت تقول:
​مقلتليش يا حاجة هطلع لمين؟
​حليمة وطت وجابت الشبشب من الأرض بسرعة رغم وزنها الثقيل، وده خلا نائلة ترجع كام خطوة لورا عشان تتفاداه وقالت وهي بتحاول تقنعها:
​يا أمي دي متبطمنيش وأنا مبطقهاش.
​حليمة شالت الصينية وحطتها في إيد بنتها وقالت بحسم:
​الكلام ده تقولي لأخوكي مش ليا أنا.
​نائلة تأففت بس سمعت كلام أمها، وطلعت الدور اللي فوق ودقت الجرس واستنت، ورجعت دقت الجرس تاني وهي بتبرطم، وعدت كام ثانية قبل ما الباب يتفتح وتطلع حياة وهي بتزعق:
​كفاية، كفاية أنتِ بتدقي الجرس كده بإصرار ليه؟
​نائلة بصت لها بحاجب مرفوع وقالت كأنه كلام محفوظ:
​أمي بعتت لك الصينية دي.
​حياة متحركتش ومأخدتش خطوة، بل وسعت لها عشان تدخل وتشاور بـ كِبر:
​دخليها.
​نائلة رفعت حواجبها الاثنين وزعقت:
​وهو حد قالك إني خادمة جناب السيادة؟ هو مش كفاية إننا بنعمل أكلك كل يوم، ألا…
​حياة شاورت لها:
​كفاية، إيه كل ده، مكنتش أقصد إهانة، دخليها لو سمحتِ.
​نائلة نزلت حواجبها وقالت بصوت واطي:
​طالما قلتِ لو سمحتِ هندخلها.
​حياة سبقتها وكانت لابسة بيجامة عسلي بكم قصير وشعرها ملموم بعشوائية لفوق. نائلة دخلت ولما قربت من السفرة المدورة حطت الصينية ولف عشان تمشي، بس حياة وقفتها بسرعة:
​نـــائـــلــــــة….
​نائلة لفت لها وهي مستغربة، حياة شاورت على كرسي جنبها وقالت:
​ما تقعدي معايا شوية؟
​نائلة حطت صباعها في ودنها وبتدلكها وقالت:
​إيه، هو اللي سمعته ده صح؟
​حياة رفعت راسها لفوق بكبرياء مبيليقش بغيرها، وبتبان دايماً زي الأميرات حتى لو لابسة أوحش الهدوم، دايماً ليها رونق وجمال بتاعها هي بس:
​حاسة إني مش طيبة، بقالي أيام قاعدة لوحدي لحد ما قربت أكلم نفسي.
​نائلة فضلت مستغربة وراحت قعدت مكان ما شاورت لها زي المنومة مغناطيسياً. حياة سألت عشان تفتح كلام:
​أنتِ كملتِ تعليمكِ؟؟؟
​نائلة هزت راسها وقالت:
​أنا في سنة ثالثة حقوق.
​حياة حطت إيدها تسند دقنها ورجعت تسألها:
​آياز عاملة إيه؟ ومبتجيش تزورني ليه؟
​نائلة ردت باختصار:
​بخير. ومبتزوريهاش أنتِ ليه، هو أنتِ في سجن؟ اطلعي لها.
​حياة نزلت راسها الأرض في حاجة غريبة عليها، وهي متأكدة إن الماضي رجع يخبط على أبوابهم كلهم، وأكيد الجروح في قلب أختها فتحت تاني، واللي فكرها بيه آدم امبارح لسه بيكوي صدرها ويمكن هو ده اللي خلاها تفوق من غفلتها. هتنتقم صح وأقسمت على ده وهتشتغل عشان تحققه الأول وبعدها يحلها الحلال.
لما نائلة ملقتش إجابة سألتها وهي بتتفحص وشها واللي ظهر فيه هالات سوداء بشعة تحت عينيها زي المدمنين، ووشها بقى أصفر دبلان وشفايفها مشققة:
​أنتِ قلتِ لي إنك تعبانة؟ يلا قومي البسي ونروح للدكتور.
​حياة فضلت قاعدة وقالت:
​ده هبوط في الضغط، مش أكتر من كده.
​نائلة قالت بعفوية:
​شكلك عامل زي اللي راقدين على البيض، الأحسن نروح للدكتور.
​حياة ردت:
​أنتِ نسيتي إني دكتورة؟
​نائلة تريقت:
​وإحنا نقدر ننسى ده في يوم؛ ده من ساعة ما نتيجة تنسيق الثانوية العامة ظهرت وأنتِ متبطليش تقولي لنفسك الدكتورة حياة.
​حياة بصت لها وفضلت هادية وهي حاطة هدفها قدام عينيها وبتصبر نفسها وبتقوي عزيمتها وهتعمل عشانه كل اللي تقدر عليه، وقالت بود:
​ما تيجي نتفرج على التلفزيون؟
​نائلة كانت لسه مستغربة وعاوزة تقيس حرارتها فـ أكيد هي عيانة، ومنين الكلام ده كله وهي مكنتش بتطيق حد. حياة رجعت تقول:
​إيه الجلبية دي شكلها جميل عليكي، جسمك حلو.
​نائلة بدأت حواجبها ترفع لفوك بشك وسألتها:
​حياة، أنتِ حرارتك مرتفعة؟
​حياة ابتسمت وقالت بصوت واطي:
​وليه؟
​نائلة قالت:
​باينة ليا تعبانة فعلاً. وقامت وهي بتقول: معلش لازم أنظف البيت مع أمي وبعدها هحاول أطلع لك.
​حياة قامت وظهر فرق الطول بينهم وقالت:
​والله لولا هبوط ضغطي كنت نزلت معاكي وساعدتك، على العموم هستناكي وأعمل لنا قاعدة حلوة.
​عيني نائلة طلعت لبرة ومعرفتش تنطق وجريت من قدامها كأنها بتجري من جن، والتانية كانت بتقول في سرها: “العين بالعين والسن بالسن والبادي أظلم”.
​المشهد الثالث: بشرى وآيهم والحاج حسين
​بتنزل السلم براحة وبتسرب النظر لصالة البيت وبتبص يمين وشمال وعينيها بتدور، هي أخرت نزولها من شقتها وخايفة من رد فعل حماها بس كانت مكسوفة ومحرجة لدرجة إن زعيق عمها هيكون أهون عليها. نزلت درجة كمان وبصت حواليها، الساعة دلوقتي عدت تسعة ونص وأكيد هو مشي لشغله. نزلت درجة كمان وبصت فـ عينها جت في عين موشجان اللي كانت تبص لها باستغراب من وقفتها دي، فـ ضربات قلبها اتلخبطت ووقفت ساكتة، وموشجان سألتها بسرعة:
​مالك واقفة كده ليه؟؟؟
​بشرى نزلت الدرجتين اللي فاضلين وراحت ناحيتها، كان لازم توضح الموقف:
​موشجان.. أنا آسفة على اللي حصل امبارح بجد، والله مكنتش أعرف إنه موجود.
​موشجان ابتسمت وقالت:
​لا، مكنتش فاكرة إنك بتعملي مشاكل زي الضراير.
​بشرى بصت لها عشان تشوف هي بتتكلم بجد ولا بتتريق، فـ موشجان قالت بصعبانية عليها:
​اهدي على نفسك محصلش حاجة.
​بشرى بلعت ريقها ولفت وشها، وفي الوقت ده طلع صوت حماها فـ الاثنين بصوا ناحية الصوت للمكتب، وصوته طلع تاني وهو غضبان ومنفعل فـ بصوا لبعض بقلق، وحماها رجع يزعق:
​قولي مين اللي أمره بكده، قولي!
​باب المكتب اتفتح بقوة وحماها خرج وعلامات الغضب في وشها ووراه آيهم بيمشي وراه، وبشرى من غير ما تحس ضمت جسمها بدراعاتها وهي بتتمنى الأرض تنشق وتبلعها، وفعلاً أول ما عينه جت عليها لقى فيها فشته وغله:
​أخيراً صحيتي يا هانم، أخيراً افتكرتِ إن ليكي بيت ومسؤولية على كتافك!
​ردها الوحيد إن عينيها برقت وقفلت شفايفها بقوة عشان تمنع نفسها من الرد وكل العيون كانت باصة عليها. الحاج حسين كمل:
​والله ما شفت في حياتي ست بإهمالك، عيالك عيانين كل يوم والثاني عند الدكاترة، مبتعرفيش تطبخي، مبتعرفيش تهتمي بجوزك ومحرمة نفسك عليه، بس العيب مش فيكي، العيب في اللي كنت فاكره راجل… رضي على نفسه إن ست تركبه.. بدل ما يركبها هو.. ويكسر عينهااا…
​هنا آيهم زعق بـ عتاب:
​يابا!
​الحاج حسين لف له بعصبية شديدة:
​ومستني إيه من اللي مش عارف يحكم ست؟ حتى العمال معرفتش تسيطر عليهم لحد ما تمردوا عليك.
​آيهم نزل راسه للأرض وهو بيحاول يمسك غضبه ويراعي تعب أبوه، لأن أبوه عمل المشكلة دي كلها على حاجة متستاهلش. الحاج حسين رجع يبص بشر بغيظ لبشرى وعينيه بتطلع شر وده خلا بشرى ترجع خطوة لورا لأنها أول مرة تشوف حماها بالمنظر ده، ورجع يزعق:
​يلا قولي لي بتعملي إيه بالليل عشان تصحي متأخر كده؟؟؟
​بشرى اتنحنحت وقالت وهي بتحاول تهدي الوضع:
​آسفة يا عمي بس سامي بطنه تعبته امبارح وسهرت جنبه.
​حسين ضرب كفه على فخذه بعصبية وزعق:
​طبعاً العيل عيا من عمايلك، ويا ترى أكلتيه إيه عشان يتعب كده؟ والله ما تنفعي لا زوجة ولا أم.
​آيهم حاول يتدخل وينادي عليه بس مفيش فايدة، وبشرى والدموع في عينيها قالت:
​وأنا غلطت في إيه يا عمي؟ غلطت في إيه عشان كل الزعيق ده؟
​وفجأة الحاج حسين مشي المسافة اللي بينهم بسرعة وضربها بالقلم على وشها، فـ بشرى صرخت من الوجع، وموشجان اتصدمت وفتحت بقها وحطت إيدها عليه، وآيهم مسك أبوه من ظهره وبعده عنها وأبوه بيقاوم، وهي دموعها نزلت علطول ووشها احمر ومكان صوابع حماها علم في وقتها، فحطت إيدها عليه وهي مش مصدقة وحاسة بسخونية القلم، فحماها رغم كبر سنه لسه شديد. آيهم بص لها وهو مش عارف يقول إيه فـ هي طلعت فوق بسرعة وهي بتقول:
​أنا مبقتش يتيمة عشان تمد إيدك عليا وأسكت.
​حماها تريق وزعق:
​وهيعمل إيه أبوكي السباك؟ قولي لي عشان أخاف، كان عمل زمان.
​الوشع زاد جواها وحست بضغط ورا عينيها، وحاسة إن وشها هيتفجر فقالت بقوة:
​أنا رايحة لأبويا ومش هسكت أبداً.
​موشجان طلعت وراها وآيهم قال بصوت واطي:
​يابا أرجوك كفاية، كفاية…. اهدأ.. عشان خاطري….
​الحاج حسين ساب جسمه بعد ما بشرى اختفت وقال بعجز:
​ليتها ماتت هي وفضل ابني عايش، والله كنت جوزته باللي أحسن منها جمال وعلم وأخلاق.
​آيهم اتنهد بزعل:
​استغفر الله يا يابا، دي أعمار.. وده عمره وهي ملهاش دعوة بالموضوع، ضربتها ليه بس؟
​الحاج حسين قال بعصبية:
​متبطش وجودها، وجودها بيغيظني ويرفع ضغطي.
​آيهم سأله وهو بيحاول يخفف عنه:
​طب أوديها بيت أهلها وأسيبها هناك؟
​الحاج حسين زعق بعنف:
​لا، لو هتمشي لوحدها من غير العيلين يبقى كتر خيرها، إنما تأخذ اللي فاضل لي من أخوك لا وألف لا، والله لو وصلت لأني أضرب عليها نار هعملها.
​آيهم قال عشان يهديه:
​اهدأ يا يابا، الموضوع ميستاهلش كل ده، هون على نفسك صحتك مش هتحتمل. زفر آيهم وقال: طب تسيب البيت هنا وأقعدها في بيت المدينة مؤقتاً لحد ما تهدأ خالص؟
​أبوه سأله:
​والعيلين؟
​آيهم قال:
​ولادها وهما محتاجين لأمهم، وبعدين هتروح فين بيهم؟ أنا هسيبها على ذمتي.
​الحاج حسين بص له وهو بيفكر إنه فعلاً مش طايق يشوفها ولا طايق قعدتها معاهم، هو حاول مع نفسه بس من جواه حاسس إنها السبب في موت ابنه، ورغم إن الظن ده ساذج بس هو مقتنع بيه؛ لو مكنتش كلمت إبراهيم وطلبت منه يجي، ولولا مجيئه بالليل مكنش مات في الكمين؛ لو مكنتش صممت إنه يجي كان زمانه عايش وسطنا. صرخ بقوة ودموعه نزلت فجأة:
​آه يا ابني، آه يا سندي، مبقتش طايق العيشة من غيرك، يا رب خدني يا رب.
​آيهم جري على أبوه وحضنه:
​أنت بتكفر يا يابا؟ استغفر الله، لكل أجل كتاب وهو أمانة ربنا وأسترد أمانته….
​أبوه بعده عنه بقوة وقعد في الأرض وهو بيعيط ودموعه بتنزل مع صوته المخنوق وروحه التعبانة.. وبقى يندب ابنه الكبير بوجع:
​آه يا ابني، يا حبيبي وحشتني، يا حبيبي كنت طيب وحنين ومكنش بيهدى لك بال لحد ما تطمن عليا، (ومن جواه طلعت صرخة وضرب إيده على قلبه بقوة) آه يا ابني، هموت حسرة عليك وعلى شبابك.
​آيهم قعد جنبه وحضنه وبقى يطبطب على ظهره:
​اهدأ يا يابا، اهدأ.
​أبوه بقى يعيط بضعف لأول مرة في عمره كله على خسارته للولد حتى بعد شهور بعد ما ضم عياله في حضنه. آيهم سنده لحد أوضته وطلع تليفونه وكلم الدكتور اللي قال إنه جاي حالا، ولما ساعد أبوه ينام على السرير وأبوه هدي شوية، سابه وطلع السلم للأوضة اللي كان فيها أخوه زمان.
​دخل الأوضة المقفولة من غير ما يخبط… واتفاجأ ببشرى وهي بترم هدومها بعشوائية في شنطة سفر متوسطة وبتشد شنطة تانية من الدولاب المفتوح على آخره. موشجان لفت له أول ما دخل وبشرى مأدتلوش أي اهتمام، وعينيها مابتنشفش من العياط وأثر القلم باين أكتر على وشها الأبيض المحمر. موشجان رجعت تتكلم:
​ملوش لزمة تمشي يا بشرى، الموضوع بسيط إن شاء الله.
​بشرى رفعت عينيها الحمرا ليها وقالت:
​يضربني وأسكت؟ لا والله مش هيحصل، بيت أبويا أولى بيا.
​موشجان قالت بصوت واطي بعد ما بصت لآيهم اللي واقف في جنب الأوضة وبيركز في كلامهم:
​متفتحيش النار عليكي، أنتِ عارفة إنه مش هيسكت وممكن يقلب حياتك جحيم.
​بشرى قالت بلا مبالاة وهي مصممة على اللي هتعمله:
​يعمل اللي يعمله، مش ههتم.
​موشجان رجعت تلح:
​مش هتستحملي قدامه يومين بالكتير، سيبي الموضوع يتنسى وهيص……
​آيهم قاطعها بصوت ناشف وعينه على بشرى:
​سبينا لوحدنا يا موشجان…
​موشجان لفت له بحدة ونظرتها اتقلبت وجسمها اتشد، وآيهم شاف ده بعينيه الصقر فزعق:
​ملوش لزمة غيرتك دي.
​سكت للحظة وهي بتبص له، فرجع قال بصوت ناشف وواضح:
​موشجان، مش هعيد كلامي، اخرجي واقفي الباب وراكي، يلا روحي اقعدي جنب أبويا.
​موشجان جزت على سنانها وقفت بقها بقوة وبصت له بغيظ قبل ما تلف بحدة وتمشي، وشعرها طار وراها مع لفت جسمها، خرجت ورزعت الباب وراها ومحدش اهتم بخروجها ده.
​عينيه فضلت عليها وبتتأمل ملامحها الزعلانة؛ وشها المحمر، دموعها، أنفها، وبقها الصغير اللي بيترعش، واللي كمل الصورة حجابها الأسود. جسمها كان بيترعش وهي بتشتغل، فسألها بصوت واطي:
​رايحة فين؟
​ردت وهي بتعيط:
​رايحة لأبويا، خطوة تأخرت كتير.
​قرب منها خطوة وقال:
​كده من غير إذن مني؟
​عينيها رفعت وبصت له بغضب، هو مستني إذن بعد اللي حصل:
​آيهم، طلقني!
​ردها اللي كان متوقعه مهزهوش، ففضل هادي وقال من غير ما يعلق على كلامها كأنه مسمعهاش:
​أبويا حالته النفسية تعبانة، وهو عيان وأكيد مكنش يقصد إن..
​قاطعته بعصبية وزعيق:
​وأنا مالي؟ أبويا نفسه مصلحهاش عشان يجي هو ويعملها، والله مش هقعد دقيقة في البيت ده.. أنا حاسة بالقهر والوجع…
​”داخل كلٍ منا طبيب نفسي، لا يُمارس مهنته إلا عندما تشتكي الأنثى شيئاً ما!..”
​حاجة في فكه اتشدت وجز على سنانه بضيق من صوتها العالي، وهدى نفسه شوية وصوته طلع حاد شوية:
​فعلاً مش هتقعدي هنا.
​إيديها وقفت عن حط هدوم العيال في الشنطة وجسمها اترعش، هما هيأخدوا العيال منها؟ بصت له بقلق وهو قرب منها لحد ما بقى بينه وبينها خطوة واحدة، وبص لشنطتها اللي اتملت هدوم ورجع بص لها تاني ولفت نظره عينيها اللوزية الملونة بالزرق اللي بتلمع زي الذهب والدموع محاوطاها. سرح شوية في جمال عينيها؛ عسل على زرق بريشة ربنا، وأنفها الصغير، وعينه جت على بقها اللي بيترعش وشفايفها المنفوخة بلونها الوردي، والدمعة اللي نزلت على شفتها فمسحتها بلسانها. عينه تعلقت بيها وفي الوقت ده كان عاوز لو يقدر يوقف رعشتها، إنه يدوق اللون الوردي ده، ويشوف طعمه زي العسل اللي في عينيها.. ولا أحلى، وكان عاوز…
​هتنأخوا عيالي مني؟؟؟
​وعيطت بزعل مقدرتش تسيطر عليه عشان تفوقه من أفكاره، وعينه جت على مكان القلم فقال بهدوء:
​هنروح شقة المدينة لحد ما أبويا يهدأ.
​عينيها فضلت عليه وقالت بإصرار:
​مش هقعد، الموضوع من أوله غلط، بيت أبويا أولى بيا.
​رد عليها:
​وأنا مش موافق.
​رفعت حاجبها الأشقر وقالت بقوتها الضعيفة:
​ومين مستني موافقتك؟ أنا همشي رضيت ولا مرجيتش.
​وهنا غضبه اشتعل وضيق عينيه ومسك دراعها بعنف وضغط عليه:
​اتكلمي بـ أدب معايا، أنا جوزك.
​بصت له بغضب وعناد ووجع، من غير ما تخاف أو تهتم بوجع دراعها اللي ماسكه بإيده:
​وأنا عاوزة الطلاق.
​آيهم ضغط أكتر على دراعها من غير ما يحس وزعق فيها:
​مبقاش الموضوع بمزاجي أو بمزاجك، إحنا اتمسكنا ببعض وخلاص والموضوع كله قلم، بتكبري الحكاية ليه للدرجة دي؟
​كأنه رمى بنزين على النار فصرخت:
​مجرد قلم؟ مجرد.. !!!
​قاطعها وزعق بعصبية ونفاذ صبر:
​آه يا ربي ماليش أنا في الجو ده وفي دراما الستات، الموضوع خلص كملي لِمّ شنطك وتكون جاهزة في خلال نص ساعة.
​بشرى زعقت فيه:
​مش هروح معاك في مكان، هروح بيت أبويا.
​هنا آيهم مسك دراعها الثاني وبقى يهز جسمها بعصبية وغضب طلعوا عن السيطرة:
​قلت لك وطّي صوتك قدامي كام مرة لحد دلوقتي؟
​بطل يهز جسمها وفضل ماسك دراعاتها وقال بكلام حاد ومن بين سنانه:
​لو مصممة تروحي بيت أبوكي أنا مش هقف في طريقك، بس العيلين هيقعدوا في حضن جدهم واعملي اللي أنتِ عاوزاه.
​ورمى دراعاتها بقوة فـ رجعت لورا وظبطت نفسها وهي حاسة بوجع جامد في دراعاتها فدلكتهم وزعقت:
​بس ده ليرضي ربنا ولا رسوله… يا خلق الله…
​رد عليها:
​وهو يرضيه إن الراجل اللي خس ابنه يتحرم من أحفاده؟؟؟
​سكت شوية وبعدين قال بلين بس فيه حزم:
​فكري كويس، فترة وهتعدي وكل حاجة هترجع لأصلها فمتكبريش القصة.
​بصت له وعينيها واسعة وهي بتستوعب الكلام، وهو عينه راحت ناحية العيلين اللي واقفين خايفين عند باب الأوضة الثاني فقال بحزم:
​أظن الموضوع يهون عشان خاطر العيلين.
​لفت مع إشارته للعيلين وخافت عليهم من الخوف اللي في وشوشهم، فجريت عليهم وحضنتهم عشان تهديهم، وعيونهم كانت باصة بقلق ناحية عمهم اللي قال براحة:
​فكري زي ما أنتِ عاوزة واختاري الطريق اللي يريحك، في كل الأحوال أنا هستناكي تحت، كوني جاهزة إما لبيت أبوكي أو لشقة المدينة.
​والاختيار كان صعب وفي عقلها بيتردد: لحد امتى؟ لحد امتى العيشة دي؟ لحد امتى هتحتمل؟ غطت وشها بالنقاب وشدت الشنطتين وراها وتوكلت على ربنا ولقت آيهم تحت مستنيها بعد ما ودع الدكتور اللي أدى لأبوه حقنة مهدئة.
أتأملها لحد ما عينيها اختفت، راحت عنده وبصت له، فشال الشنطتين ورايح لعربيته وقعد ورا الدريكسيون وسألها لما قعدت على الكرسي اللي جنبه:
​على فين؟
​لفت تبص ورا للعيلين اللي قاعدين في الكنبة اللي ورا ولابسين حزام الأمان، ورجعت تبص قدامها وهي بتقول بثبات:
​لشقة المدينة.
​شد الفتيس والعربية بدأت تتحرك وهو بيبص في المراية للطريق وراه، وبقّه اترسمت عليه ابتسامة تريقة وتنهيدة حارة وصوت العيلين بيطلع وهما بيقسموا الحلويات مع بعض.
​المشهد الرابع: آياز وأدهم
​”يكفيني منك.. أنك أنت”.
​واقفة في مطبخها أو اللي بقى دلوقتي مطبخها، بتقلّب الشوربة براحة وبتدوق منها، وباين على وشها الرضا، ومسكت فوطة مطبخ صغيرة وطلعت صينية اللحمة بالبطاطس ورصت أطباقها برضا وقالت لنفسها:
​يا سلام عليكي يا آوزا ريحة الأكل تجنن.
​حطت لنفسها أكل في أطباق ورصتها على السفرة وقعدت تدوق اللي عملته بمزاج، ولما قربت تخلص اتفاجأت بباب الشقة بيتفتح وأدهم بيدخل وهو بيتكلم في التليفون وبيزعق:
​آدم قلت لك والله هاكل وأمشي علطول على المحل.
​سكت وهو بيسمع اللي بيكلمه وبعدين رد بارتباك:
​كنت فين؟ كنت في….. كنت في مشوار، آدم مالك بتسألني وتحقق معايا وكأني اتجوزتك!
​سمعه وبعدين زعق:
​اقفل دلوقتي ونبقى نتكلم بعدين.
​دخل ناحية آياز اللي كانت تبص له بفضول وقال وهو بيبص للأكل قدامها:
​ليه مأستنتنيش؟
​سحب كرسي وقعد وآياز ردت بصوت واطي، فرغم قرابتهم اللي انقطعت لحوالي خمس سنين بس حاسة بيه كأنه غريب مش متعودة عليه:
​هو أنت قلت لي إنك هتاكل هنا؟؟؟
​رد ببساطة:
​هو إحنا مش اتفقنا امبارح؟ هاكل هنا كل يوم.
​ومن غير ما تسيطر انطلق فضولها كست:
​أومال كنت فين امبارح وقضيت ليلتك فين؟؟؟
​ارتبك وعينيه راحت يمين وشمال وبيدور على مخرج، فشد طبق اللحمة من قدامها وأخد حتة وبقى يأكلها وقال وهو راضي:
​لا، طبخك اتحسن يا حنان.
​سألته وحواجبها مرفوعة:
​حنان مين؟؟؟
​أدهم شد وهو بيضحك حتة تانية وقال:
​مشغليش بالك، أفهم من كلامك دلوقتي إن مفيش أكل ليا؟
​آياز بصت للحتة اللي في إيده وقالت:
​أومال إيه اللي في إيدك ده..؟؟؟
​أدهم سألها وهو مستغرب:
​هو أنتِ عاملة عينات يا آياز؟؟؟
​آياز ردت:
​عينات؟!
​أدهم رد وهو بيأكل حتة تانية:
​آه يا آياز عينات، متغركيش خستى دي والسلطة دي كليها أنتِ، فين الرز، فين المكرونة؟؟؟
​آياز قالت:
​أنا مباكلش لا رز ولا مكرونة.
​أدهم زعق وهو بيهزر:
​لا يا روح ماما كلي أنتِ اللي أنتِ عاوزاه إنما أنا بعمل مجهود وتعبان ومحتاج أكل مش عينات.
​آياز علقت وهي مستغربة:
​روح ماما؟ إيه اللغة دي!
​آياز ضحكت بصوت عالي وهو استغرب، وأدهم قال:
​لو أمي شافت العينات دي كانت اتهمتك إنك بتجوعيني قاصدة.
​آياز قالت بضيق:
​بطل تريقة وهجيب لك أكل زيادة بس لو عاوز رز استنى.
​رد بسرعة:
​لا مفيش وقت، هاتي عيش.. (واتنهد وقال): سلمت أمري لله، بس متكرريهاش.
​آياز قامت رايحة المطبخ وهو بقى يتأملها ويتأمل جمال جسمها في البيجامة النبيتي اللايقة على لون بشرتها الخمري، وكان البنطلون ضيق ومفصل جسمها ومن فوق واسع شوية، وشعرها الطويل الأسود سايب على ظهرها. عينيه فضلت عليها وهي رايحة وجاية ونسي الأكل اللي قدامه، وقال وهو مبهور بأول حاجة جت في باله:
​شعرك لسه أسود وبيلمع.
​عينيها طلعت لبرة وقالت وهي بتمسح على شعرها:
​وهو حد قالك إن لونه بقى أبيض؟ أنا لسه في عز شبابي يا أدهم.
​أدهم وضح كلامه:
​طبعاً مكنتش أقصد؛ بس كنت عاوز أقولك على جماله وحيويته، عادة لما البنت بتكبر بالذات المحجبة بتهمل شعرها، على العموم مبروك يا ستي على البيجامة الروعة دي، أكيد ذوق نائلة.
​آياز ردت بهدوء:
​آه ذوقها، عرفت إزاي؟
​رد بابتسامة خفيفة:
​بتموت في الهدوم الضيقة.
​وشها احمر شوية وهو رجع لأكله ومغيب فيه وبياكل بمزاج.
​ننتزع البسمات ونلون بها ثغورنا وإن كانت الصدور باكية..
نعارك النوائبَ فإن أوجعتنا، فإنها لا تُهلكنا، نظل نطالعها بشموخٍ: أننا لن ننكسر.
نزج بأنفسنا في بوابات الفرح ولو نادى حاديها: ما من مكانٍ لكم…… ثم نوجِد لقلوبنا مقاعد في ساحات الرضا..
ونهمس لها: إنها دنيا… وستمرّ..
​المشهد الخامس: الأب عند المقابر
​قاعد قدام قبرينهم على الحصى وجنبه زرع الريحان اللي كانت بتموت فيه مراته، حط إيده على جدار القبر وقال وهو بيعيط:
​ضاع شقى عمري، ضاعوا هما الاثنين وانتهى أمري، سلمتهم بإيدي ليه، ظلمتيني أنتِ وأبويا يا أمي، ظلمتيني! عاملة إيه دلوقتي يا جميلة؟ عرفتِ اللي حصل لبناتنا؟ حاسة بالراحة دلوقتي؟ عارفة دلوقتي نتيجة عمايلك لو مكنتيش عاندتي ووقفتِ في طريق العشق ده اللي دمر كل اللي وقف قدامه؟؟
​رفع راسه للسماء وقال بوجع:
​الصبر من عندك يا ربي، الصبر.
​وبعدين عيط عياط مرير، وبيفتكر الذكريات في عقله وبيندم لأنه فضل يتفرج وكأن اللي بيحصل مكنش يخصه في يوم، وأهو دلوقتي بيدوق المر لوحده وبيعض في صوابعه بس بعد فوات الأوان، ومن جواه طلعت صرخة عالية وهو بيصيح:
​ياريت الزمان يرجع في يوم، ياريته يرجع! اللهم الصبر من عندك ورحمتك نرجوااااا.
​المشهد السادس: آدم وحياة
​دخل أوضتهم بسرعة واشتياق كبير لقاها قاعدة على السرير ومنكمشة على نفسها ورافعة ركبها لحد وشها وحاطة دراعاتها وفوقهم راسها ومخبياها. حست بوجود حد معاها في الأوضة فرفعت عينيها ليه.. وياريتها ما عملت…. آه من العيون دي.. بص ليها باشتياق وزعل وهي تبص له بكره وغضب شديد.
​تباً لكِ يا صغيرة ألا تعلمي أني وددت لو أطوي الأرض والليل والنهر في راحتي وأنا أحسب الدقائق والساعات حتى أعود إليكِ وأنعم بالجنة بين أحضانكِ…
​قرب منها ومال عشان يحضن جسمها بقوة وصوت أنفاسهم السخنة عمال يعلو ويعلو. رفع راسه عن رقبتها وبدأ يبوس كتفها اللي عراه بإيديه؛ وطلع لرقبتها وبعدين بقها ونزل بجنون على شفايفها؛ بعد عنها وهو شايلها بين دراعاته وهي محاوطة رقبته بإيديها وبتبص له بعشق، عشق فيه تناقض بين الحب والكره…
​طلع فوقيها وهو لسه بيبوسها وبدأ يقلعها باقي هدومها وهو بيقلع هدومه ومن غير صبر. فـ هي شهقت بخوف من حالته وهي شايفاه بدأ عنفه بدري فقال برغبة:
​حياتي؛ أنا مش ندمان على اللي عملته واللي هعمله دلوقتي.
​شهقت بقوة تاني بعد ما نط عليها بجسمه بقوة وبقى يأخذ كل جزء منها بشفايفه وسنانه وإيديه وعنفه بيزيد بجنون عاشق أكتر من الأول.
​فتحت عينيها بالعافية وبصت له بعتاب شديد لأنه كان عنيف بدرجة محدش يستحملها، ورغم إنها حاولت تتماسك على قد ما تقدر بس مستحملتش؛ ومعاها حق وهو عارف.
ومن ناحية تانية جسمه اللي قايد نار عاوزها؛ عاوز يروي عطشه على قد كل ليلة وكل يوم سحر قربها لسنين؛ على قد كل العذاب والدلع اللي اتدلعته وهي بعيدة. على قد كل اللي حس بيه من نعومتها وهي بتقول اسمه وبترفع حرارة جسمه وهي بعيدة برضه دي حياته وبنت قلبه؛ وبنت عشق اتولد من قلبه اللي بينطق باسمها؛ على قد كل أحلامه اللي جاتله بيها بـ طريقة متعبة فـ هي مرحمتهوش لا وهي صاحية ولا حتى في نومه؛ بهدلها؛ عارف كويس إنه بهدلها بس شايف نفسه فعلاً معذور. آه فمين قال لها تكون بالجمال ده كله.. بالنعومة دي؛ مين قال لها وأداها الحق تكون جنية ساحرة ومثيرة كده؛ يعمل إيه هو يعني؛ ما هو بشر في الآخر؛ ما هو آدم القاضي اللي اتخلق من حياة وبس..
​يتبع…. ياترى أيه توقعاتكم يا قمرات؟
​:
​الفصل التاسع
​الحرارة بتاعة شهر يوليو بقت صعبة أوي ولهيبها بيكوي، وأشعة الشمس متعامدة، ويمكن الحرارة وقتها عدت الأربعين. واللي خلى الوضع أسوأ وأزفت هو ارتفاع نسبة الرطوبة على اللي راكبين في العربية دي. بشرى اتأففت بصوت عالي وهي بتهز طرف النقابب وبتِبعده شوية عن وشها بعد ما لزق عليه من كتر العرق، وصرخت:
= ما تشغل التكييف يا عم؟
أيهم بصلها بصه خطفتها من ورا نظارته الطبية وهو متحكم في الدريكسيون، ورد ببرود وتحديد:
= باظ امبارح.
عاتبته بنرفزة:
= ولما هو باظ مصلحتوش ليه؟
مردش عليها، أو بمعنى أصح شكل كده مسمعهاش أو عمل نفسه مش سامع، فبشرى قعدت تبرطم جواها:
= كأنه جبل تلج في القطب الشمالي، مش هيحس بالحر أبدًا!
هتف بسخرية وهدوء من غير ما يلتفت لها:
= يمكن لو رفعتي النقاب ده أو قلعتيه خالص هتحسي بإنك أحسن شوية.
بشرى بصتله بغيظ وصرخت:
= وإزاي ده بقى؟ وكل اللي هيمر من جنبنا هيشوفني!
قالها ببداهة وهو بيشاور على إزاز العربية:
= بصي بنفسك، مفيش مخلوق هيعرف يشوفك.
​بشرى حست بغباء وهي بتبص على الإزاز الفيميه اللي مكنش باين منه وقتها غير جزء صغير، رفعت نقابها وفكت العقدة بتاعته شوية من ورا راسها عشان الهوا السخن يلطش وشها، فراحت رافعة الإزاز البني بسرعة عشان يضلل عليها. في الوقت ده أيهم مد إيده وخد منديل من العلبة اللي فوق تابلوه العربية، وعينيه جت على وشها اللي كان محمر وملتهب من الحر والعرق المليان فيه، وأمرها بهدوء:
= خدي نشفي وشك.
​خدت منه المنديل من غير ما تقوله شكرًا، ومسحت وشها وخدت شهيق طويل بتدور على نفسها اللي كان هيتِقطع من الخنقة. في الوقت ده، صياح العيال ورا علي وصوتهم طلع وهم متأففين من الحر الجامد، فبشرى لفت تبص عليهم بشفقة. ومفيش لحظات وصوت أليف اتقلب لبكا وهي حاطة صباعها في بقها بتمصه جامد. بشرى اتسرعت وطلعت لعبة من ألعابهم المطاطية فسامي اتلهى بيها، أما أليف ففضلت زي ما هي بتعيط ومتبتة في صباعها. بشرى طلعت حتت كيك جاهزة من بتاعة البقالة وعرضت عليهم هما الاتنين، فأليف رفضت ووشها احمر بطريقة مبالغ فيها، فعمها بصلها في المراية، وبشرى طلبت منه:
= لو سمحت وقف العربية.
لف ليها وهو بيستفسر:
= ليه؟
ردت بنرفزة وعصبية:
= هانزل آخدها معايا على الكرسي القدامي.
​وقف العربية، والطفلة رمت نفسها في حضن أمها وهي بتعيط، وبشرى رجعت ربطت الحزام على سامي اللي كان مشتت مع حتة الكيك بتاعته. قعدت مكانها وقربت إزايز المية من بق بنتها اللي شربتها بلهفة. أيهم دور العربية تاني وهو خلاص جاب آخره وزهق من لمتهم، هو أصلاً مش واخد على العيال ولا يحب يتعامل معاهم. أليف رجعت تصرخ بأعلى صوتها وضامة بقها الصغير البمبي وهي بتخبط على صدر أمها بكفوفها الصغيرة، فبشرى كشرت لإنها فهمت بنتها عايزة إيه. أيهم بصلهم وهو خلاص دماغه اتسطشت من الصريخ المتواصل ده وزعق:
= عايزة إيه تاني دي؟؟؟
مردتش عليه وهي بتحاول تهدي بنتها، رجع يبص لهم بغيظ من الصريخ اللي مش راضي يقف وصاح:
= مالها؟ جرى لها إيه عشان تعيط بالشكل ده ورا بعضه؟
زعقت هي كمان:
= عيلة صغيرة وبتعيط، جرى إيه؟
رد ببداهة:
= ما أنتِ أمها اتصرفي، دماغي هتنفجر!
​بشرى منفضتله ورفعت بنتها على دراعها وبقت تطبطب على ضهرها بحنان، بس البنت العنيدة رافضة ومصرة، وبتلف لِصدر أمها وبتشد العباية السودا من فوق. أيهم أول ما شاف تصرفات البنت زعق فيها:
= أرضعيها، عايزة ترضع، ولا أنتِ فطمتيهم؟
ردت بشرى:
= لسه صغيرة، مفطمتهاش، بس مش هعرف أرضعها دلوقتي.
بصلها ومستني تفسير، فبررت موقفها وهي محرجة:
= جسمي كله عرق.
بص لعلبة المناديل وقال:
= نشفيه وأرضعيها وخلصينا.
ردت بتلعثم وهي بتبص على اليافطة اللي على جنب الطريق:
= أهو وصلنا لبوابة المدينة أخيراً، الشقة دي فين بقى؟
​قالها بهدوء على المكان، وهي عشان بنت المدينة وعارفة شوارعها كويس، عرفت علطول إن الشقة في أرقى حي في المدينة، وده معناه إن رحلتهم المنيلة دي اللي بقالها قريبة من الخمسة وأربعين دقيقة خلاص بتخلص، والبت الصغيرة لسه بتعيط رغم كل محاولات أمها عشان تسكتها.
​العربية وصلت أخيرًا للمكان اللي عايزينه، وهو بيركن العربية تحت برج عالي أوي، بشرى قعدت تتأمل بوابته الكبيرة السودا اللي وراها جنينة صغيرة قدامانية مليانة ورد ألوانه تفتح النفس، وبعدين مدخل البرج بشياكته والزرع اللي محطوط في قوارير كبيرة على الجنبين، والسجادة الحمرا الطويلة الرفيعة اللي ممدودة في خط طويل بينهم. في الوقت ده كان في راجل وشه مكرمش ولابس جلباب لونه باهت، في الخمسينات من عمره والشيب مالي راسه، أول ما شاف عربية أيهم فز واقف ورحب بيه بضحكة عريضة:
= أيهم باشا! يا مرحب بخطوتك، حمد الله على السلامة.
​أيهم مفتحش الباب اللي جنبه وهو شايل الطفلة—اللي سكتت وبقت تبص بعيون مرعوبة لِعيون عمها—إلا لما اتأكد إن بشرى لبست نقابها كويس، بعدين سلمها البنت ونزل من العربية وحط إيده في إيد الراجل اللي كان مادي ترحيبه:
= يا نهار أبيض، ده بقالنا كتير أوي مشوفناش جنابك هنا.
رد أيهم باختصار:
= أهلاً يا جاد، نزل الشنط من العربية وطلعها الشقة عندي.
رد جاد بسرعة:
= أوامرك يا باشا، من عينيا.
​أيهم التفت لبشرى اللي واقفة على الرصيف وشايلة أليف وإيدها التانية ماسكة سامي، وأمرها بكلمة واحدة وهو بيسبقها في المشي لبوابة البرج الحديد:
= يلا.
بشرى نادته بغيظ من كبرياؤه اللي مولود بيه:
= مش هعرف أشيل العيلين، شيل سامي عشان دايخ.
أيهم جز على سنانه وبص لها بضيق، وطلع نفس طويل سخن، ورفع الواد على دراعه وهو بيمشي قدامها. بشرى مشيت وراه ودخلوا الأسانسير اللي وقف في الدور الخامس، واتنهدت براحة أول ما باب الشقة الأسود انفتح. دخلت وراه وهي متوقعة إنها تتِبهر بالعفش الراقي، بس اللي حصل كان العكس تمامًا؛ الشقة شكلها راقي أه بس كلها متغطية بكوم قماش أبيض، أو اللي كان أبيض في يوم من الأيام! التراب متنطور في كل حتة، والمكان ريحته مكتومة وهوا فاسد. بصت بذهول وهي بتقلع النقاب وقالت:
= إيه ده؟
رد على سؤالها بسؤال تاني:
= إيه في إيه؟
= وليه مجبتش حد ينظف التراب ده كله قبل ما نيجي؟ الغبار مالي المكان!
= الوقت مسمحش، البركة فيكِ بقى.
ردت بصدمة:
= البركة في مين؟ سامي وأليف صدرهم مش هيستحمل التراب ده، وغير كده أنا هلكانة وأليف…
قاطعها بزهق:
= اسكتي شوية، هأتصرف وأجيب لك بنت تساعدك.
سألته بنشفان:
= ولما أنت هتعرف تتصرف، متصرفتش من الأول ليه؟
ضيق خلقه زاد وصوته علي:
= أوف، اتخنقت والله العظيم!.. وأنتِ ما شاء الله لوك.. لوك.. مأقصرتيش في اللكلكة من ساعة ما دخلنا الشقة!
​سابها بتغلي من الغيظ ودخل أوضة ثانية، وطلع تليفونه واتصل برقم، وقال للي بيكلمه بحسم ومن غير سلامات:
= تعالي عايزك، أنا في الشقة.
قفل السكة علطول ورجع على صوت بكا العيلين، فزعق فيها وأمرها:
= بدل ما أنتِ واقفة زي الصنم كده، افتحي الشبابيك دي! وشوفي لك طريقة تسكتيهم بيها، دماغي هتنفجر من الصداع!
رغم إنها كانت معترضة على زعقته، بس عملت اللي قال عليه وهي بتلعن اليوم اللي ارتبط فيه اسمها باسم المتعجرف ده، وكأنه الآغا خان في زمانه!
​= “عُمرى ما كنت فخور بالعزلة، بس كنت معتمد عليها، الضلمة في أوضتي كانت زي ضوء الشمس بالنسبة لي”
​قاعد ممدد على سرير مريح والمخدات متنطورة فوقيه، ساند ضهره على ضهر السرير وهو عريان الصدر، وباقي جسمه متهني بنعومة الملاية البيضا الحرير. اتنهد تنهيدة رضا وضحكة صايعة رقصت على شفايفه وهو بيغمض عينيه وبتجيله ذكرى اللي حصل. مكنش مصدق في يوم إنه هياخد النعيم ده كله بين دراعاتها. حاسس باسترخاء غريب في عضلاته، وشبع ورضا ومزاج لذيذ أول مرة يدوقه في حياته. رغم إن خطواتها كانت دلع على الأرض الرخام، سمع صوتها، وشم ريحتها، وحس بالسرير وهو بيهبط جنبه رغم خفة وزنها وجسمها الطويل الملوكي البياض الشاهق. قربت بصوتها الأنثوي اللي بيثبت من غير تصنع، وبوسته على خده بنعومة:
= حبيبي، كفاية نوم بقى، يلا اصحى.
​صوت ملاكي، هو صوتها اللي بيلعب على أوتار جسمه بشطارة وفن. فتح عينيه براحة عشان يمتعهم بمعجزة أنثوية من خلق ربنا؛ وش زي البدر المنور من غير أي نقطة مكياج، عينين زي عينين حور الجنة، ومناخير صغيرة مستقيمة، وبق رغم صغره بس شفايفه مليانة. صورة تغري العاقل، لابس جلباب قصير بنص كم وسَيبة شعرها الأسود الطويل براحته على كتافها. رفع إيديه لوشها بيتحسسه، بيتأكد إنها جنبه، لسه مش مصدق سرعة اللي حصل؛ ده من يومين بس كتبوا الكتاب، وامبارح الدخلة! وكل ظنه إن ده حلم، لإن الجمال ده والدلع والنعيم ده أقرب للخيال. معاها نسي الوقت ونسي الدنيا باللي فيها، بل نسي الإحساس بالزمن والمكان، ومفضلش غير إحساسه بيها. ابتسمت، ويا ريتها ما ابتسمت، لإن قلبه اتلخبط ودقاته تاهت، وقالت بصوت واطي:
= يلا يا حبيبي قوم، النهار قرب يخلص.
سألها وهو بيقرب من رقبتها الطويلة اللي شبه رقبة الإوزة، بيشم ريحتها المسكية الجميلة ورافع شعرها على جنب بدراعه، وقال بصوت مخنوق من كتر العاطفة اللي غرقان فيها من امبارح:
= وهو في حد بيصحى بدري صباحية فرحه؟
وقرب أكتر وباس رقبتها من على الجنب وهمس:
= وحشتيني.
​ضحكتها الرقيعة الناعمة اللي شبه جري المية في المحيط كانت ردها الوحيد عليه، فبقى يوزع بوسات صغيرة على رقبتها، ولما جه يكمل معاها، قاطع اللحظة دي صوت تليفونه، وده ضايقهم هما الاتنين. سابها ولف بيدور عليه، وهي عبرت عن خنقتها لإن أخوه مش راضي يبطل اتصال من امبارح:
= تليفونك مبيفصلش رن من امبارح!
اعتدل وقعد بجدية وفتح الخط، فطلع صوته خشن غصب عنه، فجاءه صوتها الجاد اللي شبه ضابط في الجيش بتفكره بالجنب التاني من حياته:
= هتيجي تتغدى معايا ولا آكل لوحدي؟ الوقت اتأخر أوي.
عاتبها من غير ما يعمل حساب للتانية اللي قاعدة:
= وهي دي الطريقة اللي تردي بيها على جوزك اللي غايب من امبارح؟ هو قاموسك مفيش فيه كلمات ترحيب؟ فين حمد الله على السلامة، أو حتى اتأخرت ليه؟
​آياز معلقتش، بس بصت للأكل قدامها وكانت خلاص هتصب لعناتها على راسه، فبطنها بتصوت من الجوع وهو مستني منها دلال وملاطفة. سمعت تنهيدته وهو بيرد:
= كلي أنتِ، أنا هاكل بره.
ردت آياز بضيق:
= ماشي، سلام.
​قفلت الخط من غير ما تسمع منه أي رد، فأبعد التليفون عن ودنه وبص له بغيظ. في الوقت ده جت نجوى من وراه بأوافرها المتلونة بالأحمر الصارخ، قعدت وراه ودلكت كتافه ومنطقة صدره من فوق، وعقله مشوش بالتانية، فنجوى بوسته تحت ودنه وقالت بدلع:
= حبيبي، المكالمة دي ضايقتك؟
رمى تليفونه بعيد بزهق وصوابعها الخبيرة الشاطرة بتدلكه، فلف ليها بعينين بتلمع ومشاعره قبت، وأخدها في حضنه وهو مركز كل تفكيره وإحساسه في النعيم اللي بين إيديه وبس.
​= ولإنه وقع في قلبي من ساعة ما قابلتك إنك #نفسي..
= كبرتك على قد ما روحك وعظمتك ما استوعبتش، وفوق ما أدركت نفسك
= لحد ما علي فيك صوت الفرعون وافترفت إنك ربي..
= ولا رب لي إلا من #به..
= في نبضي جوراً #كفرت
​= وزعت الفلوس زي ما قلت لك؟
آدم سأل الواد الصغير اللي واقف قدامه وهو قاعد ورا مكتبه في الوكالة القديمة، فالواد اللي عنده خمسطاشر سنة رد:
= طبعًا زي ما أمرت يا آدم بيه، ربنا يجعله في ميزان حسناتك.
آدم أمن على الدعوة وهو بيبص لبعيد:
= يا رب يا أمجد، أصل الحمل بقى تقيل أوي.
أمجد كمل كلامه:
= الست أم شعبان دعت لك كتير، لولا الفلوس اللي بتبعتها لها كانت ماتت من الجوع هي وعيالها.
آدم نَهره وهو بيبص حواليه:
= وطي صوتك يا أمجد، قلت لك مية مرة الكلام ده محدش يعرفه واصل، يلا روح على شغلك.
​هز أمجد راسه ومشي راح للركن التاني من المحل، حتة ما في تلات بنات بيرصوا البضاعة الجديدة من الهدوم. آدم بيراقب شغلهم وهو سارحان في اللي جرى لأخوه، حاسس بغرابة في تصرفاته بقالها فترة. هل الحكاية كلها في وجود آياز معاه؟ هل لازم يتدخل؟ ولا كفاية اللي عمله قبل كده معاها، لإن ضميره لسه بيأنبه على اللي عمله في حقها.
​= عارف إنك بنت حادة، شبه الجنازة
= شبه الوطن، وشبه نفسك كمان
= إنك روح مش كل الناس تقدر تفهمها
= واللي منقدرش نفهمه بيبقى مقدّس. ✿
​اتنهد من أعماقه وسأل:
= قالت:
= ليه كل الانتظار ده؟
= كانت المشاعر دي
= بترقص جواها زي القيثارة وزي اللحن
= اللي مسمعتوش قبل كده
= كان غريب أوي؛ ليه شخصية مش شبه حد
= سابت جواها أثر؛ عُمر كامل مش هيعرف يمحيه
= هي مش هتعرف تبوح بيه حتى لنفسها
= لإن ده سرها؛ وآدم عشقها
​= ليه بحس إني فجأة كبرت في السن، وعجزت، ليه؟ ليه حياتي واقفة عليكي بنظرة من عينيكي، ليه؟
واحشاه، ويعلم ربنا قد إيه واحشاه، مش الجثة اللي سابها الصبح، بل جميلته وصغيرته دي اللي… عُمره ما بطل يقول لها يا قردة، وعُمرها ما بطلت حركاتها الجنان. قام وشد السلسلة والمفاتيح اللي فوق المكتب؛ هيروح لها، مهما عمل ومهما أمر قلبه اللي هيموت عليها إنه يقف ويهدا، هيفضل على عهده معاها، عشان كده إزاي هي عملت كده؟ وإزاي الخذلان يلبس توب الجسارة وهو جاي من أقرب الناس…؟؟؟
​مشواره لبيته مأخدش غير دقايق معدودة، وكل ما بيقرب، الشوق واللهفة بيزيدوا جوايا. بص للزاوية اللي فوق السلم؛ هنا أول مرة حضنها مستخبي، وعلى سطح بيتهم كانت أول بوسة، وفي حضنه ياما قالت له بحبك. حط المفتاح في باب شقته من غير ما يعدي على شقة أمه كالعادة، سحب المفتاح وسمع صوت كلام داير جوه، فتنحنح عشان لو كانت مرات أخوه قاعدة جوه، فجاءه صوت أخته نائلة وهي بتنادي:
= آدم! دي أنا.
​دخل وهو مبتسم ومستغرب، أصل العلاقة بين حياة ونائلة دايماً زي الكبريت والبنزين، مبيتقابلوش إلا ويولعوا. رمى مفاتيحه فوق ترابيزة السفرة وقرب من الاتنين اللي قاعدين على كنبة واحدة قدام التلفزيون، وطى باس راس أخته بعدين راس مراته، ومشى صباعه على وشها بشوق كبير ليها، بعدين ابتعد بالعافية وقال:
= إيه الريح الطيبة اللي جابتك هنا؟
ردت حياة:
= أنا اللي عزمتها تقعد معايا.
​تبادل النظرات معاها وهو تايه في محرابها، عايز رضاها وحبها اللي ياما غنوا بيه، وياما شافت وشاف من ورا الحب ده. كل شيء جوايا أنت نصه التاني، إلا قلبي كله أنت..
قعد، فنايلة قالت بعفوية كعادتها:
= هأقوم أحضر لك الأكل، أكيد جعان.
هز لها راسه بالموافقة، ولما مشيت قعد مكانها جنب اللي ملكت قلبه وفرطت في ملكيتها برضاها. لفت تبص له بابتسامة هادية، بتبص في عمق عينيه زي ما بيعمل، عارفة كويس إيه اللي بيدور في عقله، زي ما هو حاسس بالريبة من تصرفاتها. وعشان تزود قلقه، قربت بوسته على خده وقالت بهدوء، بس الهدوء اللي قبل العاصفة، هدوء وراه بركان قايد في أعماقها:
= اتكسفت أرحب بيك قدام أختك.
​وبعينيها الفيروزية اتحدت نظرته ودهشته، ولخبطته بابتسامة على بوقها عشان شكه يبقى يقين؛ حياة بتخطط لرد القلم، هتصيبه زي ما صابها، وهتزلزل كيانه زي ما عمل. وفي عقله الصور ركبت جنب بعضها، ومن غير ما يحتاج ذكاء خارق عرف دماغها ماشية فين؛ عايزة تردها له في نائلة! بس هو مش هيقف يتفرج، ويبقى ملعون لو سابها تعمل كده أو حتى تفكر فيه. فز واقف من جنبها كأنه ملسوع وقال بحسم:
= خرجي نائلة من الحرب اللي بيننا، هي مأذتكيش وعُمرها ما هتعمل كده.
​ابتسامتها اللي كانت من لحظات هادية اتقلبت لكشرة شديدة ونار في عينيها، نار طالعة من قلبها، نار هو اللي ولعها من الأول. رفع صباعه بيحذرها ويهددها:
= رغبتك في الانتقام دي هتدمرك في يوم من الأيام يا حياة…
قامت هي كمان وجسمها مشدود بتواجه نظراته بنظرات تانية، رجع يقول بصوت واطي بس حازم:
= فكري كويس يا حياة، وشيلي الغشاوة من على عينيكي.
وقرب خطوة منها، لحد ما بقى الفاصل بينه وبينها خطوة واحدة بس، وبصوت زي الحديد هتف:
= عيلتي خط أحمر يا حياة، ومش هأرحمك وقتها، (وضغط على حروفه بين سنانه المقفولة جامد) مش هأرحمك وقتها!
​سابها ودخل لنائلة جوه اللي كانت بترص أطباق فاضية جنب بعضها. وقف جنبها وجسمه لسه بيفض عصبية وزعل، وهتف وحواجبه مقفولة:
= نائلة، أرجوكي مأتامنيش لحياة.
لفت بحدة تبص له وهي مش فاهمة وسألت بضحكة عبيطة على وشها:
= جرى لكم إيه كلكم النهاردة؟ أمي لسه محذراني وأنت دلوقتي جوزها!
لف واداها ضهره وقال وهو خايف على الاتنين، أخته وحبيبته:
= هي في حالة مش طبيعية دلوقتي، أرجوكي خدي بالك، واسمعي كلام أمي لإن كلامها دايماً في مكنه.
نائلة رفعت حاجبها بشك وسألته:
= يعني المفروض أنت كمان تخاف منها؟
​لف ليها وبص في ملامح وشها؛ في يوم من الأيام حياة كان ليها نفس الملامح دي، في يوم في الماضي البعيد، ويا ريت الزمان يرجع يوم كان اتغير كتير… قول للزمان ارجع يا زمان.. وهات لي قلب لا داب ولا حب ولا انجرح ولا داق حرمان…
​= لا، شيلي أنتِ الأطباق دي واغسليها كويس.
بشرى قالت الكلام ده للبنت اللي رغم إنها أصغر منها بكام سنة، بس باينة أكبر منها في السن. دي البنت اللي أيهم جابها عشان تساعدها في شغل البيت؛ بنت طويلة ملامحها ناعمة وقصة شعرها الأسود القصير طالعة من طرحتها الصغيرة الملفوفة ورا رقبتها. الصراحة كانت مساعدة ممتازة ليها، أصل شغل البيت هد حيلها أوي وكأنه كان مهجور بقاله سنين، بس هي مكنتش مستريحة لها؛ نظرات البنت لأيهم مش بريئة واصل! في أي حتة بيروحها عينها وراه، نظرات هي نفسها رغم إنها متجوزة ومخلفة عيلين بتتكسف منها وعُمرها ما عملتها مع جوزها وأبو عيالها. وهي شايفاه بيقابل النظرات دي بهدوء عادي وكأن الموضوع مش فارق معاه. وأهو بتعمل كده دلوقتي؛ فبعد ما أكلوا كلهم بعد تعب، لقطت نظرات البنت اللي اسمها رباب ليه، كأنها بتعريه من هدومه، بتبعت له إشارات من غير حيا ولا كسوف من اللي قاعدة جنبها. زعقت فيها:
= هو أنا هأكرر كلامي كتير ولا إيه؟؟؟
​البنت ارتبكت ولمت الأطباق ودخلت المطبخ. أيهم وجه نظراته للقصيرة دي بتاعة الأمر والنهي، وطلع سيجارة بهدوء وولعها، فزعقت فيه:
= متدبخش هنا!
رفع حاجبه باعتراض، فعدلت طريقتها وقالت:
= من فضلك أصل عندي حساسية.
رمى قداحته على الترابيزة قدامه وسحب نفس طويل من السيجارة وطلعه دفعة واحدة على شكل سحابة بيضا في وشها، ورد ببرود يفرس:
= خلاص، ادخلي أوضة تانية.
​ضمت شفايفها بضيق وغل وقالت وهي بتبعد الدخان من قدام وشها:
= مكنتش بتدخن هناك وإحنا موجودين.
رد من غير استعجال:
= احترماً لأبويا بس.
طلعت نفس بضيق ومشت من قدامه راحت للي عمالة تسرح في المطبخ، ووقفت معاها تساعدها وهي مشغولة بأفكارها؛ خايفة تنام لوحدها في شقة بمفردها مع العيلين، بس مفيش مفر، حماها نفاها من بيتها لغلطة عملتها وهي مش عارفاها، فبرغم إنه هو اللي مد إيده عليها بس حاسة إنها في عقاب. البنت خلصت شغلها، فبشرى خرجت لأيهم اللي غير قعدته لقعدة مريحة أكتر على كرسي من كراسي الأنتريه اللي جنب البلكونة، ودخان سيجارته طاير في الهوا، وكان مغمي النور ومخليه خافت أوي. بيبص في اللاب توب قدامه بتركيز وفاتح أول زرارين من قميصه الأبيض. نادته فعمل صوت كأنه بيرد وهو بيحرك صوابعه بشطارة على الكيبورد، فقالت:
= رباب خلصت شغلها وماشية، فين حسابها عشان أدهوله؟
​رفع عينه ليها وقال:
= خلاص ناديها عشان أديها الحساب.
قالت:
= اديني أجرتها وأنا هأديهالها.
سألها:
= وليه إن شاء الله؟
ردت من غير ما تلف وتدور:
= كده أحسن، هي ست وتعاملي معاها يكون أفضل.
كبر دماغه من كلامها وأمرها وهو بيرجع يبص للاب توب:
= نادية.
​عينيها برقت وضمت شفايفها، ولفت نادت على البنت اللي جت بكل حماس وقالت بلهفة:
= تأمرني بحاجة تانية يا أيهم باشا؟
قفل اللاب توب وركز نظراته عليها عشان التانية تزيد كشرة، وقال بحزم:
= عايزك تيجي كل يوم تلات تساعدي المدام في الترويق.
هزت راسها بالموافقة بسرعة ووشها نور بضحكة عريضة، وطلع من محفظته كام ورقة بفلوس كتير، فبشرى بصت بذهول أصل الفلوس ياما أوي ومتساويش الشغل اللي عملته خالص، وقالت جواها:
= شغل إيه بالظبط يا أيهم اللي بتدفع تمنه ده؟
​أما رباب فخدت الفلوس بلهفة وشكرته، ومفيش دقايق ومشت. رجعت له تسأله:
= أذان العشاء قرب والطريق مفيش فيه أي نور.
سألها:
= مَتقنعينيش إنك خايفة عليا.
جاوبته:
= أنت عم عيالي وأكيد هأخاف عليك، وغير كده عمي مش هيستحمل ابنه التاني يجرى له حاجة.
رد وهو بيتبسم بسخرية:
= يا لنبل وطيبة قلبك يا حرمنا المصون!..
​لوت بوقها لقدام، وهو فتح اللاب توب تاني وقال:
= خلاص ريحي قلبك اللي هيموت عليا ده، أنا هأبيت هنا.
صرخت:
= إيه؟؟؟
قابل نظراتها وقال:
= بيتي وهأبيت فيه مع مراتي، فين المشكلة؟ وفين الصعوبة في كده؟
صرخت:
= بطل تقول الكلمة دي!
قام وقف:
= كلمة إيه؟
ردت بغيظ:
= مراتي، مراتي!!!
زعق قدامها:
= مش دي الحقيقة؟ أنتِ مراتي قدام ربنا وقدام الناس، ومينفعش أسيبك هنا في أول ليلة ليكي في الشقة لوحدكم.
​صح هي كانت خايفة من الموضوع ده بس وجوده معاها لوحدهم بيقلقها، زي ما بيقلقها سوء ظن موشجان بيها، فرجعت تتكلم:
= وموشجان؟؟؟
سألها بنرفزة:
= مالها زفتة؟
ردت بزعل:
= أفتكر الموضوع مش هيبسطها.
قال بنشفان:
= أنا متصرفش على حسب مشاعر حد.
رجعت تتكلم وتقول:
= بس…
هنا قاطعها صوت بكا عيل من العيلين، فجريت على الأوضة الكبيرة وسابته يبص وراها، بعدين دخل البلكونة يدخن تاني.
​انطلقت مزيكا هادية من التلفزيون وهو بيقلب القنوات بالريموت، فوقف عندها وسند راسه لورا على ضهر الكنبة. المزيكا دي بتاعة فيلم تايتنك الشهير، الفيلم ده اللي خد فيه حياة للسينما مع أخوه وآياز ونائلة. يومها كان خطيب آياز، قعدوا جنب بعض وهي قعدت جنبه على الناحية التانية، حياة الشقية دي ذات العينين الزرقا اللامعة. أول ما أنوار الصالة انطفت عينيها برقت في الضلمة، وكان كل ما يوطي يتكلم في ودن أختها تشده ليها وتقول بجدية عسكري:
= لا عيب، اتكلم بصوت عالي وقدام الكل!
​يااه قد إيه العلاقة دي اتغيرت واتقلبت من بعدها من عيلة صغيرة شقية لست بتطالبه بحب وخضوع لنداء قلبهم. قد إيه اتغيرتي يا حياة. وقفت ساندة على باب أوضتها بتراقبه، وبتتوعده بتعب طول اللي باقي من عمره. قربت تقعد جنبه وبتبص للتلفزيون بسخرية؛ البطل حاضن البطلة فوق السفينة وفاردين دراعاتهم عشان يطيروا. في يوم سألته عن معنى الحب، فرد وهو بيضحك: “إنك تحسي كأنك بتطيري في السما، كأنك عصفور ملوش هم إلا إنه ينطلق يغرد في أعالي السحاب”.
​في يوم كان في الماضي يا آدم، إنما النهاردة حاضرنا يختلف، يختلف يا آدم. بصت له وهي مستغلة إنه مندمج أوي مع المزيكا ومغمض عينيه، لفت نظرها شعرة في راسه بيضا، وأهي تانية.. وتالتة.. الشيب كسا شعرك يا آدم، وجنب عينيك ظهرت خطوط رفيعة أوي، أما خدودك العالية ياما شبعت بوس بشقاوة زمان، وتاني بحب خلص قلبها. قد إيه اتغيرت يا آدم وقد إيه اتغيرت أنا. فتح عينيه فجأة فالعينين خبطت في بعض والمشاعر اتقابلت، الرسائل وصلت بسهولة؛ عينيه بتدور على حب ضايع، وعينيها بتدور على طار لوجع جرحها. قعد واعتدل وسألها:
= فاكرة يوم ما رحنا السينما مع إخواتنا بعد غلب مع أهلنا عشان نروح؟
ردت وهي بتلف وشها:
= يومها كنت خطيب أختي وبمثابة الأخ ليا.
كمل كلامه:
= بس أنتِ مادتنيش فرصة، بعدها عملتي كل حاجة عشان تقولي لي إنك مش كده، بل أنتِ حبيبة قلبي، عشقك اللي سهرك بالليل وبكاكي بالنهار. فاكرة اليوم اللي جيتي فيه الشركة؟ لمة شعرك في ضفيرة بنية طويلة على كتفك، شايلة أكل ليا في الظاهر بس الحقيقة جيتي تقولي لي حقيقة مشاعرك. بتقولي لي ودموعك زي المطر على خدودك بحب دخل قلبك ليا على غفلة ومن غير قصد. يومها زعقت فيكي جامد وصرخت في وشك وطردتك عشان متعمليهاش تاني، بعدين تاني تدخلي أوضتي زي ما كنتِ بتعملي زمان بشقاوة، لمرة مشيتي إيدك على شعري وأنا نايم عشان أصحى على طعم دموعك اللي نازلة على شفايفي. متكرريهاش تاني أبدًا يا حياة. فين راح الحب ده يا حياة؟
​ردت وهي بتلف وشها وبتتساءل إزاي أختها عرفت تسامحها في يوم، إزاي كانت بالأنانية دي. عينيها دمعت وهي بتجاوب:
= كنت عيلة يا آدم واتغيرت، أما آياز فكانت على اسمك من صغرها…
رجع يسألها وهو ماسك دراعاتها من الجنبين عشان تلف له:
= وذمبي إيه أنا في اللي قرروه أهلنا وإحنا عيال؟ سرقوا حق الاختيار اللي حرمونا منه… مش ذنب يا بنت قلبي، بصي في عيني.. فين راح الحب ده يا حياة؟ أنتِ أجبرتيني على حبك، على عشقك، فإزاي شلتيه من قلبك يا بنت النبض والروح؟؟!!
​دموعها نزلت على خدودها سخنة وبتعذب زي عذابها الداخلي، صرخ فيها:
= بصي لي يا حياة، أنتِ ليا حق مشروع بالحلال، مأجبرتكيش يا حياة بل أنتِ اللي اديتيني الحق ده بكل رضا. هو أنتِ بتعاقبيني على حبك؟ بتعاقبيني عشان استجبت ليكي؟ هو جزاء الحب إلا الحب؟ لو عايزة تنتقمي في يوم يبقى تنتقمي مني أنا يا حياة، اعملي فيا اللي أنتِ عايزاه وزي ما تعودتي دايماً.
دموعها زادت وزعقت بصوت عالي:
= كسرت ضهر أبويا، ومرغت شرفه في الطين! وأجبرت أختي تتجوز من أخوك، أذيناها للمرة الثانية يا آدم، ضيعت فرحة أبويا بينا!
جاوبها وهو بيزعق بانفعال:
= كان الطريق الوحيد ليكي ومش ندمان إني مشيت فيه!
زعقت فيه وهي عايزة تروح لسريرها يلم جروحها ودموعها زي ما بيعمل دايماً:
= سيبني يا آدم، سيبني يا آدم!
صاح فيها وهو بيضغط أكتر على دراعاتها:
= والله ما هأسيبك مهما عملتي إلا وأنا جثة هامدة، أنتِ مش عارفة إني من غيرك ميت ومفيش حياة ليا إلا بيكي يا حياتي..
​ومن غير ما تحس قالت:
= بعد الشر عنك.
بس رجعت تقول بهستيرية:
= خلاص حكايتنا خلصت يا آدم، خلصت قبل ما تبدأ.
شدها لحضنه ودفنت راسها في صدره مستسلمة، فقال بيقين:
= لأ بدأت، وهأعيش على الأمل.
زعقت وهي بتخبط على مكان قلبه بوجع:
= إزاي عرفت تعمل كده يا آدم؟
رد وهو بيمسح على ضهرها يهدّيها:
= مش ندمان واصل يا حياة آدم..
رجعت تضربه جامد على صدره، مكان حبه وعشقه ووجعه:
= مش هأعرف أسامحك يا آدم وأنت عارف كده.
باسها من فوق شعرها:
= هتحاولي، وهنصلح مع بعض اللي بوظه الزمن.
زعقت رغم عياطها ودموعها وصوتها المخنوق:
= بخاف عليك مني، هأموت لو أذيتك هأموت! ومش هيغمض ليا جفن صدقني لحد ما آخد حقي، في نار بتاكل صدري يا آدم..
​ضمها أكتر وقال في ودنها:
= هنحاول يا حياة، خلينا نحاول.
رفعت وشها اللي كله دموع وتعب، فنزِل براسه لشفايفها عشان يشاركها وجعها، دموعها، حزنها. باسها عشان يرتوي، عشان يعيش، عشان يحس وياخد نفسه؛ على الأرض دي من غيرها هو ميت مفيش كلام. ورمى عليها سلام من ورا حُجب، همس خاشع في كل حاجة حواليا، وكأنه لما بيرد السلام تحية لكل حاجة.. (على روحي بيرميه من غير ما يرد.. فارتوي).
​وفي أقل من ثانية كان بيلقط شفايفها ببوسة مش فارق معاه كلامها الضعيف، صاحب البوسة كان تعب من الكبت طول المدة دي، لقى نفسه مش عايز يكتفي بالبوسة دي بس.. وكأن الصبر اللي عنده خلص ورغبته في وصالها غلبت أي حاجة تانية. مكنتش ممانعة إنه يبوسها، بالذات وإن نفسه السريع ونظراته اللي هتموت عليها محاوطاها بشراسة العشق. حبه ليها، ريحتها، قربها بقى هو هاجسه وعذابه.
​ولأول مرة من زمان، الحية دبت في اللي ملكت قلبه وحياته، ردت له البوسة ببوسة ثانية مش مجنونة وزي الأولى، بل بوسة بتشهد على تغيير صاحبتها؛ ردت له العشق بعشق، والحنان بحنان، ونسيت النار اللي بتجرح قلبها وبتأكل الأخضر واليابس، وهي عارفة كويس إنها هتدمرهم هما الاتنين.. أهو ده الحب يا سادة في أشكاله الكثيرة بس طريقه واحد..
​حطت سامي النايم جنبها بعد ما أكلته، وجنب أخته اللي نامت قبله هي كمان. لفت عشان تنام هي كمان بعد نهار طويل وتعب، افتكرت إنها هتنام علطول أول ما راسها تيجي على المخدة، بس مفيش فايدة؛ الجو خانق أوي والتكييف مش شغال ومحتاج صيانة، ومفيش أي مروحة في البيت. بقت تتقلب بضيق يمين وشمال ومش عارفة، فقامت من جنبهم وسابت الأوضة بزهق عشان تجيب تليفونها اللي سابته بره يمكن يشغلها شوية لحد ما تنام.
​خرجت عشان تلاقيه قدامها بيلف في الصالة وماسك تليفونه على ودنه، عريان الصدر وعضلاته باينة وقوية ومشدودة، ولابس بنطلون قطن مريح على وسطه النحيف. عينيها برقت من الصدمة والدم جري في وشها، ومن غير ما تحس زعقت فيه:
= أنت هتفضل ماشي عريان كده؟
لف ليها ومستغرب من وجودها لإن مسمعش صوت رجليها، أصلها بقالها تلات ساعات جوه مخرجتش من الأوضتها، جاوبها بهدوء:
= عفواً؟
سألته بنرفزة:
= وليه مش لابس قميص أو أي حاجة تانية؟
جاوبها بسخرية:
= وليه؟ هو أنا قاعد مع بنت خالتي؟
​بشرى ارتبكت والكلام اتلخبط في بوقها:
= بـ.. بل عشان العـ.. العيال، عيب يشوفوك كده.
سألها وعينيه بتدقق فيها:
= مين؟
ردت وهي باصة في الأرض:
= العيال.
رد بهدوء وهو بيقرب منها خطوتين:
= تمام، أنا مش شايفهم قدامي، أنا شايف مراتي وحلالي، وتشوف ده وأكتر كمان لو عايزة.
​لفت وشها بكسوف وضيق، وهو عينيه عمالة تتنقل عليها وبتجيب تفاصيلها، والجلابية الطفولية دي اللي واصلة لحد كعب رجلها بحشمة زيادة، ونظراته تباطأت على حتت معينة في جسمها. قرب خطوة ثانية، فانتفضت زي الغزال الشارد وحست بالخطر، ورجعت كام خطوة لورا وصوتت في وشه من غير سبب:
= الجو خانق جوه ومش قادرة أتحمل، عايزة مروحة ضروري!
رد بهدوء:
= بكره هأجيب لك اتنين.
رجعت تزعق:
= وأنام إزاي دلوقتي؟
صرخ قدامها:
= مية مرة أقول لك وطي صوتك ده! أنتِ طولك متر وصوتك ما شاء الله مش محتاج مكبر صوت!
ضمت شفايفها بضيق وكسوف، مشاعر كلها دخلت في بعضها وقالت:
= طولي مية وستين سنتيمتر! وبعدين أنت محلتش مشكلتي، هأنام إزاي دلوقتي؟
جاوبها وهو بيديها ضهره:
= أنا مش فانوس سحري، قلت لك بكره هأحل المشكلة دي.
​طلع سيجارة من علبته المرمية بإهمال فوق الترابيزة وولعها وقال:
= أي أوامر تانية من جنابك؟
بصت له بغيظ ولفت عشان تمشي وهي حاسة كأنه طردها، سمعته بيقول بأمر:
= جهزي لي السرير عشان أعرف أنام، عندي شغل كتير بكره.
​قفت إيديها جامد جنبها وكان نفسها تلف وتتحداه بالرفض، بس بلعت رغبتها وضغطت على سنانها جامد وراحت للأوضة اللي اختارها ليها. فتحتها وطلعت ملاية نظيفة عشان تفرشها، ومعاها غطا خفيف. ولما قربت تخلص اتفاجأت بيه وراها، فحواسها اتلخبطت ورجليها سابت والدم جري في وشها؛ أصل وجودهم مع بعض في الأوضة دي لوحدهم لأول مرة مكنش حاجة سهلة عليها، واللي طبعاً مش هيعجب موشجان. لفت عشان تمشي من غير كلام، بس اتفاجأت بيه بيشدها ليه، فالصدمة ظهرت على وشها وجسمها ارتعش ورجليها بقت زي المية، وجوا عقها بتقول فين المفر؟ فين المفر؟ مع صوت الراديو اللي جاي من الجيران والعندليب بيقول: “جئت لا أعلم من أين ولكني أتيت”..
​= قد تموت فيك أشياء
= خُلقت معاك
= تموت الحاجات دي
= عشان تعيش لحاجات ثانية
= وجبت عليك
= مرافقتها
​قاعدة سارحانة في اللي وصل ليه حالها، حاطة إيدها فوق الترابيزة اللي في وسط شقة حماتها، وحاطة الإيد الثانية تحت خدها. خلاص خدت قرارها؛ هتكّلم معاه. أهو اتجوز وسابوا لهم الشقة لفترة أطول مما كانت فاكرة، ورجع هو وإلهام لشغلهم؛ أصل إلهام شغالة مدرسة إنجليزي في مدرسة حكومي. فليه مترجعش شقتها؟ شايفة إن النهاردة أحسن وقت تتكلم فيه مع أحمد، أصل حماتها اضطرت تسافر لأختها العيانة في محافظة تانية، وطبعاً ممشتش إلا لما سابت أوامرها كاملة إنها متطلعش فوق، وتعمل كل الشغل اللي طلبته منها.. بس غمزة انتهزت الفرصة، عارفة إن مفتاح خلاصها من الوضع ده هو أحمد، وعشان كده لازم تأثر عليه. اتزوقت عشانه، يمكن مالتفتتش لنفسها من شهور وشهور؛ لبست فستان صيفي قصير يادوب واصل لركبتها، ضيق بيجسم شكل جسمها باللون الأزرق السماوي وله حواف بيضا بحمالات رفيعة، مبين بشرة كتافها العريانة البيضا زى القشطة. سابت شعرها البني الناعم مفرود طويل على ضهرها، ولونت شفايفها بلون الكريز، وكحلت عينيها العسلية، وحطت شوية أحمر خدود عشان تداري صفار وشها والهالات السودا اللي تحت عينيها. أحمد مكنش يفرق معاها في حاجة، بس يفرق مع وضعها في البيت ده؛ أحمد هو المفتاح عشان تتحول من خدامة لسيدة البيت، أو حتى سيدة شقتها، أو على الأقل سيدة أوضتها! أي حاجة بعيد عن حماتها والسرير الناشف والمعاملة الناشفة. حياتها زمان مكنتش عاجباها، ودلوقتي بقت أسوأ وأسوأ. قالت في نفسها بغيظ:
= أنتِ اللي اتبطرتي على عيشتك، والبطران عيشته قطران يا غمزة..
​سمعت صوت خطوات رجلين طالعة على السلم، ده ميعاد رجوع أحمد من شغله. قامت من مكانها عشان تستقبله، وقفت عند باب الشقة، وأخيراً ظهر قدامها فحاولت تبتسم.. ابتسامة حاولت تطلع فيها كل أنوثتها. وقف مذهول من شكلها وقال:
= غمزتي؟
بعدين عينه بقت تسرح براحتها ورغبة بتملى عينه وهو بيتأمل جمالها اللي ياخد العقل، مش قادر يشيل عينه من عليها. غمزة حست بالرضا من نظراته وعرفت إن خطتها هتنجح. طلع الدرجتين اللي فاضلين، ومشى كام خطوة ناحيتها وهو بيتأمل جمالها، وبيقول جوا نفسه:
= سامحك الله يا حاجة.. بلتيني بإلهام.. أم مناخير!
​قرب منها وبقى على بعد خطوة واحدة، وحط إيده فوق وسندها على الحيطة وهو بيتأمل عينيها المتكحلة من قريب وقال***:
​يتبع…

الصفحة السابقة 1 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *