اتاكدي
“تأكدي إنك ما تبقيش موجودة لما نطلع على مطار القاهرة عشان نروح باريس،” أخويا قالها وهو بياكل العشاء. “هيبقى موقف بيكسف قوي لو حاولتي تلزقي فينا وتيجي معانا.” أبايا هز رأسه بـ موافقة وقال: “هي الحكاية بس… إن ده ما بقاش مكانك خلاص.” أنا كل اللي عملته إني رفعت كاسي وقلت: “مفهوم.” في الليلة دي، لغيت كل تذاكرهم في السكت والخباثة وقعدت أستنى. وعند كاونتر الحجز في المطار، رفضوا يركبوهم الطيارة. أخويا بعتلي رسالة: “صلحي الهبل ده فوراً.” أنا ابتسمت ورديت عليه…
”يا ريم، فيه حاجة غلط.. مش لاقيين الحجز بتاعنا على السيستم.”
بعدها بثواني معدودة، جت رسالة ثانية:
”صلحي القرف ده فوراً.”
كنت واقفة جنب شباك الصالة ومسك في إيدي تذكرة الطيران بتاعتي، وفي نفس الوقت، وفي صالة ثانية خالص في المطار، كان أخويا كريم بيتكتشف إن البنت اللي قعد سنين يعاملها على إنها الخدامة اللي مالهاش قيمة في العيلة، ما بقتش بتجري عشان تنقذه وتصلحله غلاطاته.
قبلها بيومين بس، كان قاعد يبتسم على ترابيزة العشاء في بيت أبوي وأمي في المعادي وكأنه كسب الحرب خلاص.
”تأكدي إنك ما تبقيش موجودة لما نطلع على المطار عشان نروح باريس،” قالها وهو بيلف كاس العصير في إيده. “هيبقى موقف بيكسف قوي لو حاولتي تلزقي فينا وتيجي معانا.”
أبايا يا دوب بصلي بقلة اهتمام وقال: “هي الحكاية بس… إن ده ما بقاش مكانك خلاص.”
للحظة، محدش في القعدة اتحرك ولا نطق.
أمي فضلت باصة في طبقها ومبتتكلمش. أختي فريدة سكتت خالص. كريم رجع بضهره لوراء على الكرسي وهو متطمن ومترستق بالوش بتاع الشخص اللي متوقع مني أعمل اللي بعمله طول عمري—أبلع الإهانة، وأسلك الأمور، وأريح الكل على حساب نفسي.
عشان كده رفعت كاسي.
”مفهوم.”
ده كل اللي قلتولهم.
اللي محدش فيهم افتكره أو عمله حساب، هو إن أنا اللي بنيت وعملت رحلة باريس دي من الألف للياء.
أنا شغالة في تنظيم ورحلات السفر في شركة كبيرة في الإسكندرية. طيران، فنادق، مواصلات، انتقالات صعبة، وتغييرات في أخر لحظة—دي الحاجات اللي الناس بتكلمني عشانها لما كل حاجة بتبوظ وتتقفل في وشهم.
لما أهلي قرروا أخيراً يعملوا رحلة أحلامهم لباريس، جولهم طبعاً عندي أنا.
أنا اللي جيبت الأسعار، وأنا اللي حولت النقاط والخصومات، وظبطت الكراسي. أنا اللي نظمت مواعيد الترانسفير، ودعمت التذاكر ودفعتها بكارتي الشخصي، وحطيت الحجز كله عن طريق حساب شغلي الاحترافي.
كل تأكيد حجز كان بيكتب اسمي أنا.
كل رقم حجز كان متسجل برقم تليفوني وإيميلي.
وكريم كان عارف كده كويس.
وده كان السبب إن ضحكته اترعشت واهتزت لما قلتله بصوت واطي: “أنا كنت فاكرة إني جزء من الرحلة لما حجزت لكم كل الطيران ده.”
بس لحق نفسه بسرعة وتدارك الموقف.
”بلاش تعملي دراما وتعيشي دور الضحية،” قالها بقلة ذوق. “أنتِ عندك شغلك الصغير ده في السفر وحياتك الخاصة. الرحلة دي معمول للعيلة المقربة بس.”
العيلة المقربة.
أنا سمعت النبرة دي قبل كده.
من عشر سنين، كنت أتقبلت في كورسات ومنحة معمارية في الصيف في باريس. كريم قعد يزن على دماغ أهلي وإني ضعيفة ومش هقدر أشيل المسئولية لوحدي هناك. قالهم إنها اعترفتلي في السر إنها مش قد الغربة ومش هتقدر تستحمل.
وما كانش صح ولا كلمة من اللي قالها.
بس أنا كان عندي وقتها تسعتاشر سنة، وكنت مموتة نفسي عشان أحافظ على الهدوء والسلام في العيلة، وكنت خايفة جداً أطلع أخويا كذاب قدامهم.
رفضت المنحة وقعدت.
هو كمل حياته عادي.
وأنا اتعلمت إزاي أختفي وأختصر نفسي من غير ما أسيب الأوضة.
في الليلة دي، في أوضتي القديمة في بيت أهلي، تليفوني زن ثاني.
كريم.
”بأكد عليكي بس عشان نكون على نور.. ما تطلعيش في وشنا يوم الأربعاء الصبح. هيبقى شكلها وحش قوي وعطلة في العربية مع الشنط.”
قريت الرسالة مرتين.
وبعدين فتحت حجز العيلة على اللاب توب.
الاشاشة كانت معروض عليها الرحلة اللي جمعتها حتة حتة: من القاهرة لباريس، تذاكر مرنة، تفاصيل المسافرين، أرقام التأكيد، وحسابي أنا المسجل كـ جهة الاتصال الأساسية والمالك للحجز.
كان المفروض تبقى خطة رحلة عادي.
بس في الحقيقة، كانت دليل وإثبات.
لسنين طويلة، كنت بستخدم شطارتي وإمكانياتي عشان أحميهم من أي لغبطة أو عطّلة. أصلح حجز الطيران اللي يفوتهم قبل ما يعرفوا أساساً إن كان فيه مشكلة. أقعد بالساعات على الانتظار مع الشركات. أدفع الفروق من جيبي. أفتكر أعياد الميلاد، المواعيد، التفضيلات، وأرقام الكراسي.
هم افتكروا إن الاهتمام ده فرض عليا وواجب.
وافتكروا إن سكتي ده إذن منهم إنهم يدوسوا عليا.
تحت في الصالة، كانوا قاعدين بيتفرجوا على برنامج سفر عن باريس وبيتكلكوا هياكلوا إيه جنب نهر السين.
وفوق، كنت قاعد لوحدي مع نور شاشة التليفون في إيدي.
كان فيه خيار قدامي متعودة عليه: ما أعملش حاجة.
أتمنالهم رحلة سعيدة. وأمثل إني مش مجروحة. وأتفرج على الصور وهي بتنزل من باريس وأتصرف كأن استبعادي من فسحة أنا اللي خططت لها ودفعت تمنها هو شيء طبيعي ومنطقي.
الخيار الثاني كان أهدى بكثير.
ما كنتش محتاجة أزعق.
ولا محتاجة أترجاهم ياخدوني معاهم.
أنا بس كنت محتاجة أوقف تشيل قرف نتائج اختياراتهم.
على يوم الأربعاء الصبح، البيت كان مليان شنط، وقهوة، وباسبورات، وطاقة خروج وفسح.
كريم كان بيسحب شنطته الجديدة ناحية الباب وبصلي:
”افتسكري، ما تبقيش موجودة على الساعة حداشر. مش عايزين نتكعبل فيكي وأحنا طالعين.”
سندت ضهري على الباب:
”ما تقلقش،” قلتها بهدوء. “مش هتشوف وشي.”
العربيات والشوارع كانت زحمة برة البيت والجو حار، أول ما عربيتهم تحركت طلعت من الموقف.
أمي شاوراتلي من الشباك الوراني.
فريدة فضلت باصة عليا أطول واحدة فيهم.
وبعدين العربية لفت ودخلت الشارع الرئيسي.
وأنا طلعت فوق الشقة عشان أجيب الشنطة اللي ما كانواش يعرفوا إني جهزتها.
بعدها بساعات، في المطار، الموظفة عند البوابة بتاعتي بدأت تمسح تذاكر الطيران للركاب.
في اللحظة دي بالذات.. الرسائل بدأت تنزل عليا.
أمي: “يا ريم، هو أنتِ غيرتي حاجة في الحجز؟”
أبايا: “الموظف بيقول إن الحجز مربوط بحسابك أنتِ ومتقفل. اتصلي بينا فوراً.”
وبعدين كريم.
”أنتِ فاكرة الهبل ده يضحك؟ أنتِ عارفة أنتِ عملتي إيه؟ أنا عندي عشاء عمل مهم جداً مع عميل في باريس بكرة! صلحي القرف ده فوراً!”
بصيت للشاشة.
وبعدين بصيت للتذكرة اللي في إيدي الثانية.
ولأول مرة من سنين طويلة، مفيش أي حاجة جوايا تحركت عشان تجري تحللهم مشكلتهم.
في الناحية الثانية من المطار، صوت الميكروفون أعلن عن فتح باب الطيارة.
المجموعة بتاعتي بدأت تتحرك وتركب.
ورسايل أخويا ما كانتش بتوقف.
ولما فتحت المحادثة بيني وبينه في الآخر، كنت عارفة كويس قوي إيه أول كلمة هكتبها وأبعثها له.
الجزء الثاني:
أنا اسمي ريم الموردي، عندي 29 سنة، وعايشة في شقة صغيرة في الإسكندرية. وشغلي الأساسي وشاغلي الوحيد هو إني أخلي رحلات وفسح الناس الثانية تمشي على العجين ما تلخبطوش. بنظم طيران، وفنادق، وانتقالات لمديرين ورجال أعمال عمرهم حتى ما فكروا يعرفوا اسمي إيه. كنت فاكرة زمان إن دي ميزتي وقوتي الخفية، بس ما كنتش اعرف إن الشطارة دي هتبقى أشد وأقوى سلاح في إيدي ضد أهلي شخصياً.
في الليلة اللي كل حاجة اتغيرت فيها، كنت راجعة القاهرة، وقاعدة على ترابيزة السفرة في بيت أهلي في المعادي، وشنطتي متوضبة نص توضيبة فوق في أوضتي عشان كنت هبيلة وفاكرة بالغلَط إننا كلنا هنسافر باريس مع بعض بعد يومين.
أخويا كريم نضف حنجرته، وقعد يلف كاس العصير في إيده وكأنه صاحب الحفلة أو النجم في برنامج أنا أساساً ما اتعزمتش فيه.
”تأكدي إنك ما تبقيش موجودة لما نطلع على المطار عشان نروح باريس،” أخويا قالها وهو بياكل العشاء. “هيبقى موقف بيكسف قوي لو حاولتي تلزقي فينا وتيجي معانا.”
أبايا هز رأسه بـ موافقة وقال: “هي الحكاية بس… إن ده ما بقاش مكانك خلاص.”
أنا كل اللي عملته إني رفعت كاسي وقلت: “مفهوم.”
الأبواب اتفتحت في المطار، والسيستم قفل في وشهم تماماً.
كريم كان واقف عند كاونتر شركة الطيران وشّه جايب ألوان، والموظف عمال يكرر نفس الجملة ببرود: “يا فندم الحجز اتلغى بالكامل من صاحب الحساب الرئيسي، والتذاكر أتعمل لها استرداد للمبلغ على كارت الائتمان الخاص بالآنسة ريم.”
أمي بدأت تعيط وتلطم بالراحة: “يعني إيه؟ يعني مش هنطير؟ وشنطنا دي كلها نعمل فيها إيه؟”
أبايا مسك التليفون وإيده بتترعش من الغضب، وعمال يبعت في رسايل ويتصل بيا، بس تليفوني كان مغلق أو على الوضع الصامت.
كريم بعت أخر رسالة وهو هيموت من الغيظ: “صلحي القرف ده فوراً! أنتِ جنيتي؟ العميل بتاعي مستنيني بكرة في باريس! هضيعي شغلي عشان حتة نفسنة؟”
في الناحية الثانية خالص، كنت أنا قاعدة في صالة كبار الزوار، ماسكة تذكرتي في إيد، وكاس العصير المفضل عندي في الإيد الثانية. فتحت محادثة كريم، وقريت كل الرسايل اللي وراء بعضها.
لأول مرة في حياتي، ما حسيتش بأي تأنيب ضمير، ولا حسيت بضربات قلبي السريعة اللي كانت بتجيلي زمان لما حد فيهم يزعل مني.
كتبتله كلمة واحدة بس، ودوست إرسال:
”مفهوم.”
نفس الكلمة اللي قلتها على السفرة لما طردوني من الرحلة.
بعدها بثواني، أعلنوا في الميكروفون عن النداء الأخير لركاب رحلة باريس. قمت بكل هدوء، شلت شنطتي الخفيفة على كتفي، ومديت التذكرة لموظف البوابة اللي ابتسملي وقال: “رحلة سعيدة يا فندم.”
ركبت الطيارة، وقعدت في كرسيي جنب الشباك. وأول ما الطيارة بدأت تتحرك على الممر وتستعد للإقلاع، طفيت تليفوني خالص، وبصيت من الشباك على أنوار القاهرة وهي بتبعد.
أهلي قضوا بقية اليوم محبوسين في المطار بين الشنط، بيدوروا على أي حجز جديد بضعف التمن ومش لاقيين، وكريم خسر العميل بتاعه، وأنا طرت لباريس عشان أقضي أحلى إجازة في حياتي.. لوحدي، وعلى حسابي، وفي مكاني الصح اللي أنا اخترته بنفسي.