رواية جديدة جدا 3

ساعدت عهد الطفلة على الجلوس فوق المقعد، ثم انحنت قليلًا وقبلت رأسها بحنان.
وكادت أن تتحرك لتغادر، لكن روفان أمسكت يدها بسرعة، ونظرت إليها بترجي طفولي وهي تقول:
“اقعدي كلي معايا يا أبلة عهد علشان خاطري.”
تجمدت عهد لحظة، رفعت عينيها نحو الطاولة، وقعت نظراتها أولًا على حليمة، ثم على همام.
كان همام ينظر إليها بصمت ثقيل.
أعادت نظرها إلى الطفلة، ثم هزت رأسها برفق وقالت:
“معلش يا حبيبتي مش هينفع، كلي انتي وانا هستناكي فى الجنينه.”
لكن الطفلة عقدت حاجبيها الصغيرين وقالت بعناد طفولي واضح:
“لا مليش دعوة أنا عايزاكي تقعدي تاكلي معايا.”
تنهدت عهد بصبر، وكادت أن ترفض مرة أخرى، لكن صوت همام قطع الحديث فجأة، بنبرة غاضبة حادة:
“اقعدي معاها، ونفذي كلامها.”
رفعت عهد عينيها نحوه بضيق واضح، وقالت بصوت مختنق:
“وانا مليش نفس وهستناها بره.”
لم يتغير تعبير وجهه، بل رد ببرود قاسي:
“وانا مش بقولك تقعدي تاكلي، أنا بقولك نفذي كلامها واقعدي معاها.”
أغلقت عهد عينيها لحظة، كأنها تحاول أن تكتم ما بداخلها من ضيق.
ثم جلست بجوار الطفلة.
لكن روفان لم تكتفي بذلك، فما إن جلست عهد حتى نهضت الطفلة من مقعدها سريعًا، وتسلقت إلى حضنها وجلست فوق قدميها، ثم لفت ذراعيها حولها وقالت بحب:
“أنا بحبك اوي يا ابله عهد متزعليش مني.”
اتجهت نظرة عهد فورًا نحو همام، كانت نظرة ممتلئة بالضيق والعتاب معًا.
لكنها سرعان ما أعادت نظرها إلى الطفلة، واحتضنتها برفق، قبلت رأسها بحنان وقالت:
“وانا كمان بحبك اوي يا روفا، ومقدرش ازعل منك ابدا، يلا كلي.”
بدأت تطعمها بيدها ببطء، وهي تمسح فمها أحيانًا وتداعب شعرها أحيانًا أخرى.
كانت روفان تضحك وتتكلم بحماس، وكأنها وجدت في حضن عهد الأمان الذي تبحث عنه دائمًا.
أما همام.
فكان يراقب المشهد في صمت.
في البداية كانت عيناه جامدتين كعادته، لكن شيئًا ما في داخله تحرك.
لانت نظراته قليلًا وهو يرى ابنته متعلقة بعهد بتلك الطريقة.
وكأن الزمن يعيد نفسه أمام عينيه.
تمامًا كما حدث معه من قبل، حين أحبها هو أيضًا بكل قلبه، دون أن يستطيع أن يمنع نفسه.
جلس صامتًا، يراقبها وهي تطعم طفلته بحنان صادق.
وفي أعماقه، كان جزء من قلبه القديم يحاول أن يستيقظ من جديد.
***************************
بعد عدة أيام…
جلست عهد فوق سريرها في صمت ثقيل، تحدق في الفراغ أمامها كأنها تنظر إلى شيء لا يراه أحد سواها.
كان عقلها يعمل بلا توقف، الأفكار تتزاحم داخل رأسها، تتدافع كأنها شريط سينما قديم يعيد عرض الماضي بكل ما فيه من ألم.
مرت الذكريات أمام عينيها واحدة تلو الأخرى، همام، كما كان قديمًا.
ابتسامة حزينة تسللت إلى شفتيها حين تذكرت كيف كان يتغزل بها دائمًا، كيف كان ينظر إليها وكأنها أجمل شيء في هذا العالم، وكيف كان حضوره وحده كافيًا ليجعلها تشعر بالأمان.
كان قلبها يهدأ فقط لأنه بجوارها.
لكن تلك الابتسامة سرعان ما تكسرت،
حين عادت إلى ذاكرتها تلك اللحظة القاسية.
كلماتها الجارحة.
اللحظة التي رأت فيها الانكسار الحقيقي داخل عينيه.
تذكرت نظرته يومها، ذلك الوجع الصامت، ذلك القهر الذي لم يستطع حتى أن يخفيه.
تجمعت الدموع في عينيها ببطء.
حركت رأسها فجأة كأنها ترفض أن تستسلم لذلك الضعف.
لكن صوت الباب وهو يفتح قطع أفكارها.
اعتدلت في جلستها بسرعة، ونظرت باتجاه الباب.
كان والدها.
زفرت بضيق واضح، وقالت بنفاد صبر:
“نعم؟ خير؟”
أغلق الباب خلفه بهدوء، ثم اقترب منها بخطوات بطيئة، والغضب مكبوت في صوته حين قال:
“انتي ازاي مش عارفه تخليه يتجوزك كل ده؟ امال حب ايه ده اللي فلقتيني بي؟!”
نظرت إليه بعينين تمتلئان بالكره والضيق، وقالت بحدة مكتومة:
“أنا مش هتجوز همام يا بابا، واللي بتخطط ليه مش هيحصل.”
ضغط على أسنانه بغضب، وقال:
“هتتجوزي يا عهد ورجلك فوق رقبتك، واللي أنا بخطط هيتم غصب عنك.”
ابتسمت ابتسامة متحدية وقالت:
“طيب وريني هتخليني اتجوزه ازاي.”
نظر إليها نظرة طويلة مخيفة، ثم قال بصوت منخفض لكنه يحمل تهديدًا واضحًا:
“بلاش تتحديني يا عهد، علشان اللي بخطط ليه هنفذه بأي طريقه، وانتي عارفه ابوكي كويس اوي.”
رفعت ذقنها قليلًا وردت بنفس النبرة:
“وانا علشان عرفاك كويس اوي، مش هنفذلك اللي انت عايزه، وزي ما انا اعرفك اعرف نفسي كمان، ده أنا تربيتك يا رياض باشا.”
ابتسم ابتسامة غامضة تحمل معنى خفيًا، ثم استدار وخرج من الغرفة دون كلمة أخرى، ظلت عهد تراقبه حتى اختفى من أمامها.
تنهدت بضيق شديد، ثم نهضت من مكانها.
خرجت من غرفتها واتجهت نحو غرفة روفان.
لكن قبل أن تصل، توقفت فجأة.
كان همام يقف في الممر أمامها.
نظرت إليه للحظة طويلة، في عينيها وجع واضح وحزن قديم.
لكن همام ابتسم.
ابتسامة غريبة لم تفهم معناها.
اقترب منها ببطء، وقال بنبرة هامسة:
“رايحه فين؟”
تراجعت خطوة إلى الخلف دون وعي، وقالت بصوت مختنق:
“رايحه اطمن على روفان.”
اقترب أكثر، أكثر مما ينبغي، وقال بصوت غير متزن:

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *