رواية جديدة جدا 3

“الفصل الحادي عشر”
في صباح يوم جديد…
استيقظت عهد من نومها على شعور ثقيل يجثم فوق صدرها، وجع خفي يمتد داخلها كأن الليل لم ينتهي بعد. ظلت مستلقية على ظهرها تحدق في السقف لبعض الوقت، عيناها شاردتان وكأنها تحاول أن تستعيد ما حدث بالأمس.
قرارها بالموافقة على تلك الوظيفة.
تمنت لو تستطيع التراجع عنه، لو تستطيع محوه وكأنه لم يكن.
لكن صوت صاحب الشقة عاد يتردد داخل رأسها بوضوح قاسي:
“معاكي لآخر الأسبوع، يا الفلوس يا تفضي الشقة.”
أغمضت عينيها لثواني، ثم أخذت نفسًا عميقًا وأخرجته ببطء، وكأنها تحاول أن تجمع ما تبقى لها من قوة.
نهضت أخيرًا من فراشها، وخرجت من غرفتها بخطوات بطيئة. اتجهت إلى المرحاض، وبعد أن انتهت خرجت وهي تمسح وجهها بطرف كمها.
وأثناء اتجاهها نحو غرفتها أوقفها صوت والدها وهو يقول بفظاظة:
“عايز أكل حضري الأكل.”
التفتت إليه ونظرت له بضيق واضح وقالت:
“للأسف مافيش ولا لقمة في البيت، ومش معايا فلوس أشتري، ومحدش هيرضى يدينا حاجة بسبب الفلوس اللي علينا.”
استقام بجسده واقترب منها بخطوات غاضبة، ثم أمسكها من شعرها بقوة وقال:
“انتي بتتكلمي معايا كده ليه؟ شكلك عايزة كسر رقبتك.”
أغمضت عينيها بألم وتكلمت بصوت مختنق:
“أنا بقولك الحقيقة اللي انت مش حاسس بيها، أنا مخلتش حد إلا لما اشتريت منه على النوتة، ده غير اللي بستلفه، وبتاع السجاير اللي انت في الرايحة والجايه تاخد منه على الحساب، أنا الناس بقت تبصلي باحتقار وبيتعاملوا معايا كأني شحاتة، كفاية بقى أرجوك.”
لكن كلماتها لم تطفئ غضبه، بل أشعلته أكثر.
شعر بضجر من حديثها، فرفع يده وصفعها بقوة على وجهها، ثم انهال عليها بالضرب وهو يقول بغضب:
“إنتي السبب في اللي احنا فيه! ومش عجبك اللي بيحصل؟ واحدة زيك تحط في عينيها حصوة ملح وتقول أعوض أبويا عن اللي وصلته ليه، مش تتكلمي معايا بالأسلوب ده!”
لم تصرخ، لم تدفعه بعيدًا.
بل ظلت واقفة تتلقى ضرباته بصمت، وكأن جسدها فقد الإحساس، وكأن الألم لم يعد قادرًا على الوصول إليها.
وعندما انتهى، دفعها بقوة فسقطت على الأرض.
جلس هو على الأريكة يلتقط أنفاسه، ثم بصق نحوها باحتقار، وظل يسبها بأبشع الكلمات قبل أن يقول بصوت غاضب:
“تنزلي دلوقتي ومترجعيش غير بأكل وسجاير، يلا غوري في داهية.”
ظلت للحظة على الأرض تحاول أن تستوعب ما حدث، ثم نهضت بصعوبة.
دخلت غرفتها وأغلقت الباب خلفها، وجلست على طرف السرير تلتقط أنفاسها، كانت نظراتها ثابتة أمامها، باردة، خالية من أي تعبير.
بعد دقائق طويلة، استطاعت أن تقف.
بدلت ملابسها بسرعة دون أن تهتم بمظهرها، ولا بشعرها المبعثر، ولا بالكدمات التي بدأت تتلون على وجنتها من ضربات والدها.
تحركت نحو الخارج، وقفت للحظة تنظر إلى والدها نظرة أخيرة، نظرة طويلة صامتة، ثم غادرت المكان دون أن تقول كلمة.
هبطت إلى الشارع، وقفت لثواني تحاول أن تستجمع أفكارها، لكنها أدركت سريعًا أنها لا تملك حتى ثمن سيارة أجرة.
تذكرت العنوان الذي أعطته لها ريم، كان بعيدًا جدًا.
تنهدت بتعب، ثم أخرجت هاتفها وأجرت اتصالًا.
لم يمر وقت طويل حتى جاءها صوت ريم عبر الهاتف.
تكلمت عهد بإحراج واضح:
“ريم، معلش، ممكن بس تبعتيلي حق المواصلات؟ علشان مش معايا فلوس خالص.”
ردت عليها فورًا بنبرة دافئة:
“أيوه طبعًا يا قلبي، إحنا أخوات. قوليلي عايزة كام؟”
ترددت عهد لحظة قبل أن تقول بخجل:
“خمسين جنيه بس، وأول ما أمسك فلوس هردهم ليكي.”
جاءها صوت ريم بنبرة عتاب خفيفة:
“بس بلاش هبل وعبط، من إمتى واحنا بينا الكلام ده؟ ابعتي الرقم اللي أبعتلك عليه.”
أغلقت معها الخط، ثم أرسلت لها الرقم.
بعد دقائق قليلة اتجهت إلى أحد الأماكن القريبة وسحبت الخمسين جنيه.
وقفت على جانب الطريق وأوقفت سيارة أجرة، ثم صعدت إليها وأعطت السائق العنوان.
انطلقت السيارة تشق الطريق وسط زحام المدينة، بينما كانت عهد تنظر من النافذة بشرود.
متجهة إلى مكان لا تعرف ماذا ينتظرها فيه، إلى عنوان مجهول، وإلى قدر لم تتخيل يومًا أنها ستسير نحوه بقدميها.
************************
وصلت عهد إلى الفيلا وتوقفت أمام البوابة الحديدية الكبيرة، رفعت عينيها تتأملها للحظات، كانت ضخمة وباردة كأنها تفصل بين عالمين، شعرت بشيء غريب يضغط على صدرها دون سبب واضح، ابتلعت ريقها وحاولت أن تهدئ اضطرابها قبل أن تتقدم نحو الحارس قائلة بتوتر خافت:
“أنا البيبي سيتر، وفيه ميعاد ليا جوه.”
أخذ منها بطاقة الهوية، نظر إليها قليلًا ليتأكد منها، بينما كانت هي تقف أمامه تشعر بأن دقات قلبها أعلى من اللازم، وكأن قلبها يسبقها إلى شيء لا تعرفه، أعاد لها البطاقة أخيرًا وفتح الباب الحديدي، فدخلت ببطء شديد، خطواتها هادئة لكن قلبها مضطرب، تحركت داخل الحديقة الواسعة وهي تنظر حولها بإعجاب حذر، المكان فخم بشكل لافت، أشجار مرتبة بعناية، نافورة صغيرة يتردد صوت مياهها في الصمت، والفيلا نفسها شامخة بواجهتها البيضاء ونوافذها الواسعة. ورغم كل هذا الجمال شعرت بوخزة غريبة في قلبها، إحساس غير مريح لا تعرف سببه، كأن شيئًا ما ينتظرها هنا.
دخلت إلى الداخل أخيرًا وجلست تنتظر، كانت الصالة واسعة وهادئة بشكل مبالغ فيه، نظراتها تدور في المكان بشرود، تراقب التفاصيل دون أن تراها حقًا، وكأن عقلها مشغول بشيء آخر، مرت دقائق ثقيلة قبل أن تسمع خطوات خفيفة، فرفعت رأسها لترى طفلة صغيرة تدخل مع الخادمة وتقف أمامها.
تعلقت عيناها بالطفلة لثواني، كانت جميلة بشكل لافت، بشعرها الناعم وعينيها الواسعتين الممتلئتين ببراءة طفولية صافية، ابتسمت عهد دون وعي، وانحنت بجسدها قليلًا حتى تصبح في مستوى الطفلة وقالت بلطف دافئ:
“أيه الجمال ده، أسمك أيه بقى؟”
نظرت الطفلة إليها بثقة طفولية وقالت ببساطة:
“أسمي روفان.”
اتسعت ابتسامة عهد أكثر، ومدت يدها تداعب وجنتها الصغيرة بأصابع رقيقة وهي تقول بنبرة محببة:
“روفان؟ أسمك حلو أوي، وأنا اسمي عهد، بس طبعًا أسمك أحلى من اسمي بكتير.”
ظلت الطفلة تنظر إلى وجهها بفضول واضح، ثم عقدت حاجبيها قليلًا وقالت بتساءل بريء:
“ايه اللي في وشك ده يا أبلة عهد؟”
تجمدت ابتسامتها للحظة، ارتفعت يدها تلقائيًا نحو الكدمة في وجهها، أغمضت عينيها لثواني قصيرة كأنها تحاول ابتلاع وجع ما قبل أن تفتحها مجددًا وتحدثت بنبرة مختنقة:
“اتخبطت يا حبيبتي، المهم فين بابي؟”
وفجأة، قبل أن تجيب الطفلة، انساب صوت رجولي عميق من خلفها يقول بهدوء:
“نورتي يا آنسة عهد.”
في تلك اللحظة تصنمت عهد مكانها تمامًا.
الصوت، تلك النبرة تحديدًا، كانت تحفظها جيدًا، محفورة في قلبها قبل ذاكرتها، شعرت وكأن الدم انسحب من وجهها، وكأن قلبها توقف لثانية ثم عاد يخفق بعنف يكاد يمزق صدرها. رفعت رأسها ببطء شديد، كأنها تخشى أن ترى ما تعرفه مسبقًا.
ورأته، كان يقف أعلى الدرج.
يقف هناك بهيئة لم تره بها من قبل، أكثر صلابة، أكثر برودًا، كأن السنوات مرت عليه وأعادته رجلًا آخر، تجمعت الدموع في عينيها دون أن تشعر، وخرج اسمه من بين شفتيها كهمسة مرتجفة بالكاد تسمع:
“همام!”
بدأ ينزل درجات السلم بخطوات هادئة وثابتة، عيناه معلقتان بها دون أن تبتعد لحظة، وعلى شفتيه ابتسامة خفيفة لا تحمل أي دفء، كان هادئًا من الخارج، لكن خلف هدوئه كان هناك شيء مشتعل، بركان من غضب قديم لم يخمد.
وقف أمامها أخيرًا وقال بهدوء حذر:
“مفاجأة، مش كده؟”
تحركت شفتيها بارتعاش واضح، كانت الكلمات تتزاحم في حلقها لكنها بالكاد استطاعت إخراج صوتها:
“أ أنت رجعت إمتى؟”
ذوت شفتاه بابتسامة ساخرة، نظرة باردة مرت على وجهه قبل أن يقول ببطء قاسي:
“رجعت علشان أشوف كسرة عيونك، رجعت علشان أملي عيني بوجعك وألمك، صح الخاتم الألماظ راح فين؟ وعريسك الغني مجاش معاكي ليه؟”
شعرت كأن الكلمات صفعات متتالية على قلبها، ابتلعت الغصة التي كادت تخنقها، لكن الكلمات رفضت الخروج من حلقها، ودقات قلبها أصبحت عنيفة لدرجة شعرت أنها ستخترق صدرها.
وقبل أن تستطيع الرد.
ركضت الطفلة فجأة نحو همام، أمسكت يده الصغيرة وقالت بفرح طفولي صادق:
“دي لطيفة أوي يا بابي، أنا عايزاها.”
في تلك اللحظة، كان الأمر كأن خنجرًا غرس في صدرها مباشرة.
تجمدت نظرتها على يد الطفلة الممسكة بيده، بقيت تحدق فيها لثواني طويلة وكأن عقلها يرفض فهم الكلمة التي سمعتها للتو، ثم رفعت عينيها إليه ببطء شديد، وكان وجهها شاحبًا كأن الحياة انسحبت منه.

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *