رواية جديدة جدا 3

فى صباح اليوم التالي…
لم يكن نومًا حقيقيًا، بل غفوة ثقيلة سقطت فيها عهد من شدة الإرهاق بعد ليلة طويلة من الصمت والوجع.
كانت عيناها مغلقتين، وجسدها ساكنًا فوق الفراش كجسد فقد طاقته على المقاومة.
وفجأة، شق صوت والدها الصمت كالسوط، غاضبًا، قاسيًا، لا يحمل ذرة رحمة:
“قومي يلا أخلصي، هتتأخري على شغلك.”
ارتجف جفنها قليلًا قبل أن تفتح عينيها ببطء شديد، وكأنهما أثقل من أن ترفعا.
نظرت إلى السقف لحظة، تحاول أن تستوعب أين هي، وماذا ينتظرها اليوم.
ابتلعت ريقها بصعوبة، ثم تكلمت بصوت مختنق، متعب، كأنه يخرج من أعماق صدر مثقل:
“شغل ايه يا بابا؟ أنا لسه ملاقتش شغل.”
لكن كلمتها لم تلقي أي تعاطف.
بل جاءها صوته كالرعد، غاضبًا أكثر:
“امال شغل همام ده ايه؟ قومي أخلصي بلاش دلع.”
كأن الاسم وحده كان كفيلًا أن يوقظ كل الألم بداخلها.
اتسعت عيناها فجأة، واعتدلت في جلستها كأن أحدهم صفعها بقوة.
حدقت فيه بصدمة خالصة وهي تقول بعدم تصديق:
“انت عايزني، اروح اشتغل عند همام فى بيته؟”
اومأ برأسه، ببساطة مرعبة، وكأنه يطلب منها أن تذهب لشراء الخبز فقط.
وتحدث بنبرة لئيمة، وعيناه تلمعان بطمع واضح:
“اه تروحي تشتغلي عنده فى بيته، وكمان حاولي تخليه ينسى اللي حصل زمان، ووقعيه فيكي، لو اللي بخطط ليه ده حصل زي ما في دماغي، هنرجع زي الاول واحسن كمان.”
لثواني، لم تتكلم، فقط ظلت تنظر إليه، وكأنها تحاول أن تتأكد أن هذا الرجل هو نفسه الذي يفترض أنه والدها.
شيء ما داخل صدرها انكسر بصوت مسموع.
ثم هزت رأسها ببطء، غير مصدقة، قبل أن تنفجر صارخة:
“انت ايه يا شيخ، بتعلى على نفسك فى النداله كل يوم؟ يعني زمان خلتني اجرحه وادوس على قلبه بجذمتي، علشان خاطر واحد تاني معاه فلوس، وخسرك كل حاجه، ودلوقتي عايزني ارجع تاني ليه مذلولة علشان يتجوزني، وترجع حضرتك تاني لمستواك، ولا همك قلبي زمان ولا همك كرامتي وقلبي دلوقتي، أنا مش هروح اشتغل عند همام يا بابا.”
لم يتحمل كلماتها، اندفع نحوها فجأة، وأمسكها من شعرها بعنف شديد حتى صرخت من الألم.
مال بوجهه نحوها وهو يقول بصوت مشتعل بالغضب:
“لا يا روح أمك، انتي هتنفذي اللي بقوله ليكي بالحرف، احسن قسمًا بالله أحرق قلبك عليه، وبدل ما انتي عايشه دور الضحيه صاحبة الكرامة والنفس العزيزة، اخليكي مشتركة معايا فى قت..لة.”
تألمت فروة رأسها بشدة وهي تحاول الإفلات من قبضته، وبدأ جسدها يرتجف.
هزت رأسها بهستيريا، وصوتها خرج ممزقًا من شدة القهر:
“كفايه بقى حرام عليك، انت مستحيل تكون أب، مافيش واحد يستحمل يعمل كده فى بنته، انا بسببك اتعذبت كام سنه، شوفت الدنيا كلها بلون واحد، عيشت من غير روح، مش مسمحاك والله العظيم ممسمحاك.”
لكن كلماتها لم تكن سوى وقود لغضبه، فجأة جذبها من شعرها بعنف وأسقطها أرضًا.
ارتطم جسدها بالأرض بقسوة، قبل أن يبدأ في ركلها بقدمه بلا رحمة.
كل ضربة كانت تمزق شيئًا داخلها، ليس جسدها فقط، بل روحها أيضًا.
وكان صوته الغاضب يعلو فوق أنفاسها المتقطعة:
“صوتك ميطلعش، وهتقومي تلبسي دلوقتي وتروحي الشغل عند همام، وهتنفذي اللي هطلبه منك بالحرف فاهمه.”
استمر في ضربها، حتى شعرت عهد أن جسدها لم يعد قادرًا على المقاومة، أن قوتها انتهت.
توقفت عن محاولة الدفاع عن نفسها.
فقط انكمشت قليلًا فوق الأرض، تحاول حماية نفسها قدر المستطاع.
وأخيرًا، ابتعد عنها، خرج من الغرفة وكأن شيئًا لم يحدث.
تاركًا خلفه جسدًا مكسورًا فوق الأرض.
ظلت عهد للحظات طويلة لا تتحرك.
فقط تنظر إلى الباب الذي خرج منه، بعينين غارقتين بالألم.
ببطء شديد، وضعت يدها على الأرض وحاولت أن تنهض.
جسدها كله يصرخ من الوجع، لكنها وقفت في النهاية.
تحركت ببطء نحو خزانة ملابسها، فتحتها وأخرجت بعض الملابس.
ارتدتها دون أن تنظر حتى إلى ما تختاره.
لم يعد يهم، مدت يدها المرتعشة وفتحت الباب، خرجت من الغرفة.
ثم اتجهت نحو باب الشقة، لكنها توقفت فجأة عندما سمعت صوته يأتيها من الخلف، ببرود:
“متنسيش اللي قولته ليكي، فاهمه.”
لم تلتفت، لم ترد، فقط خرجت من الباب، وأغلقته خلفها، كانت تتحرك كأنها آلة.
جسد يمشي، بلا روح، هبطت السلم ببطء شديد.
عيناها مثبتتان أمامها، بلا تركيز.
الدموع متجمعة داخلهما، لكنها ترفض النزول.
حتى البكاء، لم يعد قادرًا على الخروج.
ظلت تمشي، لا تدري إلى أين تقودها قدماها.
الشوارع تمر أمامها، والناس حولها، لكنها لا تراهم.
حتى بعد وقت طويل، رفعت عينيها أخيرًا.
لتجد نفسها تقف أمام البوابة الحديدية الضخمة لفيلا همام، توقفت للحظة.
نظرت إليها بصمت طويل، ثم تقدمت.
نظر إليها الحارس باستغراب، لكنها لم تنطق بكلمة، فقط نظرت إليه.
فهم بصمت، وفتح لها البوابة، دخلت ببطء إلى الداخل.
وفي تلك اللحظة، كان همام يفتح باب الفيلا ليغادر إلى العمل.
رفع رأسه، فتجمد مكانه، تفاجأ عندما رآها تقف أمامه.
عقد حاجبيه باستغراب وهو ينظر إليها بتركيز.
لكن قبل أن تنطق بكلمة، ترنح جسدها فجأة، اختفت القوة القليلة التي كانت تحملها حتى الآن، وفي هذه اللحظة، سقطت داخل أحضانه، فاقدة الوعي.
*************************
“الفصل الثالث عشر”
جلس همام على حافة السرير.
جسده مائل قليلًا للأمام، وكأن ثقلًا خفيًا يجذبه إلى الأسفل.
ملامحه التي اعتادت الصلابة كانت اليوم مختلفة، الخوف واضح فيها، والقلق أيضًا، كان ينظر إلى عهد، جسدها ساكن فوق الفراش، وجهها شاحب، وأنفاسها هادئة بصورة مقلقة.
لم يعتد رؤيتها هكذا.
لم يعتد رؤيتها قريبة منه إلى هذا الحد، بعد كل تلك السنوات.
ابتلع ريقه بصعوبة، تحركت أصابعه ببطء فوق ركبته، مرتعشة قليلًا، كأنها تتمرد عليه.
رفع يده أخيرًا، وتحرك بها ببطء شديد نحو وجهها.
عيناه توقفت عند تلك الندبة الصغيرة على وجهها.
الندبة التي لم تكن موجودة في آخر مرة رآها.
مد يده أكثر، كأنه يريد لمسها، أو ربما التأكد أنها حقيقية.
لكن قبل أن تلامس أصابعه بشرتها، تحركت رأس عهد قليلًا، وارتعش جفنها.
سحب يده فورًا كأنه لمس نارًا.
تجهمت ملامحه بسرعة، وعاد ذلك القناع الصلب إلى وجهه.
استقام بجسده فجأة، وعقد ذراعيه أمام صدره، وعيناه أصبحتا باردتين وهو يتابعها بنظرات متفحصة، بعد لحظات، فتحت عهد عينيها ببطء.
ظلت تحدق في السقف قليلًا، وكأنها تحاول أن تستوعب أين هي.
ثم بدأت تنظر حولها باستغراب واضح.
الغرفة، الأثاث، المكان كله غريب عنها.
حتى وقعت عيناها عليه.
اعتدلت في جلستها فجأة وكأن تيارًا صدمها، وقالت بتوتر:
“أنا فين؟ وانت بتعمل ايه هنا؟”
ارتسمت على ملامحه قسوة سريعة، وكأنها درع يحتمي به، وقال بصوت رجولي غاضب:
“انتي فين! عندي الفيلا، وانا بعمل ايه هنا؟ طبيعي اكون هنا لأن دي اوضي.”
انتفضت مكانها فورًا، لكن الحركة كانت أقوى من قدرة جسدها.
تألمت بشدة، وانحنى جسدها قليلًا، وكادت أن تقع، لكن يد همام كانت الأسرع، اندفع نحوها وأمسك بها.
تعلقت عهد بذراعه دون وعي منها، فقط حتى لا تسقط، وتجمدت اللحظة، عيناهما التقتا، قريبة جدًا، أقرب مما ينبغي، مرت لحظات ثقيلة، لحظات مليئة بأشياء لم تقل.
حتى انتبهت عهد فجأة للوضع، سحبت نفسها سريعًا منه، وابتعدت خطوة وهي تتكلم بتلعثم:
“ا اه افتكرت، أنا كنت جايه ا استلم الشغل ع عندك، ب بس فترة لحد ما أخلصلك فلوسك اللي انت دفعتها، وبعد كده هسيب الشغل.”
ارتسمت ابتسامة غاضبة على شفتيه.
ابتسامة لا تحمل أي دفء.
وقال بتهكم واضح:
“ايه؟ مكسوفه تقولي انك ما صدقتي هتشتغلي عندي؟ لسه كبريائك مانعك تعترفي انك ولا حاجه؟”
لم ترد فورًا، تحركت ببطء نحو الأريكة.
جلست عليها بصعوبة واضحة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *