رواية جديدة جدا 3
الألم مر سريعًا فوق ملامحها لكنها حاولت إخفاءه، ثم قالت بصوت مختنق:
“مبقاش يفرق انت شايفني ايه دلوقتي فى نظرك، عارف، أنا كنت مستنيه اللحظة اللي هشوفك فيها وتحضني بعيونك زي ما متعودة، ايدك تحضن ايدي واحس فيهم بالدفا، طول السنين دي كنت بحلم باللحظة دي، بس صحيت على كابوس، السنين غيرتك موتت همام اللي أعرفه، إنما انت واحد تاني معرفهوش.”
للحظة، اختفى الغضب من عينيه.
وظهرت مكانه مرارة قديمة، ارتسمت ابتسامة موجعة على شفتيه وهو يقول بصوت مختنق:
“انتي اللي موتي همام التاني بأيدك، لما كسرتي قلبي و دوستي على كرامتي بجزمتك، لما قللتي مني علشان خاتم ألماظ فى صوابعك، وواحد باعك لما خسرتوا كل حاجه، انتي اللي دبح..تيني بأيدك، وولدي جوايا الكره والشر.”
وقفت عهد ببطء، تقدمت نحوه خطوة.
عيناها كانتا موجوعتين، لكن ثابتتين.
ثم قالت وهي تنظر مباشرة في عينيه:
“انت اللي غبي وحمار، لو كنت كلفت نفسك وبصيت فى عيوني وقتها، كنت هتعرف كل حاجة، بلاش تعيش دور المظلوم المكسور، وانت كمان كنت جلاد زيهم.”
أنهت كلامها، واستدارت متجهة نحو الباب.
لكن قبل أن تصل إليه، تحرك همام بسرعة وأمسكها من ذراعها بغضب.
وفور أن ضغط على ذراعها، خرجت منها تأوهة ألم مفاجئة، ألم حقيقي، تجمد.
نظر إلى ذراعها للحظة، ثم أبعد يده عنها فورًا.
تكلم من بين أسنانه بحدة:
“قصدك ايه بكلامك ده؟”
نظرت إليه، نظرة مليئة بالتمرد، والوجع معًا.
ثم ابتسمت ابتسامة حزينة وهي تقول:
“بعد اذنك لازم اروح اشوف شغلي.”
وخرجت، تاركة خلفها غرفة مليئة بالأسئلة.
وقف همام مكانه لحظة.
ينظر إلى الباب الذي خرجت منه.
ضيق يعتصر صدره دون أن يعرف سببه.
ثم تحرك إلى الخارج، فوجئ بها في الصالة، كانت تحمل طفلته الصغيرة.
أجلستها على قدميها وهي تقول بابتسامة هادئة جميلة:
“بنوتي عاملة ايه؟”
ردت عليها الطفلة ببراءة:
“أنا كويسه يا أبلة عهد، أنا خوفت عليكي اوي، لما أغمى عليكي، وبابي كمان كان خا…”
لكن همام تدخل بسرعة، وكأنه يقطع الحديث قبل أن يكتمل، وقال بنبرة رجولية:
“روفا حبيبة بابي انا رايح الشغل عايزة حاجة؟”
نزلت الطفلة من فوق قدم عهد وركضت نحو أبيها قائلة:
“هي تيته راحت فين؟”
رفعت عهد رأسها سريعًا، وسألت باشتياق واضح:
“ماما حليمة؟!”
نظر إليها همام للحظة، شيء ما مر في عينيه، ثم تنهد بضيق وقال:
“تيته راحت تطمن على عمتو، علشان تعبانه شوية والسواق هيروح يجيبها بليل.”
اعتدلت عهد في جلستها واقتربت منهما قليلًا وقالت:
“ماما حليمة وحشتني اوي و كتير روحت البيت علشان اشوفها وملاقتهاش.”
رفعت الطفلة عينيها الصغيرة نحوها وقالت بفضول:
“انتي تعرفي تيته يا أبلة عهد؟”
كادت عهد أن ترد، لكن صوت همام سبقها، غاضبًا وقاسيًا:
“اه يا حبيبتي تعرفها عز المعرفه، وكتير اكلت من ايديها واترمت فى حضنها.”
أغلقت عهد عينيها بوجع، أنفاسها تعالت قليلًا وهي تتذكر تلك الأيام.
دفء البيت، حضن حليمة.
أيام كانت تبدو حلمًا جميلاً أما الآن وكأنها أصبحت كابوس.
لكن صوت الطفلة أعادها إلى الحاضر:
“انتي عارفه يا أبلة عهد، مامي كانت جميله اوي، وكان نفسها تشوف تيته وعمتو، بس بابي كان على طول بيرفض.”
رفعت عهد عينيها نحو همام.
نظرة عتاب صامتة، ثم مالت بجسدها نحو الطفلة وحملتها بين ذراعيها وهي تقول بابتسامة حزينة:
“اكيد مامي كانت حلوة، علشان كده جابت العسل ده كله، ربنا يرحمها يا حبيبتي، يلا بقى نطلع نشوف هنعمل ايه فى اوضتنا.”
ثم اتجهت نحو الدرج، وصعدت بالطفلة إلى الأعلى.
وقف همام مكانه، ينظر إلى أثرها.
شيء مؤلم كان يتحرك داخل صدره، رغم كل شيء.
ثم استدار أخيرًا، وتحرك نحو الباب.
وغادر المكان سريعًا.
***********************
بالمساء…
عاد همام إلى المنزل بعد يوم طويل لم يشعر بمروره.
كان جسده في العمل، لكن عقله ظل عالقًا في مكان آخر، في تلك اللحظة التي سقطت فيها بين ذراعيه صباحًا.
منذ أن ترك الفيلا صباحًا، لم تهدأ دقات قلبه لحظة.
كان يحاول أن يغرق نفسه في العمل، في الملفات والاجتماعات والأرقام، لكن وجهها كان يتسلل إلى ذهنه رغمًا عنه، شاحبًا، متعبًا، يحمل شيئًا من الانكسار الذي لم يعتد أن يراه فيها.
أوقف سيارته أمام المنزل أخيرًا، وترجل منها ببطء.
كان الليل قد أرخى ستاره على المكان، والفيلا غارقة في هدوء ثقيل لا يقطعه إلا صوت خطواته فوق الأرض الرخامية.
صعد الدرج إلى غرفته بخطوات هادئة.
ما إن دخل حتى خلع سترته بإرهاق، وكأنه يحاول أن يتخلص معها من ثقل اليوم كله.
اتجه مباشرة إلى الحمام، وفتح الماء الدافئ.
تركه ينساب فوق رأسه وكتفيه طويلًا.
كان يحاول أن يهدئ ذلك الاضطراب الذي يعصف بصدره.
يحاول أن يقنع نفسه أن وجودها هنا لا يعني شيئًا، وأن الماضي انتهى منذ زمن.
لكن الحقيقة كانت أقسى، قلبه لم يكن هادئًا، ولم يكن مطمئنًا.
بعد وقت طويل خرج من الحمام، ارتدى ملابسه، ثم وقف لحظة ينظر إلى الفراغ أمامه.
شيء ما في داخله دفعه للتحرك.
خرج من غرفته، واتجه بخطوات هادئة نحو غرفة روفان.
وقف أمام الباب لحظة، ثم فتحه ببطء شديد، كأنه يخشى أن يوقظ السكون الذي يلف المكان.
نظر أولًا من خلال الفتحة الصغيرة في الباب.
توقفت أنفاسه قليلًا.
كانت عهد مستلقية على السرير، إلى جوار ابنته.
روفان نائمة بعمق، وقد التصقت بعهد كأنها وجدت فيها دفئًا افتقدته.
أما عهد، فكانت تغفو هي الأخرى، ملامحها هادئة على نحو مؤلم.
فتح الباب أكثر، ودخل بخطوات بطيئة.
اقترب منهما، وقف أمام السرير لحظة طويلة دون أن يتحرك.
عيناه انتقلتا بين وجه ابنته، ووجه عهد.
كان المشهد بسيطًا، لكنه غريب على قلبه.
ابتسامة خفيفة ارتسمت على شفتيه دون أن يشعر.
جلس على حافة السرير بجوار ابنته.
مد يده ببطء، ومرر أصابعه بين خصلات شعرها الصغيرة بحنان واضح.
ثم انحنى قليلًا ووضع قبلة هادئة على رأسها.
ظل ينظر إليها لحظة، قبل أن تتحول عيناه نحو عهد.
اقترب نظره منها قليلًا.
وهنا، لاحظ شيئًا لم يره صباحًا.
علامات كدمات خفيفة فوق ذراعها.
تجمدت ملامحه.
اقترب ببطء أكثر، ومد يده دون وعي منه.
لامس تلك الكدمات برفق شديد، كأنه يخشى أن يؤلمها.
وفي اللحظة التي شعرت فيها بلمسته،
انتفضت عهد فجأة من مكانها.
فتحت عينيها بارتباك، ونظرت إليه بتوتر واضح وقالت:
“ا انت بتعمل ايه هنا؟”
استقام همام بجسده فورًا، وكأن تلك اللحظة أربكته هو الآخر.
عاد ذلك القناع القاسي إلى ملامحه.
وتكلم بنبرة متهكمة وقال:
“جاي اطمن على بنتي، عندك مانع؟”
حركت رأسها بضيق واضح، وردت عليه بصوت مختنق:
“لا مافيش مانع، بس ياريت حضرتك تراعي أن فيه واحده معاها، ياريت بعد أذنك تخبط الباب قبل ما تدخل.”
ضاقت عيناه قليلًا وهو ينظر إليها.
ثم قال باحتقار بارد:
“والله مش هتأمريني أعمل ايه فى بيتي، انتي هنا مجرد شغاله عندي وانا اللي أمرك مش العكس.”
أغلقت عهد عينيها للحظة.
غضب صامت مر فوق ملامحها، لكنها لم ترد.
فقط نهضت من مكانها بهدوء.
تحركت نحو الباب.
وقبل أن تخرج، تكلم همام بتساؤل:
“رايحه فين؟”
ردت عليه بضيق دون أن تنظر إليه: