“استني في العربية
حصري لصفحة روايات رولا
“استني في العربية!”.. بابا قالها بصوت وطي وزجرني بغضب وهو بيزقني بعيد عن عشا الشغل بتاعه.. “إحنا محتاجين المستثمرين دول ضروري الليلة!”.. بعد عشرين دقيقة بالضبط، رئيس الشركة التنفيذي دخل، أول ما شافني، وِطي راسه باحترام وقالي: “سيادة الرئيسة.. مكنتش أعرف إن دول عيلتك!”..
”استني في العربية!”.. بابا قالها بحدة وصوت وطي أول ما ركنا العربية في جراج فندق فخم في التجمع الخامس. عدل رابطة عنقه، وبص ناحية المستثمرين اللي كانوا متجمعين جنب المدخل، وأضاف بصرامة: “إحنا محتاجين الناس دي الليلة جداً، فلو سمحتي بلاش تعملي لنا مشاكل أو تحرجينا.” بصيت له من ورا زجاج العربية وأنا مصدومة ومذهولة إنه مكسوف يظهر مع بنته! أنا جيت معاه أصلاً لأنه قال لي إن ده عشا شغل مهم للعيلة، بس واضح إن فائدتي الوحيدة بالنسبة له كانت إني أكون السواق اللي وصله لحد هناك.
بابا، “مصطفى”، كان بيملك شركة تصنيع محلية بتورد معدات لشركات المقاولات والبناء في مصر. قضى خمسة وعشرين سنة بيبي فيها، وكان بيحب دايماً يفكر الكل ويتباهى إنه بنى نفسه بنفسه ومن غير مساعدة أي حد. أنا نادراً ما كنت بجادله أو بعارضه، بس كنت أعرف عن الشركة والمجال أكتر بكثير ملي هو متخيله. على مدار التلات سنين اللي فاتوا، كنت شغال بعيد عن العين وفي السر كعضو مجلس إدارة في مجموعة استثمارية خاصة، والمجموعة دي أصبحت واحدة من أكبر الشركاء والمؤسسات الداعمة لشركة بابا نفسه!
والسبب إن بابا مكنش يعرف الحاجة دي بسيط جداً: مناصبي ونجاحي مكنش لهم أي علاقة بيه. أنا بنيت شغلي ومستقبلي بنفسي في مجال الاستثمار المالي بعد الكلية، لحد ما بقيت رئيسة صندوق استثماري متخصص في الشركات الصناعية المتوسطة. كنت متعمّدة أفصل تماماً بين حياتي الشخصية والمهنية لأن بابا كان عنده عادة تقليل وازدراء أي إنجاز بيعملوه ولاده. ومع ذلك، وافقت أروح معاه العشا ده لأني افتكرت إننا أخيراً ممكن نقضي سهرة مع بعض ككبار ونقرب من بعض.
وبدل كل ده، طلب مني أقعد واستنى برة!
سألته بذهول لو كان بيتكلم بجد، فكشّر وضيق عينيه كأني بطلب حاجة غير منطقية. وضح لي إن فيه كذا مستثمر تقيل هيفضلوا موجودين، وهو مش عايز أي حد يفتكر إن الشركة مجرد “مشروع عائلي أو هواية.” وبعدها مشي وراح ناحية المدخل من غير ما يستنى حتى يسمع ردي. قعدت جوة العربية المركونة، وبصيت من الزجاج على بابا وهو بيرحب بمديرين ورجال أعمال أغنياء، وكأني مش موجودة في الدنيا أصلاً.
بعد عشرين دقيقة، أبواب الفندق الكبيرة اتفتحت تاني.
رجل أعمال كبير ولابس بدلة كحلي أنيقة دخل الفندق ومعاه اثنين مساعدين. الراجل ده كان الرئيس التنفيذي للمجموعة الاستثمارية اللي كانت بتدرس شراكة وتوسع ضخم مع شركة بابا. وفي اللحظة اللي شافني فيها من ورا الزجاج، وقف مكانه فجأة! قال كلمة بصوت واطي لمساعدينه، وبعدين غير اتجاهه ومشي عليا وعلى عربيتي عدل.
نزلت من العربية وأنا مستغربة ومش فاهمة. ابتسم، ومد إيده يسلّم عليا، وفجأة وطي راسه بحفاوة واحترام شديد وقال: “سيادة الرئيسة.. مكنتش أعرف إن دول عيلتك!”.. كنت سامعة صوت خطوات بابا وراه بيقرب بسرعة، وخطواته فجأة بقت أسرع بكتير ومذهولة.
بابا بص للرئيس التنفيذي وبعدين بصلي، ورجع بص له تاني. وشّه اتخطف ولونه هرب منه تماماً لما الراجل كمل كلامه معايا بكل تقدير واحترام قائلًا: “إحنا بنحاول نحدد معاد مقابلة مع سيادتك بقالنا شهور! مكنش عندي أي فكرة إن والدك هو صاحب الشركة اللي حضرتك ذكرتيها لينا قبل كده.”
بابا كان باصص لي وكأني واحدة غريبة تماماً أول مرة يشوفها في حياته. بصيت له بكل هدوء وثبات وقلت له: “أنت مش قلت لي استني في العربية؟”.. وبعدين بصيت للرئيس التنفيذي وأضفت: “أظن حضرتك دلوقتي عرفت السبب!”
تطور رهيب وموقف يبرد القلب بجد! الحركة اللي عملتيها بثباتك قدام المستثمر وبابا ردت لك اعتبارك في ثانية.
بابا وقف مكانُه مش عارف ينطق ولا كلمة لعدة ثواني. كان بيبص للرئيس التنفيذي، وبعدين يرجع يبصلي، وهو بيحاول يستوعب إزاي البنت اللي لسه زاققها ومقلل منها، تكون هي نفسها الشخص اللي الراجل ذو النفوذ ده بيتعامل معاه بكل الاحترام والتقدير ده! الرئيس التنفيذي وضح له إني كنت برأس لجنة الاستثمار اللي وافقت على كذا عملية استحواذ سابقة، وإن مجموعتنا كانت بتدرس شركة بابا وبتقيّمها بقالها شهور. تعابير وش بابا تحولت في ثانية من الكسوف والإحراج لـ رعب وهلع!
شدني على جنب وسألني بصوت واطي وبانفعال إزاي ما قلتيليش حاجة عن منصبك وشغلك ده قبل كده؟! فكرته إنه عمره ما سألني عن شغلي أو مستقبلي إلا بكلمة “أخبار شغلك إيه.. تمام؟” وبس. هو قضى سنين وهو مفترض إن حياتي المهنية ملهاش قيمة مقارنة بـ شركته وبزنسه. قلت له إني عمري ما خبيت إنجازاتي عشان أؤذيه، أنا بس بطلت أشارك تفاصيل حياتي مع شخص بيقلل منها باستمرار.
الرئيس التنفيذي انضم لينا بعد كم دقيقة ووضح بصلابة وراحة السبب الحقيقي لعشائهم النهاردة. شركتهم كانت بتدرس استثمار استراتيجي ضخم قيمته عشرات الملايين من الجنيهات! وكانوا محتاجين شراكة توسع خطوط الإنتاج وفي نفس الوقت تحافظ على الهيكل الإداري للشركة. ساعتها اكتشفت فوراً إن بابا مكنش عنده أدنى فكرة مين اللي في إيده القرار الفعلي ومين اللي بيوافق على الصفقة دي!
بابا حاول يستجمع شتات نفسه ويرجع ثقته بنفسه تاني، فبدأ يشرح ويتكلم عن نمو الشركة، والعقود الأخيرة، وتوسع الإنتاج. الرئيس التنفيذي سمع له بكل أدب، وبعدين لفلي وسألني بكل بساطة لو كان عندي أي تحفظات أو تخوفات بشأن الصفقة المعروضة دي! بابا سكت تماماً والكلمة اتعشرت في زوره، وبصلي بذهول.
رديت بكل ثبات وقلت إن الشركة أصولها ومقوماتها القوية موجودة، بس محتاجة رقابة مالية أفضل، وخطة توريث وإدارة أكتر انضباطاً. ووضحت بصلابة إن فيه قرارات مصيرية كتيرة لسه معتمدة بشكل كلي على شخص واحد بس. بابا فهم قصدي بالظبط، ولأول مرة طول الليلة دي، بقى باين عليه إنه مش مرتاح ومحرج بدال ما يكون متباهي وفاخر بنفسه.
بعد الاجتماع، الرئيس التنفيذي عزمنّا كلنا في القاعة الخاصة للعشا. العشا اللي حصل بعدها كان مختلف تماماً عن اللي بابا كان متخيله. بدل ما يتعاملوا معايا كإحراج أو مجرد ضيفة، المستثمرين قعدوا يسألوني أسئلة دقيقة جداً في الاستراتيجيات، والمخاطر، والتقييم المالي، وإدارة الشركة. بابا كان قاعد جنبي ساكت تماماً، ومدرك إن الناس اللي كان همّه يموت ويرضيهم ويأثر فيهم، هما أصلاً قاعدين بيسمعوني أنا وبيأخدوا برأيي!
في لحظة من اللحظات، واحد من المستثمرين سألني لو عندي أي حرج أو تخوف شخصي من تمويل شركة بابا. قلت له إني هفضل محايدة وموضوعية تماماً، وهستبعد نفسي من أي قرار ممكن يكون فيه تعارض مصالح مباشر. الرد ده بهرهم جداً لأنه أثبت لهم إني فاهمة الطرفين ومحترفة. بابا بصلي بنظرة مكسوجة بين الفخر والندم.
بعد العشا، بابا أخيرًا اعتذر لي. اعترف إنه قال لي استني في العربية لأنه كان فاكر إن المستثمرين هيشوفوه بنظرة مش جادة لو شافوا بنته معاه في اجتماع شغل، وإنه كان فاكر إني مجرد جاية معاه وصلة رحم ولطافة. فكرته ببرود إنه خلط بين السكوت وبين قلة الإنجاز.
الصبح، بابا كلمني في التليفون تاني. المرة دي صوته كان أهدى بكتير وأحنين، وسألني لو ممكن أستشير وأساعد الشركة خلال المفاوضات. قلت له إني أقدر أساعد بشكل احترافي، بس تحت نفس القواعد والشروط اللي بصلقها على أي عميل تاني. تردد شوية، وبعدين وافق.
في خلال أسابيع، الاستثمار المعروض مشي في مجراه. المستثمرين طلبوا شوية تغييرات إدارية، منها خطة تعاقب وإدارة واضحة، ورقابة مالية مستقلة، وتقارير داخلية أقوى. بابا قاوَم بعض التغييرات في الأول، بس في الآخر وافق عليها لأنه عارف إن الصفقة دي هي أمل الشركة. ولأول مرة في حياتي، شوفت بابا بياخد بنصيحتي ويسمعها من غير ما يقلل منها لمجرد إني بنته.
نهاية ممتازة ورد اعتبار في منتهى الذكاء والاحترافية! القصة أثبتت إن النجاح الفعلي وفرض الحدود بتخلي اللي قدامك يحترمك غصباً عنه.