رواية جديدة جدا 3

*
“الفصل الثاني عشر”
مرت عدة أيام على عهد وهي حبيسة غرفتها، لا تغادرها إلا نادرًا، ترفض استقبال أي مكالمات حتى من صديقتها ريم، كانت تعيش داخل دوامة من الأفكار والذكريات التي لا ترحم، وكلما حاولت الهروب منها، عادت تطاردها بصورة أقسى.
أما همام، فكان في مكان آخر ينتظر،
لا ينتظرها شوقًا كما كان يفعل قديمًا، بل ينتظر اللحظة التي تعود فيها إلى طريقه مرة أخرى، اللحظة التي يستطيع فيها أن يرد كرامته كما خطط طوال تلك السنوات الماضية.
في صباح يوم جديد، قطعت سكون الشقة طرقات عنيفة وغاضبة على الباب.
انتفضت عهد من نومها بفزع، وقلبها يخفق باضطراب، ثم أسرعت إلى الخارج بخطوات متعثرة، عندما فتحت الباب، وجدت مالك الشقة، حسن، يقف أمامها بوجه متجهم، وخلفه اثنان من رجال الشرطة.
ارتبكت ملامحها فور رؤيتهم، وتحدثت بتوتر:
“خ خير يا عم حسن؟”
تكلم حسن بنبرة غاضبة:
“مش خير يا عهد، ميعادك خلص وانتي برضه مجبتيش الفلوس، يا تخدي شوية الكراكيب دول وتسيبي الشقه، يا كسرهم وارميكي انتي وابوكي والفرش من البلكونه.”
تغير لون وجهها وارتعش صوتها وهي تحاول استجماع كلماتها، ثم قالت بتوسل واضح:
“بترجاك يا عم حسن اديني بس وقت وانا والله هجبلك الفلوس كلها مرة واحده.”
حرك الرجل رأسه بغضب، وكأن كلماتها لم تعني له شيئًا، ثم نظر إلى الشرطي بجواره وقال وكأنه يشكو له:
“اهو يا باشا قاعدين فى الشقه بالقوة، ومش راضين لا يدفعوا الفلوس ولا راضين يسيبوها.”
أسرعت عهد تهز رأسها بالرفض، وقد بدأت نبرة الدفاع تظهر في صوتها وهي تقول محاولة توضيح الأمر:
“والله ما حصل، أنا كنت بدفع ليه الايجار على طول، بس قعد من الشغل الفترة دي، انا بس الاقي شغل وهسد ليه القديم كله.”
لكن الضابط لم يبدو مهتمًا بالتفاصيل، فقط نظر إليها ببرود ثم قال بلهجة آمرة:
“ملناش فيه يا تدفعي الفلوس دلوقتي، يا تفضي الشقه وتسلميها لصاحبها.”
ارتجف صوتها أكثر، واقتربت خطوة كأنها تحاول التمسك بأي أمل، وقالت بنبرة مختنقة بالرجاء:
“ابوس ايدك يا عم حسن، بلاش ترمينا فى الشارع، حرام عليك.”
لكن حسن التفت إلى الشرطي مرة أخرى وقال بصرامة:
“أنا عايز شقتي يا باشا.”
لم ينتظر الضابط أكثر من ذلك، دفع عهد بقوة إلى الداخل حتى اختل توازنها قليلًا، ثم التفت إلى الشرطي الآخر وقال بأمر واضح:
“اومر الرجالة تطلع ترمي شوية الكراكيب دول علشان نسلم الشقه لصاحبها.”
سقطت عهد على الأرض من أثر الدفعة، ثم نهضت بسرعة وهي تهز رأسها بعنف وترفض ما يحدث أمامها، وقالت بصوت مرتجف:
“لا لا، ارجوك بلاش.”
وبالفعل صعد بعض الرجال الأقوياء إلى الداخل، وبدأوا يحملون أثاث الشقة القليل قطعة بعد الأخرى، بينما كانت عهد تتحرك بينهم بارتباك تحاول منعهم، تمسك بيد هذا وتترجى ذاك، لكن دون جدوى.
وفجأة، تجمدت الحركة في المكان عندما قطع المشهد صوت رجولي عميق، حازم، يحمل نبرة أمر لا تقبل النقاش.
توقف الرجال في أماكنهم، والتفت الجميع نحو مصدر الصوت.
عند باب الشقة كان يقف رجل ذو هيبة واضحة، شامخ القامة، ونظرته حادة، وكأنه يملك المكان كله، وتكلم بنبرة أمر:
“سيبوا اللي فى ايديكم.”
التفت الضابط نحوه متفحصًا هيئته بفضول واضح، ثم قال باستفسار:
“مين حضرتك؟”
لم يبدو على الرجل أي ارتباك، بل تقدم خطوة إلى الداخل بثبات، ثم قال بهدوء بارد وهو ينظر إلى صاحب الشقة:
“عليهم كام؟”
رد حسن سريعًا وكأنه وجد الحل الذي ينتظره:
“عليهم تلت شهور متأخرة.”
أخرج همام دفتر الشيكات الخاص به بهدوء تام، وكأن ما يحدث أمامه أمر عادي لا يستحق الانفعال، كتب المبلغ بخط ثابت، ثم اقتلع الشيك ومد يده به قائلًا:
“خد ده إيجار تلت سنين.”
لكن قبل أن تمتد يد حسن لتأخذ الشيك، هزت عهد رأسها بعنف وهي تنظر إلى همام بعينين تمتلئان بالغضب والجرح في آن واحد، وقالت بصوت مرتجف لكنه حاد:
“خد الشيك بتاعك لو سمحت أنا مش عايزة حاجه منك.”
ثم التفتت إلى الضابط وقالت بإصرار:
“على بليل هكون اخد حاجتي وسلمته شقته.”
أغمض همام عينيه للحظة، وكأن صبره بدأ ينفد، ثم فتحهما ببطء وقال من بين أسنانه بحدة:
“حطي لسانك فى بؤقك، فاااهمه.”
رفعت عهد ذقنها قليلًا ونظرت إليه بعناد واضح، ثم قالت بصوت غاضب:
“لا مش فاهمه، وياريت تتفضل من هنا لو سمحت.”
في تلك اللحظة كان رياض يقف جانبًا يراقب ما يحدث ببرود غريب، وكأن الأمر لا يعنيه كثيرًا، تقدم خطوة للأمام، ومد يده وأخذ الشيك من يد همام دون تردد، ثم أعطاه لمالك الشقة قائلاً:
“مش اخد فلوسك امشي بقى من غير مطرود.”
اتسعت عينا عهد بصدمة حقيقية، واستدارت نحو والدها بسرعة وهي تقول بغضب:
“انت ايه اللي عملته ده؟”
ثم تحركت فورًا نحو مالك الشقة محاولة إيقافه:
“هات الشيك ده لو سمحت.”
لكن حسن لم ينتظر، بل تحرك سريعًا باتجاه الباب وهو يقول بلا اكتراث:
“حلو مشاكلكم مع بعضكم، أنا اخد اللي عايزة وانتوا حرين.”
ثم غادر المكان هو ورجال الشرطة تاركًا خلفه توترًا ثقيلًا يملأ الشقة.
استدارت عهد نحو والدها بعينين مشتعلة بالغضب وقالت:
“انت ايه يا اخي معندكش دم، انت عارف تمن الفلوس دي ايه؟ انت عارف مين ده اصلا اللي اخد منه الفلوس؟”
اشتعل غضب رياض فورًا من طريقتها في الحديث، فصرخ فيها بعنف:
“انتي اتجننتي وبتقلي ادبك عليا، أنا هقطعلك لسانك ده.”
ورفع يده عاليًا ليصفعها، لكن قبل أن تهبط يده، كانت يد همام أسرع، أمسك بمعصمه بقوة شديدة حتى كاد أن يسحقه بين أصابعه. نظر إليه بعينين يشتعل فيهما الغضب، وتكلم بتحذير واضح:
“لو ايدك اتمدت عليها هقطعهالك.”
أغمضت عهد عينيها بقوة، وكأنها تحاول أن تمنع دموعها من الظهور أمامه، ثم مدت يدها وأبعدت يد همام عن أبيها وقالت بصوت موجوع وغاضب:
“اطلع بره، وفلوسك أنا هرجعها ليك.”
نظر إليها همام نظرة طويلة مليئة بالتحدي، ثم قال ببرود:
“وانا مش عايز الفلوس دي، اعتبريهم مرتب اول شهر.”
هزت رأسها فورًا بالرفض، ورفعت رأسها بكبرياء واضح وقالت:
“وانا مش هقبلهم، علشان مش هشتغل عندك يا همام.”
اقترب منها همام خطوة أخرى حتى أصبح بينهما مسافة صغيرة جدًا، كادت أن تلغي المسافة بينهما تمامًا، ثم قال بتحدي أشد:
“هتشتغلي عندي يا عهد، ومش حبًا فيكي لا، ده لان بنتي بس اتعلقت بيكي وعايزاكي، وانا مستعد اهد الدنيا كلها علشان انفذ طلبها.”
تعالت دقات قلبها بعنف، ونظرت إليه مباشرة في عينيه، نظرة حملت أشياء كثيرة في لحظة واحدة؛ اشتياق قديم، حب لم يمت، وأخيرًا عتاب موجع.
للحظة قصيرة جدًا، سرح همام في عينيها، ولانت ملامحه قليلًا، وتعالت أنفاسه دون أن يشعر، لكن تلك اللحظة لم تدم، قطعها صوت رياض وهو ينظر إليه بحدة ويسأله باستغراب:
“انت مين؟”
في لحظة واحدة عادت القسوة إلى ملامح همام، ابتعد خطوة عن عهد، ثم استدار نحو رياض ببطء وتكلم بكبرياء واضح:
“ايه يا رياض باشا مش فاكرني؟ شكلك كبرت وخرفت.”
ثم اقترب منه خطوة بطيئة، ثقيلة، وكأن كل خطوة تحمل سنوات من الكراهية المكبوتة، وتكلم بكره واضح:
“أنا همام، الموظف اللي انت وبنتك لعبتوا بي، أنا الموظف الفقير اللي مكانش لايق على بنت الحسب والنسب.”
اتسعت عينا رياض بعدم تصديق، وكأن الاسم ضربه فجأة من الماضي، ثم نطق بصدمة:
“همام!”
أومأ همام برأسه ببطء، وعلى شفتيه ارتسمت ابتسامة شامتة، ثم قال بنبرة تحمل سخرية مريرة:
“امم، همام! ايه رأيك بقى فى تغير الحال، وانت مش لاقي اللقمة وعايش فى شقة ايجار وكنت هتترمى فى الشارع، وانا ربنا فتحها عليا من وسعه بقى عندي شركة و فيلا و عربيات.”
ثم نطق كلمته الأخيرة وهو يوجه نظره مباشرة نحو عهد، وكأنها المقصودة بكل حرف يخرج من فمه:
“وعندي بنت زي القمر.”
أغلقت عهد عينيها للحظة، وكأن الكلمات سقطت فوق قلبها بثقل لا يحتمل، ثم قالت بصوت مكسور حاولت أن تخفي فيه ضعفها:
“امشي يا همام، بترجاك امشي، وانا اول ما ألاقي شغل هجبلك فلوسك، اه مش هيكون المبلغ كله، بس هقسطه ليك.”
لكن همام هز رأسه بالرفض، ونظر إليها بنظرة حاسمة قبل أن يقول بنبرة ناهية:
“قولتلك مش هتشتغلي فى أي مكان مهما حاولتي، كلهم بتوع مصالح وانا نفذتلهم مصالحهم مقابل محدش فيهم يشغلك.”
اتسعت عيناها بصدمة وغضب في آن واحد، ثم صرخت فيه بعصبية:
“ليييه بتعمل فيا كده؟ بلاش تغير صورتك فى عيني يا همام.”
ارتسمت على شفتيه ابتسامة مريرة، ابتسامة رجل يحمل جرحًا قديمًا لم يلتئم أبدًا، ثم قال بصوت بدا مختنقًا رغم محاولته إخفاء ذلك:
“مبقاش يفرق معايا صورتي ايه فى عيونك، علشان صورتك أنا قطعتها جوايا، من اللحظة اللي كسرتي قلبي وكبريائي، علشان خاتم ألماظ، اللي لو عيشت عمري كله مكنتش هعرف اجيب ربع تمنه، بس شوفي الزمن دوار ازاي، وبقى معايا اجيب بدل الخاتم مية، واقدر اشتريكي انتي شخصيًا.”
هزت عهد رأسها ببطء، ورفعت عينيها إليه بكبرياء حزين، ثم قالت بثبات:
“وانا عمري ما كنت للبيع يا همام، لا زمان ولا دلوقتي، اتفضل من غير مطرود.”
ظل ينظر إليها للحظات طويلة، وعيناه تتحركان من أعلى رأسها حتى قدميها، وكأنه يقيس المسافة التي تفصل بين ما كانت عليه وما أصبحت عليه الآن.
ثم قال بنبرة أمر قاطعة:
“من الصبح تكوني عندي برضاكي، بدل ما اجيبك بطريقتي غصب عنك.”
أنهى كلماته دون أن ينتظر ردًا، واستدار وغادر المكان بخطوات ثابتة، تاركًا خلفه صمتًا ثقيلًا يملأ الشقة.
وقفت عهد مكانها للحظة، وكأنها تحاول استيعاب ما حدث، ثم التفتت إلى والدها بنظرة غاضبة مشتعلة، قبل أن تستدير بسرعة وتتجه إلى غرفتها.
أغلقت الباب خلفها بقوة، ثم أسندت ظهرها عليه، وبقيت واقفة للحظات وأنفاسها تتعالى بعنف من شدة الانفعال.
نظرت أمامها بشرود، وكأنها تحاول إنكار الواقع الذي يضغط على صدرها.
هزت رأسها ببطء، رافضة ما يحدث، رافضة كل شيء.
ثم بدأت تنزلق ببطء حتى جلست على الأرض.
ضمت قدميها إلى صدرها، وأسندت ذقنها فوق ركبتيها، وظلت تحدق في الفراغ أمامها، لم تصرخ، لم تبكي، فقط نظرة واحدة ثابتة، فارغة، فاقدة للحياة.
كنظرة إنسان فقد شيئًا داخله، ولم يعد يعرف كيف يستعيده.
**************************

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *