حنان 4

العاشر.
​كانت محتاجة الاهتمام؛ دايماً كانت تبص على اللي حواليها مستغربة، كانت بتتألم في صمت وبتفضل مستنية.. ليه مفيش حد مهتم بيا؟
​قرب منها وبقى على بعد خطوة، حط إيده فوق مسنودة على الحيطة بيتأمل عينيها المكحلتين عن قرب وقال بنعومة:
​إيه الحلاوة والجمال ده كله!
​ابتسمت غمزة وهي بتبص في الأرض، رجع يتأملها تاني وحط إيده على شعرها بيتحسس نعومته، ونزلت إيده على خدها، وبص لعينينها المكحلتين بكحل عربي ثقيل برز لون عينيها العسليتين الواسعتين. رفع إيده قرب عينيها يلمس بنعومة وشها، وبعدين قرب واستنشق ريحة عطرها اللي بيحبه، ودفن رأسه في التجويف اللي بين رقبتها وكتفها الشمال، وبدراعه اليمين شدها من وسطها ناحيته وباس خدها بوسة حنينة كلها وله.
​بعدت غمزة عنه بدلع وهي شايفة إنها لازم تتكلم معاه الأول، وحطت كفوف إيدها على صدره عشان تبعده شوية. أحمد اتضايق لما بعدته وبص لها وهو بيسأل، فقالت تبرر:
​أنا عايزة أرجع شقتي يا أحمد.
​أحمد دار وشه وهو بيفكر، هو عارف صعوبة ده واللي هيجرى له من غضب إلهام وأمه، رجع يبص لها ولجمالها، وكان عايزها ومشتاق لها وحاسس إنه بعد عنها كتير، كام يوم عدوا من غير ما يقرب منها؟ قعد يقول جواه بغيظ: “تولع إلهام ولا تتحرق في الجحيم!”.
​رجع يقرب منها وحط كفوف إيده حوالين خدودها ورفع رأسها ليه وهو بيبص في عينيها الواسعتين وقال وهو هايم فيها:
​إن شاء الله يا غمزة، هحاول.
​تأمل شفايفها الكريز وقرب بفمه عايز يدوق طعمهم، وكأن فيه حريقة جواه بتشعلله وبتخليه عايز يدوب معاها دلوقتي، وتذهب إلهام وأمه في قاع جهنم، كفاية عليه ينعم بالقرب ده دلوقتي. بس غمزة دارت وشها بعيد عن فمه، فجت بوسته على خدها بوسة حنينة. رفع حاجبه مستغرب بس مشغلش باله كتير، وحاول يبوسها تاني فحطت غمزة كف إيدها على شفايفه تمنعه وقالت بتأفف:
​يعني إيه هحاول.. هااا؟ أنت قلت لي يومين أو ثلاثة وأرجع شقتي… هي لازم تعرف إن ليا حق زيها بالظبط.
​أحمد مابقاش يفكر، هو مش شايف غير حركة شفايفها الشهية وهي بتتكلم، ومبقاش سامع ولا فاهم حاجة من اللي بتقولها، فهز رأسه بالموافقة عشان ينهي الكلام ويتفرغ لجمالها. رجع يقرب ويقرب، ولما غمزة حاولت ت صده تاني زقها لجوه وشدها من وسطها لحضنه، وقرب بشفايفه يتجول على وشها، وفجأة ومن غير أي إنذار، سمعوا هما الاثنين صوت إلهام الحاد الصارخ وكأنها طلعت من الأرض:
​الله، الله! أنا كنت عارفة ألاعيبك، من أول خروجة لخالتي هتخرجي وتلعبي بديلك أكيد!
​بعد أحمد عن غمزة بسرعة وهو متوتر وكأنه اتمسك بالجرم المشهود، وقعد يهرش في كف إيده بتوتر، أما غمزة فوشها احمر من الغضب وكشرت ورفعت حاجبها وردت عليها باستنكار:
​ألعب بديري! ليه؟ مش هو جوزي زي ما هو جوزك، ولا أنتِ نسيتي؟
​إلهام اتعصبت وشوحت بإيدها وصوتها علي وبقى أكثر حدة:
​تؤ تؤ تؤ.. الظاهر إنك أنتِ اللي نسيتي، نسيتي إنك أرض بور يا ست هانم غمزة!
​غمزة حست بالألم ومقدرتش تتحمل سيرة عجزها عن الخلفة، فبصت لأحمد تستنجد بيه عشان يدافع عنها، بس لـقـتـه بيهرش في رأسه وواقف بعيد كأنه متفرج. فجمعت اللي باقي من شجاعتها، وهي هنا مش بتدافع عن حقها في أحمد بس، دي بتدافع عن حقها في حياة كريمة زيها زي أي حد، فقالت بقوة:
​أهو علشان السبب ده اضطر يبتلي بوشك، ألم تسألي نفسك متجوزكيش قبلي ليه رغم إنك قدامه من زمان!
​وبصت لمناخيرها وهي بتميل بقها بسخرية. إلهام فهمت قصدها وسخريتها من مناخيرها، فالدم طار لنفوخها وزادت عصبية على عصبيتها وعينيها طلعت شرار. أحمد حس بكده وعرف إن إلهام على وشك تعمل جناية، فجرى عليها ومسك كتافها يهدّيها، بس إلهام حاولت تروح لغمزة وتمسكها من شعرها اللي متباهية بيه وكانت عايزة تقطعه بإيديها. غمزة حست بالخطر بيقرب منها، فدب الخوف في عينيها وهربت شجاعتها منها وسابتها في موقف صعب جداً، رجعت خطوتين لورا تحسباً لو إلهام فلتت من أحمد، وسمعتها بتقول بحدة ووعيد وهي بتهز صباعها بتحذير وأحمد بيحاول يثبت جسمها بعيد عن غمزة:
​بصي لي هنا يا موكوسة، لو شفتك تاني قرب أحمد أو بتحومي حواليه، مش هيحصل لك طيب أبداً، ووشك وجمالك اللي فرحانة بيه ده مش هيكون له ملامح، هااا.. سمعتيني؟
​وش غمزة اصفر من التهديد الصريح، وبصت لضهر أحمد اللي منطقش بحرف يعترض، فرجعت غمزة تقول بضعف وصوت واطي:
​إيه معنى الكلام ده؟
​صرخت إلهام بحدة وهي بتبعد لورا عن أحمد:
​ببساطة معناه تدخلي بكل هدوء تلمي هدومك وتفارقينا بالسلامة، خلاص استغنينا عن خدمتك.
​أحمد وغمزة اتفاجئوا من اللي قالته، وبص لها أحمد وهو مبهوت وقال بسرعة:
​إيه الكلام اللي بتقوليه ده يا إلهام؟ أنا مقدر غيرتك عليا، بس هي مراتي زيك بالظبط.
​إلهام ضيقت عينيها للحظات وبصت له كأنها حية هتنقض على فريستها، وده خلى أحمد بجبروته يخاف منها جواه، بس حاول يحافظ على ثباته قدامها. قالت إلهام بصوت واطي زي حفيف الأفعى، وأحمد تخيل للحظة إنها هتطلع لسانها المسموم:
​بس ده من النهارده هيتغير.
​غمزة كانت بتابع مصيرها هيروح لفين وكأنها مش هي الشخص المقصود باللي بيحصل، أما أحمد فسأل إلهام بحيرة:
​مش فاهم معنى كلامك؟
​بصت له إلهام بحدة وهي بblock إيديها فوق صدرها وقالت:
​يعني تطلقها يا أحمد.. دلوقتي.
​هنا انتفض أحمد وغمزة اللي خافت جداً لو أحمد نفذ طلبها، بس أحمد كان عنده رأي تاني، هو حتى لو بعد عن غمزة فترة أو ضربها، إلا إنه حبها من أول ما شافها في ليلة فرح أختها، وميقدرش يتخلى عنها، فقال بحدة زي حدتها:
​أنتِ بتقولي إيه؟ مستوعبة كلامك ولا اتجننتي؟ أنتِ عارفة من الأول إني مش هطلق غمزة.
​ابتسمت إلهام بسخرية ومكر وبصت لغمزة اللي حاسة دلوقتي إن أحمد هو بطلها اللي بيكافح عشانها، ورجعت إلهام تسأل بسخرية:
​متأكد؟
​رد أحمد من غير تفكير وشافها فرصة يعلن موقفه:
​طبعاً متأكد، ومن النهارده غمزة هترجع شقتها تاني.
​ابتسمت غمزة وسقفت بإيديها بعفوية طفولية، هاه.. خطتها نجحت وهرجع شقتي تاني! بس إلهام اللي بقت هادية على غير المتوقع قالت بهدوء:
​أمممم.. إذن يا أنا يا هي يا أحمد.
​غمزة وقفت سقف ومسكت نفسها مترقبة كأنها بتشوف ماتش كورة مهم في نهائي بطولة، وأحمد قال جواه: “في ستين داهية يا شيخة، كفاية عليا مناخيرك ونقارك ليل نهار ورخامتك”.. بس حاول يتماسك شوية لأنه مش هيقدر يواجه غضب أمه:
​ده كان اتفاقي معاكِ من الأول، طلاق مش هطلق، ولازم تعرفي إنها مراتي زيك بالظبط.
​سكتت إلهام لبرهة بتتأمل أحمد وغمزة، وبعدين قالت وهي بتلف وتديهم ضهرها:
​إذن يؤسفني أقول لك يا ابن خالتي، إني مش هقعد مع ضرة تاني.
​رد أحمد بلا مبالاة:
​على راحتك يا إلهام.
​مشيت ناحية الباب ولفت تاني وهي بتطلع ملف من شنطتها:
​بس لازم تعرف إن (وحطت إيدها على بطنها من تحت) ابنك هيفضل معايا.
​أحمد عقد حواجبه وبيحاول يستوعب هي قالت إيه؟ هل.. قالت إيه! رجع يسألها بدهشة وحيرة:
​أنتِ قلتي إيه؟
​حركت إلهام كف إيدها على بطنها بنعومة:
​قلت إن ابنك بيكبر في بطني (ولفت تاني عشان تمشي بعد ما رمت مفاجأتها وقالت) عن إذنكم يا محترمين.
​أحمد جري وراها ومسك دراعها وهو بيقول:
​لا استني!
​لفت إلهام وبصت له بحدة:
​خير.. عايز إيه؟
​مد إيدها الفاضية بيتحسس بطنها بفرحة:
​بجد يا إلهام؟ ابني هنا؟ يعني أنا هكون بابا!
​إلهام مردتش، بس بصت لغمزة اللي كانت مبرقة ومصدومة، بتعايرها بحرمانها وعجزها عن الخلفة، ورجعت تقول مؤكدة وهي بتديه التقارير:
​التحاليل اهي، اقرأ وأنت تعرف.
​مسك الملف اللي حطته في إيده، فتحه وقرأ الكلمة الصغيرة اللي ياما حلم بيها واستناها في مرات كتيرة راحت فيها غمزة للدكتور، عشان تيجي إلهام فجأة ومن غير انتظار اللحظات الصعبة تبلغه بكل هدوء إنها مستنية ولي العهد. دقات قلبه زادت وبقى يرقص من كتر الفرحة، وجواه بيصرخ: “ارقص وغني خلاص مش هتبقى لوحدك، هييجي دلوقتي اللي يملى عليك دنيتك وحياتك”.. وضحك لدرجة إن سنانه بانت وهو بيبص لعينين إلهام الخبيثة بعينين كلها فرحة وسعادة. وحينها عرفت إلهام إن دي فرصتها ولازم تستغلها، فقالت بصرامة:
​يا أنا يا هي.
​هو مفهمش في الأول بتتكلم عن إيه، أما غمزة فسترت ألمها وعذابها الداخلي ورسمت بسمة باهتة ملهاش معنى وقالت بمرح مزيف ومصطنع:
​مبروك يا حمادة، فرحت لك والله.
​وجواها بيصرخ وجع وعذاب، حاسة وكأن حد ماسك سك..ينة تلمة بتقطع في جسمها وبتنزع قلبها. أما إلهام فبصت لها بكل برود ورفعت صوتها تاني عشان تصحي أحمد من فرحته وتحطه قدام حيطة سد مفيش قدامه غير الاختيار:
​هااا.. قلت إيه يا أحمد؟ يا أنا يا هي؟
​أحمد بلع ريقه وهو متردد للحظات، فسرعت غمزة في الكلام بعد ما فهمت إن روحها في إيد إلهام والقرار قرارها هي مش أحمد:
​أنا مستعدة أفضل أشتغل خدامة، وأهو بالمرة أساعدك في تربية النونو علشان تروحي شغلك وأنتِ مطمنة.
​فضلت إلهام تبص لها بحدة وهي ومضيقة عينيها، وعلى طرف بقها ابتسامة ساخرة، وعجبها جداً وهي شايفه غمزة عدوتها الأولى بتتذلل لها عشان تفضل، وأحمد الواقف قدامها بيستعطف رضاها وجاري ورا حلم أبوته. ومن غير رحمة رجعت تضغط على أحمد وعينيها منزلتش من على وش غمزة وعينيها المتوسلة:
​هااا.. قلت إيه؟
​رجع بلع ريقه ولف لغمزة اللي وشها كان شاحب من الخوف والترقب، تنحنح وحاول يتكلم بعد ما أخد قراره، ودار وشه عن نظراتها المتوسلة وقال بصوت مهزوز:
​أنتِ طالق يا غمزة.
​صرخت غمزة صرخة مكتومة وهي بتحط كفوف إيديها على بقها تمنعها تطلع، أما إلهام فرجعت تؤمره بصرامة:
​بالثلاثة يا أحمد، طلقها بالثلاثة.
​بص أحمد في الأرض للحظات وبعدين قال:
​أنتِ طالق بالثلاثة يا غمزة.
​دموعها نزلت حرة على خدودها، وإلهام بتبص لها وفرحانة بانتصارها ومرسومة ابتسامة ساخرة على شفايفها وهي رابطة إيديها فوق صدرها، وقالت بتمهل:
​الطلاق لازم يتم عند المأذون.
​هز رأسه باستسلام وموافقة وهو باصص للأرض، مش قادر يبص في عينين غمزة ولا قادر يشوف ملامح إلهام المنتصرة. سكت، في حين أمرتها إلهام وهي بتحرك دراعها:
​يلا يا شطورة، روحي غيري هدومك علشان نروح للمأذون.
​فضلت غمزة تبص لهم بدهشة، ولسه إيديها الاثنين على بقها ودموعها بتسيل على خدودها. أعادت إلهام كلامها بصرامة ونبرة حادة:
​هكرر كلامي كتير؟ اتفضلي يا ست هانم.
​كيف عاتبتهِ؟
كنتُ أنظرُ للجِهاتِ كُلّها عدا وجههِ.
​لفت غمزة باستسلام وحزن وراحت أوضتها تغير هدومها وتلم اللي باقي لها قبل ما تخرج من البيت ده، وهي سامعة إلهام بتسأل أحمد بدلال مش لايق عليها:
​ها قول لي، عايز ولد ولا بنت؟
​وأول ما قالت كده، ملامحه الحزينة اتبدلت لابتسامة حلوة ولف ليها وهو بيبص لبطنها، وراح ناحيتها وحط إيده على بطنها بيتحسسها وكأنه بيتحسس طفله، عشان تزيد ابتسامة إلهام انتصار وظفر.
​بين قسوةٍ ورِقة
أخبر مَدائنك العَتيقةَ أنني
برغم كل ما نسيت أن اخبرك به
في لحظات جنونِي بك
لم أنسَ يَوماً أن أكونَ لك
بين قسوةٍ ورِقة
لم أنسَ أن أُداعِب طَيفكَ الرَّاقد
خلفَ ذاكَ الشّاهد هناكَ على قبري في قلبك
كيفَ لا !! ونبتُ الحُب باقٍ لم يَمسَسه بَشر
وأن شجرة النور لا تزال تطرح في مسَافاتي إليك
تنجب أفراحاً أحلاماً وأمنيات
فلا عجبَ مهما غَفت مدائِنك
مهما اغلِقت أبوابُ حُصونك
فإن جذوةُ الحُب في قلبكَ لم ولن تنمِ.
​(أحبّيني وقوليها لأرفض أن تحبّيني بلا صوت وأرفض أن أواري الحبّ في قبر من الصّمت أحبّيني بعيداً عن بلاد القهر والكبت بعيداً عن مدينتنا التي شبعت من الموت) “”نزار قبانى””
​تمدد جنبها وهو مايل على جنبه وساند رأسه على كفه قريب منها، بيفصل رأسه عن رأسها بوصة واحدة، حليق الدقن ومبتسم وعينيه فيها لمعة زي ضي الشمس لو ساب لها المجال كانت نورت الكون. ماسك بين صوابعه وردة بيضاء ساقها طويلة ومتقلم شوكها، ولسه قطرات الندى على بتلاتها المتفتحة، بيحركها بنعومة على جفون عينها المقفولة زي نسمة هوا باردة. قلبه بيرقص جوه ضلوعه، حاسس كأنه اتولد النهارده بل من ساعات قليلة. سعادته مكنتش لمجرد وصال، دي كانت لأمل اتصحى جوه قلبه بعد ما كان اندفن تحت التراب. مشيت بتلات الوردة الناعمة على عينيها، ونعومتها كانت بتنافس نعومة خدودها، حركها تاني وتاني وهو فرحان، ولما فتحت عينيها الفيروزية همس بصوت دافي:
​صباحك ورد.
​عينيها وسعت وهي بتبص له للحظة، واقتربت تفتكر اللي حصل.. هي استسلمت، أيوه استسلمت له، صحيح مكنتش ليه زي ما بيتمنى ويشتهي بس اتجاوبت، وده لوحده كفاية. عينيها وسعت رعب أكتر وأكتر، هل فرطت في حقها وحق أختها وأبوها؟ هل بجد عملت كده؟ ملامحها كانت واضحة ليه وبتحكي ألف معنى، بس الأمل جواه مش هينكسر تاني، ده هيحاول ويحاول ولو وقع هيكون قتيل في هواها وشهيد لغرامها. ونطق لسانه بأمنية كبرت جواه: “أحبيني، أحبيني”.
​العينين اتلاقت والكلام اتنقل، ولسانه عمال يعيد بصوت هامس:
​أحبيني بلا عقد، وضيعي في خطوط يدي
أحبيني لأسبوع لأيام لساعات، فلست أنا الذي يهتم بالأبد
أحبيني أحبيني ….
أحبيني بطهري أو بأخطائي
وغطيني أيا سقفا من الأزهار، يا غابات حنائي
أنا رجل بلا قدر، فكوني أنتِ لي قدري
أحبيني أحبيني
تعالي واسقـطي مطراً على عطشي وصحرائي
وذوبي في فمي كالشمع وانعجني بأجزائي
تعالي، تعالي، تعالي، تعالي
تعالي واسقـطي مطراً على عطشي وصحرائي
وذوبي في فمي كالشمع وانعجني بأجزائي
أحبيني كوني الصحوة والإعصار، كوني اللين والعنف
أحبيني معذبتي، وذوبي في الهواء مثلي كما شئتِ
أحبيني بعيداً عن بلاد القهر والكبت
بعيداً عن مدينتنا التي شبعت من الموت
أحبيني أحبيني..
​وسكت، بس العينين مكنتش ساكتة، هي كانت بتحارب متاهة في عينيه، ماشية ورا عاطفة قوية شايلاها ناحيته، كفاية تبص لعينيه علشان تولع نار عشقها في جسمها كله، بس هي مكنتش عمرها من اللي بيخلفوا وعودهم ومش هتعملها النهارده، مش هتحنث بوعد قطـعـته على نفسها زمان، ومكنتش عمرها من اللي بيرضخوا للإساءة ويسكتوا، ولو اتنازلت عن حقها فما ذنب أبوها وأختها؟ وبعقلها قعدت تقول: “الطريق بيني وبينك رويته بالدم وأنا مش هرفع راسي إلا لما آخد تاري”.
​هو مستوعب أفكارها، ونظراتها نارية، هي مسمحتوش لسه وهو عارف، بس مَكفّش عن ترديد أمنيته “أحبيني”، لعل وعسى شمسه تطلع على شط قلبها، وعشانه يتمتع في يوم بربيع حبها. دارت عينيها وابتعدت بجسمها وقعدت ساندة ضهرها على السرير ومتكئة على إيديها وقالت بسخرية هامسة:
​شايفاك لسه مفتون بنزار.
​رد عليها وهو بيلاحق عينيها بعينيه:
​وفي يوم كنتِ أنتِ كمان كده، فما عشقته إلا علشانك وما عرفته لغيرك.
​هربت بعينيها وهي بتقسم جواها وبتلعن ضعفها وقالت بإصرار:
​أهو أنت قلتها.. كنت، كنت يا آدم فعل ماضي، يعني مضى وانتهى.
​رجع يقول من غير يأس:
​فين راح حبك يا حياة؟ فين اندفن؟
​ردت بنظرات قوية:
​اندفن مع الدفاتر القديمة، سيب الماضي للماضي يا آدم.
​همس:
​إذن أحبيني في الحاضر والمستقبل زي ما عملتِ في يوم.
​جاوبت:
​كنت حمقاء.
​قابل نظراتها بنظرة تانية، وعينيها جت على الوردة اللي ماسكها، وردة بيضاء زي ما كانت هي من وقت قريب، طلعت أنفاس براءتها ونقائها على إيديه زي مصير الوردة دي بالظبط. وفي عينيها جمدت دمعة ومبقتش شايفه كويس وقالت: “يا ريت الحب ده ما كان في يوم يا آدم، يا ريتني ما عملت كده”.
​حاولت تقوم من السرير فمسك دراعها جامد وعينيه لسه بتؤمرها: “أحبيني”.. ولسانه قال بأمر هامس:
​سيبى حبك ليا المدفون في صدرك يتنفس يا حياة، سيبيه يعيش.
​شدت دراعها بقوة وهي بتقوم بعزم وإصرار، وحطت رجليها في الشبشب بعنف وسابت له السرير كله وهي بتقول بهمس قوي ورافعـة حاجبها الرفيع وشعرها البني متطاير ومكعبل حوالين وشها:
​قلت لك كتير مابقاش فيه حب، أو اللي كنت واهماه سابقاً حب.
​قام وراها وحاصرها بجسمه وبشوقه وبنار في صدره ولعت من كلامها القوي، ورفع صباعه يهدد قدام وشها:
​بلاش تحاولي يا حياة، بلاش تحاولي الإنكار.
​اتضايقت ودارت وشها وهي بتتجنب تبص في عينيه، فرجع يتكلم وهو بينزل صباعه:
​رغم موتها لسه حائل بيني وبينك.
​هنا لفت وشها بسرعة وعينيها ضيقت بعنف وصلابة مبيملكهاش أكتر الرجال وصرخت في وشه:
​متجيبش سيرتها على لسانك! مش كفاية إني السبب في موتها؟
​بيشوف إشارات جسمها، وعارف إنها بتلوم نفسها، ومواجهته ليها دلوقتي مش هتجيب نتيجة، فخليه يسيب الماضي مدفون دلوقتي ويدور لنفسه على طريق. اتنهد واستغفر وطلع نفس سخن جه على وشها المحمر، وراقب شدة جسمها واستعدادها للخناق والزعاق، فقال هامس بهدوء:
​اتخلي عن روحك الانتقامية، وبطلي تعذبيني وتعذبي نفسك يا حياتي، الكل عارف إنك مش السبب، مرضها كان اتملك منها ومكنش هينفع معاها أي علاج، متحمليش نفسك ذنب مش ذنبك.
​صرخت في وشه:
​والله ما هسيب تاري في يوم يا آدم، هرد لك اللي عملته فيا وحينها لكل حادث حديث.
​ابتسم بوجع وقال:
​إذن يا ريت تسرعي في انتقامك مني، مني أنا يا حياة علشان ترجعي للحياة.
​قالت بيقين:
​هعمل كده، وأوعدك إني هعمل كده.
​قرب منها رغم عصبيتها ورغم نظرات عينيها اللي بتؤمره يبعد، وشدها لحضنه الدافي، لقلبه اللي بينبض باسمها وبيدق عشان لحظة راحة في حضنها، وباس جانب شعرها القريب من رقبتها وهمس عند ودنها:
​راقصيني يا حياة.
​حاولت تبعد بنفاد صبر:
​أكيد اتجننت يا آدم!
​شد على ضمته ليها وجبرها تخضع وهو بيقول:
​تمايلي معايا بس، عايز أحس بيكِ.
​رغم أنفاسها السريعة اللي حاولت تتحكم فيها، حافظت على برودها وقفلت عينيها، ومن غير ما تحس ريحت رأسها على كتفه، وهو عصرها بين دراعاته وكأنه عايز يدخلها بين ضلوعه وملاقاش طريقة تهرب بيها أبداً. تمايل بيها وهو حاضنها، وشفايفه بتتحرك بعشق في كل مكان، وهمس بصوت واطي في ودنها وكأنه بيقول لها سر:
​أحبيني، أحبيني بلا عقد وضيعي في خطوط يدي، أحبيني لأسبوع لأيام لساعات، فلست أنا الذي يهتم بالأبد.
​وبعدين شهقت جامد كذا مرة وهي ضايعة وتايهة بين خطوط إيديه وبين دروب عشقه… لقد استسلمت… لقد استسلمت تماماً لرقته الخائنة..
​واقفة في مطبخها مشغولة البال والفكر ووشها محمر، حتى ودانها بقوا نفس اللون، بتعمل الفطار بذهن شارد وعقل غايب، لسه اللي حصل امبارح بيكسفها ومطير النوم من عينيها، والهالات السوداء ظهرت تحت عينيها من كتر الأرق. الوضع كله مش طيقاه ومش قادرة تتحمله كل ما ييجي في بالها. سابت اللي في إيدها ورفعت كفوف إيدها على خدودها بكسوف، وسحبت كرسي خشب وقعدت عليه وهي منهارة، وعقلها بيعيد اللي حصل لما راحت تظبط سريره وتجهزه، ودخل هو متبختر بطوله وعرض كتافه وعضلاته، وخط شعر طويل نازل على صدره لحد بطنه، وعينين ضيقتين زي عينين الصقر مركزين عليها. وأول ما عينيها جت عليه اترعبت ورجليها شالتهاش، ولما قفل الباب وراه دارت عينيها عنه بتوتر ولفت عشان تمشي، فاستوقفها وشدها ناحيته علشان يخبط جسمها الرقيق بجسمه القوي الصلب، وهي يا دوب واصلة لنص صدره، فرفعت رقبتها غصب عنها لعينيه بتسأل عن اللي بيعمله، بس هو مدلهاش فرصة وسألها بخشونة مفاجأة:
​على فين؟
​خدودها احمرت وشفتها اللي تحت بترتعش، وتوتر عينيها وفركها لصوابعها مغيرش من الوضع، بتخاف منه ومن حضوره الطاغي وبتتكسف من وجوده ومن النظر ليه وهو عاري الصدر كده. دارت عينيها بعيد عنه وهمست بصوت واطي غصب عنها، كانت عايزاه قوي مش مهزوز كده:
​هروح أنام جنب ولادي، هل عا… عايز حاجة تانية؟
​مردش على طول، بل فضل باصص لوشها اللي بيتحرك يمين وشمال في كل مكان إلا ناحيته. بص لعينينها ورموشها الدهبية اللي بتداري جمالهم وتحرمه من بريقهم، زي ما الجلباب المقفل بزيادة ده بيحرمه من نظرة لجسمها، حلاله وحقه الشرعي وهي قاعده معاه كأنها قاعده مع أخوها! قربها أكتر منه لدرجة إن جنبها خبط في عضلات بطنه الناشفة، فجسمها ارتعش غصب عنها، وهو زعق بفظاظة:
​هو حد قال لك قبل كده إني أخوكِ؟
​عقدت حواجبها وسألته بحيرة:
​فيه إيه يا أيهم؟ أنا مش فاهمة حاجة!
​ضغط على دراعها أكتر وهو بيزعق بنرفزة:
​من أنا بالنسبة لك؟
​حيرتها زادت وهمست من غير تفكير:
​عم ولادي.
​زعق أكتر وصوته علي:
​بل جوزك قبل أي صفة تانية، جوزك! هفضل أعيدها كتير؟
​أعصابها سابت هي كمان واستغربت من تغيره فزعقت في وشه:
​بجد أنا مش فاهمة حاجة.
​سألها بنفاد صبر:
​ليه مش بتنامي هنا؟
​تكشيرتها زادت وقالت:
​هناك كنت بنام جنب ولادي برضه، إيه اللي اختلف؟
​جاوبها:
​هناك في جناح أخويا مكنتش هحط جنبي على سرير أخويا، أما هنا أنتِ مراتي وأنا مبقبلش بأنصاف الحلول.
​ضربات قلبها سرعت وسألته:
​والمعنى؟
​زقها بإيده بنفاد صبر فقعت على السرير وهي قاعدة، وهو قال وهو رايح ناحية الباب تاني:
​افهميها زي ما تفهميها، وحطي في بالك إني خلاص جبت آخري.
​بص عليها نظرة أخيرة ودار وشه وهو بيفتح الباب وقال بأمر:
​هخل أستحمى، جهزي لي اللي هلبسه.
​خرج وقفل الباب وراه بقوة، وهي غرقانة في أفكارها ومخاوفها، هو عايز إيه بالظبط وإيه اللي بيجننه كده؟ الأمر كله كان على كاهل موشجان، هناك مكنش ليها جوز بجد، فهل الموضوع اتحول هنا؟ هتعامل ازاي مع خصوصية الموضوع ده.. ازاي؟
​قامت فتحت دولابه اللي كان شبه فاضي، وشها احمر وهي بتدور وجابت طقم داخلي وبيجامة سوداء كانت هي الوحيدة اللي على الرف. خرجت شايلة هدومه وراحت للحمام الخارجي، خبطت على الباب كام خبطة رقيقة برجلين مهزوزة ووش مليان دم، كانت هتعيط من الكسوف والتوتر والضيق من الراجل القاسي ده اللي اسمه جوزها. “انا عملت في نفسي كده ازاي؟”. أخيراً صوت المية وقف، وعدت لحظة والباب اتفتح على آخره، فنزلت وشها بسرعة للأرض والدم كان هيقّع من وشها، وشافت رجليه العريانة والمية بتنزل عليها ورجليه الكبيرة في شبشب أبيض، ومن غير ما تلاحظ الفوطة اللي لاففها بعشوائية حوالين وسطه، قدمت الهدوم وهو كان متغاظ من كسوفها الزيادة ده، فجز على سنانه وهو بيشد الهدوم من إيدها بفظاظة حتة حتة، ورمى جاكت البيجامة بزهق على دراعها تاني وهو بيقول:
​مش محتاج لدي ولا لدي.
​دخل وقفل الباب في وشها من غير ذوق، فرجعت لأوضته ترص اللي سابه وهي بتستغفر علشان تهدي اللي جواها. الخصوصية دي مش حباها ومش طيقاها، ومش هتعترف بيه جوز في يوم، يمكن لازم تدور على حل يريحها من الجوازة دي ويرحمها من الضغط ده. وأول ما قفلت الدولاب حست بوجوده فبصت عليه بسرعة، كان اكتفى ببنطلون البيجامة بس وصدره العاري لسه عليه نقط مية منشفتش. لفت بسرعة علشان تخرج فاستوقفها وهو بينام على السرير وقال بأمر هادي:
​صحيني بكره الساعة تمانية بالظبط.
​هزت رأسها ومشيت بسرعة، وأهو بتفتكر اللي حصل امبارح بتعب، طول الليل بتحاول تلاقي حل ينقذها منه ومن حماها، بس موصلتش لحاجة. العلاقة دي مش هتقدر تتحملها، ازاي تتحمل فظاظته وفرضه لوجوده عليها ولو بالعافية؟ ازاي البغيض ده يكون أخو جوزها المرحوم بطيبته وهدوءه وسماحته وأخلاقه الراقية مع الكل؟ غطت وشها بإيديها وبتتنفس بعمق وبتطلع النفس مرة واحدة علشان تتخلص من قلقها وخوفها، كلامه مكنش يحمل غير معنى واحد بس، وهتدعي ربنا ليل ونهار تلاقي حل قبل ما الموضوع يتأزم أكتر من كده. قامت وبصت للساعة اللي على حيطة المطبخ اللي على شكل فلفلة برتقالي، لـقـتـها عدت تمانية بكام دقيقة، فراحت بسرعة تجر رجليها ناحية أوضته، خبطت على الباب كذا مرة ومردش، ففتحته على مضض ولـقـتـه نايم على السرير المتبهدل، وجه في بالها سؤال: “هو كان بيحارب السرير في نومه زي ما بيحارب خلق الله وهو صاحي؟”.
​صوت راديو الجيران طلع تاني وكأنهم متفقين مع أيهم عليها علشان يضايقوها، وهي مكنتش عمرها بتحب تسمع أغاني، وشيرين بتغني بالكلمات دي:
“منك لله.. قلبي بيتألم من جواه من اللي أنا حساه
ماشي ومش شايفه أنا قدامي ولا حواليا
بقى سهل عليك إنك تجرحني وتظلمني أنا هونت عليك
كان نفسي تجرب إحساسي صعب عليا
ياما قلت عليك.. إن أنت أناني مابتفكرش إلا في روحك”
​اتنهدت بقلة حيلة وقالت من غير ما تحس: “منك لله يا أيهم يا ابن أم أيهم على اللي أنا عايشاه بسبب عجرفتك وتجبرك”..
​تاني رجل وفارد التانية، رفعت إيدها ناحية جسمه علشان تصحيه بس خافت في اللحظة الأخيرة والكسوف غلبها، فناديت باسمه كذا مرة ورا بعض ومردش، فاضطرت ترفع إيدها تلمس دراعه من فوق في أول لمسة بينهم، وسحبت إيدها بسرعة ودمتها لصدرها كأن كهرباء مشيت فيها. رجعت خطوتين لورا بتوتر وضيق، وبعدين شدت مخدة صغيرة جنبه وضربته بيها على صدره علشان يصحى، وبالفعل بدأ يفتح عينيه، وأول ما قرب يفتحهم هربت من قدامه بسرعة.
​رجعت المطبخ تجهز الأطباق بسرعة علشان يمشي هو كمان بسرعة وترتاح. رصت الأطباق على ترابيزة السفرة وهو بيعدي من قدامها رايح الحمام بوش عابس، تشك إنه ابتسم في يوم، وقال بضيق لما شافها:
​ليه من دون باقي الأوضق خصصتي لي الأوضة دي اللي مفيهاش حمام؟
​ولما جت ترد لقته دخل الحمام من غير ما يستنى، فبلعت كلامها وقالت: “ما هذا يا ربي؟ منك لله على رأي شيرين”..
​سمعت نداء واطي ومتلخبط جوه بيناديها، فراحت ناحيته وسابت اللي في إيدها، ولقت في الطرقة الصغيرة البنت الخايفة دي اللي حاطة صباعها في بقها وبتون برعب من المكان الجديد عليها، شعرها الدهبي القصير منكوش ومبلول من العرق. رفعتها من الأرض وحضنتها وباسيت خدودها المليانة زي بالون أحمر صغير، وقالت بحب:
​صباح الجمال عليكِ يا قلبي، حبيبة ماما.
​وهي بتلاعب بنتها، كان هو واقف بيبص عليها، أما أليف المدللة دي فمعجبهاش الدلال الصباحي ده وطلبت أكتر وعيطت بتمثيل، فبشرى شددت في حضنها وبستها أكتر، فزعق هو من وراها معترضاً:
​كفاية دلال ليها علشان ماتاخدش عليه.
​اتخضت من صوته ولفت تبص له، وأليف رجعت تحط صباعها في بقها بخوف، قالت معترضة:
​وليه مدللهاش؟
​شد كرسي بعنف وقعد عليه قدام الترابيزة وبدأ ياكل فـطـوره وقال بزهق:
​المهم الجدال والسلام، بجد أنا سئمت.
​رفعت حواجبها بضيق وأخدت نفس طويل وبتصبر نفسها إنه قرب يمشي، أكلت أليف بيضة فرفضت وهي تبص لعمها برعب، فبشرى اتكلمت معاها في ودنها علشان تهديها، فالطفلة لفت وحضنت أمها وطلبت تاكل زي عاداتها الصبح، فبشرى جت تقوم تروح الأوضة بس صوته طلع وقفها:
​على فين؟
​ردت بشرى بنرفزة وعفوية:
​هرضع أليف.
​رجع سألها بصرامة:
​وليه تمشي؟
​رفعت حاجبها وقالت:
​عفواً؟
​قال أيهم بهدوء:
​وليه ترضعي الطفلة جوه؟ اقعدي ورضعيها هنا.
​وشها احمر في الحال وفضلت ساكتة للحظات وهو بيتابع انفعالاتها على وشها المنور زي الشمس. أخيراً أخدت قرارها وقالت بثبات:
​عارف إني مش هعمل كده، وبطل تضغط عليا، أنا أعلنت لك موقفي من أول الجوازة البائسة دي ومش هراجع.
​قام من على الكرسي ورمى اللي في إيده على الترابيزة وزعق في وشها:
​مش بمزاجك!
​وبعدين مشي وساب الأوضة وسابها لهواجسها ورفضها. من حقها ترفض، أيوه من حقها، مكنتش ورث للمرحوم علشان تجبر تتجوز أخوه وتقبل قربه منها بمنتهى البساطة. ازاي شايفينها زي عرايس الماريونت يحركوها زي ما هما عايزين؟ هترفض، وجواها يقين إنها مش مجبرة عليه ومش تركة أو ميراث، وقالت بصوت عالي: “منك لله”.. فجاءها صوته من وراها عالي:
​بتقولي إيه؟
​بلعت ريقها وقالت:
​بذكر الرحمن…
​ومشيت بعزم ودخلت أوضتها وقفلت الباب وراها بقوة هي المرة دي.
​أخرقتها لتغرق أهلها؟
الظاهر ابتلاء والواقع فرج.. مدهش لما تظن إن ربنا ابتلاك، ثم تكتشف إنه أنقذك من البلاء.. كام خرق لنا سفن فاشتكينا وبكينا، ولم نعلم أنها كانت نجاة من ضرر أكبر! لله لطف خفي لا تدركه أبصارنا!
​كل شيء كان يصرخ.. البحر، والرياح، وقلبي.. يا الله، يا الله!
​شايلة شنطتها واللي باقي لها من جوازتها، كام حتة هدوم دابت من كتر اللبس، ماشية وموطية رأسها بضعف وانكسار في شارع ضلمة والساعة قربت من نص الليل. بتدعي ربنا ينجيها لحد ما توصل بيتها وخايفة حد يتعرض لها، وبتسرع في مشيتها أكتر. خلاص.. أحمد طلقها طلقة بائنة مفيش رجوع فيها، راحوا للمأذون ورغم محاولاته الكتيرة علشان يرجعهم عن الطلاق، إلا إن أحمد رفض وطلقها وهو بيبني أماني وأحلام. حاولت تخليه يرجع عن قراره بس مبقاش يسمع لها، بس لما سابها عند بيت أمه وعدها إنه هيسيب الموضوع كده لحد ما إلهام تولد وحينها هيرجعها ليه تاني ولو في السر. سألت نفسها: وهل هعيش على الأمل ده؟ وهل هيوفي بوعده؟ وهل هقبل أكون زوجة في السر بعد ما كنت في العلن؟
​سمعت راجلين بيتكلموا واطي فاتعبت ودقات قلبها زادت وعليت، سمعت:
​مش دي أخت البنت إياها.. هااا؟ نفس الوعاء ونفس…
​رد الثاني:
​أيوه يا سيدي، امتى يتوب ربنا علينا وعلى حارتنا دي من الأشكال الزبالة اللي بتزكم أنوفنا بريحتها الكريهة..
​سمعت غمزة اللي قالوه وحست بالوجع ساعتها، فقفلت عينيها تمنع دموعها وقالت جواها: “يا ترى لو عرفوا بخبر طلاقي كمان إيه اللي هيحصل؟”.
بدأت تسرع مشيتها أكتر وقربت تجري، خايفة حد يتطاول عليها أو يتحرش بيها. لفت لشارع أضيق وأكتر ضلمة، حارة ضيقة في آخرها بيت قديم مهدد بالقعود. راحت ناحيته وطلعت السلمتين المكسورين لكام حتة ولسه ماسكين في بعض بسيخ حديد، خبطت على الباب الخشب القديم المتهالك، خبطته كام خبطة، وقفت لحظات مسمعتش حد بيرد أو بيستجيب، فرجعت تخبط تاني بس بقوة أكبر، ومعدتش لحظات لحد ما سمعت صوت ست ضعيف وواطي بيسأل:
​مــــين؟
​ردت وهي مشتاقة تشوفها، ده عدى شهور وشهور من أول ما شافتها آخر مرة:
​أنا يا ماما، افتحي.
​الباب اتفتح بسرعة لتظهر ست رفيعة وضهرها محني، وتجاعيد وشها باينة بوضوح رغم النور الضعيف اللي جاي من اللمبة اللي جوه البيت القديم. بتضيق عينيها من ضعف النظر، فتبان كأنها ست عدت الثمانين رغم إنها مـعـدتش الخمسين من عمرها، ضيقت نظرها وبتتأملها، وأول ما تأكدت إنها بنتها الصغيرة قالت في وجوم فاجأ غمزة…
​==============================
يتبع….
​
:
​الفصل الحادي عشر
​يقف شاردًا قدام المبنى ده اللي طوابقه معدودة، عينيه بتترفع مع كل طابق والثاني، وبذهنه بتطوف كل ذكرياته فيه. مبنى شهد طفولته وشبابه، فرحه وأحزانه، لحد ما فارقه وسابه بطيب خاطر، ووقتها قطع كل صلة ربطته بالبيت ده بل وبالشارع اللي هو فيه. مشي ومكتفي ببنتيه وزوجته وأمه، اللي نصرته علنًا قدام أخوه، وبسببها دلوقتي بنتيه بيدفعوا الثمن.
= آه،،، آه،، من الأيام،، وغدرها،،
= تنهيدة حارة طلعت من جوف سليم اللي قلبه معتصر من الألم، وضرب بكفه جنب فخذه في حزن، ورجع يكلم نفسه بصوت واطي:
= آه يا سليم، عمرك كله اتدفن هنا ومع ذلك مارضاش ضياء الدين، طول عمرك بتقاسي مصايب الزمن وأهو أخوك مأكتفاش لسه، (وعينيه لمعت فيهم دمعتين براقين) أصبتني في مقتل يا ابن أبويا.
​بص للأرض بيستجمع رباطة جأشه وبعدين دخل العمارة دي، كان فاكرها جنة أحلامه وهو ابن الحاج “رضوان القاضي” أكبر تاجر ماني فاتورة في المنطقة، اللي كان الكل بيهابه حتى هو نفسه كان بيهابه وبيخاف من حضوره ووجوده. ماكنش حلمه التجارة في يوم، بل كان سعيد وفخور بمهنة التدريس، بس أبوه وقتها رفض أشد الرفض بل ومنعه من استلام وظيفته وأجبره ينزل الشغل في المحلات زي ما أخوه بيعمل، ووقتها رضخ وياما ندم بعدها بس كان بعد فوات الأوان، وجواه هتف:
= وأستحق كل اللي جرى لي بعدها، أيوة أستحق.
​طلع درجات السلم وطوفان من الذكريات بيكتسح عقله، عمر كامل ضاع هنا، ياما شهدت الجدران دي على آمال مهدورة، وعلى ذل وجبروت ومهانة اتمرست بفعل أب بعقلية رجعية، حرم ابنه من ميراثه وأعطاه لابن ضل عن الحق وورث الجبروت والقساوة عن أبوه فتشرد عن شريعة ربنا. لما مشي افتكر إنه حط حد ونهاية للمشقة دي، بس أهي الدنيا بتعانده وبتقسم له إنه مش هينعم بيوم راحة، وأهو رجع بنفسه من غير دعوة أو ترحيب بوجوده. كان بيطلع السلم برأس مدلي ونفس منكسرة، من ساعة اللي حصل مش بيخرج من بيته إلا نادًرا بيخاف يقابل الناس، بيخاف يبص في وشوشهم، حاسس إن الكل عارف اللي حصل لصغيرتيه، بيخاف سيرتهم تبقى قصة بتتداولها الألسن والأفواه ويبقوا مضرب للأمثال، قشعريرة خدته ووجع اعتصره وجواه سأل:
= أنا استحملت كتير زمان وفخور ببناتي اللي رفعوا جبيني وهامتي بين الرجال، ودلوقتي هامتي في الطين مداس لكل الناس.
​ولما قرب يطلع الطابق الأعلى، اتصدم بمرأى اللي كان السبب في كل اللي حصل واقف على قمة السلم، فوقفوا هما الاتنين بيبصوا لبعض، في حين نطق آدم بصدمة ووش شاحب:
= عمي…!!!!
= بص له سليم بحسرة، الصدمة جاتله ممن رباه ابنه: آه وآه يا سليم وآه من قهر الرجال؛؛ يا لها من حسرة وكسر للنفس والروح؛؛
هبط آدم الدرجات البسيطة بسرعة وهو بيبلع ريقه بغصة مؤلمة وبيقول وهو رافع كف مهزوزة عشان يصافحه: عمي، مرحبًا بك اتفضل.
بص سليم للكف الممدودة باستهانة وكأنها قذرة هتلوثه، وبعدين رفع عينين صلبتين رغم لمعتهم، وماتحملش آدم اللي جوة نظراته فأشاح بوجه وهو بيرجع كفه لجنبه، بينما تردد صوت سليم بصرامة:
= فين بناتي، عايز أشوفهم؛؛؟؟؟
​ارتعشت عضلة جنب بقه وحس بنظرات عمه زي خناجر مصوبة لرجولته، فأشاح وشه منكس الرأس وأشار بكفه ليه عشان يطلع قدامه وهو مش قادر ينطق، فبص له الثاني بنظرة أخيرة وبعدين طلع قدامه بضعة درجات تانية لحد ما استوقفه آدم متقدمًا إياه وفاتح باب شقته وهو بيصيح بصوت عالي نسبيًا:
= اتفضل يا عمي.
طافت عينين سليم في أرجاء الشقة المتأسسة بأرقى الأثاث، أشار آدم ناحية أوضة الجلوس فسمع سليم كلامه وماشي وراه، وآدم بيردد تاني:
= اتفضل يا عمي،،
= عشان يصرخ وقتها سليم باشمئزاز:
= بطل تقولها.
رفع آدم ناحيته عينين حايرتين، فرجع سليم يوضح:
= بيني وبينك ثأر يا آدم فلا++
= قاطعه آدم: عمي أنا ابنك آدم اللي ربيته،،
= سارع سليم بيشده من ياقة قميصه وهو بيردد بعنف من بين أسنان مطبقة وعينين بتقدح شر وحسرة:
= قلت لك ماتكررهاش تاني، إيديك ملوثين بدم بناتي؛؛؛
​ماحاولش آدم يبعده بل بس نكس جبينه لتحت وهو واقف قدام عمه زي التلميذ الخايب اللي حقق فشل عظيم وضيع مجهود معلمه، رجع سليم يصيح بغيظ وغل:
= ربيتك كابني والطعنة تيجي منك أنت، يا خسارة تعبي فيك، يا خسارة،،
= ومع آخر كلماته دفعه بعنف بعيد بينفض إيديه منه بيخاف تتلوث، وردد بصوت صارم حاسم: فين بنتي؟
​ماقدرش آدم يرفع نظره فساب ومشي مدلي الرأس ودخل أوضته، للغرقانة في أحلامها اللي أغدقها فجرًا دلال وولع، بل ورقص من غير عزف أو مزيكا، للي بدأت تلين معاه، للي نامت الصبح متوسدة صدره. قعد جنبها ورفع كف بتداعب ملامحها وبعدين بترفع خصلات شعرها المغطية لجبينها، ناداها بخفوت وهو بيلمس وجنتها المرتفعة بشموخ وإباء وبعدين ضغطها شوية ينبهها عشان يشوف فيروزتيها، وبتلقائية ابتسمت عيناه ابتسامة خفيفة. هتفت بصوت أجش خافت متثائب: الساعة كام؟؟ أنت لسه مامشيتش؟؟
رفع آدم كفه عنها واعتدل في قعدته مبتعد وبص ناحية كفيه المتشابكين، عشان تعتدل هي مستندة لضهر السرير وشعرها المنكوش حوالين وشها، رفعت كف بتكتم تثاؤب وهي بتسأله بلا مبالاة:
= مالك، إيه اللي حصل؛؛؟؟؟
​رجع يرفع نظره ناحيتها بيتأمل رقة ملامحها، شعرها المنكوش، عينيها الناعسين، وبعدين انخفضت عينيه ناحية الحمالتين الرفيعتين المتعلقين على كتفيها لثوب قصير قطني ناعم زي نعومتها، تنهد وهو مش قادر يلوم حاله فهو ببساطة مش ندمان على اللي حصل، يمكن غلط في الطريقة بس كانت السبيل الوحيد ليها. نادته: آدم.
بكل حب وولع وشغف جواه ليها هتف: قلب آدم وحياته، وبص لها بعمق وغرق بين أفكاره.
انتبه ليها وبعدين ردد: عمي سليم برة.
ضاقت عينيها في محاولة للفهم، ووقفت إيدها اللي بتمشط شعرها لورا في نص شعرها، وبعدين وكأن الكلمات دقت راسها تاني فاتسعت عينيها صدمة وفغرت شفايفها وهي بتردد بذهول مش مصدقة: بابا؟؟
هز راسه بالإيجاب وهو بيراقب عينيها عشان يشوفها بتنتفض سايبة السرير وكأنه موبوء، بتنفض المفرش فوقيها وبتستقيم مغادرة إياه وهي بتدلك أعلى ذراعيها، فيقف قدامها ويقول لها: اهدي.
التفتت ليه بعد ما كانت عينيها بتدور في الأوضة من غير هدف وبتبص له بنظرة حادة تخرسه، وهو بيشوف بعينيه تحولها قبل حتى ما تقابل باباها. سابته ورايحة ناحية الحمام الملحق بالأوضة وهي بتردد: هستحمى الأول، مش هقدر أقابله كده.
قفلت الباب وراها سايباه يحس وكأنه موبوء وجب عليها تـتطهر منه، شعور مهين اجتاحه ففضل واقف يتأمل الباب المقفول في وشه بيتساءل عن اللي هيحصل بعدين؟؟
​الموضوع أخد منها بضعة دقائق معدودة عشان تكون في هيئة مناسبة لاستقبال باباها، وسرحت شعرها وربطته ديل حصان ولبست بيجامة باللونين الرمادي والأسود. راحت لباباها برة وأول ما شافته حست إنها خانته، أيوة خانته، أباحت عرضها المسلوب وأباحت اللي حصل لهم من غدر وطعن في الظهر. بصت ناحيته وهو واقف مستنيها بشوق، ماقدرش يصمد أكتر من كده ده قارب الشهر على فراقهم ليه، ابتسم لها بحنان رافع دراعه ناحيتها بيحثها تقرب منه، فجريت حياة ناحيته مرتمية في أحضانه بتلف دراعاتها حوالين رقبته، بينما آدم واقف ورا بيراقب بأسى المشهد قدامه فماتحملش وردد:
= هطلع أنادي آياز.
ملتفتش أي حد منهم ليه فمشي على طول طالع للتانية فوق، واللي من أول يوم ليهم في البيت ده ماشافش طيفها. خبط على الباب وما هي إلا دقائق معدودة واتفتح الباب بتطل من وراه آياز، الموقنة إن الخابط هو زايرها الأوحد من ساعة ما جات نائلة، لابة بيجامة باللون السماوي بتجسم جسمها وتحدد منحنياتها الأنثوية الملتفة بشدة، لمة شعرها ورافعاه لفوق متدلية خصلاته على كتفها، وفتحت بابها عشان تقع عينيها عليه، فارس أحلامها الأوحد اللي بيشغل تفكيرها ليل ونهار، ومن غير قصد منها ولعت ذكرياتها وطافت لموقف مشابه يوم ما جه لخطوبتها، اللي اتسمت على اسمه من يوم ولادتها، نفس الموقف ونفس الإحساس بيه ما اتغيرش حاجة من سنين طويلة. هي خدعت نفسها فيكفي تبص لعينيه دلوقتي عشان تتسارع دقات قلبها، ياما حلمت وحطت تخيلات وتخيلات كتيرة دارت في راسها هي وبس إن آدم يرجع يخبط على بابها عايز وصالها ندمان على اللي عمله، وياما حلمت باللي هتقوله وبالكلمات اللي هتنطقها بتهينه فيها وبعدين ترجع ليه بصدر رحب.
كست عينيها غيمة بيضاء رقراقة، فالحلم فضل حلم بل مستحيل، والحقيقة أمر وأكتر وجع، والواقف قدامها عينيه باردة مش شايلة أي مشاعر ناحيتها، بل أول ما وقعت عينيه عليها أشاحها بقوة من غير ما تفهم لده سبب، آسية نفسها وزمانها ومكانها. سمعته من وسط غياهب عقلها من غير تمييز بيردد بوجود باباها تحت زي طلاسم مشفرة، وبعدين التفت مسرع بالماشية عشان يصطدم بأخوه الماثل قدامه ومفاتيحه بين إيديه، واللي تصلب جسمه من رؤية آدم قدام باب بيته ودي اللي اسمها مراته ذات الحجاب والعفة واقفة قدامه كده دايسة عرضه وشرفه ومساوية إياه بالتراب. رفع آدم عينيه ناحيته عشان يقابله تجمد عيني أخوه من غير ما تطرف وقد اكفهر وشه، فردد بسرعة مبررًا:
= عمي سليم تحت وكان عايز يشوف آياز.
​بتراقب الموقف بذهن شارد وكأنه كله ما يخصهاش في حاجة، عينين ضبابية بيجيش بيها الماضي والحاضر مجتمعين معًا، متعلقين بيه هو بالذات، بماضي مابقاش لسه طي النسيان، وما خفتش نظرتها دي عن عيني أدهم المدققتين لكل هفوة منها. سابه آدم مسرع بالرحيل، بينما هي لسه بتنسج ذكرياتها معلقة أنظارها بضهر آدم اللي ماشي، شاردة في ملكوتها منعزلة عمن حولها، عشان تولع نيران صدره ويسيب المجال لنارية نظراته اللي تحولت للهب مستعر بعد ما كانت جليد، فصاح غاضبًا منفعلًا من الهائمة قدامه في عالم ثاني دونًا عن باقي البشر:
= أنتِ واقفة كده ليه…؟؟؟
انتبهت من شرودها على صياحه فالتفتت ناحيته بذعر من صوته العالي، سرعان ما تحكمت فيه بينما هو اجتاز المسافة بينهما في خطوتين ناريتين ناحيتها، ممسك بذراعها دافعًا إياها للداخل، وأحكم قفل الباب وراه بإيده الفاضية، وأطلق سراح شياطين غضبه وهو بيصيح فيها بعنف:
= إيه اللي خلاكِ تفتحي الباب بالمنظر ده…؟؟؟
ولأول مرة تبص لهدومها وتوعى للي لابساه، لتنطلق شهقة من أعماقها عملت على كتمها خانقة إياها بحلقها، لامت نفسها بشدة إزاي وقفت كده قدامه بس هي ماقصدتش وعليها توضح الصورة ليه، بس على عكس عزمها ردت بعناد وهي بتحاول تشد دراعها من كفه المحكمة عليها:
= الباب خبط وفتحت، إيه اللي حصل لكل ده…؟؟؟
بتراقب الصورة الشيطانية اللي هو عليها، عينين بتتوهج غضب وأنف اتسعت فتحتيها زفير وشهيق، وفم بيهدر غضب ووش احتقنت الدماء فيه، وودان التهبوا بحمرة، دي أول مرة تشوفه على الصورة دي، وسمعته بيهدر غضب وهو رافع صباعه بيبهدد:
= بالمنظر ده؟ هل وصل بيكِ الحال تعرضي نفسك عليه بضاعة رخيصة،،
شهقت من هول ما قال وصاحت في وشه:
= إيه الجنون اللي بنطقه وتتلفظ بيه؛؛؛؟؟؟
صرخ في وشها: جنون؟؟
رجعت تصرخ بانفعال قدامه:
= أيوة جنون، فتحت الباب فاكرة إنها نائلة، أكيد ماقصدتش++
ضحك بسخرية بصوت عالي وعينيه بتقدح شرر وبعدين سكت فجأة ويردد:
= حتمًا فاكراني أهبل عشان أصدق ده،،
بصت ناحيته ببراءة وأقسمت: والله العظيم ده اللي حصل.
حدجها بنظرة قبل ما يصيح بحزم:
= من النهارده مهما الباب خبط مش هتفتحي لراجل مهما كان الراجل ده، حتى لو كان أخويا، سمعتيني؟؟
وامتلكت الجرأة عشان تعترض وتصرخ هي كمان في وشه:
= مالك يا أدهم، إيه اللي حصل لكل ده؟؟
ضغط دراعها أكتر بين إيديه لتشهق ألم وهو بيقرب وشه من وشها، بيدقق النظر بعينيها الضايعتين لينفث كلماته زي الجمر:
= اتعلمي تتحكمي في مشاعرك شوية، فآدم مابقاش ليكِ ومش هيكون في يوم؛؛؛
ودفعها بعنف بعيد عنه وهو بيستطرد وكأنه بيبصق كلماته في وشها:
= آدم اتجوز أختك، وصدف إنني أنا جوزك؛؛
​اضطرب بؤبؤ عينيها وكتمت بكفها شهقة ألم أو ذهول أو الاتنين معًا، هل بقت عريانة بمشاعرها كده قدامه؟ وكم كان صعب تسمع بودانها بنفسها هول ما قال. بتبص له بخزي ونظرات مهتزة بينما هو صدره بيعلو ويهبط بقوة متتابعًا مع حركات تنفسه العنيفة اللي مش مسيطر على وتيرتها. بينما هي اكتفت بالتحديق ناحيته بتهز راسها بالنفي بصورة متكررة، وارتجاف جسمها بيكذبها قبل كل حاجة، رددت: أنت مجنون، مجنون.
صاح فيها وهو بيقرب منها خطوة مهددًا:
= فوقي لنفسك يا آياز، أنا مش هسمح تعيشي الماضي حتى لو في خيالك مادمتِ مراتي إلا على جثتي؛؛؛
أدهم في حد ذاته ماشكلش ليها أي أهمية، بل اللي بيقوله وبيسمعه إياها من تعرية للذات والهوى من ماضي داس كرامتها بين الأقدام، من رفض من حبيب لغدر من أخت، وبعدين يجي يقول لها إنها لسه من غير كرامة بيصارحها باللي بتحاول تنكره، رجعت تكذب بقوة:
= أنت مجنون، والكلام معاك إهدار للوقت.
​كانت على وشك تمشي لأوضتها عشان تستجمع شتاتها وتداري خزيها، إلا إنها سمعته بيوقفها بيرفض تواجدها في محيط أخوه: مش هتنزلي.
رجعت تلتفت ناحيته بتسأله بجدية: ول فين هنزل؛؛؟؟؟
صدرت منه ابتسامة استهزاء وقرب منها خطوتين عشان يقلص المسافة بينهم لخطوة واحدة، عينيه الساخرتين بتقابلان عينيها المهتزة وهمس قدام وشها: باين إنك كنتِ في عالم ثاني.
ارتسمت الحيرة على وشها، فرجع يهمس وهو بيقرب الخطوة دي بوشه منخفضًا ناحية ودنها، هامسًا بسخرية: فوقي يا آياز، ده رموا بيكِ لأقرب سلة زبالة وماقوش غيري عشان يتخلصوا من الزبالة دي.
حرارة كلماته بتلفح ودنها فيرتعش جسمها، بيزيد نبضها مع كل كلمة مهينة طلعت من بين شفايفه، بينما هو ابتعد عشان يشوف تأثير كلماته على وشها، ترقرق الدموع بعينيها من غير ما تسمح لهم صاحبتهم بالحرية من حبس المقل. نار بتجيش بصدره لمعرفته بإنه هو مكب النفايات، بينما هي أرادت الهروب لأوضتها وبقوة، عايزة الهروب من نفسها قبل ما تهرب منه، من الشخص الماثل قدامها المختلف اختلاف كلي عن أدهم اللي عرفته قبل كده، أدهم الدائم الاختلاف والشجار معاها ولو على أتفه الأسباب ومع ذلك كان دائم المزاح وافتعال المقالب، أدهم ذو البثور فمن ده اللي قدامها دلوقتي بيخوفها بصراخه وبيدني من كينونتها، وللأسف مش مالكة دليل يكذب كلماته، بس بالرغم من ارتعاشها الواضح ووهن رجليها رفعت راسها بإباء ورددت بصوت مهتز شوية:
= مش شايفة إن في الأمر ده حاجة تخصك.
وحاولت المرور عشان تحس بقبضة من فولاذ بتلتف على رسغها بقوة بتوقفها، فالتفتت بجنب وشها لوشه عشان تشوفه بيضغط الحروف بين أسنانها هامسًا بفحيح مخيف: عيدي اللي قلتيه.
ورغما عنها انتفضت رعب من التحول ده في شخصيته، ومع ذلك رددت بتحاول تحافظ على صلابتها الزائفة قدامه:
= قلـ+++ قلت لك الأمر ما يخصكش يا أدهم، أي من اللي حصل في الماضي ما يخصكش.
ماشافتش نظرة شر زي اللي مرتسمة في عينيه بتخبرها إنه قادر يدكها دكًا دلوقتي، بينما هو رجع يتكلم بنفس الهمس:
= الكلام ده تقوليه لأيًا كان، أما أنا جوزك ليا الأمر والطاعة وحق التدخل في كافة شؤون حياتك، سمعتِ يا زوجتي المصون؟؟
عاندته ومش عارفة منين ليها القوة والجرأة دي على المجابهة:
= ماخترتكش في يوم جوز ليا يا أدهم وأنت عارف كويس كده، واتفقنا يحترم كل منا خصوصية الثاني وانتهى الأمر على كده.
وهنا ساب المجال لغضبه، فلو خلاه أكتر لانفجر كبالون اتم وخزه بالإبر، فنقل إيديه لأعلى ذراعيها وهزها بقوة محركًا إياها لورا عدة خطوات مندفعًا لتصطدم بقوة بالحائط وراها، لتنطلق من حنجرتها صيحة ألم، بينما هو المش مدرك لأفعاله صاح بحزم:
= جوزك غصب عنك، عرضي وشرفي تصونيه حتى لو في خيالك وأحلامك، فوقي من مراهقتك دي.
مع كل كلمة كان بيهز جسمها ضاربًا إياه بعنف بالحائط وراها، بينما آهاتها الآخذة في التصاعد ما وقفتوش، وماكتفاش هو لما ساب دراعاتها ويمسك برباط شعرها بيشده بعنف:
= لو شفت منك ضافر تاني سويتك بالتراب، مش أنا بالديوث، سمعتِ!!!!
مارديتش وسط شهقاتها وبكاها بتحاول تخلص شعرها من براثنه، فجذب شعرها بعنف أكتر مستخلصًا إجابتها الخانعة:
= حاضر، حاضر.
فدفعها بعنف ليصطدم ضهرها تاني بالحائط لتشهق بألم، بينما وقف هو قدامها بينهج من كثرة الانفعال بيراقب ألمها برضا تام. هل فاكراه ديوث يرضى تتعرى أو تكن حب لأخوه وتهيم بحبها ده؟ نار بتكوي صدره وبتحويها ضلوعه، هل أرادت إغوائه؟ هل لسه بيمثل ليها آدم هاجس زي ما كان زمان؟ عارف إن قلبها لسه مشغول بحبه، بس هل حقًا أرادت إغوائه أم إنها صادقة والأمر كله محض الصدفة البحتة؟ تنهد بكبت وهو بيخلخل صوابعه بشعره لورا بنفاذ صبر وجواه تردد:
= إيه الجنون اللي رمتنا يا أبويا كلنا فيه؟
ألقى نظرة أخيرة ناحيتها متقوقعة حوالين نفسها على الأرض بتجهش بكاء وألم ووجع، ونزيف كرامة أوشك على إصابتها في مقتل. أشاح نظره عنها ولم مفاتيحه اللي كان رماها قبل كده على الأرض من غير ما يحس واستدار ماشي وقفل الباب وراه وموصد إياه بالمفتاح، وجنونه بيصور له أسوأ الاحتمالات وأفظعها، وبعدين طلع تليفونه من جيب بنطلونه ضاغط على واحد من الأرقام عشان يصيح مهتاجًا عند سماع صوت محدثه: من النهارده يا آدم لو عوزت تبلغ مراتي بحاجة فهيكون عن طريقي.
ومن غير ما يسمع مبررات قفل التليفون بقوة ماشي للي جه منها من شوية، للجميلة الناعمة واللي استقبلته بحيرة بالغة أول ما سمعت بخطوات رجليه في أوضة الجلوس، ولما قربت تسأله عن سبب رجوعه كتم سؤالها بؤه مقبلًا إياها بقوة وعنف مندفع معتصرًا إياها بين دراعاته، وفضل يبوسها ويبوسها مدميًا شفايفها بعنف أدمنته معاه، لحد ما حست إنها هتموت في إيديه فأخدت تبعده عنها وكأنها بتهد جبل، وأول ما استجاب شهقت بتلقط أنفاسها بصعوبة، بس ماسابش لها مجال بل رجع يعتصرها تاني بيهاجم حواسها بمنتهى العنف دافعًا إياها ناحية أوضتهم وبعدين ناحية السرير ليدفعها بعنف لتقع فوقه ويقع هو فوقيها، ووقفت عن المقاومة أو التدلل فلتسيب الدلال لبعدين ولتحاول التأقلم مع إعصار عواطفه دلوقتي وهو بيجتاحها وهي بتنعم تتآوه بنشوة عارمة وهو بيلج حصونها بنشوة أذهبت عقلها.. وهوت بحصونها…
​===================
​بص آدم بعبوس لتليفونه بعد ما أخوه قفل وهو بيمس لنفسه بضيق وحاجبين منعقدين:
= حتمًا جرى له حاجة في عقله.
بص ناحية عمه وحياة واللي لسه بيتهامسوا، وبعدين رفع سليم نظره ناحيته وسأله بصوت عالي نسبيًا: = فين آياز ؟؟؟
أجابه آدم مخترع كذبة: مالقتهاش باين إنها مشيت مع أدهم.
ماعلقش سليم بحاجة بل حدجه بنظراته، فأراد آدم الهروب فردد سريعًا:
= هأمشى أنا لشغلي، خدوا راحتكم.
وماستناش رد عارف عدمه، فسارع بالرحيل بينما سليم ما بطلش يطلق الوعود لبنته مرددًا: هخلصك منه في يوم، ثقي في كده.
بينما هي بتهرب بنظراتها بتخاف يشوف خنوع أصابها للي حصل وحنين لماضي أقسمت لمن واراها الثرى تدفنه؛؛؛؛ ولكن العشق هو السحر الوحيد القادر على القلوب للحنث بقسمها…
​=================
​برودة الجدران حواليك بتصحي قناديل العبير
وهمسات بتعيد شريط أوقات
كنت فيها مبتسم
بيلتف الصمت حواليك
وشرود اللحظة بياخدك بعيد عنك
وعلى حين غفلة بيجيلك دوار بيتخلله طيف
بيقتلعك من مكانك بقوة ،،
بتشده ليك مُعاتبًا
بتلتقي المُقْلتان وبيتسامروا ،،
فيخبط الأرق على شباك وجدانك براحة
من غير ما تحس بتفضل رهينة العبير
وأسير ذكرى بتحتل روحك ؛؛ مش بتسيب فيك غير
أمنية بترجاها وتقراها كل ليلة.
يا ريت الليل يخضع لسطوته الجفون
ويا ريت المخدات تهدينا حُلم يليق ببريق النجوم
يا ريت النوم يجري ويحضن غبار النعاس
ويهزم الأرق على حافة الحنين.
يا ليل أرهقت مدائن قلوبنا واغترب النوم عن العيون.
​=================
​”هاك خدي العبي بيها، دي بتطلع صوت جميل.”
كده كلمت بشرى سامي اللي قاعد على رجلها متشبث بيها متلهفة لإلهائه، فالظهر قرب وهي ماخلصتش حاجة في يومها وبتخاف يرجع أيهم ومايلاجيش أكل فيصب لعناته عليها، فيكفي اللي حصل الصبح. رجعت تقنع سامي: “يلا يا حبيبي خدها.”
قطب الطفل جبينه وزم شفايفه رافض يسيبها خاصة والمكان غريب عليه، بينما أخته فضلت النوم. زفرت بشرى بيأس ورددت بنفاذ صبر: “يا ربي إيه العمل؟؟”
وهنا ضرب صوت جرس الباب فانتفضت دونًا عن إرادتها وحست بانقباض في صدرها، هل هو أيهم؟ حتمًا هيعمل مشكلة، أخدت تفكر تاني:
“ليه أيهم هيخبط على الباب وهو معاه مفتاح؟”
رجع صوت الجرس يدق فرفعت ابنها عن رجليها سايباه، بينما راحت ناحية باب البيت وبصت من العين السحرية لتلاقي ست ما، فسألت من ورا بابها بحذر: “مين؟؟؟”
ردت الست بود: “أنا ريم جارتكم في الشقة اللي قصادكم.”
لبست بشرى خمارها المتعلق جنب الباب مدارية شعرها ودراعاتها المكشوفين، فتحت الباب لتلاقي ست صغيرة شايلة طبق ما في إيدها، تبان في العقد الثاني من عمرها، بيضاء بوش مستدير وغمازتين في خدودها، وشعر مصبوغ بالبيبي الفاتح سابته حر ليتدلى على كتافها، بتبتسم بود مرددة:
= أنا “” ريم “” جارتكم.
رحبت بشرى بيها بتبادلها الابتسامة وهي بتشاور بإيدها لجوة: “أهلاً وسهلاً، اتفضلي.”
خطت ريم لجوة خطوتين ووقفت وهي بتهتف: “جيت أرحب بيكِ، اتفضلي.”
ومدت طبق قدام عينين بشرى اللي احمر وشها خجلًا بتاخده من إيدها:
= حبيبتي ماكنش فيه داعي لده، ليه تعبتِ نفسك؟؟
ردت ريم: “مأصدقتش لما قالي البواب الصبح إن أستاذ أيهم هيسكن في الشقة أخيرًا.”
سألت بشرى بفضول: “وهل تعرفي أيهم؟؟”
قالت ريم: “ده سكن هنا فترة أيام دراسته وبعدين قفلها.”
رددت بشرى: “ليه مش هتقعدي، اتفضلي.”
قادتها بشرى لأوضة الصالون وقعدت كل واحدة منهم قصاد الثانية، بينما قعد سامي جنب أمه اللي حطت الطبق المتغلف بإحكام على التربيزة قدامها، رددت بشرى: “نورتِ والله.”
ردت ريم وهي بتنقل نظرها ناحية سامي: “ما شاء الله شبهك كتير.”
ابتسمت بشرى وهي بتتأمل طفلها الصغير: “أيوة بس أخد من باباه كمان.”
دققت ريم النظر وقالت: “لا، مش شبه أستاذ أيهم في حاجة خالص…”
قربت بشرى تصحح ليها وتقول لها إنه عمه ومش باباه، لما رن تليفونها اللي كان في أوضة تانية، لتستأذن تجيبه وماكنتش غير موشجان، فرفعت تليفونها لودنها بتجيب:
= السلام عليكم.
ردت موشجان: “إزيك يا بشرى؟؟”
ردت بشرى: “بخير والحمد لله.”
= أيهم قضى الليلة عندك امبارح.
رفعت بشرى حاجب لفوق متأففة وردت: “أنتِ بتسأليني ولا ده استجواب بالأمر؟”
اندفعت موشجان: “قوليلي يا بشرى ليه قضى الليلة عندكم؟”
من غير قصد منها حست بالإشفاق عشانها، فشخص زي أيهم مش هيريح أبدًا مراته بكلمة طيبة، أقسمت ليها:
= والله يا موشجان ما لمسني ومش هيحصل، هو بس عم ولادي أجبرتنا الظروف على الوضع ده، كام مرة هقول لك كده؟
رغم تنهيدة الراحة اللي طلعتها موشجان لسه حاسة من ساعة ما صحيت بمشاعر سلبية، فيه حاجة قابضة قلبها وأخدت تعزز ده لغياب جوزها أو خوفها من جوازه ببشرى، بس هي لسه منقبضة الصدر. هتفت بشرى وهي بتبص لباب الصالون مطرح ما سابت ريم:
= موشجان أنا عندي ضيفة، هكلمك بعدين.
هزت موشجان راسها ناسية إن اللي بتكلمها مش هتشوفها، شاردة في اتصال أيهم بيها الصبح بيقول لها بضرورة الروح لدكتور عشان يعرف سبب تأخر الحمل طول المدة دي، فلقد قاربت سنة جواز وماحصلش لسه وحماها مؤخرًا ما بيبطلش سؤال، فأذعن أيهم لطلبه بضرورة الروح لدكتور.
قفلت بشرى معاها راجعة للضيفة دي وهي بتردد باعتذار: “اعذريني.”
قامت ريم وهي بتقول: “لا حبيبتي ولا يهمك، أنا طولت على كل حال، لازم أمشي.”
هتفت بشرى: “لا، مايصحش والله، اقعدي أرجوكِ لسه ماتعرفناش.”
ردت ريم: “مش عايزة أعطلك عن مشاغلك، وكمان نسيت أدي أمي علاج السكر بتاعها، اعذريني.”
هتفت بشرى مشيرة ناحية باب الأوضة:
= أسعدتني زيارتك ولو إنها قصيرة بس شكرًا لكِ على كل حال.
وأول ما مشيت التفتت بشرى ناحية طفلها مرددة: “هنعمل إيه، هنطبخ إيه؟ يلا قولي.”
ضحك سامي على طريقتها الطفولية في الكلام وراح لحضنها بينما هي حايرة بغض النظر عن جهلها الشديد بالطبخ.
​=====================
​”الصبر يا رب، ليه مش سايبيني أنام شوية.”
رددتها سحر متأففة وهي ممددة فوق السرير، بينما أمها واقفة جنب السرير ما بتملش ولا تكل من محاولات تصحيتها ورددت: “يلا، اصحي الظهر أذن من ساعة وأنتِ لسه في غيبوبة.”
قامت سحر معتدلة متأففة وهي بتصيح: “أهو قمت هنعمل إيه قوليلي بالله عليكِ.”
ردت أمها: “استحمي و+++”
قاطعتها سحر صايحة بجنون وقد عصف الصداع براسها: “صحتيني عشان أستحمى؟ ألم يكن من الممكن إذا سمحتِ أصحى لوحدي والله صدقيني وقتها هستحمى.”
صاحت أمها ثريا: “بت اتأدبي ووطي صوتك.”
غطت سحر وشها بكفها وهي بتبلع غضبها وبتقفل عينيها ألم من صداع راسها، في حين رددت أمها: “لازم تتعودي على الصح يان بدري عشان شغلك الجديد.”
سخرت سحر وهي على نفس الوضعية: “شغلي الجديد بل تقصدي نظام السخرة اللي هشتغل بيه بل نظام العبودية، أنا مش هشتغل هااا أنا مرتاحة في بيت بابا إيه اللي يجبرني على المعاناة دي.”
رفعت ثريا حاجب شرير لفوق وزمت شفايفها وبعدين سألتها بهدوء زي اللي قبل العاصفة: “تقصدي إيه؟؟”
ردت سحر: “أقصد إنني مش هشتغل، مش عايزة.”
هنا صرخت أمها بانفعال زايد أثار ذعر سحر واندهاشها: “والله يا سحر لأسيب لك البيت وقتها ومش هتشوفي وشي تاني.”
جحظت عينين سحر وارتفعوا حواجبها لفوق ورددت بهدوء بعد صدمتها الأولى:
= ركزي يا حاجة أنا مش جوزك أنا بنتك، لا حول ولا قوة إلا بالله.
صرخت أمها صرخة وهي بتضرب الأرض برجلها في حركة طفولية بينما سحر بتتأملها وهي بتهمس لنفسها بخفوت: “دي اتجننت بجد.”
رجعت أمها تصرخ: “عارفة مش هقعد في البيت ده بعد الآن يا أنا يا أنتِ هتجلطيني.”
استدارت ماشية منفعلة بينما سحر بتعاود همسها: “هل شيفاني ضرتها؟ هل لو مشيت هتنعدم أمومتها ليا؟”
قامت تسعى وراها وهي بتأن ألم لوجع ركبها، وأول ما وصلت لأوضة أمها المفتوح بابها لقت أمها بالفعل سحبت شنطة السفر بتاعتها وبتحط هدومها فيها، فدخلت سحر بسرعة تمسك الهدوم من إيدها وهي بتهتف: “على فين؟؟”
ردت أمها وهي بتشد هدومها من إيدها: “سيبيني.”
تألمت سحر من قوة شد أمها فصاحت ألم: “على مهلك يا حاجة، هل أنا في سنك؟؟”
ضغطت ثريا أسنانها بتحاول تكتم غيظها بينما سحر بتدلك كفوفها وردت بهدوء:
= اهدي يا ريري وصلي على النبي.
فضلت أمها غاضبة مستاءة فضمتها سحر بحنان بتدلك ضهرها وردت بهدوء تام:
= اهدي حبيبتي، كده الأمر مايجوزش، ذنب جوزك إيه كل يوم أنتِ غضبانة يوم عند أخوكِ ده والتاني عند عمك، فضحتينا قدام الناس.
حست بتحفز جسم أمها بس ماحسبتش حساب للضربة المباغتة اللي خادتها فوق راسها وأمها بتصيح فيها وهي بتعاود ضربها على حتت متفرقة من جسمها:
= والله هيجيلي في يوم جلطة بسببك.
صرخت سحر: “بس يا أمي، والله أنا اللي مش هسكت على المعاملة الفظة دي منكم.”
مابطلتش أمها ضرباتها بينما سحر بتحاول تتفاداها وتتلقاها على دراعاتها المغطية لراسها، إلا إن واحدة من الضربات دي نزلت على راسها لتصرخ سحر ألم لتتوقف ثريا عن ضربها بفزع وتسألها:
= مالك هل وجعتك؟
ردت سحر بتأفف: “شوية.”
احتضنتها أمها وهي بتقول: “أنتِ اللي استفزتيني.”
ردت سحر بسخرية: “بتخليني أحس إنني ضرتك ومش بنتك.”
سألتها أمها بهدوء بعد ما بعدتها شوية وهي بتقعدها جنبها على السرير: “ليه مش عايزة تروحي؟”
ردت سحر بمزاح:
= فيه بت شقراء زيك كده بعينين ملونة والله يا أمي صدقيني مش بكذب عليكِ صدق رفيعة كده زي العصاية.
سألتها ثريا بحيرة: “وإيه علاقة ده بيكِ وبالشغل؟؟؟”
ردت سحر بهدوء: “حقيقة مالهاش علاقة خالص بس بتثير حنقي.”
أخدت ثريا نفس طويل وطلعته بعنف في وش بنتها فتأففت سحر هاتفة: “ديري وشك يا حاجة سامحك الله.”
ضمت ثريا قبضتيها بقوة وعنف وضغطت أسنانها وأخدت شهيق طويل كتمته بصدرها اللي ارتفع كبالون على وشك الانفجار، فزوت سحر ما بين حواجبها مقطبة جبينها شاعرة إن أمها على وشك تقريعها تاني فهتفت بسرعة: “مش هيديني مقابل لمجهودي ومش هيأكلوني.”
زفرت أمها بتحاول تهدي نفسها وهي بتحاورها متصنعة الهدوء: “ده طبيعي هتكوني بفترة تدريب.”
اعترضت سحر مرددة: “لا ده نظام سخرة وعبودية وهقول للكل على أفعال المستغل ده وأنشرها على صفحتي على الفيسبوك والكل هيعرف….”
قاطعتها أمها: “بس، بس، قلت لك إنه أمر طبيعي وفي حالات كتير المحتاج للشغل هو اللي بيدفع عشان يتعلم.”
عوجت سحر بؤها كعجوز مرددة: “هو ده اللي ناقص، أدفع كمان.”
هتفت أمها تساومها: “هتروحي يا سحر وهديكِ أنا فلوس.”
رفعت سحر صباعها لجنب راسها بتفكر وبعدين سألت بجدية: “كام؟”
سألت أمها: “إيه؟”
ردت سحر بنفس جديتها: “قلت لك يا ريري كام مرة؟ فلنركن علاقتنا الأسرية على جنب، ده شغل.”
صاحت أمها وهي بتزفر بضيق: “والله يا سحر لو ما سمعتيش كلامي لسبت البيت ووريني شطارتك وديريه.”
رجعت سحر تعوج بؤها وهي بترد: “خلاص، موافقة بس السلم هناك عالي وركبي مش هتحمل.”
ثريا: “خسي شوية.”
صاحت سحر: “إيه اللي بتقوليه ده يا ريري أخس من أجل الشغل؟”
ردت أمها بضيق ساخرة منها: “طبعًا مايجوزش.”
هتفت سحر مدلية بكافة شروطها: “هتدفعي ثمن مواصلاتي كل يوم مش هقدر أروح مشي على رجليا، وهتديني فطار عشان آكله هناك و…”
قاطعتها أمها: “وإيه كمان؟؟”
سمعت سحر صوت تليفونها فسابت أمها وهي بتقول: “هرد على التليفون ونكمل باقي كلامنا.”
رجعت لأوضتها ورفعت تليفونها لتلاقي رقم غريب، فضلت تبص بتفكير ناحيته لبرهة متسائلة عن هوية صاحبه وكأنه هيجاوبها، وبعدين ردت لتسمع محدثها بيهتف: “السلام عليكم، آنسة سحر خيري.”
ردت سحر: “أيوة أنا، مين أنت؟”
رد المتصل بجدية: “أنا المهندس “” منير “”.”
قالت سحر: “آه نعم.”
هتف محمود: “اتصلت بيكِ عشان.”
صاحت وقد لقت فيه خير متنفس لغضبها: “نعم ليه؟ وبأي حق حضرتك تتصل في غير مواعيد الشغل و…”
قاطعها بصرامة وقد أثارت غضبه: “على مهلك، أنا اتصلت عشان أقول لك بضرورة إحضار أوراقك معاكِ مش أكتر، وما اتصلتش عشان ندردش سوا.”
وقفل التليفون في وشها من غير ما يسمع رد ثاني، مما خلاها ترفع التليفون تبص له وهي بتصيح غاضبة: “إنسان فظ غليظ متخلف ما بيفهمش في الذوق.”
سابت تليفونها مستعدة للرجوع لأمها إلا إن التليفون رجع يرن، فاتجهت ناحيته مقسمة تلقنه درس الفظ ده اللي قفل الخط في وشها، رفعت التليفون لتلاقي المتصل ماكنش غير بشرى، فردت بلهفة: “بشرى، أخيرًا افتكرتيني.”
رددت بشرى وهي بـتلم الألعاب بعد ما سابوها أليف وسامي على الأرض في شنطة مخصصة ليهم: “والله لو تعرفي إيه اللي حصل لتشفقي عليا.”
صاحت سحر: “وإيه اللي حصل عشان أشفق عليكِ؟”
تنهدت بشرى وهي بتقول: “الكلام هيحتاج لقعدة طويلة، أنتِ قوليلي إزيك أنتِ؟؟؟”
ردت سحر بفضول: “أنا بخير، قوليلي الأول مالك؟؟؟ هل الأولاد بخير؟؟؟”
ردت بشرى متحمدة: “الحمد لله في أتم صحة وعافية اللهم دوام.”
سألت سحر: “إذن مالك؟؟؟”
بشرى: “إيه رأيك نتجمع في مكان ونستغلها فرصة ونتصل بحياة عشان تيجي هي كمان.”
سحر: “ماردتش عليا امبارح زيك.”
بشرى: “هعيد الاتصال عليها ونتجمع سوا من فترة طويلة ماخرجناش.”
ردت سحر بضيق مصححة: “بل ماتكلمناش من الأساس.”
قالت بشرى بشبه ابتسامة: “اسمعيني الأول ووقتها احكي وعاتبي زي ما أنتِ عايزة.”
سحر: “خلاص ماشي.”
قفلت بشرى معاها عشان تتصل على حياة، واللي جاوبت بعد ما يئست بشرى إنها ترد فابتسمت تلقائي لسماع صوتها وقالت: “حياة إزيك؟؟؟”
ردت حياة وقد حست إنها رجعت لماضي قريب: “بشرى وحشتيني والله، إزيك أنتِ؟؟؟”
هتفت بشرى بمزاح: “هتسلخك سحر وأنتِ حية؟؟؟”
تعجبت حياة مرددة: “ليه..؟؟؟..”
قالت بشرى: “بتقول إنها اتصلت عليكِ وماردتيش.”
تذكرت حياة فقالت: “مأخدتش بالي من تليفوني وقتها، هبقى اتصل عليها.”
قالت بشرى: “لا إيه رأيك نتقابل في مكان ونتكلم زي ما لازم وزي ما كنا بنعمل، من صوتك حاسة إنك مش بخير.”
بلعت حياة غصة متحشرجة بحلقها ورددت مسيطرة على نفسها: “وليه لا؟؟؟”
وبعدين فكرت هل هتقدر تخرج عشان تشوف الناس براس مرفوعة؟ رجعت تصيح بحدة: “لا، إيه رأيكم تيجوا أنتم لزيارتي.”
رفعت بشرى حاجبها قلقًا على صاحبتها بس آثرت الصمت، فقالت حياة: “همليكِ العنوان شارع+++”
قاطعتها بشرى باسمة: “نسيتِ يا حياة؟ ده أنا زرتك كتير وعارفة مكان سكنك.”
هتفت حياة تقر على مضض: “لا ده اتغير وما تسألينيش دلوقتي؟؟؟”
طاوعتها بشرى وهي بتقول: “خلاص ماشي إيه رأيك هنيجي ليكِ الساعة خمسة، هل الميعاد يناسبك؟؟؟”
أجابت حياة من غير روح: “أيوة يناسبني.”
وقفلت بشرى معاها هي كمان وعقلها مشتت بتفكر في اللي صاب صاحبتها.
​===============================
​أقصر طريق لعلاج قلبك المنكسر؟
هو إنك تبعت كل أجزائه لربنا…
فهو الكفيل بإعادته لسرته الأولى….
قاعدة جنبه بواحد من أكبر مراكز النسا والتوليد المليانة بالمرضى، مشتاقة لحضنه عشان يطمنها إن كل حاجة على ما يرام من ساعة ما صحيت الصبح وهي مش على ما يرام، مقبوضة حاسة بثقل على صدرها بيعيق تنفسها. عينيها الخضرا الواسعة بـتتابع ملامحه الصلبة بعشق مش شايف في معشوقه أي عيب أو غلط، ياما ودها تمشي دلوقتي والفرصة للانزواء في أحضانه، ياما مشتاقة ومشتاقة.
= اتفضلي مدام موشجان، ده دورك.
قام أيهم بينما موشجان الشاردة فيه مأخدتش بالها، فرجع نادها فقامت ماشية وراه ناحية أوضة الدكتور. ألقى أيهم السلام ومد كف ناحية الدكتور اللي قام يصافحه، وبعدين قعد هو ومراته متقابلين قدام مكتب الدكتور اللي قاعد وراه. بدأ أيهم الكلام معطيًا الدكتور كافة البيانات اللي محتاج ليها من غير ما يدي موشجان فرصة للكلام، فبالنسبة له الستات كائن مهمش مالهوش وظيفة غير إمتاع الراجل وإنجاب الأطفال وتربيتهم، وكانت هي أكتر من راضية، راضية لتنعم بدفئه، راضية لتنعم بقربه فيكفيها تتأمل كل يوم ملامحه بحرية، فلقد بقى دعائها ليل ونهار إنها تترزق بالأطفال مش عشانها بس بل عشانه، تكفيها سعادته ويكفيها دفء حضنه.
​طلب الدكتور إنها تتمدد على السرير عشان يعمل الفحص، فأشار لها أيهم موافقًا فاتجهت ناحية أوضة مقفولة بستارة بيضاء سميكة قاعدة فيها ممرضة ساعدتها في تعديل هدومها عشان يتمكن الدكتور من الفحص. نادت الممرضة للدكتور اللي دخل بيصاحبه أيهم وألقى نظرة ناحية موشجان اللي اتعلقت عينيها بيه في خوف، فدي هي المرة الأولى اللي بتخضع للفحص بينما هو ملامحه جامدة صلبة ما بتتفسرش بحاجة. وبدل ما يقف جنبها يؤازرها رغم نظراتها الخايفة والطالبة لدعمه، وقف جنب كرسي الدكتور بيبص لشاشة جهاز الأشعة وكأنه هيفهم للي فيه، ومع ذلك مأخدش باله لتحول ملامح الدكتور وهو بيتابع فحصه بدقة، واللي أخد أكتر من المعتاد مع أي عيانة، وبعدين قام سايب الأوضة بيتبعه أيهم تاركًا الثانية تقاسي ويلات خوفها فملامح الدكتور مش بتبشر بالخير. خلصت من تعديل هدومها وبعدين خرجت وهي سامعة أيهم بيسأل وقد حس بالريبة: “قولي يا دكتور بس مدى سوء الوضع؟؟؟”
بص الدكتور بأسى ناحية قلمه الممسك بيه في عجز، بينما موشجان الواقفة بنهاية الأوضة بلعت ريقها بصعوبة وقد تزايدت نبضات قلبها وأخد جسمها في التعرق. صاح أيهم بنفاذ صبر وقد ضاقت حدقتي عينيه: “قولي يا دكتور فيه إيه؟؟؟”
رفع الدكتور عينيه ليهم في أسى وحزن حقيقي، فياما بيكره طوال عمره المهني الحالات دي وشعوره بالعجز بل واضطراره لإبلاغ المريض، أخيرًا نطق هاتفًا:
= المدام بتعاني من تشوهات بالغة بالرحم بتخلي الإنجاب مستحيل.
شهقت موشجان وسارعت لرفع كلا كفيها مغطية بؤها ودموعها بتتاسبق على خدودها، بينما أيهم الواقف كطود بلع الصدمة من غير ما تطرف عينيه، بل رجع يسأله بصوت ثابت النبرات:
= وهل بتفيد أي من الطرق الحديثة حقن مجهري أو أي حاجة؟؟؟
رد الدكتور: “للأسف لا.”
بقى صوت شهقاتها عالي بينما هو غرق في أفكاره فماسمعش أي منهم كلمات الدكتور المواسية لحد ما مشيوا.
كان الوصول لعربيته صعب مع بكا موشجان اللافت للأنظار من حواليهم، طلع بعربيته بقوة وبسرعة عالية مش فارق معاه مين جنبه، بيعمل كذا مكالمة بينما الثانية بتشهق ألم لتتحول زيارة الدكتور ده لثلاث زيارات لدكاترة تانيين مؤكدين نفس الأمر وإن اختلفت الطريقة، ليصابوا هما الاتنين بإحباط شديد وإرهاق جم. رجع أيهم يقعد ورا دركسيونه زافرًا بإحباط وضيق وقد لزق قميصه بجسمه بفعل العرق واختناق الجو حواليهم، وطلع أخيرًا راجع لبيته مع غروب شمس اليوم وغروب أملهم ورجائهم بنظرة منه تطمن قلبها وروحها.. بلا رجعة. بيسمع شهقاتها وبيبخل عليها بكلمة مواساة بل بيزفر في ضيق من نواحها مـديرًا وشه لشباكه. مابطلتش هي البكا وقد احمر مناخيرها وتورم جفونها واحمرت عينيها، أحقًا مش هتكون أم؟ مش هتسمع كلمة أمي؟ مش هتحمل في يوم ويكبر بطنها وتراقب نموها في مرايتها؟ أحقًا هي عقيم بائسة؟ أحقًا اتحرمت من نعمة الإنجاب؟ كل ده دار بمخيلتها، وجع ما بعده وجع فالأنثى أم من وقت ولادتها بيجيبوا لها عروسة لعبة لتلهو بيها فتصبح هي أم ليها تمشط شعرها، تبدل هدومها، ياويها حضنها، ولما تكبر شوية بتصبح أم لأبوها تسعى لإرضائه والعمل على راحته، الأنثى أم بالفطرة فكيف ليها تحيا وقد اتحرمت من فطرتها، أمومتها، طفل تحويه ضلوعها. ماكنش ليكون في أسوأ كوابيسها إنها هتكون عاقر، شهقت بقوة عند الكلمة دي وهي بتهمس من غير تصديق: “أنا عاقر، أنا عاقر…”
بيشيح وشه للشباك جنبه بضيق بينما هي بيصرخ ما جواها، فرفعت إيديها تضرب بطنها صارخة: “أنا عاقر، أنا عاقر.”
وكأنه مغيب في عالم ثاني مش طايق صراخها ومش مستحمله، فعقله المعتاد على الحسابات والأرقام أخد يحسبها ويدور له على حلول من غير خسارة بينما صراخها بيعيقه، فيلجم نفسه من الصراخ عليها وياما بيحس إن المسافة طولت لبيته، عايز القعدة لوحده والتفكير مليًا بالأمر. رفعت راسها ناحيته عايزة يطمنها ولو بكلمة، عايزة يضمها هل ده بكتير؟ نادته بصوت متحشرج: “أيهم.”
أشاح وشه للنافـ…

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *