رواية جديدة جدا 3

خرج صوتها ضعيفًا، مرتجفًا، شبه مكسور:
“ب بابي؟ بنتك؟ أنت اتجوزت يا همام؟”
مال قليلًا وحمل طفلته على ذراعيه بسهولة، ضمها إليه كأنها أغلى ما يملك، ثم نظر إلى عهد بنظرة باردة وقال بنبرة متشفية:
“روفان بنتي، وأجمل حاجة في دنيتي، النور بعد الضلمة، الطبطبة اللي ربنا طبطب بيها على قلبي.”
لم تستطع هذه المرة أن تمنع دموعها، انسابت من عينيها دون إذن، وقالت بصوت مختنق يفيض بالألم:
“قالوا ليا زمانك نسيتني واتجوزت وعيشت حياتك، بس أنا مصدقتش، قلت مستحيل تقدر تكون مع واحدة غيري، مستحيل تنسى حبي بسهولة كده.”
تعالت ضحكته فجأة، ضحكة حادة قاسية أقرب للهستيريا، ثم قال بسخرية لاذعة:
“ليه مستحيل أكون مع واحدة غيرك؟ مفكراني هقعد أعيط علشانك؟ ولا مفكرة أن اللي خلقك مخلقش غيرك؟ أنتي كنتي مجرد واحدة كدابة، مغرورة شايفة نفسها، عايزة الناس كلها خاتم في صوابعها، بس بتحلمي، متخلقش لسه اللي يقدر يكسرني، شوفي نفسك بقيتي أيه، وأنا بقيت فين.”
خفضت رأسها للحظة، وكأن الكلمات الثقيلة تسقط فوقها دفعة واحدة، لكنها رفعتها مجددًا وقد اشتعل الغضب في عينيها رغم الدموع وقالت بحدة موجوعة:
“أنت حيوان يا همام، وشغلك الله والغني عنه مش عايزاه.”
استدارت لتغادر، لكن قبل أن تخطو خطوة واحدة كانت الطفلة قد نزلت من بين ذراعي أبيها وركضت خلفها، أمسكت يدها الصغيرة وقالت ببراءة دافئة:
“خليكي متمشيش يا أبلة عهد، أنا حبيتك أوي.”
توقفت عهد، نظرت إلى اليد الصغيرة الممسكة بيدها، وشعرت بقلبها ينقبض أكثر، ابتسمت للطفلة ابتسامة حزينة جدًا وقالت بصوت خافت:
“وأنا كمان حبيتك أوي، بس متزعليش مني، مش هقدر أقعد في المكان ده لحظة واحدة.”
تحركت نحو الباب بخطوات سريعة، لكن صوت همام أوقفها وهو يقول بسخرية جارحة:
“أيه، بنت الحسب والنسب مش قادرة تتقبل الفرق بيني وبينها؟ لسه زي ما أنتي، مغرورة.”
استدارت نحوه ببطء، نظرت إليه نظرة مليئة بالحزن العميق وقالت بصوت هادئ موجوع:
“لا، بس مصدومة فيك، مش قادرة أشوف النسخة الجديدة منك يا همام، ياريتك ما رجعت.”
أنهت كلماتها وركضت إلى الخارج.
ظل واقفًا مكانه ينظر إلى أثرها وهي تختفي خلف الباب، ومع اختفائها لانت ملامح وجهه لأول مرة، وشعر بدقات قلبه تتمرد عليه، كأنها ترفض القسوة التي صبها عليها، وكأن شيئًا داخله يريد أن يركض خلفها ويوقفها، لكنه ظل واقفًا مكانه، ساكنًا، يحمل طفلة بين ذراعيه وقلبًا مشتعلًا بين ضلوعه.
***********************
وصلت عهد إلى منزلها، ويدها ترتعش وهي تدفع الباب خلفها، كأن كل خطوة تخطوها تثقل قلبها أكثر، لم تنظر لوالدها، لم تنتبه لصوت قدميه خلفها، كان كل شيء حولها ضبابيًا، وكأن العالم توقف عن الدوران، أغلقت الباب ببطء، لتجد نفسها وحيدة مع صمت يثقل صدرها، جلست على حافة السرير، وعيونها شاخصة أمامها، لكن ذهنها كان يسبح بعيدًا، في كل كلمة، كل نظرة، كل ضحكة من همام كانت محفورة في ذاكرتها.
الدموع كانت تقف على طرف عينيها أولًا، تتجمع، ثم انفجرت فجأة، شلالًا جاري بلا توقف، وكأن كل ما كتمته خلال هذه السنوات خرج دفعة واحدة، كل صرخة داخل قلبها، كل شعور بالخذلان والغدر، كل حنين مضى، أصبح حاضرًا أمامها، كلمة “بابي” ترددت في رأسها، تتردد وكأنها خنجر يثقب قلبها مرة تلو الأخرى، فتخنقها وتتركها غارقة بين الماضي والحاضر.
صوت قلبها كان يرتجف، ينبض كأنه يريد أن يخرج من صدرها، خفقات متسارعة، مخنوقة بين الغضب والحزن والصدمة، حاولت أن تجمع نفسها، أن تكون قوية، لكن كل شيء انهار داخلها في لحظة واحدة. ذكرياتهم معًا، ابتساماته، ووعوده التي اعتقدت أنها أبدية، كل شيء كان أمامها، وكل شيء سلب منها بلا رحمة.
صرخت، صرخت بكل ما في قلبها من ألم وحب مفقود، وكأن صوتها يمكن أن يغير الواقع ويعيد لها ما أخذ:
“ليه تعمل كده يا همام؟ لييييه؟! أنا كنت واثقة إنك مستحيل تكون لغيري، غبي، غبي يا همام، ليه مبصتش في عيني وقتها، كنت هتعرف أني بكذب عليك، وأنه مافيش في قلبي غيرك، ياااارب هونها على قلبي!”
أغمضت عينيها بقوة، تحاول أن تمنع الدموع، لكن جسدها كان يرفض الطاعة، يرتجف من البكاء والوجع، كل عضلة في جسدها تنطق بالحزن، حتى صدرها يئن تحت وطأة الألم. أحست بغصة تلتصق بحلقها، وكأن كل كلمة لم تقال بعد، كل لحظة فقد، كل فرصة ضاعت، تحاصرها.
تذكرت ذكرياتهم الصغيرة، ضحكاتهما معًا، المرات التي شعرت فيها بالأمان، واللحظات التي وعدها فيها بالحب الأبدي، والآن؟ الآن رأته متزوجًا، وأنجب طفلة، ولفظها من حياته كأنها لم تكن سوى صفحة منسية في كتابه. شعرت وكأن الأرض اختفت تحت قدميها، وكأنها سقطت في هاوية لا قاع لها، وكل ما حولها أصبح ضبابًا كثيفًا، مزعجًا، يختلط فيه الواقع بالخيال.
ورمت نفسها على السرير، جسدها يرتجف، يئن تحت وطأة الحب والخذلان والوجع، وعيونها مغلقة تحاول أن ترفض الحقيقة، تتمنى لو كان مجرد كابوس ستستيقظ منه، لكن الواقع ظل واقفًا أمامها، صامتًا وقاسيًا، يترك قلبها ينزف في صمت.
***********************

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *