رواية جديدة جدا 3

انحدرت دموعها مجددًا، وهزت رأسها ببطء وقالت:
“الحمدالله مكملتش اللي كنت ناوي تعمله فيا، بس اذتني لما رجعت وانت بالشكل ده من أمتى وانت بتشرب يا همام، من أمتى وانت وصلت للمرحلة دي؟”
أغمض همام عينيه بعنف، وكأن الكلمات كانت سهامًا تخترق رأسه.
نهض من السرير بسرعة، واتجه نحو الباب محاولًا فتحه، لكنه وجده مغلقًا.
بحث بعينيه في الغرفة بعصبية، حتى وقع نظره على البنطال الملقى على الأرض، تقدم نحوه سريعًا، وأخرج المفتاح من جيبه، ثم أدخله في الباب وفتحه.
فتح الباب قليلًا، ثم قال بصوت مختنق:
“اتفضلي اطلعي من اوضي.”
نظرت إليه عهد طويلًا، نظرة حملت وجع سنوات كاملة.
ثم تحركت ببطء شديد نحو الباب، خطواتها ثقيلة كأنها تجر خلفها جبالًا من الألم.
وقفت أمامه مباشرة، ونظرت إليه بعينين دامعتين قبل أن تقول بحزن موجع:
“بلاش تغير اخلاقك يا همام، انت طول عمرك شاب خلوق والناس كلها كانت بتحلف بأخلاقك، انت اب دلوقتي راجل مسؤول، لازم تحافظ على سمعتك علشان خاطرها.”
حول همام وجهه بعيدًا عنها، وكأن النظر إليها أصبح عبئًا لا يحتمله، ثم قال بغضب مكتوم:
“اطلعي بره لو سمحتي.”
لكن قبل أن تتحرك، دوى صوت رياض في المكان، حادًا ومتصنع الغضب:
“بقى انت جايبنا هنا علشان كده يا همام باشا، البت نايمه فى اوضك طول الليل بتشتري بنتي بالفلوس اللي دفعتها لشقه، أنا مستحيل اخليها فى المكان ده ثانيه واحده، وبنتي أنا هغسل عارها بأيدي دول.”
في لحظات قليلة، بدأ الناس يتجمعون على صوت رياض المرتفع.
أغلق همام عينيه بغضب وهو يسمع كلماته المسمومة.
أما عهد، فشعرت بالأرض تميد تحت قدميها.
كانت نظرات الجميع تسقط عليها كالسياط، مليئة بالاتهام والفضول.
حاولت أن تتحدث، أن تدافع عن نفسها،
لكن يد رياض كانت الأسرع.
دوى صوت الصفعة في المكان بقوة، عندما هوت يده على وجهها بعنف.
ترنحت رأسها إلى الجانب، وتجمد جسدها من الصدمة.
فتح همام عينيه في تلك اللحظة،
وقد اشتعلت باللون الأحمر من شدة الغضب.
اندفع نحو رياض بسرعة، وأمسك يده بعنف وهو يقول من بين أسنانه:
“ايدك لو اتمدت عليها تاني أنا هسكرهالك فاااهم.”
نزع يد همام عنه بقوة، ثم قال بصوت أعلى مليء بالسخرية:
“اه ما انت ليك حق تدافع عنها، ما هي بتمتعك وشايفه طلباتك كويس اوي، ومنظر هدومها يأكد كلامي أهو.”
نظرت حليمة إلى ابنها بلوم واضح.
هز همام رأسه رافضًا تلك النظرات، ثم التفت إلى رياض وقال بلهجة تهديد صريحة:
“اقسم بالله العظيم لو مسكتش وبطلت كلامك اللي ملوش لازمه ده لكون دفنك مكانك فاهم.”
ثم صرخ بصوت غاضب هز المكان:
“كل واحد يروح يشوف شغله، خلصنا خلاص.”
بدأ الجميع يتفرقون ببطء، وعادوا إلى أعمالهم في البيت.
أما عهد، فبقيت واقفة في مكانها كتمثال جامد.
كانت يدها موضوعة على خدها مكان الصفعة، وأصابعها ترتعش بقوة، بينما عيناها معلقتان في الفراغ وكأنها لم تعد ترى شيئًا حولها.
اقترب منها همام بقلق واضح، وأمسك يدها بلطف وقال متسائلًا:
“عهد انتي كويسه؟”
انتفض جسدها فورًا وابتعدت عنه، وما زالت يدها ترتجف بعنف.
بدأت تهز رأسها بهستيريا، كأنها تحاول إنكار الواقع الذي تعيشه.
استمرت على هذا الحال لثواني، ثم فجأة، ارتخى جسدها تمامًا، وسقطت فاقدة الوعي داخل أحضان همام.
اتسعت عيناه بصدمة، فحملها فورًا بين ذراعيه واندفع بها إلى الأسفل.
وضعها بسرعة داخل سيارته، ثم انطلق بها نحو المشفى بسرعة جنونية، غير عابئ بأي شيء حوله.
في تلك اللحظة، ارتسمت ابتسامة نصر خبيثة على وجه رياض.
لكنه أخفاها سريعًا قبل أن يلتفت إلى حليمة ويقول بنبرة غاضبة:
“لو ابنك مصلحش غلطته واتجوز بنتي مش هيحصل كويس فاهمه.”
أنهى كلماته، ثم نزل إلى الأسفل.
بقيت حليمة واقفة مكانها، تائهة لا تعرف ماذا تفعل.
الخوف كان ينهش قلبها، فهي رأت بعينيها الشر المتخفي داخل نظرات رياض، وتعلم جيدًا حجم الجرح الذي تركته عهد في قلب ابنها، جرح لم يلتئم حتى الآن، وربما لن يلتئم أبدًا.
**************************

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *