قبل جوازنا 2الاخير
سيف رد :آه اعتبريها خلصت وخالصين.
قريت رده ثلاث مرات.
خمسين ساعة كل أسبوع.
قرب سنة كاملة من مراقبة ثلاث عيال، تحضير أكل، تغيير حفاضات، تنظيم نوم، غسيل، ومتابعة خروجهم ودخولهم من المدرسة.
من غير أي دخل، ولا معاش، ولا ترقية أو تقدم مهني.
كل ده عشان تنجي سيف من إنه يسدّد دينه لأخته.
رجعت التليفون.
”هو أنتِ كنتِ تعرفي أنا بقبض كام في العيادة؟”
هدير ترددت.
”مش بالضبط.”
”كنتِ تعرفي إني بقالي هناك حوالي سبع سنين؟”
”أيوه.”
”امال كنتِ متخيلة إني أقدر أسيب شغلي بإيه؟”
فضلت ساكتة.
سندت ضهري لورا.
”ستة آلاف وأربعمائة دولار،” قلت.
هدير بان عليها التعاسة والذنب.
”أنا عارفة الكلام ده بيبان إزاي.”
”بجد عارفة؟”
عينيها اتملت دموع.
”ده مش عدل يا ندى. أنا بجد كنت فاكرة إنك عايزة كده.”
بصيت لها بجدية.
”هو أنتِ في يوم سألتي نفسك ليه واحدة ممكن تسيب شغلة بدوام كامل وترعى ثلاث عيال ببلاش كده؟”
بدأت تتكلم وبعدين سكتت.
سكوتها كفاية لوحده عشان يجاوب.
هدير كانت محتاجة جداً حل رخيص ومتاح لرعاية العيال. وسيف عرض حل يكلفها شبه صفر، وهي وافقت على طول.
في الآخر نطقت وقالت:
”كان مفروض أتكلم معاكي بنفسي.”
”أيوه، كان مفروض.”
مسحت خدودها.
”مكنتش متخيلة إن سيف ممكن يكذب في حاجة زي دي.”
”ولا أنا كمان.”
ولأول مرة، حسيت بحاجة غير الغضب تجاهها.
إحنا الاثنين صدقنا سيف.
وإحنا الاثنين اتخدعنا.
بس هدير لسه شغلها معاها. وأنا كنت هخسر شغلي لو خطته نجحت.
”فيه حاجة مش فاهمها،” قلت.
”إيه هي؟”
”ليه ما جبتيش سيرة الكلام ده خالص لما كنا بنشوف بعض؟”
هدير كشّرت.
”أنا حاولت.”
”إمتى؟”
”في عشاء عيد ميلاد ماما الشهر اللي فات. بدأت أسألك عن الشغل، فاكرة؟”
افتكرت الليلة دي.
هدير سألت لو لسه مبسوطة في الشغل بالعيادة.
وقبل ما أرد، سيف قاطعنا وشرح إن تجهيزات الفرح كانت مخلية الكلام عن الشغل بيسبب لي توتر وضغط.
كنت فاكرة إنه بيراعي مشاعري.
”قال لي بعد كده إني ضايقتك وسببت لك إزعاج،” قالت هدير. “وإنك زعلانة لإني بسأل عن قرارك بالاستقرار في البيت.”
صدري اتقبض.
”هو قال كده؟”
هزت رأسها.
”قال لي إنك كنتِ عايزاه هو اللي يتولى الأمور دي عشان مش بتحبي تحسي بضغط.”
قعدت من غير ما أتحرك.
وبعدين ذكرى تانية طلعت على السطح.
بعد نفس العشاء، سيف قالي إن هدير شايفة إني بدي أولوية لشغلي بزيادة.
حسب كلامه، هي مش فاهمة إزاي واحدة هتتجوز قريباً ممكن تدي اهتمام كبير قوي لترقية في الشغل.
كلامه وجعني وقتها.
ومن بعدها، بقيت أتجنب أتكلم عن شغلي قدام هدير.
ودلوقتي هي بتأكد إنها عمرها ما انتقدتني خالص.
بصيت لها.
”هو أنتِ عمرك قلتي لسيف إنك شايفة إني مهتمة بشغلي بزيادة عن اللزوم؟”
هدير هزت رأسها بالرفض.
”لا.”
”أو قلتي له إنك شايفة إني مش هبقى زوجة كفاية عشان بشتغل كتير؟”
دهشتها اتحولت لصدمة.
”طبعاً لا.”
معدتي قلبت بوجع.
هدير فضلت باصة لي.
”هو أخويا كان بيقولك إيه عني بالظبط؟”
بصيت لطرف شنطتي حيث دبلة الفرح اللي لسه جوه علبتها الصغيرة.
عمرها ما وصلت لصوابعي.
”أعتقد،” قلت ببطء، “إنا محتاجين نقارن كام حاجة ببعض.”
الفصل السادس — الكدبات اللي قالها لكل واحد فينا
خلال عشرين دقيقة، أنا وهدير فهمنا اللعبة والنمط اللي كان ماشي بيه.
لأشهر طويلة، كان سيف بيدي لكل واحدة فينا انطباعات غلط ومزيفة عن التانية.
لما هدير تسأله عن شغلي، يقول لها إني بتجنب أتكلم فيه.
لما كنت أستغرب ليه هدير بعيدة، كان يؤكد لي إنها مش راضية عن شغلي.
لما تقترح تتصل بيا عشان موضوع الحضانة، يقول لها إن الكلام المباشر بيتعبني ويضايقني.
لما أعبر عن رغبتي أبقى قريبة من هدير، سيف كان يدعي إنها شايفة إني مش ودودة.
الكدب والتلاعب ده ماكنش محتاج مجهود كبير منه.
كان معتمد بس على إننا بنثق في كلامه وتفسيراته.
افتكرت يوم حد كنت تطوعت فيه وقعدت مع مريم ويوسف ثلاث ساعات وقت ما هدير كانت رايحة لدكتورة.
بعدها شكرتني وعرضت تعزمني على الغدا.
رفضت.
بعدها سيف قال لي إنها اشتكت من تعبيرات وشي المتضايقة أول ما العيال وصلوا.
لأشهر طويلة، فضلت قلقانة وخايفة لتكون هدير فاكرة إني مش بحب أراعي عيالها.
لما شرحت لها الموقف ده، وشها جاب ألوان من الرعب.
”أنا قلت العكس تماماً! قلت لسيف إني مش عارفة كنت هعمل إيه من غير مساعدتك لينا أحياناً.”
حطيت إيدي على جبهتي من الصدمة.
مكالمة واحدة صادقة كانت هتقطع الطريق على شهور من سوء التفاهم.
إحنا بس عمرنا ما اتكلمنا من غير ما سيف يكون هو الوسيط اللي بيدير الكلام بينا.
هدير بصت في تليفونها.
”كان مفروض أعرف إن فيه حاجة غلط.”
”قصدك إيه؟”
”في عشاء عيد الميلاد، فاكرة إني سألت لو أنتِ قدمتِ استقالتك من العيادة. وسيف نط ورد قبلي وقبلك.”
افتكرت.
”افتكرت إنه بيخاف عليكي،” قالت. “بس دلوقتي—”
سكتت.
قعدنا ساكتين لفترة قصيرة.
وبعدين طرحت السؤال اللي كان مرعوب عقلي من ساعة ما سمعته في طرقة الكنيسة.
”لما قال إن مش هيبقى قدامي اختيار كتير بعد ما نتجوز، أنتِ فهمتي إيه؟”
وش هدير احمرّ.
”معجبنيش الكلام.”
”بس ما قلتيش حاجة.”
”سألته لو أنتِ بجد عايزة تعملي كده.”
”ولما قال اه؟”
بصت بعيد.
”كنت عايزة أصدقه.”
”عشان كنتِ لغيّتي الحضانة خلاص.”
”أيوه.”
إجابتها وجعتني، بس على الأقل كانت صادقة.
”سمعته بيضحك،” قالت هدير. “وكنت عارفة إن دي كلمة زفت تتقال. بس قلت لنفسي إنه بيهزر هزار سمج.”
بلعت ريقها.
”كنت خايفة أخسر الترتيب ده. وعارفة إن ده مش بيديها عذر.”
”لا،” قلت. “مش بيديها عذر.”
هزت رأسها من غير ما تطلب مني أطمنها.
تليفوني نور.
سيف كان بيتصل للمرة الرابعة من ساعة ما سبت أوضة العروسة.
فضلت باصة للتليفون شوية قبل ما أرد.
”ألو.”
”ندى، الحمد لله. أنتِ فين؟”
”لسه في الكنيسة.”
”ممكن نتكلم؟ أرجوكِ؟”
”ما إحنا بنتكلم اهو.”
تنفس بصوت عالي.
”بصي، أنا آسف على الطريقة اللي الأمور مشيت بيها.”
”الطريقة اللي الأمور مشيت بيها؟”
”أنتِ فاهمة قصدي.”
”هو بجد؟”
”أنا بحاول أصلح اهو.”
بصيت لهدير.
”هو أنتِ قلت لأختك إنك هتبري نفسك من الستة آلاف وأربعمائة دولار عن طريق إني أراعي عيالها سنة كاملة؟”
صمت تام.
وبعدين:
”هدير قالت لك على دي؟”
”أيوه.”
سكت تاني.
”الموضوع مش زي ما هو باين كده.”
”يعني فيه كام طريقة تانية ممكن الاتفاق ده يبان بيها؟”
اتكلم بصوت أوطى.
”كنت بحاول أحل مشكلتين في وقت واحد.”
”دينك وحضانة أختك.”
”صح.”
”على حساب شغلي أنا.”
”أنا عمري ما قلت إنك هسيبي الشغل للأبد.”
”أنت قلت لهدير إني قررت أسيب الشغل خلاص.”
”قلت جايز تتصرفي وتظبطي حاجة مع دكتورة ميرفت.”
”بعد ما وعدت شخص تاني إني هكون متاحة خمسين ساعة في الأسبوع؟”
ما ردش بكلمة.
وبعدين كمل.
”أنتِ مش فاهمة الضغط اللي كنت فيه.”
غمضت عيني.
”أنا ماكنش أعرف موضوع القرض ده يا سيف. أنت قلت لي إنك دفعت تمن العربية من تحويشتك.”
”عشان كنت مكسوف.”
”كان ممكن تقول لي.”
”وبعدين؟ كنتِ هتقعدي تعطيني محاضرة عن الفلوس.”
”كنت ممكن أسألك ناوي تسددهم إزاي وبأي طريقة.”
”بالظبط.”
صوته كان كأنه ارتاح شوية، كإني أكدت له مبرراته.
فتحت عيني.
”أنت وعدت بوعد ما تقدرش تنفذه،” قلت. “وبعدين عملت وعد تاني باستخدام حاجة لا تملكها أساساً.”
”ما تتكلميش عن نفسك كأنك ملكية عامة.”
”امال ابطل تاخد قرارات كأني ملكك.”
سكت خالص.
هدير غطت وشها ولفّت بعيد.
سيف حاول تاني.
”بصي، أنا اتوترت واتخضيت. هدير فضلت تسأل عن الفلوس. وكنت عارف إن الفرح قرب، وماكنش عايز أبدأ جوازنا والدين ده متعلق برقبتنا.”
”فقررت إن أنا اللي أشتغل عشان أسدده.”
ما أنكرش.
”افتكرت لما نتجوز، هتفهمي.”
بصيت ناحية الطرقة اللي سمعته فيها من شوية.
”لا،” قلت. “أنت كنت فاكر إن لما نتجوز، هحس إني مجبرة ومضطرة.”
صوته بان عليه التعب.
”ما نقدروش نبدأ من جديد؟”
”إزاي؟”
”نؤجل كل حاجة. نأخذ كم أسبوع. وبعدين نعمل فرح أصغر.”
”وعيال هدير؟”
”نساعدها لحد ما تظبط أمورها وتلاقي حل.”
تاني بيرجع يقول “إحنا”.
حتى بعد ما الفرح اتلغى، فضل مصر يعامل وعده على إنه مسؤوليتي أنا.
”أنا مش هقعد مع العيال يوم الاتنين،” قلت.
تردد.
”ولا حتى يوم الاتنين؟”
”لا.”
”يا ندى، بالله عليكي. مالهمش مكان يروحوه.”
يبقي أنت وهدير اتصرفوا وحلوها مع بعض.”
نبرة صوته اتحولت لكأنه الضحية المظلومة.
”مش مصدق إنك بتطلعي غضبك في العيال الصغيّرين.”
للحظة، اتهامه ده هزني.
تخيلت مريم بشنطة ظهرها، ويوسف وهو بيطلب بان كيك، وحمزة وهو بيمد إيده عشان أشيله.
هما مالهمش ذنب.
سيف كان عارف أنا بحبهم قد إيه وعارف إزاي يستغل مشاعري دي ضدي.
بصيت ناحية هدير اللي كانت متابعة في صمت.
”أنا مش بطلع غضبي في حد،” قلت. “أنا رافضة شغلة عمري ما وافقت أشتغلها أصلاً.”
نفخ بضيق.
”يبقي أنا مش عارف أنتِ عايزة مني إيه.”
”الحقيقة كانت هتبقى بداية كويسة.”
قفلت المكالمة في وشه.
فضلت قاعدة ومسكة التليفون في إيدي.
هدير نطقت في الآخر.
”أنا آسفة.”
هزيت رأسي.
”عارفة.”
بصت في الأرض.
”لحد دلوقتي مش عارفة هعمل إيه يوم الاتنين.”
صوتها اتقطع.
”مديري في الشغل حذرني قبل كده من الغياب تاني. يوسف تعب مرتين الشهر اللي فات، واضطرت أخد معظم أيام الإجازة المدفوعة اللي كانت باقيالي.”
كنت فاهمة خوفها.
وراها ثلاث عيال معتمدين عليها، وشغل مش قادرة تخسره، وأخ وعد بمساعدة من غير ما يكون عنده الحق ولا الصلاحية يعرضها.
كنت خلاص هعرض أساعد بنفسي.
الكلام كان جاهز ع لساني: أقدر أقعد معاهم يوم الاتنين لحد ما تلاقي حل بديل.
مكالمة لدكتورة ميرفت وأخد يوم إجازة كان هيبقى سهل.
أو يومين.
أو كام يوم كمان لحد هدير ما تلاقي حد.
بس كنت فاهمة كويس قد إيه المساعدة المؤقتة ممكن تتحول بسرعة لالتزام إجباري ودائم.
وسيف كان معتمد بالظبط على الاحتمال ده.
كنت خلاص هوافق أرعى العيال يوم الاتنين.
وبعدين استوعبت إن الاستسلام ده هو بالظبط اللي كان متوقعه ومستنيه.
الفصل السابع — يوم الاتنين كان جاي لا محالة
نمت بالعافية ليلة السبت.
كذا مرة صحيت في شقتي ومديت إيدي على الناحية التانية من السرير قبل ما أفتكر إن سيف مش موجود.
إحنا كنا لسه ما سكناش في بيت واحد.
حاجتي كانت هتنقل لبيته آخر الشهر.
كنت جهزت أربع كراتين خلاص.
واحدة فيها حاجات المطبخ، والتانية كتب، والتالتة هدوم الشتاء.
والرابعة كان فيها مشتريات حياتنا الجديدة: فوط لايقة على بعض، ملايات جديدة، ومجّين مكتوب عليهم “السيد والسيدة”.
وأنا واقفة جنبهم الصبح، حسيت إني عايزة أكسر المجّين دول.
بدل ما أعمل كده، عملت قهوة.
وقعدت على ترابيزة المطبخ أعيط لحد ما القهوة بردت.
أمي اتصلت حوالي الساعة تسعة.
”أكلت حاجة؟”
”يعني، مش قوي.”
”أنا جايبة الفطار وجاية.”
”يا ماما، ملوش داعي تعذبي نفسك.”
”عارفة.”
بعد عشرين دقيقة، وصلت ومعاها فطار وعصير برتقال وملف فيه وصلات الفرح.
قعدنا ساعة نراجع المصاريف والفواتير.
بعض الأماكن كنا دفعنا فلوسها كاملة، وغيرهم عرضوا يرجعوا جزء من العربون.
مسؤول القاعة رتب إن معظم الأكل الجاهز يتوزع بدل ما يترمى.
كان فيه شروط جزائية للإلغاء، فلوس ضايعة، ونقاشات صعبة مستنياني مع سيف بخصوص تقسيمة التكاليف الباقية.
أمي ما مَثلتش إن الفلوس مش مهمة.
كانت عارفة إني ما أقدرش أطنش الخسائر دي.
بس عمرها ما اقترحت إن الخسائر دي تبرر إني أكمل في الجوازة دي.
في الآخر، سألتني إيه اللي حصل بالضبط.
شرحت لها كل حاجة بالتفصيل.
ترتيب الحضانة.
شغلي وترقيتي.
قرض سيف.
كذبه وتلاعبه.
سمعتني من غير ما تقاطعني مرة واحدة.
بعدها فضلت ساكتة شوية.
وقالت: “كنت أتمنى يكون هو الراجل اللي كنتِ فاكراه.”
حسيت إني هعيط تاني.
وأنا كمان كنت أتمنى ده.
بعد ما ماما مشيت، بصيت في التليفون.
سيف كان باعت ست رسايل.
أول اثنين فيهم اعتذارات.
التالتة بتشرح ضغوطه المالية. الرابعة بتشتكي من إن هدير كانت طالبة فلوسها بقالها شهور.
الخامسة بتقترح نقابل القسيس توماس عشان نتصالح ونرجع.
السادسة، اللي وصلت الساعة عشرة وثلاثة وأربعين دقيقة، كانت بتقول:
لو بس تساعدي هدير أسبوع أو أسبوعين، الكل هيهدى. ونقدر نحل مشاكلنا إحنا بعد كده.
فضلت باصة للرسالة بذهول.
لحد دلوقتي، سيف كان شروط الصلح مربوطة باستعدادي أنا لحل المصيبة اللي هو عملها.
كتبت رد ومسحته، وكتبت غيره.
في الآخر بعت له:
أنا مش هقعد مع عيال هدير. لو سمحت ما تتصلش بيا إلا بخصوص تبادل حاجتنا وتسوية مصاريف الفرح المتبقية. محتاجة مساحة لنفسي.
رد في ساعتها.
”مش مصدق إنك بقيتِ قاسية كده.”
حطيت التليفون ووشه لتحت على الترابيزة.
كنت عايزة أفكره أنا حبيته قد إيه، وإزاي تخيلت إننا هنكبر سوا، وإزاي دخلت الكنيسة يوم السبت وأنا مؤمنة إني بتجوز أعز أصدقائي.
مفيش أي حاجة في المشاعر دي كانت قاسية أو باردة.
بس كنت تعبت من كتر ما بشرح مشاعري لشخص بيستخدمها عشان يكسر قراراتي ويتحكم فيا.
حوالي الظهر، هدير اتصلت.
تردد قبل ما أرد لما فكرت في عيالها.
”ألو،” قلت.
”آسفة لو بزعجك.”
”ولا يهمك، عادي.”
”كنت عايزة أقولك إني بحاول أتصرف وألاقي حلول.”
صوت طفل ظهر في الخلفية.
هدير طلبت من يوسف يستنى.
”كلمت كريم بالليل،” قالت. “قال جدوله مليان الأسبوع ده، بس بضغط عليه يشوف يقدر يغير إيه.”
”كويس.”
وبرده سابت رسالة لمديري في الشغل.
فكرت لحظة.
”يا هدير، هو أنتِ شيكتي على خدمة موارد الحضانة والترشيح التابعة للمحافظة؟ جايز يقدروا يقولوا لك إيه الأماكن المرخصة اللي فيها أماكن فاضية.”
”ماكنش أعرف إن فيه حاجة كده.”
”هبعت لك البيانات والمعلومات دلوقتي.”
”شكراً.”
بصيت للساعة.
المفروض تكون في الشغل كمان اقل من أربع وعشرين ساعة.
كنت حاسة بقلقها وخوفها.
”شرحتِ الوضع كله لكريم؟” سألتها.
”جزء منه.”
”هو أبوهم. لازم يكون جزء من الحل.”
هدير تنفست بضيق.
”عارفة. وإحنا بنعاني مع المواعيد من ساعة ما انفصلنا.”
ظروفهم كانت معقدة، بس ده ما كانش بيعني إن إيجاد حضانة مستحيل.
ولا كان بيدي الحق ينقل المسؤولية ليا بشكل تلقائي.
بعد صمت قصير، هدير اتكلمت تاني.
”يا ندى، أنا محتاجة أعتذر لك بالشكل الصح.”
”أنتِ اعتذرتِ خلاص.”
”مش على كل حاجة.”
قعدت.
”سامعاكي.”
أخدت نفس عميق.
”لما سيف قال لي إنك عايزة تقعدي في البيت، حسيت براحة رهيبة. راحة خلتني ما أسئلش الأسئلة اللي كان لازم أسألها.”
استنيت.
”كنت عارفة إنها شغلة مجهدة وضخمة جداً. وكنت عارفة إنها هتفرّ عليّ فلوس كتير. وما وقفتش أبدًا أفكر في إيه اللي أنتِ بتضحكي بيه عشان كده.”
صوتها كان شبه بيعيط.
”قلت لنفسي أكيد أنتِ عايزة تعملي كده بجد. عشان ده كان أسهل بكتير من إني أسألك وأخاطر إن إجابتك تكون لا.”
بصيت من الشباك.
جارنا كان بينزل كيس البقالة من عربيته.
كان يوم حد عادي في حي عادي، ومع ذلك حياتي كانت مقلوبة رأساً على عقب.
”أنا فعلاً بحب عيالك،” قلت.
”عارفة.”
”بس حبي لهم مش معناه إني وافقت أربيهم.”
هدير فضلت ساكتة شوية.
”أنتِ صح.”
كنت متوقعة ييجي بعدها اعتراض.
مفيش أي اعتراض جه.
بدلاً من كده، كملت:
”أنا لازم أتصرف وألاقي طريقة أراعي بيها عيالي. دي مسؤوليتي أنا، مش مسؤوليتك أنتِ.”
ولأول مرة، حسيت إن كلامنا مباشر بجد، من غير تدخل سيف اللي كان بيحرك الخيوط بينا.
بعد ما قفلنا، بعت لهدير مصادر وحضانات المقترحة.
ورجعت أوضة نومي.
فستان فرحي كان لسه متعلق على باب الدولاب لأني كنت تعبانه جداً وما قدرتش أشيله.
مشيت أطراف أصابعي على كم الدانتيل بتاعه.
افتكرت لما زرت محل الفساتين مع ماما.
قالت لي إني زي القمر، وكنت باص في المراية وأنا بتخيل المستقبل مع سيف.
زوج.
بيت.
وجايز أطفال لينا لوحدنا.
قعدت على السرير وعيطت.
مش لأني ندمت إني سبته.
بس لأني كنت طامعة وعاوزة المستقبل ده بشدة.
حوالي الساعة أربعة، هدير بعتت رسالة تانية.
كريم قدر يغير ورديتين. يقدر ياخد العيال يوم الثلاث والاربع. وأنا عندي يوم إجازة شخصية باقي لي، ومديري وافق عليه يوم الاتنين. ولسه بظبط شغل الخميس والجمعة.
قريتها مرتين.
مشاكلها ما اختفتش بسحر ساحر.
لسه محتاجة ترتيبات لباقي الأسبوع.
جايز تضطر تاخد إجازة بدون مرتب أو تدفع فلوس لحضانة تانية أكتر من قدرتها المالية.
بس كانت بتدور بجد وتسعى تلاقي حلول.
ويوم الاتنين، عيالها هيلاقوا رعاية من غير ما أنا أضحي بشغلي ومستقبلي.
ردت عليها:
مبسوطة إن عندك خطة لأول كم يوم. أتمنى تلاقي حل مناسب لباقي الأسبوع.
هدير ردت:
شكراً ليكِ يا ندى. وآسفة بخصوص الفرح.
فضلت باصة لكلامها قبل ما اكتب:
وأنا كمان.
في المساء ده، جهزت هدوم الشغل.
بنطلون كحلي، بلوزة لبني فاتح، وجزمة مريحة.
ظبطت المنبه على الساعة ستة ونص.
كان روتين بسيط وعادي.
بس بعد ما عرفت قد إيه سيف حاول يتحكم في قراراتي ويسيطر عليها، اختيار إني أقضي صباح يوم الاتنين بطريقتي كان له معنى خاص وكبير جداً عندي.
الفصل الثامن — أول يوم اتنين
الساعة سبعة وخمسة واربعين دقيقة صباح يوم الاتنين، ركنت عربيتي قدام عيادة الأسنان.
فضلت قاعدة في العربية لحظة، وماسكة طارة القيادة جامد بإيدي.
كنت بوقف في الجراج ده بقالي حوالي سبع سنين.
المبنى الطوب والشبابيك الواجهة على الشارع كانوا شكلهم زي ما هما دايماً من غير أي تغيير.
مفيش أي حاجة هنا اتغيرت.
بس حياتي الشخصية بقت كأنها تخص حد تاني تماماً.
تليفوني اهتز.
بسنت كانت باعتة رسالة:
كويسة؟
ردت عليها:
أنا في الشغل.
ردت:
فخورة بيكي يا ندى. كلميني بالليل.
قدرت أرسم أول ابتسامة على وشي الصبح ده.
بعدين شيلت التليفون ودخلت المبنى.
دكتورة ميرفت كانت وصلت خلاص.
بصت لي وقفلت باب مكتبها بهدوء.
”يا ندى، سمعت إن الفرح ماحصلش.”
هزيت رأسي.
”آسفة جداً يا حبيبتي،” قالت.
”شكراً لحضرتك.”
”محتاجة كم يوم إجازة؟”
فكرت في العرض.
جزء مني كان عايز يرجع البيت، يقفل الستائر، ويفضل نايم في السرير لحد ما وجع قلبي يهدى.
بس جزء تاني رحب بالبيئة المألوفة اللي فاهمة تفاصيلها وعارفة مسؤولياتي فيها كويس.
”أفضل أشتغل،” قلت. “لو ده ينفع.”
”طبعاً.”
ترددت لحظة.
”نقدر نؤجل كلامنا عن موضوع الترقية.”
عيني راحت على الملف اللي محطوط على مكتبها.
كنت بشتغل وبسعى للفرصة دي سنين طويلة.
فضلت ساهرة ساعات متأخرة عشان أتقن نظام إدارة المرضى، وخلصت كورسات فواتير التأمين، ودرّبت ثلاث موظفين، وساعدت في إعادة تنظيم المواعيد مع توسع العيادة.
دي ماكنش فرصة حد جابهاله على طبق من فضة.
أنا استاهلتها وتعبت فيها.
”في الواقع،” قلت، “أنا حابة نتكلم عنها دلوقتي.”
دكتورة ميرفت ابتسمت.
”تمام، على بركة الله.”
راجعنا مسؤوليات المنصب الجديد.
مواعيد الموظفين، عقود الموردين، التزام التأمين، وتدريب العاملين.
اتكلمنا عن زيادة المرتب وفرص التعليم الإداري الإضافي خلال السنة الجاية.
وبعدين سألتني لو لسه عايزة الوظيفة والترقية دي.
افتكرت إعلان سيف الواثق في الكنيسة:
هي هسيب عيادة الأسنان.
كان متكلم كأن مستقبلي كله وشغلي مجرد تفصيلة يقدر يشيلها من مستقبلنا من غير ما يأخد رأيي أصلاً.
بصيت لدكتورة ميرفت.
”أيوه،” قلت. “عايزاها وبشدة.”
مدت إيدها تسلم عليا.
”يبقي مبروك يا ندى.”
شكرتها من غير ما أعيط.
بس بعد دقايق في حمام الموظفين وأنا لوحدي، وقفت قدام الحوض، ضحكت على نفسي، ومسحت دموعي.
فرحي طار.
والمستقبل اللي قضيت ثلاث سنين بتخيله طار هو كمان.
بس أنا ما خسرتش كل حاجة.
ورفضت أتخلى عن حاجة تعبت فيها عشان أصلها، لمجرد إن سيف كان مؤمن إن وقتي وعمري ملكه لوحده.
الصبح عدى بسرعة.
مريض جه متأخر لجلسة تنظيف.
برنامج التأمين بتاعنا رفض مطالبة سليمة.
واحدة من المساعدين كانت محتاجة مساعدة في تعديل مواعيد بعد الظهر.
مشاكل شغل عادية وطبيعية.
مشاكل فاهمة طبيعتها وعارفة أحلها.
حوالي الظهر، بصيت في تليفوني.
هدير كانت كاتبة:
كريم واخد العيال بكرة والاربع. وهقابل مديرة حضانة بكرة بعد الظهر بخصوص أماكن فاضية محتملة. مفيش حاجة أكيدة لسه، بس ع الأقل معانا كم يوم.
ورقها رسالة تانية.
وبرده قلت لسيف إن قرض العربية لسه مسؤوليته لوحده.
تأملت الشاشة بتركيز.
هدير كملت:
قال إن ده مش عدل لأنه عمل الترتيبات دي خلاص. قلت له إنك عمرك ما وافقت على الترتيبات دي، فماكنش من حقه يعملها أساساً.
كنت شاكة إن سيف هيرد لها الفلوس بسرعة.
هدير ممكن تحتاج تعمل اتفاق سداد رسمي أو تاخد خطوات قانونية عشان ترجع فلوسها.
بس دي كانت مسألة تخصهم هما ويحلوها سوا.
ولأول مرة، الحل المقترح ما كانش بيشمل مجهودي وشغلي ببلاش.
هدير بعتت رسالة أخيرة:
أنتِ دايماً كنتِ طيبة مع عيالي. وآسفة إني خليتك تحسي إن ده معناه إنك مدينة لنا بحاجة.
قريتها كويس قبل ما أرد:
أنا بحب العيال دي جداً. وده عمره ما كان المشكلة.
ردت:
أنا عارفة ده دلوقتي.
شيلت التليفون.
لسه كان فيه مشاكل ومسائل عملية كتير مستنياني.
سيف وأنا ورانا فواتير فرح نقسمها، هدايا نرجعها، حاجات شخصية نتبادلها، وأسئلة صعبة نجاوب عليها.
بعض قرايبه ممكن ما يفهموش أبداً ليه ألغت الفرح.
ممكن يتهموني إني بالغت أو يصروا إني كان مفروض أديله فرصة تانية.
وغيرهم هيجادلوا إن الجواز بيحتاج تنازلات ومساومات.
وأنا ماكنش عندي اعتراض على أهمية التنازل والتفاهم في العلاقات.
بس التنازل الحقيقي معناه إن شخصين بياخدوا القرار مع بعض.
ما ينفعش يبدأ بكذب وخداع.
وما ينفعش يتطلب من ست تتخلى عن شغفلها، وقتها، وحقها في اختيار مصيرها بس لمجرد أنها بقت زوجة لحد.
بعد وردية شغلي، سقت عربيتي وراجعة البيت.
الشقة كانت هادية.
مفيش شنط عيال جنب الباب، ولا شنطة حفاضات على الرخامة، ولا أصوات صغيرة بتنادي عليا.
تخيلت الصبح كان هيمشي إزاي لو خطة سيف كانت نجحت.
مريم كانت هتطلب ألوان.
ويوسف كان هيعوز بان كيك.
وحمزة كان هيمد إيديه يطلب مني أشيله.
وكنت هرعاهم بحب وعناية.
كنت هحضر الفطار، أنظف وشوشهم، أطمنهم، وأقضي معاهم اليوم.
دي كانت طبيعتي بكل بساطة.
وسيف كان عارف كده كويس.
وكان مستغل ده ومعتمد عليه.
مكنش متأكدة إني هقدر أسامح في الحركة دي يوم من الأيام.
قلعت جزمتي وجمعت الجوابات والبريد.
كان فيه كارت شكر من مريض وفاتورة الكهرباء بتاعتي.
ح حاجات يومية عادية.
حطيتهم جنب مفاتيحي.
وبعدين لاحظت علبة بيضاء صغيرة على حرف رخامة المطبخ.
دبلة فرحي.
كنت جايباها معايا الكنيسة يوم السبت في شنطتي، وكنت ناوي أديها لبسنت قبل المراسم.
عمرها ما لبست صباعي.
فتحت العلبة.
الدبلة الذهبية السادة كانت بتعكس ضوء شمس بعد الظهر.
لأسبوعين، كنت بتساءل إحساس لبسها هيكون إيه.
ودلوقتي بقيت أتساءل كنت هفضل لابساها قد إيه لحد ما أكتشف إيه اللي سيف كان بيعتقد إن الجواز بيديه الحق يطلبه مني.
تليفوني رن.
سيف.
فضلت باصة على اسمه.
جزء مني كان عايز يرد.
كنت عايزاه يستوعب هو دمر إيه، ويقول حاجة تثبت إنه أخيراً فهم أنا ليه سبته ومشت.
بس افتكرت طلبه الأخير:
لو بس تساعدي هدير أسبوع أو أسبوعين…
حتى اعتذاراته كان وراها طلبات والتزامات.
سبت المكالمة ترن لحد ما راحت للبريد الصوتي.
وبعدين قفلت علبة الدبلة.
بكرة، هتكلم مع بسنت في موضوع إرجاعها وأرتب مع سيف عشان ياخد الحاجات البسيطة اللي سابها عندي في الشقة.
هنخلص موضوع المصاريف ونصفيه.
وهجاوب على أي أسئلة لما أحس إني مستعدة.
وفي يوم من الأيام، كنت أتمنى أفتكر يوم فرحي ده من غير ما أعيط.
بس عمري ما هقضي حياتي أحاول أقنع بني آدم إني استاهل يكون ليا رأي وصوت في مستقبلي.
في المساء ده، عملت العشا لنفسي لوحدي.
أكلت على ترابيزة المطبخ وأنا براجع مواد التدريب اللي دكتورة ميرفت إدهاني.
منصبي الجديد مش هيكون سهل.
هيكون فيه أيام متعبة، مرضى متذمرين، زملاء عمل صعبين، وغلطات هتعلم منها.
بس أنا اللي اخترت المسؤوليات دي بنفسي وبكامل إرادتي.
قبل ما أنام، فتحت جدول المواعيد بتاعي.
سطر يوم الاتنين كان لسه مكتوب فيه:
أول يوم في الحياة الزوجية.
مسحته خالص.
وبعدين عملت تذكير جديد للأسبوع القادم:
تدريب مديرة العيادة — 9:00 صباحاً.
حطيت التليفون جنبي.
ولأول مرة من يوم السبت، حسيت بشوية أمل تجاه اللي جاي.
سيف ماكنش مجرد نسي يستأذنني.
ده كان متعمد يتجوزني الأول عشان يضمن إني ما أقدرش أرفض.
النهاية.