في عزومة ليلة رأس السنة
حصري لصفحة روايات رولا
في عزومة ليلة رأس السنة، بابا وماما قالولي ألم عفيشي وأمشي وأعتمد على نفسي، وأخويا كان بيضحك في وشي وبيتريق. قمت بالراحة وشيلت شنطتي عشان أمشي—لحد ما أمي اتوترت وجريت عليا، وهي بتسألني لو هفضل أدفع فواتيرهم ولا لأ.
”أنتِ بقيتي عندك خمسة وعشرين سنة يا هنا. جه الوقت اللي تلمي فيه حاجتك وتبدأي تعتمدي على نفسك.”
صوت بابا قطع الجو الدافئ وإضاءة شجرة رأس السنة التي بتنور وتطفي، كان صوته حاد وقاطع. وعلى الناحية التانية من ترابيزة السفرة الأرو، أخويا الصغير، كريم، خنقت معاه الضحكة في كاس العصير، وبيغطي ضحكته الصفرا بالمنديل. طوال السهرة بابا وماما مبيعملوش حاجة غير إنهم يرموا كلام على شغلي من البيت كـ “فري لانسر”، فاكرين إني بالعافية بجمع القروش وأنا عايشة تحت سقفهم. كانوا باصينلي على إني العبء الدائم، البنت الغلبانة اللي مش عارفة تحصل نجاح كريم المزيف في الشركات.
لحظة الانفجار جت متغطية في شكل “قسوة حب” بمناسبة الإجازة. كانوا عايزين يطردوني، ومقتنعين إني هرجع أتحايل عليهم وأبوس إيديهم عشان يدوني أفك معهم في خلال أسبوع.
مزعقتش. ما أترجيتش حد ولا جادلت. هدوء تقيل وبارد نزل عليا. ومن غير ما أقول ولا كلمة، زقيت الكرسي لورا، وقمت بمنتهى الهدوء، ومديت إيدي أجيب شنطتي الجلد التقيلة اللي كانت محطوطة جنّب شماعة الهدوم في الممر. أنا كنت مجهزاهة ومجمعة حاجتي فيها من أول ما دخلت البيت، لأني كنت حاسة إن المواجهة دي جاية جاية.
وأنا بقفل سوستة الشنطة وبألف وشي ناحية باب الشقة، الجو المبهج اللي في الاوضة اتقلب في ثانية. صوت خطوات سريعة بتجري على الأرض الباركيه، وماما جيت بتجري عليا، وشها أصفر ومخطوف من ذعر مفاجئ. مسكت في دراعي، وضوافرها بتغرز فيا بلهفة.
”استني يا هنا! قبل ما تمشي… أنتِ لسه هتدفعي الفواتير الشهرية وقسط الشقة، صح؟”
الصالة كلها بقت زي المدافن.
كريم بطل ضحك في ساعتها، والشوكة اتعلقَت في الهواء قبل ما توصل لبُقه. بابا قعد مفرود على الكرسي، وحواجبة اترفت بذهول ومشهود، وبص لأمي وكأنها اتجننت. أمي مكنش هاممها استقلالي ولا زفت؛ كل اللي كان هاممها إن العيشة المرتاحة، واشتراك نادي الجزيرة، وأقساط الشقة، كل ده قايم ومترتب على نفس الحساب البنكي اللي هي مستنية مني أسيبه وأمشي.
بصيت لإيدها اللي ماسكة فيا، وبعدها رفعت عيني بالراحة عشان تيجي في عينها، وسبت ابتسامة هادية وخطيرة تترسم على شفافي.
”أدفع فواتيركم؟” كرتها بمنتهى الهدوء. “يا ماما، أنتِ لسه قايلالي ألم عفيشي وأعتمد على نفسي. مش الناس المستقلين هم اللي بيدفعوا مصاريفهم بنفسهم ولا إيه؟”
الدم اتهرب من وشها، وسابت دراعي.
”متلبيش معايا يا هنا، أنتِ فاهمة قصدي كويس. قسط الشقة اللي بيتخصم أوتوماتيك، وفواتير الكروت البنكية… شهر يناير لسه مدفعش. مش معنى إننا اختلفنا في الكلام تقوم تقطعي عننا المصاريف كده!”
بابا زق الكرسي وقام وقف: “إيه الكلام ده يا ماجدة؟ فواتير إيه دي اللي بتتكلم عنها؟”
عينيه كانت بتتنقل بيننا، وهيبته وسيطرته المعتادة بدأت تتشرخ.
كريم ضحك ضحكة متوترة: “إيه الهبل ده يا هنا؟ ماما، هي بتتكلم ليه وكأنها هي اللي بتصرف على البيت؟ دي شغال فري لانسر من البيت، دي مبتقبضش أصلاً اللي يخليها تأجر أودة وصالة!”
لفيت وشي ناحيته والشنطة لسه على كتفي: “هنا أنت غلطان.”
ابتسامته اختفت.
”أنتم بقالكم سنين بتتريقوا على شغلي من البيت لأن مفيش حد فيكم فكر حتى يسألني أنا بشتغل إيه بالظبط.”
طلعت موبايلي، فتحته، وعملت عرض لشاشة البنك الخاصة بالشركة على شاشة التلفزيون الكبيرة في الصالة.
الشاشة نورت تحت إضاءة زينة رأس السنة.
شركة “أبيكس لتكنولوجيا السحاب والتطبيقات”.
شركة بالمليارات لإدارة وتطوير شبكات الشركات.
أنا اللي أسستها.
أنا اللي بنيتها.
وأنا صاحب أغلبية الأسهم فيها.
محدش نطق كلمة.
قلت وأنا ببص في الصالة: “على مدار التلات سنين اللي فاتوا، كل مظاهر العز والفلوس اللي كنتم عايشين فيها كانت مدعومة من أرباح شركتي.”
”الشقة دي في مصر الجديدة. عربية كريم السبور. خروج وتسوق ماما. واشتراكات صندوق معاشات بابا.”
بابا كان باصص للأرقام اللي على الشاشة بذهول، وبُقه مفتوح مش مصدق.
كملت كلامي: “أنتم مكنتوش بتصرفوا عليا… أنا اللي كنت بصرف عليكم كلكم.”
وشه اتقلب وأصفر.
كريم بقى يبص للشاشة ولِيا بذهول: “الحاجات دي ملكك أنتِ؟”
”أيوة.”
ماما همست باسمي، بس أنا طنشتها.
”وبما إننا بتتكلم عن الاستقلالية…”
دوست على زرار في الموبايل.
”بدءاً من الثواني دي، كل التحويلات البنكية الدورية، والبطاقات الائتمانية، وأقساط الشقة المربوطة بحساباتي اتلغت.”
موبايلي بدأ يرن بإشعارات الإلغاء فوراً.
وفي نفس اللحظة، موبايل ماما نور على الترابيزة، وبعده موبايل كريم، وبعده موبايل بابا.
رسائل الرفض وإلغاء المعاملات بدأت تنزل على شاشاتهم ورا بعض.
ماما شهقت ووقعت على الكرسي: “لأ… مش ممكن ده يحصل. البنك… والقسط…”
كريم مسك موبايله بذهول: “المعاملة اترفضت؟” بصلي بعيون مبروغة: “إيه اللي بتعمليه ده يا هنا؟ أنا عندي أقساط عربية ومصاريف السفرية بتاعة الجونة الأسبوع الجاي!”
”يبقى ألغي سفرية الجونة.”
ظبطت حزام الشنطة على كتفي: “مصروفك اتفصل خلاص.”
وشه اتخطف.
”أهلاً بيك في عالم الاستقلالية… مش ده اللي كنتم عايزينه لِيا؟”
صدمة بابا اتحولت لفورة غضب، خبط بإيديه على الترابيزة لدرجة إن الكاسات اتهزت: “أنتِ بت قليلة الأدب وناكرة للجميل! إحنا اللي ربيناكي وسكنناكي تحت سقفنا، وده رد الجميل؟ تذلي أهلك في ليلة رأس السنة عشان كلمة اتسالت؟”
”عشان كلمة؟”
قربت منه خطوة: “أنتم طوال السهرة بتعاملوني على إني عبء ورخيصة.”
بصلي وهو مذهول، فكملت: “قلتولي امشي وأنا في الشارع من غير حتى ما تسألوني لو معايا مكان أنام فيه.”
”كنت عايز أعلمك المسؤولية!”
”لأ.”
صوتي كان ثابت ومفيش فيه تقطيع: “أنتم كنتم عايزيني أمشي عشان كنتم فاكرين إني هفشل.”
كريم كان واقف زي الصنم، والابتسامة الصفرا اختفت تماماً من وشها.
”كنتم مستنيين إني أترعب وأرجع أتحايل عليكم وأبوس إيديكم عشان ترضوا عني.”
بصيت في وشوشهم هم التلاتة: “بقوكم سنين بتعاملوني على إني صغيرة، وفاشلة، وممليش لازمة.”
وبعدها بصيت لبابا في عينه مباشرة: “كنت فاكر إنك بترميك وتتخلص من واحدة فاشلة.”
سكت ثانية وكملت: “مكنتش فاهم إنك بترميك وتتخلص من المصدر الوحيد اللي عايشكم في العز ده.”
بابا جيه يهجم عليا بغضب، بس قبل ما يقرب step واحدة، باب الشقة اتفتح.
دخل اتنين رجالة ببدل كحلي تقيلة. الحراسة الخاصة بيا.
أنا كنت مخليهم مستنيين تحت في العربية لأني عارفة أهلي وطبيعتهم لما يكتشفوا إني مش همشي تحت طوعهم.
كبير الحرس وقف في النص بيني وبين بابا بكل هدوء: “يا فندم، من فضلك خليك مكانك.”
بابا اتسمر في مكانه، وبص للحرس، وبعدها بصلي.
ولأول مرة، وهم السيطرة بتاعته اتهد تماماً. مابقاش الراجل صاحب الكلمة الأولى والأخيرة في البيت، بقى مجرد راجل عايش في بيت مش هيقدر يدفع إيجاره أو مصاريفه من غير البنت اللي لسه طاردها من شوية.
ماما وقفت وهي بترتعش: “هنا… عشان خاطري.”
بصيت لها: “مش كنتِ عايزاني أعتمد على نفسي ومستقلة؟”
شفايفها كانت بترتعش ومش عارفة تطلع كلمة.
”يبقى ده اللي هيحصل بالظبط.”
بصيت لبابا وقلت: “إخطار المحامي الخاص بملكية العقار والشقة هيوصلك بكرة الصبح.”
برق بعينيه: “ملكية إيه؟”
”هتعرف بكرة.”
فتحت باب الشقة: “قدامكم لحد آخر الأسبوع عشان تظبطوا أموركم وتشوفوا هتروحوا فين.”
ماما شهقت، وكريم كان وشها راكبها الرعب، وبابا باصصلي وكأنه أول مرة في حياته يشوفني.
”سنة جديدة سعيدة عليكم.”
وخرجت.
هواء أغسطس الدافئ ضرب في وشي.
باب الشقة التقيل اتأفل ورايا، وقفل معاه 25 سنة من المحاولات عشان آخد رضا ناس مكنوش بيقدروني غير وأنا مفيدة وبدفع.
نزلت وركبت عربيتي اللي كانت مستنياني تحت، واللابتوب بتاعي كان مفتوح على الكنبة اللي ورا.
موبايلي بدأ يرن ورا بعضه من غير وقف.
ماما.
بابا.
كريم.
رسائل بتتوالى ورا بعضها.
مقريتش ولا واحدة فيهم.
عملت بلوك للأرقام كلها وحطيت الموبايل جنبتي.
طوال السنين اللي فاتت، كنت فاكرة إن الاستقلالية هي إني أثبت إني أقدر أعيش من غير أهلي.
بس في الليلة دي، عرفت إن المعنى الحقيقي للاستقلالية حاجة تانية خالص…
إنهم ميبقاش عندهم أي وسيلة، ولا حب، ولا ذنب، ولا سقف، ولا رضا، يقدروا يستغلوا عشان يتحكموا فيا تاني.
البنت الصغيرة اللي قضت عمرها بتحاول تخليهم فخورين بيها ماتت خلاص.
أنا مأصبحتش بس مستقلة… أنا بقيت حرّة.