حماتي بتكركب مطبخي

“حماتي كانت بتكركبلي مطبخي وتغير نظامه كل مرة تزورني فيها — ولحد ما جه اليوم اللي رميت فيه حاجة من ريحة أمي الله يرحمها.
حماتي، منال، كان عندها عادة بتطير العقل من رأسي.
كل مرة تزورنا فيها، لازم تعيد ترتيب المطبخ على مزاجها.
الأطباق تروح لدولاب تاني خالص.
التوابل تختفي جوة أدراج بعيدة.
سلاطين التقديم تترص على أرفف أصلًا ما أطولهاش بالعافية.
حتى الماكينة بتاعة القهوة، ألاقيها فجأة في أخر المطبخ!
“”كده أريح وأحسن كتير،”” كانت ديمًا تقولهالي بالكلمتين دول.
وجوزي كان ديمًا يقولي: “”عديها يا بنت الحلال، هي أصلها قصداها مساعدة وخلاص.””
وسكت، ومشيتها عشان ما أعملش مشاكل.
أول ما تمشي، أرجع كل حاجة مكانها تاني.
وأشتري دماغي وأحافظ على الهدوء.
لحد يوم الحد اللي فات.
منال جت البيت وأنا طالعة أودي الولاد تمرين الكورة في النادي.
رجعت، لقيتها واقفة في وسط المطبخ وهو بيلمع من النظافة.
وكان فيه ثلاث أكياس زبالة سودا كبار محطوطين جنب باب المطبخ اللي بيطل على المنور.
وكانت باصة لنفسها بمنتهى الرضا والفخر.
“”أخيرًا خلصتك من الكراكيب المكركبة دي كلها اللي ملهاش لازمة.””
معدتي اتعصرت وحسيت بقبضة.
“”رميتي إيه يا طنط؟””
“”يا بنتي شوية حاجات زيادة ما لهاش أي عازة.””
فتحت أول كيس.
علب بلاستيك قديمة.
علب توابل منتهية الصلاحية.
شوية مجات مكسورة من الحرف.
ما فيهمش حاجة مهمة يعني.
بعدين بصيت ناحية الرخامة بتاعة المطبخ.
واتسمرت في مكاني.
فيه حاجة ناقصة.
بطرمان سيراميك أزرق صغير بتاع كوكيز.
أمي الله يرحمها كانت دهناه ولوناه بإيديها وأنا عندي اتناشر سنة.
ما كانش غالي ولا قيمة مالية.
ولا حتى شكله متقن أوي.
دهانه كان مش مضبوط، وفيه شرخ صغير خالص من تحت.
بس من يوم ما أمي فارقت الدنيا، والبطرمان ده بقى من الحاجات القليلة أوي اللي فاضلالي منها وبستعملها كل يوم.
لفيت لمنال وقبل ما أنطق:
“”فين البطرمان بتاع أمي يا طنط؟””
بصتلي ببرود ومن غير ما تهتم.
“”بطرمان إيه؟””
“”الأزرق السيراميك.””
وشها ما اتقلبش ولا اتغير فيه أي حاجة.
“”آه.. القرفة الزرقا المكركبة دي؟””
قلبي وقع في رجلي.
“”أنا رميته.””
جريت على برة.
صناديق الزبالة بتاعة العمائر كانت فاضية.
عربية الزبالة كانت لسه معدية وواخدة كل حاجة من نص ساعة.
وقفت جنب الصناديق الفاضية وبقيت بعيط بهستيريا.
على ما دخلت الشقة تاني، كانت منال بتبصلي بزهق وقرف.
“”جرى إيه يا بنتي! هو مجرد بطرمان قديم!””
برقتلها وأنا مش مصدقة.
“”ده كان بتاع أمي!””
لوت بقها وبصت فوق.
“”وأهو راح خلاص! هو إنتي فاكرة إنك هتعيشي تكنزي في الحاجات القديمة دي للآبد؟””
قبل ما أرد عليها ونار تطلع مني، جه صوت صغير من وارانا.
“”لا يا تيتة.””
إحنا الاثنين لفينا.
بنتي، ندى، اللي عندها تسع سنين، كانت واقفة على باب المطبخ.
وكانت مخبية حاجة ورا ظهرها.
“”أنا طلعته من الزبالة قبل ما مامي ترجع.””
لثانية واحدة، جسمي اتخشب وما عرفتش أتحرك.
بعدين طلعت البطرمان الأزرق لبرة.
فرحة وراحة جرفوني لدرجة إني كنت هفرقع من الضحك من كتر الارتياح.
جريت عليها وأخدته منها.
“”تسلم إيدك يا حبيبتي، شكراً.””
ابتسمتلي.
بس وأنا ماسكة البطرمان، حصلت حاجة غريبة.
فيه صوت حاجة بتخبط وبتكتك جواه.
استغربت واستعجبت.
البطرمان ده قاعد على الرخامة عندي بقاله سنين وسنين.
فتحته مئات المرات.
عمري ما سمعت أي صوت بيخبط جواه أبداً!
رفعت الغطا.
​جوة البطرمان السيراميك، وعلى القاع المطفي بتاعه، كان فيه مفتاح نحاس صغير ملفوف بحرص جوة ورقة مكتوبة بخط الإيد ولونها مدي على أصفر قديم.
​إيديا كانت بترتعش وأنا بطلعه بالراحة خالص وبفرد الورقة المتطبقة على رخامة الجرانيت. الحبر كان باهت شوية، بس الخط المايل الناعم ده.. ده خط أمي، ما أغلطش فيه أبداً.
​””حبيبتي ونور عيني،
لو بتقري الكلام ده، يبقى إنتي أخيرًا أخدتي بالك من الشرخ اللي تحت في البطرمان، أو يمكن القدر هو اللي جابه في إيدك في الوقت اللي إنتي محتاجاه فيه بجد. أنا ووالدك المرحوم شريف كنا شايلين صندوق أمانات في بنك مصر فرع شارع الجلاء (صندوق رقم 418). جوة الصندوق ده عقد شالية الساحل وحسابات وأوراق استثمارات شريف القديمة—نفس الحاجات اللي قرايبك من أباك حاولوا بكل جهدهم ياخدوها مني قبل ما أموت. أنا كتبت كل حاجة باسمك إنتي بس، بعيد عن أي مشاكل إعلام وراثة ومحاكم. ابني حياتك بكرامتك وعلى طريقتك يا شجاعة. وأوعي تسمحي لأي حد يغيرلك أماكن حاجتك أو يتحكم فيكي.
كل حبي، أمك.””
​المطبخ كله بقى في حالة صمت رهيب.
​بصيت جوة البطرمان. وفعلاً، تحته كان فيه قاع سيراميك مستعار ومستخبي، انزاح من مكانه لما منال حدفته بإهمال في كيس الزبالة، وده السر اللي أمي عملته بإيديها زمان من غير ما حد يحس.
​منال مالت على كتفي وبصت، عينيها بتتجمع عشان تقرا الخط. وشها اتقلب من التكبر والتعالي لبياض زي الميتين.
​””استني هنا..”” منال تهتعت وصوتها بقى بيرتعش فجأة. “”شالية الساحل؟ الشالية اللي على البحر في مارينا ده بتاعك إنتي؟””
​في اللحظة دي، جوزي، هشام، كان لسه داخل من باب الشقة وميدالية المفاتيح في إيده. “”مساء الخير يا جماعة، التمرين كان تمام؟ أمي، هي إيه أكياس الزبالة دي اللي عند الباب—””
​””هشام!”” منال لفت له وهي هتتجنن، وبتشاور عليا بصابعها المتظبط. “”مرتك مخبية عقارات وأملاك! شالية كامل وحسابات استثمار! أمها سايبالها ثروة! إحنا ممكن نبيع الشالية ده ونفك بيه زنقة القرض بتاع الشقة، أو حتى نحط الفلوس دي لعلاء أخوك يبدأ بيها مشروعه الجديد!””
​هشام وقف في مكانه، وبقى يبص بين وش أمه اللي اتجننت، والمفتاح النحاس اللي في إيدي. بص للدموع اللي على خدي، وبعدين نزّل عينه لبنتنا الصغيرة اللي كانت ماسكة في جنبي بجامد.
​””استني بس… يا أمي،”” هشام قالها بالراحة وصوته نزل لنبرة ذهول وغمود. “”هو إنتي مديتي إيدك على حاجة والدتها الله يرحمها تاني؟””
​””أنا كنت بنظف ونضفت الكراكيب اللي ملهاش لازمة!”” منال صرخت وهي مش حاسة أصلاً بالخط الأحمر اللي عدته. “”ده أنا عملت فيها جميل! دي كانت هتضيع الثروة دي كلها بسبب بطرمانها المقرف ده! يلا خليها تسلمك العقد ده دلوقتي يا هشام عشان نعرف نتصرف فيه إحنا كعيلة واحدة—””
​””اطلاعي برة،”” قيلتها بصوت واطي بس جامد.
​منال اتسمرت. “”إيه؟””
​””اطلاعي برة مطبخي،”” قولت وأنا بتقدم خطوة، وصوتي ثابت وقاطع وأعلى من أي مرة تجرأت واتكلمت بيها قبل كده. “”واطلعي برة بيتي كله.””
​””هشام! شوف مرتك بتمشيني إزاي!”” منال زعقت ولفت لإبنها. “”هي اتجننت عشان تتكلم معايا كده؟!””
​هشام بص للرخامة الفاضية اللي البطرمان كان قاعد عليها كل يوم بقاله سبع سنين. وبص للثلاث أكياس السودا اللي محشورة من كراكيب بيتنا، وبعدين نزّل بصره لبنتنا الصغيرة وهي ماسكة غطا البطرمان الأزرق المكسور.
​””أمي،”” هشام قالها وفكه مشدود، ومشي طوالي على باب الشقة وفتحه على آخره. “”امشي. دلوقتي. وهاتي المفتاح بتاع شقتنا اللي معاكي.””
​منال كانت عاملة زي اللي أخدت قلم على وشها. شفايفها بقت تتحرك من غير ما يطلع منها صوت، ولما لقت لا هشام ولا أنا هنرجع في كلامنا، سحبت شنطتها بعنف من على الكرسي، ورمت كلمة مش تمام تحت أسنانه، وهبدت المفتاح على الترابيزة برة وخرجت تجري في الشتاء والمطر اللي شغال برة.
​هشام قفل الباب، وضرب الترباس، ووقف حاطط ر his جبهته على الخشب. “”أنا أسف أوي،”” همس بيها. “”كان المفروض أوقفها عند حدها من سنين طويلة.””
​ما رديتش عليه في ساعتها. أخدت بنتي في حضن دافي وقوي، وبستها فوق رأسها.
​””إنتي أنقذتي حاجة غالية أوي النهاردة يا قلب مامي،”” همستلها.
​””أنا كنت عارفة إنه مش كراكيب يا مامي،”” ابتسمتلي وهي حاطة دقنها على كتفي. “”تيتة الله يرحمها عملته معاكي.””
​تاني يوم الصبح، طلعت على البنك وأخدت حق أهلي اللي كان بتاعي طول عمره. ومن يومها منال ما حطتش إيدها ولا غيرت مكان كوباية في مطبخي تاني. وعلى الرخامة، اتلصق البطرمان الأزرق الصغير بمادة مذهبة ومسكت مكان الشرخ—وقاعد في مكانه الصح، ثابت ومش هيتحرك من أرضه أبداً.”
​””هو بطرمان الكوكيز بتاع أمي فين؟”” سألت وأنا بصة للركن الفاضي على رخامة المطبخ، في الوقت اللي كانت حماتي، عفاف، بتصب لنفسها فنجان القهوة بمنتهى الهدوء.
​بصلتي بالعافية وهي بترد ببرود: “”القرفة الزرقا دي؟ رميتها في الزبالة.””
​قبلها بعشرين دقيقة، كانت عربية الزبالة لسه معدية وشايلة الصناديق، ولثواني مرعبة صدقت إن البطرمان الأزرق السيراميك اللي أمي دهنته ولونته بإيديها وأنا عندي اتناشر سنة، راح للآبد.
​في اللحظة دي، دخل جوزي، إيهاب، من الجراج، وسمع أمه وهي بتقلل من الموضوع وبتقول: “”كراكيب وما لهاش عازة.”” حسيت بنفس الغضب القديم اللي عاش معايا على مدار اتناشر سنة جواز؛ سنة ورا سنة وأنا شايفاها بتقلّب وتغير ترتيب أدراجي ودواليب مطبخي وحاجتي كل ما تزورنا.
​وفجأة، ظهرت بنتنا ندى، اللي عندها تسع سنين، واقفة على باب المطبخ ومخبية حاجة ورا ظهرها.
​””لا يا تيتة،”” قالتها بصوت هادي بس واثق. “”أنا طلعته من الزبالة قبل ما عربية الزبالة تيجي.””
​مسكت البطرمان الأزرق بتاع أمي وحطته بين إيديا—ولما حاجة مستخبية جواه خبطت وعملت صوت، وش عفاف فجأة اتخطف ولونه اتشفط منه تماماً!
​أمي، ماجدة الله يرحمها، كانت دهانة البطرمان بنفسها؛ غطته بورد أبيض مش مضبوط، وكتبت اسمي تحته بخطها المايل اللي أقدر أعرفه في وسط ألف خط حتى بعد سنتين من وفاتها. كان عندها عادة إنها تشيل الحاجات المهمة في أماكن غريبة، بس عمره ما جه في بالي إن البطرمان ده جواه حاجة غير الكوكيز.
​عفاف، في المقابل، قضت اتناشر سنة كاملين من جوازنا وهي “”بتساعدني”” في المطبخ: تحرك التوابل، تفتح الأدراج، تنقل الأطباق، وتعدل العلب، في حين إن إيهاب كان دايماً يهديني ويقولي: “”يا بنت الحلال أصلها قصداها خير ونيتها طيبة.””
​بس في يوم الحد ده، ندى حكتلنا الحقيقة. عفاف مكانتش بتنظف خالص! ندى شافتها وهي بتفتح الدواليب، تطلع الحاجات، تتفحص العلب والأواني، وترجعهم مكانهم غلط. حتى الكوكيز اللي جوة بطرمان أمي ماجدة، فضته كله وقعدت تقلب فيه وتفتشه!
​إيهاب مسك البطرمان وقلبه، واكتشف إن قطعة اللباد اللي تحت القاع كانت مخلوعة ومحطوطة تاني قريب. تحتها كان فيه قاع سيراميك مستعار ومستخبي تقريباً مش باين. لما رفعه، لقينا ربطة جوابات قديمة ومقرمشة، مكتوب عليها اسم إيهاب بخط (محمود).. أبوه اللي اتحدد له من وهو عنده ثمان سنين إنه سابهم وهرب!
​أول جواب كان بقاله ستة وتلاتين سنة: “”أنا جيت يوم السبت.. أمك رفضت تخليني أشوفك.. لازم تعرف إني جيت عشانك..””
​جوابات لسنين طويلة—كروت أعياد ميلاد، معايدات كريسماس وأعياد، اعتذارات، أرقام تليفونات، ورجاء مكرر إنه ياخد فرصة أصلح. محمود كان معترف بأخطائه وبفترات إدمانه للشرب زمان، بس الجوابات المتأخرة كانت بتثبت إنه تعالج، وبقى عنده شغل ثابت، وكل طلبتك كانت مجرد إنه يشوف ابنه حتى لو تحت إشراف حد!
​إيهاب كبر وهو فاكر إن أبوه باعه وما حاولش يسأل عنه.. في حين إن عفاف كانت بتستلم الجوابات وتخبيها وتطمسها.
​عفاف دافعت عن موقفها زمان وقالت له وهي بتبكي إنها كانت بتحميه من أب خذله كتير وهو طفل ثمان سنين.. ولثانية واحدة، حتى أنا قدرت أفهم مشاعر أم خايفة على ابنها وبتحميه من الصدمات.
​بس إيهاب مسك جواب مكتوب وهو عنده خمسطاشر سنة—يعني بعد سنين من تعافي أبوه—وسألها بصوت مكسور: “”أنا فاهم عملتي كده ليه وأنا عندي ثمان سنين.. بس لما كان عندي خمسطاشر سنة، كنتِ بتحميني من إيه؟””
​عفاف ما لقتش رد.
​وبعدين ظهرت المفاجأة الكبرى: أمي ماجدة وعفاف كانوا زمايل شغل وقريبين جداً من بعض زمان. وفي نقلة بيت قديمة، عفاف كانت طلبت من أمي إنها تحرق وتعدم الجوابات دي. بس أمي رفضت، وكانت شايفه إن الجوابات دي حق إيهاب وحده، فخبتها جوة البطرمان السيراميك بذكاء، وإدّت عفاف مهلة واعتبار عشان تعترف لابنها بنفسها. بس أمي ماتت فجأة قبل ما عفاف تتجرأ وتعترف.
​وفجأة.. اتناشر سنة من كركبة وتغير نظام المطبخ بقوا مفهومين جداً!
عفاف مكانتش بترتب المطبخ ولا بتساعدني.. عفاف كانت بتدور على الجوابات عشان تدفن السر للآبد!
تمت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *