رواية جديدة جدا 3
اتسعت عينا عهد بصدمة:
“بابا! إيه اللي أنت بتقوله ده؟”
أمسك رياض بيدها بقوة، والتفت إلى همام مبتسمًا:
“ممكن بس أقعد مع بنتي شوية لوحدنا؟”
أومأ همام برأسه موافقًا، وأشار بيده إلى الحديقة:
“اه طبعًا، تقدروا تقعدوا فى الجنينه براحتكم.”
أجبرها رياض على السير معه، بينما كانت نظرات همام تلاحقهما بتركيز شديد.
ابتعد بها إلى أبعد نقطة في الحديقة حتى لا يسمعهما أحد.
ثم ضغط على أسنانه وقال بتهديد واضح:
“انتي عارفة لو مبطلتيش تدخلي في الكلام وتحاولي تقنعي همام يمشيني من هنا؟ هكسر رقبتك، فاهمة؟”
نظرت له بغضب وقالت:
“مش هيحصل يا بابا، إيه كرامتك موجعتكش لما قالك تنام في الجنينه؟
محستش إنه قاصد يهينك؟ إزاي قادر تتكلم معاه ببساطة كده؟ وأنت كنت في يوم من الأيام السبب في بعدنا عن بعض.”
ارتسمت ابتسامة شريرة على وجهه، وهمس:
“آه، هقبل أعيش في أوضة هنا علشان أكون جنبه، علشان أوصل للي أنا عايزه، وأرجع تاني زي زمان، وانتي كمان لازم تساعديني، لازم تخليه يتجوزك.”
نظرت إليه بعدم تصديق وقالت بغضب مكتوم:
“مش هيحصل اللي بتقوله ده، مش هسمحلك تقرب منه، ولا تاخد مليم من فلوسه، اطلع من هنا على الشقة فورًا، أحسن والله لأقوله على اللي ناوي تعمله،
وأخليه يقوم بالواجب معاك، وهو ما هيصدق يطلع كبت السنين اللي فاتت فيك.”
تأكد رياض من خلو المكان، ثم أمسك شعرها بعنف، وقال من بين أسنانه:
“فوقي يا روح أمك، متفكريش إنك محمية هنا، أنا ممكن أدفنك مكانك، وأقسم بالله لو منفذتيش اللي قولتلك عليه، هحرق قلبك عليه قدام عيونك.”
أغمضت عينيها بألم وهمست:
“أنا بكرهك.”
دفعها بعيدًا وقال بغضب:
“إياكي تنطقي بحرف لما ندخل جوه، فاهمة؟”
رمقته بنظرة كراهية حادة، ثم ركضت إلى داخل الفيلا وصعدت إلى غرفتها.
كان همام يراقبها بنظرات متفحصة.
اقترب رياض مبتسمًا بتوتر وقال:
“البت لسه مش قادرة تنسى إحنا كنا إيه زمان، صعبان عليها تشوفني مرمي في أوضة بره.”
ابتسم همام بسخرية وقال:
“معلش بقى يا رياض، هو ده حال الدنيا،
بتقلب الموازين في لحظة.”
ابتسم رياض بخبث:
“طبعًا يا همام باشا، ومحدش عارف بكرة مخبي إيه.”
استقام همام وقال وهو يتجه نحو الباب:
“أنا من رأيي، لا تروح ولا تيجي.
كده كده شوية الهلاهيل اللي عندك ملهمش لازمة، أبقى أشوفلك طقمين من عندي قدام.”
أومأ رياض سريعًا:
“كتر خيرك يا باشا، ربنا يكتر من أمثالك.”
لكن همام لم ينتظر، فقد خرج وتركه وحده.
نظر رياض إلى أثره بعينين تلمعان بالطمع، وتمتم بتوعد:
“قريب أوي، هيكون ده كله بتاعي، اصبر عليا بس.”
ثم جلس على الأريكة، والتقط تفاحة من أمامه، وبدأ يلتهمها بشراهة.
**************************
جلست عهد على طرف سريرها في صمت ثقيل، تضم قدميها إلى صدرها وتلف ذراعيها حولهما، كأنها تحاول أن تحتمي بنفسها من العالم كله.
أسندت رأسها فوق ركبتيها، وعيناها معلقتان في الفراغ أمامها بلا تركيز.
كانت الدموع تقف عند حافة عينيها،
متجمدة، ترفض السقوط.
لم تعد تملك حتى رفاهية البكاء.
داخل صدرها كان وجع قديم يتجدد كل يوم، وجع تعلمت أن تخفيه خلف الصمت، لكن اليوم كان أثقل من أن تتحمله.
لم تشعر بباب الغرفة وهو يفتح بهدوء.
ولا بالخطوات الصغيرة التي اقتربت منها ببطء.
حتى شعرت فجأة بيد صغيرة دافئة تتحرك فوق وجنتها.
انتفضت عهد قليلًا من مكانها، ورفعت رأسها بسرعة.
كانت روفان تقف أمامها، تنظر إليها بعينيها الصغيرتين المليئتين بالفضول والبراءة.
تحدثت الطفلة بتساءل طفولي بسيط، لكنه أصاب قلب عهد مباشرة:
“انتي زعلانه علشان معندكيش مامي زي؟ علشان وحشتك اوي ونفسك تشوفيها؟”
تجمدت عهد للحظة.
كانت كلمات الطفلة بسيطة، لكن وقعها في قلبها كان عميقًا.
اعتدلت في جلستها ببطء، ثم مدت يديها وحملت الطفلة لتجلسها فوق قدميها.
ضمتها إليها قليلًا، كأنها وجدت في قربها عزاءً صغيرًا.
ثم تكلمت بصوت مختنق يحمل وجع سنوات طويلة:
“تعرفي أن انا كمان مامي ماتت وانا فى نفس سنك كده بالظبط، وكنت بعيط كتير اوي، واقول أنا عايزه مامي، كان بابا بيضربني علشان اسكت وأبطل عياط، كنت بخاف واقعد فى اوضي، كنت بحضن نفسي واطبطب على قلبي لأني كنت لوحدي، بس انتي غيري، عندك تيته وعمتوا وبابي اللي بيحبوكي، عندك اللي بيهتم بيكي ووقت ما تعيطي يحضنك ويحسسك بالأمان، ربنا اخد منك مامي بس كرمك بعيله جميله وبتحبك، وبعد عمر طويل ليكي هتقابليها وتبقي معاها، وكل ما توحشك اقري ليها الفاتحه، واكتبي ليها رسالة وحطيها على المكتب بتاعك، والعصفورة هتخدها وتديها ليها.”
كانت روفان تنظر إليها بعينين واسعتين، تستمع لكل كلمة وكأنها قصة سحرية.
وفجأة قفزت الطفلة بسعادة وقالت بحماس طفولي:
“بجد يا أبله عهد! يعني مامي هتقراه الكلام اللي هكتبه ليها؟”
ابتسمت عهد ابتسامة صغيرة، امتزج فيها الحزن بالحنان.
أومأت برأسها مؤكدة وقالت:
“ايوه بجد بس انتي بتعرفي تكتبي؟”
ضحكت الطفلة بفخر صغير وقالت:
“يس بعرف اكتب أنجلش، بس مش بعرف اكتب عربي.”
مدت عهد يدها وداعبت شعرها برفق، وابتسامة حزينة ترتسم على شفتيها وهي تقول:
“ابله عهد هتعلمك تكتبي وتقري عربي وتحفظك القران كله، واخليكي اشطر روفا فى الدنيا.”
اقتربت الطفلة منها بسرعة، ووضعت قبلة صغيرة على خدها.
ثم ركضت نحو الباب بسعادة طفولية، وكأن فكرة الرسائل التي ستصل إلى أمها جعلتها تطير من الفرح.
اختفت خطواتها في الممر وهي تلهو وتضحك.
أما عهد، فبقيت جالسة مكانها.
تنظر إلى الباب الذي خرجت منه الطفلة.
ارتسم الحزن بوضوح على ملامحها، وخرجت من صدرها تنهيدة حارة ثقيلة.
ثم عادت ببطء إلى وضعها الأول، تضم قدميها إلى صدرها، وتحدق في الفراغ مرة أخرى.
لكن هذه المرة، لم تكن تفكر في الماضي فقط.
بل في الطفلة الصغيرة التي تعلقت بها دون أن تدري، وفي القلب الذي تحاول أن تحميه، حتى لو كان ذلك يعني أن تنكسر هي من جديد.
*************************
بالمساء…
ساد هدوء خفيف داخل غرفة الطعام الكبيرة، حيث تجمعوا حول طاولة الطعام.
كانت الأطباق موضوعة بعناية فوق المائدة، بينما جلس همام في مكانه المعتاد، صامتًا كعادته، يراقب كل ما يدور حوله بعينين لا يفوتهما شيء.
في تلك اللحظة، هبطت عهد من أعلى الدرج ببطء، تمسك بيد روفان الصغيرة.
كانت الطفلة تتحدث معها بحماس طفولي وهي تنزل الدرج، بينما بدت عهد أكثر هدوءًا، ملامحها ما زالت تحمل أثر الحزن الذي لم يفارقها طوال اليوم.
اقتربا من المائدة.