رواية جديدة جدا 3
عندما عادوا من المشفى، كان الهدوء يخيم على المكان، لكن داخل غرفة همام لم يكن هناك أي سلام.
جلس على حافة سريره، جسده منحني قليلًا إلى الأمام، وعيناه معلقتان في الفراغ وكأنهما تحاولان الهروب من كل ما حدث منذ الصباح.
كانت أحداث اليوم تمر في رأسه بلا توقف، وجه عهد الشاحب، ارتجاف جسدها، دموعها الصامتة، ونظرتها التي أدارتها بعيدًا عنه داخل غرفة المشفى.
قبض على يديه بقوة حتى برزت عروق كفيه.
كيف تحول هكذا؟
كيف أصبح فجأة ذلك الرجل الذي يخشاه قلبها، بدلًا من أن يكون ملاذه؟
هو الذي كان يومًا يتمنى أن يكون البلسم لكل جراحها، أصبح الآن الجرح نفسه.
قطع تيار أفكاره صوت الباب وهو يفتح بهدوء.
رفع رأسه ليجد والدته تدخل الغرفة.
لم تكن تحتاج إلى أن تقول شيئًا، فملامح وجهها وحدها كانت كافية لتكشف ما يملأ صدرها من ضيق وقلق وعتاب.
اعتدل في جلسته فورًا، كان يعلم جيدًا أن وجودها في هذا الوقت المتأخر ليس صدفة.
تقدمت نحوه ببطء، ثم جلست بجواره على السرير.
مدت يدها وربتت على قدمه بحنان أم يعرف وجع ابنها حتى لو حاول إخفاءه، ثم قالت بصوت مختنق:
“ليه يا أبني تعمل كده؟”
أغلق همام عينيه للحظة، وكأن السؤال أصابه في موضع جرح لم يلتئم.
ثم قال بصوت مثقل بالندم:
“محصلش حاجه يا أمي، صدقيني انتي عارفه أخلاقي، مستحيل أعمل حاجه زي كده وخصوصًا مع عهد.”
تنهدت حليمة ببطء، وكان في تلك الزفرة شيء من الألم الذي لا تستطيع كتمانه.
ثم قالت بنبرة يغلبها الاختناق:
“للاسف يا همام، حبك المريض ليها غيرك، خلاك شخص تاني مش عارف هو بيعمل ايه، بقيت عايش بس علشان تثبت ليها انك بقيت احسن منها، عايز تدوس على قلبها زي ما عملت معاك، بس صدقني مش هتقدر تعمل كده، علشان انت لسه بتحب عهد يا همام، أنا متأكده ان محصلش ما بينكم حاجه، بس وجودها معاك فى اوضك طول الليل بالشكل ده يأكد، انك كنت ناوي تعمل فيها حاجه، بس قلبك مطوعكش، فوق يا حبيبي وارجع همام بتاع زمان، وعلشان ده يحصل قصادك حل من الاتنين، يا تسيبها تروح لحالها، وانت تنساها وتشوف حياتك وتنتبه لبنتك، يا أما، تنسى اللي حصل منها زمان وتسامحها، وتتجوزها وتعيشوا حياتكم سوا بصفحه جديده وتربوا بنتك سوا، وانا شايفه الاقتراح التاني هو الأنسب ليك وليها يا همام علشان حب عهد بيجري فى دمك ومستحيل تنساه مهما حاولت.”
ارتسمت على شفتي همام ابتسامة مريرة، أشبه بابتسامة رجل يضحك من قسوة الحقيقة التي لا يستطيع إنكارها.
استقام بجسده قليلًا، ثم قال بصوت متحشرج:
“عايزاني انسى اللي فات! انسى كسرت قلبي وقتها، انسى انها فضلت راجل تاني عني لمجرد أنه كان معاه فلوس وهيعيشها المستوى اللي يليق بمقامها، انسى انها كانت وخداني مجرد لعبه، تسلي نفسها بيها علشان تقضي وقت ممتع؟”
رمقته حليمة بنظرة ضاق فيها صبرها، ثم قالت بحسم:
“طيب خلاص سيبها تروح لحالها، وركز انت مع بنتك وشوف حياتك.”
لكن همام هز رأسه بالنفي فورًا، وكأن الفكرة نفسها مستحيلة.
وقال بنبرة اشتعل فيها الغضب:
“لا يا أمي، عهد مش هتروح لاي مكان تاني هتفضل هنا، اكسرها وأذلها وكل ما أشوف ذلها ده، قلبي يرتاح علشان بجيب حق كسرته وجرحها ليه.”
نهضت حليمة من مكانها فجأة، واقتربت منه بخطوات حادة.
انحنت نحوه قليلًا وقالت بصوت هامس، لكنه يحمل تحذيرًا واضحًا:
“يا أبني افهم بقى، ابوها مش ناوي على خير ليك، عايز يحطك قدام الأمر الواقع، علشان تتجوز عهد، لو حس انك مش ناوي تعمل كده هيأذيك وانا خايفه عليك منه، ريح قلب امك يا حبيبي، ويا تسيبها تمشي يا تتجوزها وتنهي المهزله دي.”
ظل همام ينظر أمامه لثواني طويلة، كأن الكلمات تدور في رأسه وهو يزنها بصمت.
ثم قال أخيرًا بنبرة قاسية لا تقبل نقاشًا:
“متخافيش عليا يا أمي انا مبقتش همام الضعيف بتاع زمان، ورياض انا هعرف ألعب معاه بنفس طريقته، والنهايه هتكون لصالحي أنا.”
تنهدت حليمة بقلق واضح، وقالت بصوت خافت:
“أنا خايفه عليك يا همام، مش هقدر اتحمل أشوفك تتأذى، قلبي خايف ليكون حبك لعهد نقمة وابتلاء.”
رفع همام عينيه إليها أخيرًا.
ابتسم لها ابتسامة هادئة، لكنها كانت مثقلة بشيء خفي لا يظهر على السطح.
ثم قال بصوت مبحوح:
“متخافيش عليا يا ست الكل اللي ربنا كاتبه هو اللي هيكون.”
اقتربت حليمة منه وربتت على كتفه بحنان، ثم قبلت رأسه كما كانت تفعل منذ صغره.
بعد لحظات، خرجت من الغرفة تاركة خلفها بابًا أغلق ببطء.
ظل همام ينظر إلى الباب الذي اختفت خلفه أمه.
ثم أطلق زفرة طويلة مثقلة بالوجع.
استلقى على سريره أخيرًا، وحدق في السقف بعينين لا تعرفان النوم.
لكن الحقيقة التي لم يعترف بها لأحد،
كانت تضغط على صدره بقسوة.
فهو لم يكن يحاول كسر عهد، بل كان يحاول كسر قلبه هو.
****************************