قبل جوازنا 2الاخير

سيف رد :​آه اعتبريها خلصت وخالصين.
​قريت رده ثلاث مرات.
​خمسين ساعة كل أسبوع.
​قرب سنة كاملة من مراقبة ثلاث عيال، تحضير أكل، تغيير حفاضات، تنظيم نوم، غسيل، ومتابعة خروجهم ودخولهم من المدرسة.
​من غير أي دخل، ولا معاش، ولا ترقية أو تقدم مهني.
​كل ده عشان تنجي سيف من إنه يسدّد دينه لأخته.
​رجعت التليفون.
​”هو أنتِ كنتِ تعرفي أنا بقبض كام في العيادة؟”
​هدير ترددت.
​”مش بالضبط.”
​”كنتِ تعرفي إني بقالي هناك حوالي سبع سنين؟”
​”أيوه.”
​”امال كنتِ متخيلة إني أقدر أسيب شغلي بإيه؟”
​فضلت ساكتة.
​سندت ضهري لورا.
​”ستة آلاف وأربعمائة دولار،” قلت.
​هدير بان عليها التعاسة والذنب.
​”أنا عارفة الكلام ده بيبان إزاي.”
​”بجد عارفة؟”
​عينيها اتملت دموع.
​”ده مش عدل يا ندى. أنا بجد كنت فاكرة إنك عايزة كده.”
​بصيت لها بجدية.
​”هو أنتِ في يوم سألتي نفسك ليه واحدة ممكن تسيب شغلة بدوام كامل وترعى ثلاث عيال ببلاش كده؟”
​بدأت تتكلم وبعدين سكتت.
​سكوتها كفاية لوحده عشان يجاوب.
​هدير كانت محتاجة جداً حل رخيص ومتاح لرعاية العيال. وسيف عرض حل يكلفها شبه صفر، وهي وافقت على طول.
​في الآخر نطقت وقالت:
​”كان مفروض أتكلم معاكي بنفسي.”
​”أيوه، كان مفروض.”
​مسحت خدودها.
​”مكنتش متخيلة إن سيف ممكن يكذب في حاجة زي دي.”
​”ولا أنا كمان.”
​ولأول مرة، حسيت بحاجة غير الغضب تجاهها.
​إحنا الاثنين صدقنا سيف.
​وإحنا الاثنين اتخدعنا.
​بس هدير لسه شغلها معاها. وأنا كنت هخسر شغلي لو خطته نجحت.
​”فيه حاجة مش فاهمها،” قلت.
​”إيه هي؟”
​”ليه ما جبتيش سيرة الكلام ده خالص لما كنا بنشوف بعض؟”
​هدير كشّرت.
​”أنا حاولت.”
​”إمتى؟”
​”في عشاء عيد ميلاد ماما الشهر اللي فات. بدأت أسألك عن الشغل، فاكرة؟”
​افتكرت الليلة دي.
​هدير سألت لو لسه مبسوطة في الشغل بالعيادة.
​وقبل ما أرد، سيف قاطعنا وشرح إن تجهيزات الفرح كانت مخلية الكلام عن الشغل بيسبب لي توتر وضغط.
​كنت فاكرة إنه بيراعي مشاعري.
​”قال لي بعد كده إني ضايقتك وسببت لك إزعاج،” قالت هدير. “وإنك زعلانة لإني بسأل عن قرارك بالاستقرار في البيت.”
​صدري اتقبض.
​”هو قال كده؟”
​هزت رأسها.
​”قال لي إنك كنتِ عايزاه هو اللي يتولى الأمور دي عشان مش بتحبي تحسي بضغط.”
​قعدت من غير ما أتحرك.
​وبعدين ذكرى تانية طلعت على السطح.
​بعد نفس العشاء، سيف قالي إن هدير شايفة إني بدي أولوية لشغلي بزيادة.
​حسب كلامه، هي مش فاهمة إزاي واحدة هتتجوز قريباً ممكن تدي اهتمام كبير قوي لترقية في الشغل.
​كلامه وجعني وقتها.
​ومن بعدها، بقيت أتجنب أتكلم عن شغلي قدام هدير.
​ودلوقتي هي بتأكد إنها عمرها ما انتقدتني خالص.
​بصيت لها.
​”هو أنتِ عمرك قلتي لسيف إنك شايفة إني مهتمة بشغلي بزيادة عن اللزوم؟”
​هدير هزت رأسها بالرفض.
​”لا.”
​”أو قلتي له إنك شايفة إني مش هبقى زوجة كفاية عشان بشتغل كتير؟”
​دهشتها اتحولت لصدمة.
​”طبعاً لا.”
​معدتي قلبت بوجع.
​هدير فضلت باصة لي.
​”هو أخويا كان بيقولك إيه عني بالظبط؟”
​بصيت لطرف شنطتي حيث دبلة الفرح اللي لسه جوه علبتها الصغيرة.
​عمرها ما وصلت لصوابعي.
​”أعتقد،” قلت ببطء، “إنا محتاجين نقارن كام حاجة ببعض.”
​الفصل السادس — الكدبات اللي قالها لكل واحد فينا
​خلال عشرين دقيقة، أنا وهدير فهمنا اللعبة والنمط اللي كان ماشي بيه.
​لأشهر طويلة، كان سيف بيدي لكل واحدة فينا انطباعات غلط ومزيفة عن التانية.
​لما هدير تسأله عن شغلي، يقول لها إني بتجنب أتكلم فيه.
​لما كنت أستغرب ليه هدير بعيدة، كان يؤكد لي إنها مش راضية عن شغلي.
​لما تقترح تتصل بيا عشان موضوع الحضانة، يقول لها إن الكلام المباشر بيتعبني ويضايقني.
​لما أعبر عن رغبتي أبقى قريبة من هدير، سيف كان يدعي إنها شايفة إني مش ودودة.
​الكدب والتلاعب ده ماكنش محتاج مجهود كبير منه.
​كان معتمد بس على إننا بنثق في كلامه وتفسيراته.
​افتكرت يوم حد كنت تطوعت فيه وقعدت مع مريم ويوسف ثلاث ساعات وقت ما هدير كانت رايحة لدكتورة.
​بعدها شكرتني وعرضت تعزمني على الغدا.
​رفضت.
​بعدها سيف قال لي إنها اشتكت من تعبيرات وشي المتضايقة أول ما العيال وصلوا.
​لأشهر طويلة، فضلت قلقانة وخايفة لتكون هدير فاكرة إني مش بحب أراعي عيالها.
​لما شرحت لها الموقف ده، وشها جاب ألوان من الرعب.
​”أنا قلت العكس تماماً! قلت لسيف إني مش عارفة كنت هعمل إيه من غير مساعدتك لينا أحياناً.”
​حطيت إيدي على جبهتي من الصدمة.
​مكالمة واحدة صادقة كانت هتقطع الطريق على شهور من سوء التفاهم.
​إحنا بس عمرنا ما اتكلمنا من غير ما سيف يكون هو الوسيط اللي بيدير الكلام بينا.
​هدير بصت في تليفونها.
​”كان مفروض أعرف إن فيه حاجة غلط.”
​”قصدك إيه؟”
​”في عشاء عيد الميلاد، فاكرة إني سألت لو أنتِ قدمتِ استقالتك من العيادة. وسيف نط ورد قبلي وقبلك.”
​افتكرت.
​”افتكرت إنه بيخاف عليكي،” قالت. “بس دلوقتي—”
​سكتت.
​قعدنا ساكتين لفترة قصيرة.
​وبعدين طرحت السؤال اللي كان مرعوب عقلي من ساعة ما سمعته في طرقة الكنيسة.
​”لما قال إن مش هيبقى قدامي اختيار كتير بعد ما نتجوز، أنتِ فهمتي إيه؟”
​وش هدير احمرّ.
​”معجبنيش الكلام.”
​”بس ما قلتيش حاجة.”
​”سألته لو أنتِ بجد عايزة تعملي كده.”
​”ولما قال اه؟”
​بصت بعيد.
​”كنت عايزة أصدقه.”
​”عشان كنتِ لغيّتي الحضانة خلاص.”
​”أيوه.”
​إجابتها وجعتني، بس على الأقل كانت صادقة.
​”سمعته بيضحك،” قالت هدير. “وكنت عارفة إن دي كلمة زفت تتقال. بس قلت لنفسي إنه بيهزر هزار سمج.”
​بلعت ريقها.
​”كنت خايفة أخسر الترتيب ده. وعارفة إن ده مش بيديها عذر.”
​”لا،” قلت. “مش بيديها عذر.”
​هزت رأسها من غير ما تطلب مني أطمنها.
​تليفوني نور.
​سيف كان بيتصل للمرة الرابعة من ساعة ما سبت أوضة العروسة.
​فضلت باصة للتليفون شوية قبل ما أرد.
​”ألو.”
​”ندى، الحمد لله. أنتِ فين؟”
​”لسه في الكنيسة.”
​”ممكن نتكلم؟ أرجوكِ؟”
​”ما إحنا بنتكلم اهو.”
​تنفس بصوت عالي.
​”بصي، أنا آسف على الطريقة اللي الأمور مشيت بيها.”
​”الطريقة اللي الأمور مشيت بيها؟”
​”أنتِ فاهمة قصدي.”
​”هو بجد؟”
​”أنا بحاول أصلح اهو.”
​بصيت لهدير.
​”هو أنتِ قلت لأختك إنك هتبري نفسك من الستة آلاف وأربعمائة دولار عن طريق إني أراعي عيالها سنة كاملة؟”
​صمت تام.
​وبعدين:
​”هدير قالت لك على دي؟”
​”أيوه.”
​سكت تاني.
​”الموضوع مش زي ما هو باين كده.”
​”يعني فيه كام طريقة تانية ممكن الاتفاق ده يبان بيها؟”
​اتكلم بصوت أوطى.
​”كنت بحاول أحل مشكلتين في وقت واحد.”
​”دينك وحضانة أختك.”
​”صح.”
​”على حساب شغلي أنا.”
​”أنا عمري ما قلت إنك هسيبي الشغل للأبد.”
​”أنت قلت لهدير إني قررت أسيب الشغل خلاص.”
​”قلت جايز تتصرفي وتظبطي حاجة مع دكتورة ميرفت.”
​”بعد ما وعدت شخص تاني إني هكون متاحة خمسين ساعة في الأسبوع؟”
​ما ردش بكلمة.
​وبعدين كمل.
​”أنتِ مش فاهمة الضغط اللي كنت فيه.”
​غمضت عيني.
​”أنا ماكنش أعرف موضوع القرض ده يا سيف. أنت قلت لي إنك دفعت تمن العربية من تحويشتك.”
​”عشان كنت مكسوف.”
​”كان ممكن تقول لي.”
​”وبعدين؟ كنتِ هتقعدي تعطيني محاضرة عن الفلوس.”
​”كنت ممكن أسألك ناوي تسددهم إزاي وبأي طريقة.”
​”بالظبط.”
​صوته كان كأنه ارتاح شوية، كإني أكدت له مبرراته.
​فتحت عيني.
​”أنت وعدت بوعد ما تقدرش تنفذه،” قلت. “وبعدين عملت وعد تاني باستخدام حاجة لا تملكها أساساً.”
​”ما تتكلميش عن نفسك كأنك ملكية عامة.”
​”امال ابطل تاخد قرارات كأني ملكك.”
​سكت خالص.
​هدير غطت وشها ولفّت بعيد.
​سيف حاول تاني.
​”بصي، أنا اتوترت واتخضيت. هدير فضلت تسأل عن الفلوس. وكنت عارف إن الفرح قرب، وماكنش عايز أبدأ جوازنا والدين ده متعلق برقبتنا.”
​”فقررت إن أنا اللي أشتغل عشان أسدده.”
​ما أنكرش.
​”افتكرت لما نتجوز، هتفهمي.”
​بصيت ناحية الطرقة اللي سمعته فيها من شوية.
​”لا،” قلت. “أنت كنت فاكر إن لما نتجوز، هحس إني مجبرة ومضطرة.”
​صوته بان عليه التعب.
​”ما نقدروش نبدأ من جديد؟”
​”إزاي؟”
​”نؤجل كل حاجة. نأخذ كم أسبوع. وبعدين نعمل فرح أصغر.”
​”وعيال هدير؟”
​”نساعدها لحد ما تظبط أمورها وتلاقي حل.”
​تاني بيرجع يقول “إحنا”.
​حتى بعد ما الفرح اتلغى، فضل مصر يعامل وعده على إنه مسؤوليتي أنا.
​”أنا مش هقعد مع العيال يوم الاتنين،” قلت.
​تردد.
​”ولا حتى يوم الاتنين؟”
​”لا.”
​”يا ندى، بالله عليكي. مالهمش مكان يروحوه.”
​يبقي أنت وهدير اتصرفوا وحلوها مع بعض.”
​نبرة صوته اتحولت لكأنه الضحية المظلومة.
​”مش مصدق إنك بتطلعي غضبك في العيال الصغيّرين.”
​للحظة، اتهامه ده هزني.
​تخيلت مريم بشنطة ظهرها، ويوسف وهو بيطلب بان كيك، وحمزة وهو بيمد إيده عشان أشيله.
​هما مالهمش ذنب.
​سيف كان عارف أنا بحبهم قد إيه وعارف إزاي يستغل مشاعري دي ضدي.
​بصيت ناحية هدير اللي كانت متابعة في صمت.
​”أنا مش بطلع غضبي في حد،” قلت. “أنا رافضة شغلة عمري ما وافقت أشتغلها أصلاً.”
​نفخ بضيق.
​”يبقي أنا مش عارف أنتِ عايزة مني إيه.”
​”الحقيقة كانت هتبقى بداية كويسة.”
​قفلت المكالمة في وشه.
​فضلت قاعدة ومسكة التليفون في إيدي.
​هدير نطقت في الآخر.
​”أنا آسفة.”
​هزيت رأسي.
​”عارفة.”
​بصت في الأرض.
​”لحد دلوقتي مش عارفة هعمل إيه يوم الاتنين.”
​صوتها اتقطع.
​”مديري في الشغل حذرني قبل كده من الغياب تاني. يوسف تعب مرتين الشهر اللي فات، واضطرت أخد معظم أيام الإجازة المدفوعة اللي كانت باقيالي.”
​كنت فاهمة خوفها.
​وراها ثلاث عيال معتمدين عليها، وشغل مش قادرة تخسره، وأخ وعد بمساعدة من غير ما يكون عنده الحق ولا الصلاحية يعرضها.
​كنت خلاص هعرض أساعد بنفسي.
​الكلام كان جاهز ع لساني: أقدر أقعد معاهم يوم الاتنين لحد ما تلاقي حل بديل.
​مكالمة لدكتورة ميرفت وأخد يوم إجازة كان هيبقى سهل.
​أو يومين.
​أو كام يوم كمان لحد هدير ما تلاقي حد.
​بس كنت فاهمة كويس قد إيه المساعدة المؤقتة ممكن تتحول بسرعة لالتزام إجباري ودائم.
​وسيف كان معتمد بالظبط على الاحتمال ده.
​كنت خلاص هوافق أرعى العيال يوم الاتنين.
​وبعدين استوعبت إن الاستسلام ده هو بالظبط اللي كان متوقعه ومستنيه.
​الفصل السابع — يوم الاتنين كان جاي لا محالة
​نمت بالعافية ليلة السبت.
​كذا مرة صحيت في شقتي ومديت إيدي على الناحية التانية من السرير قبل ما أفتكر إن سيف مش موجود.
​إحنا كنا لسه ما سكناش في بيت واحد.
​حاجتي كانت هتنقل لبيته آخر الشهر.
​كنت جهزت أربع كراتين خلاص.
​واحدة فيها حاجات المطبخ، والتانية كتب، والتالتة هدوم الشتاء.
​والرابعة كان فيها مشتريات حياتنا الجديدة: فوط لايقة على بعض، ملايات جديدة، ومجّين مكتوب عليهم “السيد والسيدة”.
​وأنا واقفة جنبهم الصبح، حسيت إني عايزة أكسر المجّين دول.
​بدل ما أعمل كده، عملت قهوة.
​وقعدت على ترابيزة المطبخ أعيط لحد ما القهوة بردت.
​أمي اتصلت حوالي الساعة تسعة.
​”أكلت حاجة؟”
​”يعني، مش قوي.”
​”أنا جايبة الفطار وجاية.”
​”يا ماما، ملوش داعي تعذبي نفسك.”
​”عارفة.”
​بعد عشرين دقيقة، وصلت ومعاها فطار وعصير برتقال وملف فيه وصلات الفرح.
​قعدنا ساعة نراجع المصاريف والفواتير.
​بعض الأماكن كنا دفعنا فلوسها كاملة، وغيرهم عرضوا يرجعوا جزء من العربون.
​مسؤول القاعة رتب إن معظم الأكل الجاهز يتوزع بدل ما يترمى.
​كان فيه شروط جزائية للإلغاء، فلوس ضايعة، ونقاشات صعبة مستنياني مع سيف بخصوص تقسيمة التكاليف الباقية.
​أمي ما مَثلتش إن الفلوس مش مهمة.
​كانت عارفة إني ما أقدرش أطنش الخسائر دي.
​بس عمرها ما اقترحت إن الخسائر دي تبرر إني أكمل في الجوازة دي.
​في الآخر، سألتني إيه اللي حصل بالضبط.
​شرحت لها كل حاجة بالتفصيل.
​ترتيب الحضانة.
​شغلي وترقيتي.
​قرض سيف.
​كذبه وتلاعبه.
​سمعتني من غير ما تقاطعني مرة واحدة.
​بعدها فضلت ساكتة شوية.
​وقالت: “كنت أتمنى يكون هو الراجل اللي كنتِ فاكراه.”
​حسيت إني هعيط تاني.
​وأنا كمان كنت أتمنى ده.
​بعد ما ماما مشيت، بصيت في التليفون.
​سيف كان باعت ست رسايل.
​أول اثنين فيهم اعتذارات.
​التالتة بتشرح ضغوطه المالية. الرابعة بتشتكي من إن هدير كانت طالبة فلوسها بقالها شهور.
​الخامسة بتقترح نقابل القسيس توماس عشان نتصالح ونرجع.
​السادسة، اللي وصلت الساعة عشرة وثلاثة وأربعين دقيقة، كانت بتقول:
​لو بس تساعدي هدير أسبوع أو أسبوعين، الكل هيهدى. ونقدر نحل مشاكلنا إحنا بعد كده.
​فضلت باصة للرسالة بذهول.
​لحد دلوقتي، سيف كان شروط الصلح مربوطة باستعدادي أنا لحل المصيبة اللي هو عملها.
​كتبت رد ومسحته، وكتبت غيره.
​في الآخر بعت له:
​أنا مش هقعد مع عيال هدير. لو سمحت ما تتصلش بيا إلا بخصوص تبادل حاجتنا وتسوية مصاريف الفرح المتبقية. محتاجة مساحة لنفسي.
​رد في ساعتها.
​”مش مصدق إنك بقيتِ قاسية كده.”
​حطيت التليفون ووشه لتحت على الترابيزة.
​كنت عايزة أفكره أنا حبيته قد إيه، وإزاي تخيلت إننا هنكبر سوا، وإزاي دخلت الكنيسة يوم السبت وأنا مؤمنة إني بتجوز أعز أصدقائي.
​مفيش أي حاجة في المشاعر دي كانت قاسية أو باردة.
​بس كنت تعبت من كتر ما بشرح مشاعري لشخص بيستخدمها عشان يكسر قراراتي ويتحكم فيا.
​حوالي الظهر، هدير اتصلت.
​تردد قبل ما أرد لما فكرت في عيالها.
​”ألو،” قلت.
​”آسفة لو بزعجك.”
​”ولا يهمك، عادي.”
​”كنت عايزة أقولك إني بحاول أتصرف وألاقي حلول.”
​صوت طفل ظهر في الخلفية.
​هدير طلبت من يوسف يستنى.
​”كلمت كريم بالليل،” قالت. “قال جدوله مليان الأسبوع ده، بس بضغط عليه يشوف يقدر يغير إيه.”
​”كويس.”
​وبرده سابت رسالة لمديري في الشغل.
​فكرت لحظة.
​”يا هدير، هو أنتِ شيكتي على خدمة موارد الحضانة والترشيح التابعة للمحافظة؟ جايز يقدروا يقولوا لك إيه الأماكن المرخصة اللي فيها أماكن فاضية.”
​”ماكنش أعرف إن فيه حاجة كده.”
​”هبعت لك البيانات والمعلومات دلوقتي.”
​”شكراً.”
​بصيت للساعة.
​المفروض تكون في الشغل كمان اقل من أربع وعشرين ساعة.
​كنت حاسة بقلقها وخوفها.
​”شرحتِ الوضع كله لكريم؟” سألتها.
​”جزء منه.”
​”هو أبوهم. لازم يكون جزء من الحل.”
​هدير تنفست بضيق.
​”عارفة. وإحنا بنعاني مع المواعيد من ساعة ما انفصلنا.”
​ظروفهم كانت معقدة، بس ده ما كانش بيعني إن إيجاد حضانة مستحيل.
​ولا كان بيدي الحق ينقل المسؤولية ليا بشكل تلقائي.
​بعد صمت قصير، هدير اتكلمت تاني.
​”يا ندى، أنا محتاجة أعتذر لك بالشكل الصح.”
​”أنتِ اعتذرتِ خلاص.”
​”مش على كل حاجة.”
​قعدت.
​”سامعاكي.”
​أخدت نفس عميق.
​”لما سيف قال لي إنك عايزة تقعدي في البيت، حسيت براحة رهيبة. راحة خلتني ما أسئلش الأسئلة اللي كان لازم أسألها.”
​استنيت.
​”كنت عارفة إنها شغلة مجهدة وضخمة جداً. وكنت عارفة إنها هتفرّ عليّ فلوس كتير. وما وقفتش أبدًا أفكر في إيه اللي أنتِ بتضحكي بيه عشان كده.”
​صوتها كان شبه بيعيط.
​”قلت لنفسي أكيد أنتِ عايزة تعملي كده بجد. عشان ده كان أسهل بكتير من إني أسألك وأخاطر إن إجابتك تكون لا.”
​بصيت من الشباك.
​جارنا كان بينزل كيس البقالة من عربيته.
​كان يوم حد عادي في حي عادي، ومع ذلك حياتي كانت مقلوبة رأساً على عقب.
​”أنا فعلاً بحب عيالك،” قلت.
​”عارفة.”
​”بس حبي لهم مش معناه إني وافقت أربيهم.”
​هدير فضلت ساكتة شوية.
​”أنتِ صح.”
​كنت متوقعة ييجي بعدها اعتراض.
​مفيش أي اعتراض جه.
​بدلاً من كده، كملت:
​”أنا لازم أتصرف وألاقي طريقة أراعي بيها عيالي. دي مسؤوليتي أنا، مش مسؤوليتك أنتِ.”
​ولأول مرة، حسيت إن كلامنا مباشر بجد، من غير تدخل سيف اللي كان بيحرك الخيوط بينا.
​بعد ما قفلنا، بعت لهدير مصادر وحضانات المقترحة.
​ورجعت أوضة نومي.
​فستان فرحي كان لسه متعلق على باب الدولاب لأني كنت تعبانه جداً وما قدرتش أشيله.
​مشيت أطراف أصابعي على كم الدانتيل بتاعه.
​افتكرت لما زرت محل الفساتين مع ماما.
​قالت لي إني زي القمر، وكنت باص في المراية وأنا بتخيل المستقبل مع سيف.
​زوج.
​بيت.
​وجايز أطفال لينا لوحدنا.
​قعدت على السرير وعيطت.
​مش لأني ندمت إني سبته.
​بس لأني كنت طامعة وعاوزة المستقبل ده بشدة.
​حوالي الساعة أربعة، هدير بعتت رسالة تانية.
​كريم قدر يغير ورديتين. يقدر ياخد العيال يوم الثلاث والاربع. وأنا عندي يوم إجازة شخصية باقي لي، ومديري وافق عليه يوم الاتنين. ولسه بظبط شغل الخميس والجمعة.
​قريتها مرتين.
​مشاكلها ما اختفتش بسحر ساحر.
​لسه محتاجة ترتيبات لباقي الأسبوع.
​جايز تضطر تاخد إجازة بدون مرتب أو تدفع فلوس لحضانة تانية أكتر من قدرتها المالية.
​بس كانت بتدور بجد وتسعى تلاقي حلول.
​ويوم الاتنين، عيالها هيلاقوا رعاية من غير ما أنا أضحي بشغلي ومستقبلي.
​ردت عليها:
​مبسوطة إن عندك خطة لأول كم يوم. أتمنى تلاقي حل مناسب لباقي الأسبوع.
​هدير ردت:
​شكراً ليكِ يا ندى. وآسفة بخصوص الفرح.
​فضلت باصة لكلامها قبل ما اكتب:
​وأنا كمان.
​في المساء ده، جهزت هدوم الشغل.
​بنطلون كحلي، بلوزة لبني فاتح، وجزمة مريحة.
​ظبطت المنبه على الساعة ستة ونص.
​كان روتين بسيط وعادي.
​بس بعد ما عرفت قد إيه سيف حاول يتحكم في قراراتي ويسيطر عليها، اختيار إني أقضي صباح يوم الاتنين بطريقتي كان له معنى خاص وكبير جداً عندي.
​الفصل الثامن — أول يوم اتنين
​الساعة سبعة وخمسة واربعين دقيقة صباح يوم الاتنين، ركنت عربيتي قدام عيادة الأسنان.
​فضلت قاعدة في العربية لحظة، وماسكة طارة القيادة جامد بإيدي.
​كنت بوقف في الجراج ده بقالي حوالي سبع سنين.
​المبنى الطوب والشبابيك الواجهة على الشارع كانوا شكلهم زي ما هما دايماً من غير أي تغيير.
​مفيش أي حاجة هنا اتغيرت.
​بس حياتي الشخصية بقت كأنها تخص حد تاني تماماً.
​تليفوني اهتز.
​بسنت كانت باعتة رسالة:
​كويسة؟
​ردت عليها:
​أنا في الشغل.
​ردت:
​فخورة بيكي يا ندى. كلميني بالليل.
​قدرت أرسم أول ابتسامة على وشي الصبح ده.
​بعدين شيلت التليفون ودخلت المبنى.
​دكتورة ميرفت كانت وصلت خلاص.
​بصت لي وقفلت باب مكتبها بهدوء.
​”يا ندى، سمعت إن الفرح ماحصلش.”
​هزيت رأسي.
​”آسفة جداً يا حبيبتي،” قالت.
​”شكراً لحضرتك.”
​”محتاجة كم يوم إجازة؟”
​فكرت في العرض.
​جزء مني كان عايز يرجع البيت، يقفل الستائر، ويفضل نايم في السرير لحد ما وجع قلبي يهدى.
​بس جزء تاني رحب بالبيئة المألوفة اللي فاهمة تفاصيلها وعارفة مسؤولياتي فيها كويس.
​”أفضل أشتغل،” قلت. “لو ده ينفع.”
​”طبعاً.”
​ترددت لحظة.
​”نقدر نؤجل كلامنا عن موضوع الترقية.”
​عيني راحت على الملف اللي محطوط على مكتبها.
​كنت بشتغل وبسعى للفرصة دي سنين طويلة.
​فضلت ساهرة ساعات متأخرة عشان أتقن نظام إدارة المرضى، وخلصت كورسات فواتير التأمين، ودرّبت ثلاث موظفين، وساعدت في إعادة تنظيم المواعيد مع توسع العيادة.
​دي ماكنش فرصة حد جابهاله على طبق من فضة.
​أنا استاهلتها وتعبت فيها.
​”في الواقع،” قلت، “أنا حابة نتكلم عنها دلوقتي.”
​دكتورة ميرفت ابتسمت.
​”تمام، على بركة الله.”
​راجعنا مسؤوليات المنصب الجديد.
​مواعيد الموظفين، عقود الموردين، التزام التأمين، وتدريب العاملين.
​اتكلمنا عن زيادة المرتب وفرص التعليم الإداري الإضافي خلال السنة الجاية.
​وبعدين سألتني لو لسه عايزة الوظيفة والترقية دي.
​افتكرت إعلان سيف الواثق في الكنيسة:
​هي هسيب عيادة الأسنان.
​كان متكلم كأن مستقبلي كله وشغلي مجرد تفصيلة يقدر يشيلها من مستقبلنا من غير ما يأخد رأيي أصلاً.
​بصيت لدكتورة ميرفت.
​”أيوه،” قلت. “عايزاها وبشدة.”
​مدت إيدها تسلم عليا.
​”يبقي مبروك يا ندى.”
​شكرتها من غير ما أعيط.
​بس بعد دقايق في حمام الموظفين وأنا لوحدي، وقفت قدام الحوض، ضحكت على نفسي، ومسحت دموعي.
​فرحي طار.
​والمستقبل اللي قضيت ثلاث سنين بتخيله طار هو كمان.
​بس أنا ما خسرتش كل حاجة.
​ورفضت أتخلى عن حاجة تعبت فيها عشان أصلها، لمجرد إن سيف كان مؤمن إن وقتي وعمري ملكه لوحده.
​الصبح عدى بسرعة.
​مريض جه متأخر لجلسة تنظيف.
​برنامج التأمين بتاعنا رفض مطالبة سليمة.
​واحدة من المساعدين كانت محتاجة مساعدة في تعديل مواعيد بعد الظهر.
​مشاكل شغل عادية وطبيعية.
​مشاكل فاهمة طبيعتها وعارفة أحلها.
​حوالي الظهر، بصيت في تليفوني.
​هدير كانت كاتبة:
​كريم واخد العيال بكرة والاربع. وهقابل مديرة حضانة بكرة بعد الظهر بخصوص أماكن فاضية محتملة. مفيش حاجة أكيدة لسه، بس ع الأقل معانا كم يوم.
​ورقها رسالة تانية.
​وبرده قلت لسيف إن قرض العربية لسه مسؤوليته لوحده.
​تأملت الشاشة بتركيز.
​هدير كملت:
​قال إن ده مش عدل لأنه عمل الترتيبات دي خلاص. قلت له إنك عمرك ما وافقت على الترتيبات دي، فماكنش من حقه يعملها أساساً.
​كنت شاكة إن سيف هيرد لها الفلوس بسرعة.
​هدير ممكن تحتاج تعمل اتفاق سداد رسمي أو تاخد خطوات قانونية عشان ترجع فلوسها.
​بس دي كانت مسألة تخصهم هما ويحلوها سوا.
​ولأول مرة، الحل المقترح ما كانش بيشمل مجهودي وشغلي ببلاش.
​هدير بعتت رسالة أخيرة:
​أنتِ دايماً كنتِ طيبة مع عيالي. وآسفة إني خليتك تحسي إن ده معناه إنك مدينة لنا بحاجة.
​قريتها كويس قبل ما أرد:
​أنا بحب العيال دي جداً. وده عمره ما كان المشكلة.
​ردت:
​أنا عارفة ده دلوقتي.
​شيلت التليفون.
​لسه كان فيه مشاكل ومسائل عملية كتير مستنياني.
​سيف وأنا ورانا فواتير فرح نقسمها، هدايا نرجعها، حاجات شخصية نتبادلها، وأسئلة صعبة نجاوب عليها.
​بعض قرايبه ممكن ما يفهموش أبداً ليه ألغت الفرح.
​ممكن يتهموني إني بالغت أو يصروا إني كان مفروض أديله فرصة تانية.
​وغيرهم هيجادلوا إن الجواز بيحتاج تنازلات ومساومات.
​وأنا ماكنش عندي اعتراض على أهمية التنازل والتفاهم في العلاقات.
​بس التنازل الحقيقي معناه إن شخصين بياخدوا القرار مع بعض.
​ما ينفعش يبدأ بكذب وخداع.
​وما ينفعش يتطلب من ست تتخلى عن شغفلها، وقتها، وحقها في اختيار مصيرها بس لمجرد أنها بقت زوجة لحد.
​بعد وردية شغلي، سقت عربيتي وراجعة البيت.
​الشقة كانت هادية.
​مفيش شنط عيال جنب الباب، ولا شنطة حفاضات على الرخامة، ولا أصوات صغيرة بتنادي عليا.
​تخيلت الصبح كان هيمشي إزاي لو خطة سيف كانت نجحت.
​مريم كانت هتطلب ألوان.
​ويوسف كان هيعوز بان كيك.
​وحمزة كان هيمد إيديه يطلب مني أشيله.
​وكنت هرعاهم بحب وعناية.
​كنت هحضر الفطار، أنظف وشوشهم، أطمنهم، وأقضي معاهم اليوم.
​دي كانت طبيعتي بكل بساطة.
​وسيف كان عارف كده كويس.
​وكان مستغل ده ومعتمد عليه.
​مكنش متأكدة إني هقدر أسامح في الحركة دي يوم من الأيام.
​قلعت جزمتي وجمعت الجوابات والبريد.
​كان فيه كارت شكر من مريض وفاتورة الكهرباء بتاعتي.
​ح حاجات يومية عادية.
​حطيتهم جنب مفاتيحي.
​وبعدين لاحظت علبة بيضاء صغيرة على حرف رخامة المطبخ.
​دبلة فرحي.
​كنت جايباها معايا الكنيسة يوم السبت في شنطتي، وكنت ناوي أديها لبسنت قبل المراسم.
​عمرها ما لبست صباعي.
​فتحت العلبة.
​الدبلة الذهبية السادة كانت بتعكس ضوء شمس بعد الظهر.
​لأسبوعين، كنت بتساءل إحساس لبسها هيكون إيه.
​ودلوقتي بقيت أتساءل كنت هفضل لابساها قد إيه لحد ما أكتشف إيه اللي سيف كان بيعتقد إن الجواز بيديه الحق يطلبه مني.
​تليفوني رن.
​سيف.
​فضلت باصة على اسمه.
​جزء مني كان عايز يرد.
​كنت عايزاه يستوعب هو دمر إيه، ويقول حاجة تثبت إنه أخيراً فهم أنا ليه سبته ومشت.
​بس افتكرت طلبه الأخير:
​لو بس تساعدي هدير أسبوع أو أسبوعين…
​حتى اعتذاراته كان وراها طلبات والتزامات.
​سبت المكالمة ترن لحد ما راحت للبريد الصوتي.
​وبعدين قفلت علبة الدبلة.
​بكرة، هتكلم مع بسنت في موضوع إرجاعها وأرتب مع سيف عشان ياخد الحاجات البسيطة اللي سابها عندي في الشقة.
​هنخلص موضوع المصاريف ونصفيه.
​وهجاوب على أي أسئلة لما أحس إني مستعدة.
​وفي يوم من الأيام، كنت أتمنى أفتكر يوم فرحي ده من غير ما أعيط.
​بس عمري ما هقضي حياتي أحاول أقنع بني آدم إني استاهل يكون ليا رأي وصوت في مستقبلي.
​في المساء ده، عملت العشا لنفسي لوحدي.
​أكلت على ترابيزة المطبخ وأنا براجع مواد التدريب اللي دكتورة ميرفت إدهاني.
​منصبي الجديد مش هيكون سهل.
​هيكون فيه أيام متعبة، مرضى متذمرين، زملاء عمل صعبين، وغلطات هتعلم منها.
​بس أنا اللي اخترت المسؤوليات دي بنفسي وبكامل إرادتي.
​قبل ما أنام، فتحت جدول المواعيد بتاعي.
​سطر يوم الاتنين كان لسه مكتوب فيه:
​أول يوم في الحياة الزوجية.
​مسحته خالص.
​وبعدين عملت تذكير جديد للأسبوع القادم:
​تدريب مديرة العيادة — 9:00 صباحاً.
​حطيت التليفون جنبي.
​ولأول مرة من يوم السبت، حسيت بشوية أمل تجاه اللي جاي.
​سيف ماكنش مجرد نسي يستأذنني.
​ده كان متعمد يتجوزني الأول عشان يضمن إني ما أقدرش أرفض.
​النهاية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *