رواية جديدة جدا 3

وصل همام إلى المشفى بسرعة جنونية، حتى كادت السيارة تنزلق عند توقفها المفاجئ أمام الباب الرئيسي.
لم ينتظر أحدًا.
فتح الباب بعجلة، وترجل منها بخطوات متعثرة من شدة الاندفاع، ثم فتح الباب الخلفي وحمل عهد بين ذراعيه.
كان جسدها ساكنًا تمامًا، رأسها مائل قليلًا إلى الخلف، ووجهها شاحب بصورة مخيفة، كأن الدم قد هجره منذ زمن، أما ذراعيها فكانت ساقطه بلا حراك، كجسد فقد كل ما فيه من قوة.
اندفع بها إلى الداخل وهو يهتف بصوت مرتفع ارتجف فيه القلق:
“دكتور! حد يجي بسرعة!”
لم تمضي ثواني حتى تجمعت الممرضات حوله، وسرعان ما أخذوا عهد من بين ذراعيه ووضعوها على سرير متحرك، ثم اندفعوا بها نحو غرفة الكشف.
بقي همام واقفًا مكانه للحظات، يراقبهم بعينين مضطربتين، كأن الأرض تميد فعلًا تحت قدميه.
اقترب منه أحد الأطباء وقال بهدوء مهني:
“اتفضل حضرتك استنى بره، واحنا هنكشف عليها.”
توقفت خطواته عند الباب الذي أُغلق خلفها.
ظل ينظر إليه لثواني طويلة، كأنه ينتظر أن يفتح من تلقاء نفسه.
ثم مرر يده على وجهه بعصبية، وكأن حرارة الأفكار التي تضرب رأسه تكاد تحرقه.
تقدم ببطء وجلس على المقعد المقابل لغرفة الكشف، وانحنى بجسده للأمام، وأسند مرفقيه على ركبتيه بينما تشابكت أصابعه أمامه، كان رأسه يكاد ينفجر، صوتها وهي تبكي، كلماتها وهي تتهمه، ملابسها الممزقة، وارتجاف جسدها عندما اقترب منها.
صور متلاحقة كانت تضرب عقله بلا رحمة.
ضغط على رأسه بقوة بين كفيه، وكأنه يحاول اقتلاع تلك الصور من ذاكرته.
تمتم بصوت خافت مكسور:
“أنا عملت ايه،؟ أزاي قدرت أذيها بالشكل ده، أنا السبب فى كل اللي حصل النهاردة، لو مكنتش شربت كتير أمبارح مكنتش هخدها الاوضة عندي ويحصل كل ده”
وفجأة، رفع رأسه بعنف عندما ارتسمت أمام عينيه صورة من ليلة أمس، وهو يدفعها على السرير.
اتسعت عيناه بصدمة حادة، ووقف من مكانه فجأة وكأن أحدهم صفعه بقوة.
حرك رأسه بعنف وكأنه يرفض الفكرة.
يرفض الاعتراف بها.
لكن قلبه، كان يعرف الحقيقة جيدًا.
مرر يده في شعره بعصبية شديدة، وفي تلك اللحظة تحديدًا انفتح باب غرفة الكشف وخرج الطبيب.
اقترب همام منه بسرعة وسأله بقلق واضح:
“عاملة أيه دلوقتي؟”
نظر الطبيب إليه قليلًا، ثم تحدث بهدوء:
“اطمن، هي بس فقدت الوعي نتيجة ضغط نفسي شديد وإرهاق واضح، كمان عندها هبوط.”
تنفس همام ببطء شديد، كأن صدره كان محبوسًا طوال الوقت وسمح له أخيرًا باستنشاق الهواء.
لكن الطبيب لم ينتهي بعد.
تكلم بنبرة أكثر جدية:
“بس واضح إنها كانت في حالة انهيار عصبي قبل ما تيجي.”
تجمد همام في مكانه، سقطت كلمات الطبيب على قلبه كالحجارة الثقيلة، ثم سأله الطبيب:
“حضرتك تقربلها؟”
تردد همام لحظة، توقفت الكلمة في حلقه، ثم قال بصوت خافت:
“أنا.”
ابتلع ريقه بصعوبة، وأكمل:
“أنا مسؤول عنها.”
أومأ الطبيب برأسه بتفهم، ثم قال:
“هي دلوقتي فاقت، بس حالتها النفسية محتاجة راحه، حاول متضغطش عليها.”
ثم أشار إلى الباب.
“تقدر تدخلها.”
وقف همام أمام الباب للحظة طويلة.
يده استقرت على المقبض، لكنه لم يستطع فتحه فورًا، كان يشعر بشيء ثقيل يجثم فوق صدره، خوف، ندم، وشعور مرعب بأنه ربما كسر شيئًا داخلها، شيئًا لن يستطيع إصلاحه أبدًا.
أغمض عينيه لثواني، ثم دفع الباب ببطء ودخل.
كانت عهد مستلقية على السرير.
عيناها مفتوحتان، تحدقان في السقف بلا تعبير، كأنها تنظر إلى شيء بعيد لا يراه أحد سواها.
تقدم نحوها ببطء شديد، لكن ما إن شعرت بوجوده، حتى أدارت وجهها بعيدًا عنه فورًا.
تجمدت خطواته، تلك الحركة الصغيرة، كانت أقسى من أي كلمة.
اقترب أكثر حتى وقف بجوار السرير، ثم قال بصوت خافت متردد:
“عهد!”
لم تنظر إليه، لم ترد، كانت فقط تحدق في الجهة الأخرى، وعيناها تمتلئان بدموع صامتة تنساب ببطء.
ابتلع همام ريقه بصعوبة، ثم قال بصوت مكسور لم يسمعه أحد منه من قبل:
“أنا، مكنتش اقصد كل اللي حصل ده.”
لم تجب، لكن دمعة هبطت ببطء من عينها واستقرت على الوسادة، ارتعش قلبه، وأضاف بصوت متحشرج:
“بس علشان أنا كنت السبب فى أذيتك.”
توقفت كلماته للحظة، كأنه يجمع ما تبقى من شجاعته، ثم قال بصعوبة:
“أنا مستعد أصلح غلطتي دي، وأردلك اعتبارك قصاد الكل.”
أغمضت عهد عينيها بقوة، وكأن الكلمات كانت تضغط على جرح لم يتوقف عن النزيف، ثم قالت أخيرًا بصوت ضعيف:
“مش عايزة منك حاجة يا همام.”
فتح عينيه ببطء ونظر إليها.
لكن كلماتها التالية كانت كالسيف الذي يشق صدره.
“بس لو لسه باقي في قلبك أي حاجة من همام اللي عرفته زمان.”
توقفت لحظة قصيرة، ثم أكملت بصوت مكسور:
“سيبني أمشي.”
سقطت الكلمات بينهما، ثقيلة، مؤلمة، وصامتة.
وقف همام مكانه لا يتحرك، وكأن الأرض انسحبت من تحت قدميه.
حرك رأسه بالرفض، وتجهمت ملامحه بقسوة، وكأن فكرة رحيلها مرة أخرى تعني موته هذه المرة، ثم تحدث بنبرة قاسية غاضبة:
“مش هتمشي يا عهد، شيلي الفكرة دي من راسك نهائي، واوعي تفتكري تمسكي بيكي ده علشان سواد عيونك، لا انا بس شايف بنتي مرتاحه معاكي وانا اهم حاجه عندي راحتها، أنا بره لما يخلص المحلول ده هنمشي.”
أنهى كلماته بسرعة، ثم استدار وخرج من الغرفة مسرعًا، كان يهرب، يهرب من عينيها، من الوجع الذي يراه فيهما، ومن نفسه قبل أي شيء.
بقيت عهد تنظر إلى الباب الذي خرج منه، ببطء شديد، امتلأت عيناها بالدموع من جديد.
كانت تحدق في الفراغ، وقلبها يرتجف خوفًا من المصير المجهول الذي ينتظرها.
***************************

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *