رواية جديدة جدا 3
“هسيبك تطمن على بنتك براحتك، وانا رايحه الاوضه اللي هما جهزوها ليا عن أذنك.”
ثم خرجت من الغرفة.
ما إن أغلقت الباب خلفها حتى شعرت أن أنفاسها لم تعد تنتظم، دقات قلبها كانت عنيفة، تكاد تخترق صدرها.
تحركت في الممر بسرعة، ثم أسرعت الخطى، كأنها تهرب، تهرب منه، ومن نفسها.
وصلت إلى الغرفة التي خصصت لها، ودفعت الباب بسرعة.
أغلقته خلفها بقوة، ثم أسندت ظهرها عليه.
كانت أنفاسها متلاحقة، وعيناها تحدقان في الفراغ أمامها.
الصمت يملأ الغرفة، لكن رأسها كان ممتلئًا بالصخب.
حركت رأسها بهستيرية خفيفة، والكلمات خرجت متلعثمة بين شفتيها وهي تقول:
“مش هقدر أستحمل كل يوم اشوفه، أنا عيشت السنين دي كلها متماسكه علشان لما يرجع، بس متخيلتش أنه يرجع، بالقسوة دي، فكرت أن حبي فى قلبه اكبر من صدمته فيا، كنت ناوية أقوله الحقيقه اللي خلتني أعمل معاه كده وقتها، بس للاسف همام لسه مرجعش وده شخص تاني معرفهوش، يارب هونها على قلبي الموجوع ده.”
انقطعت كلماتها أخيرًا، ابتلعت ريقها بصعوبة.
ثم تحركت ببطء نحو السرير.
ارتمت عليه بتعب شديد، كأنها فقدت ما تبقى من قوتها.
رفعت عينيها إلى السقف، وظلت تنظر إليه طويلًا، تفكر في الطريق الطويل الذي قادها إلى هنا.
وفي القلب الذي عاد إليها أخيرًا، لكن ليس كما عرفته يومًا.
************************
باليوم التالي…
هبطت عهد بخطوات متثاقلة من أعلى الدرج، وكأن كل خطوة تثقلها ذكريات الألم الذي حملته في قلبها طوال الليالي الماضية.
وعندما وقعت عينها على حليمة، تجمدت في مكانها للحظة، وارتسمت على وجهها ابتسامة حزينة مرتجفة، امتزجت فيها شدة الشوق ووجع الفقد، لقد اشتاقت إليها حتى كادت الروح تخرج من جسدها.
اقتربت منها ببطء، كل حركة تتثاقل بها، حتى وقفت أمامها، وارتعشت شفتيها حين تكلمت بصوت خافت مليء بالحنين:
“وحشتيني اوي يا ماما حليمة.”
نظرت إليها حليمة بدهشة، وقد بدا صوت عهد مألوفًا، وملامح وجهها ليست غريبة عنها، لكنها لم تستطع تذكرها بالكامل، كما لو أن الزمن قد طمس الذاكرة، فردت عليها بتساؤل حائر:
“انتي مين يا بنتي؟”
اقتربت عهد أكثر، وأشارت إلى نفسها بأصابع مرتعشة، وعيونها تفيض بالدموع المكبوتة:
“أنا عهد، يا ماما، نستيني؟”
تجمدت حليمة في مكانها، عيناها تحدقان في وجه الفتاة أمامها.
لقد تغيرت، وجهها الشاحب يحمل آثار الكدمات، وملابسها أصبحت مهملة، وحركاتها أصبحت أكثر توترًا، كأنها فتاة أخرى مختلفة تمامًا عن تلك النشيطة التي عرفتها.
ثم تكلمت حليمة أخيرًا بصوت يملؤه الدهشة والقلق:
“عهد! ازاي؟ ده انا حاسه انك واحده تانيه غير اللي عرفتها.”
ارتسمت على وجه عهد ابتسامة حزينة، وصوتها مختنق بالكلمات المخبأة خلفها من سنين الألم:
“مافيش حاجه بتفضل على حالها يا ماما.”
وعند سماعها كلمة “ماما” تتردد في صدى قلبها، تذكرت فجأة ما حدث لابنها همام، تجهمت ملامحها، وتحولت إلى قسوة غاضبة، صار صوتها أشبه بالصفعة على وجه عهد:
“ماما!! وانتي كنتي عملتي حساب لكلمة دي لما كسرتي ابني وجرحتيه؟ لما حرمتيني منه السنين دي كلها، علشان يهرب من حبك، انتي متستهليش الكلمة دي، انتي بتعملي أيه هنا، اتفضلي اطلعي بره.”
أغمضت عهد عينيها بقوة، تحاول أن تمنع دموعها من الانهمار، وتكلمت بصوت مختنق ينبع من أعماق قلبها الموجوع:
“حتى انتي يا ماما؟ أنا معملتش معاكم حاجه وحشه، ولا شوفتوا مني أي تكبر وقتها، أنا حبيتكم بجد، في حضنك كنت بحس بريحة ماما الله يرحمها، وسطكم كنت بحس نفسي طبيعية، بحس اني منكم، أنا سألت عليكي كتير، كنت باجي الحارة وأطلع الشقة أقول يمكن الاقيكي رجعتي، بس كل مرة كنت برجع مكسورة وقلبي موجوع، أنا ممكن أستحمل أي حاجة، إلا قسوتك عليا يا ماما.”
لمحة من الحنين مرت على قلبها للحظة، لكن حين تذكرت حالة همام عندما عاد مكسورًا من عندها، تجهمت حليمة مرة أخرى، وصوتها غاضب كالسيف:
“انتي مش أغلى من ابني عندي، وعدوة همام عدوتي، ياريت تطلعي بره ومشوفش وشك هنا تاني.”
ابتسمت عهد ابتسامة موجعة، ممتزجة بالحزن والألم، وصوتها مختنق بالكلمات التي تكاد تخرج من قلبها:
“واضح ان الزمن غير ناس كتير، عمومًا أنا هفضل أحبك مهما عملتي فيا، لأن زي ما قولتلك الوحيدة اللي حسيت في حضنها بريحة ماما، وأنا آسفة مش هقدر أمشي، لأن أنا شغالة هنا، بس متقلقيش مجرد وقت بس، وهسيب هنا في أول فرصة.”
فجأة، وصلها صوت همام، رجولي وغاضب، كما لو أن الجدار نفسه اهتز به:
“بتحلمي، انتي مش هتخرجي من هنا، غير على قبرك يا عهد.”
استدارت عهد لتواجهه بعينيها المتقدتين بالتحدي، وارتسمت على شفتيها ابتسامة مشوبة بالقسوة والشجاعة:
“لو الموت هي دي الطريقة الوحيدة اللي هتخرجني من هنا، هعملها أنا بنفسي يا همام.”
ارتجف قلبه في صدره، لكنه لم يبد أي تراجع في ملامحه، اقترب منها ببطء، نظر في عينيها مباشرة، وتكلم بهمس يملؤه الغضب والغيرة:
“لا، سيبي الموضوع ده عليا، متستعجليش، بس لما اخد حق قلبي منك الأول.”
أنهى كلامه واتجه نحو الباب، وفتحه ببطء.
قبل أن يغادر، سمع صوت عهد يكسر الصمت وهي تقول له بتحدي:
“هتندم يا همام، بس ساعتها ندمك مش هيشفعلك عندي مهما عملت.”
ارتسمت على وجهها ابتسامة حزينة، ثم تحركت ببطء إلى الأعلى، تحمل قلبها المثقل، إلى غرفة روفان.
نظر همام إلى أثرها بعينين ممتلئتين بالغضب، ثم التفت إلى والدته بوجه صارم، وغادر المكان سريعًا، بينما قلبه لا يزال يئن من تلك المواجهة.
*************************
“الفصل الرابع عشر”
مرت عدة أيام، ظل الوضع كما هو؛ حرب صامتة تدور بين قلبين لم ينسيا بعضهما يومًا.
همام يحاول أن ينتقم لكرامته التي يعتقد أنها دفنت يوم تركته، وعهد تقاتل بصمت لتدافع عما تبقى من قلبها المنهك.
كان كل لقاء بينهما كمعركة خفية، كلمات قليلة، لكنها تترك جروحًا عميقة لا ترى.
في صباح يوم جديد، استيقظت عهد على صوت طرقات خفيفة على باب غرفتها.
اعتدلت في جلستها بتثاقل، ومسحت وجهها بيد مرتجفة، ثم سمحت بالدخول.
انفتح الباب، ودلفت الخادمة وهي تقول:
“أبوكي تحت، بيقولك همام بيه إنزلي ليه.”
أغمضت عهد عينيها بضيق، وكأن مجرد سماع اسمه صار عبئًا على قلبها، ثم أومأت برأسها قائلة:
“ماشي، هقوم أجهز وأنزله.”
خرجت الخادمة وأغلقت الباب خلفها.
زفرت عهد بضيق، ونهضت من فراشها متجهة إلى المرحاض.
وبعد وقت قصير، خرجت وقد بدلت ملابسها، ثم هبطت إلى الأسفل بخطوات بطيئة.
وما إن وصلت إلى الصالة حتى رأت والدها يجلس على الأريكة في انتظارها.
اقتربت منه ببطء، وقالت بصوت مختنق:
“إزيك يا بابا.”
نهض رياض سريعًا، واقترب منها واحتضنها بقوة وهو يقول بنبرة مليئة بالشكوى:
“وحشتيني أوي يا بنتي، البيت من غيرك ضلمة، بقى خرابة، طول النهار بقيت لوحدي، مش بلاقي اللي يعملي لقمتي، أنا اتبهدلت أوي يا عهد.”
ظلت يداها ساكنتين بجانب جسدها، لم ترفعهما لتبادله العناق.
وكان النفور واضحًا في ملامحها.
في الجهة الأخرى، كان همام يجلس على المقعد واضعًا قدمًا فوق الأخرى، يراقب المشهد في صمت بارد، كأنه يشاهد عرضًا مسرحيًا ممتعًا.
ابتعد رياض عن ابنته، وتنهد بحزن مصطنع:
“أنا تعبان أوي من غيرك يا بنتي.”
عندها اعتدل همام في جلسته أخيرًا، وقال بنبرة متعالية:
“تقدر تعيش هنا معاها.”
اتسعت ابتسامة النصر على وجه رياض للحظة، وكأن الحظ قد ابتسم له أخيرًا،
لكنه سرعان ما أخفى فرحته خلف ملامح مصطنعة من الحرج وقال:
“لا يا ابني، أنا مش عايز أكون حمل تقيل عليك، كفاية إنك دفعت إيجار الشقة، كتر خيرك، وبنتي عايشة هنا سعيدة ومبسوطة، أنا ليا ربنا يتولاني بقى.”
تكلمت عهد فورًا بغضب واضح:
“متشكرين لكرم حضرتك، بس بابا هيروح شقته، وأنا هستأذن ساعتين كل يوم، أروح أعمله لقمة وأنضف البيت، وأرجع هنا تاني على طول.”
أغلق رياض عينيه لحظة وهو يسبها في سره بأبشع الألفاظ.
لكن همام نهض من مكانه واقترب منهما ببطء.
رمق عهد بنظرة ذات معنى، ثم التفت إلى رياض قائلاً بتكبر:
“فيه أوضة في الجنينه بالحمام بتاعها، تقدر تعيش فيها، وأكلك من أكل الخدامين، أهو تبقى جنب بنتك وتقدروا تطمنوا على بعض.”
كانت كلماته كالسكاكين.
ضغطت عهد على أسنانها بغضب وقالت:
“كفاية إهانة لحد كده لو سمحت، بابا هيرجع الشقة، وأنا بس أخلص فلوسك اللي دفعتها إيجار للشقة، وبعد كده كل واحد من طريق.”
ابتسم همام باحتقار وقال ساخرًا:
“زعلانة ليه بس؟ على الأقل الأوضة اللي مش عجباكي أحلى من الخرابة اللي عايشين فيها في الحارة.”
كادت ترد عليه، لكن رياض سبقها قائلًا بسرعة:
“وأنا موافق.”