كنت واقفة في المطبخ في شقتي في أسوان
حصري لصفحة روايات رولا
كنت واقفة في المطبخ في شقتي في أسوان، بقطع تفاح لبنتي اللي عندها تلات سنين لما سمعت خبطة على الباب.
كان يوم الثلاثاء بعد الظهر.. يوم عادي جداً مفيش فيه أي دراما. كنت لسه راجعة من الحضانة، والسكراب (طقم التمريض) بتاعي متعلق على ظهر الكرسي، وجنب مكنة القهوة ورقة فيها نص طلبات السوبرماركت.
بعدين بصيت من الشباك اللي بيطل على الباب.
إيدي اتجمدت وهي ماسكة السك..ينة فوق بلانشة التقطيع.
أحمد!
أخويا الصغير..
بقالي أربع سنين ماشوفتوش.
كان واقف على العتبة لابس تيشيرت شركة الشحن اللي شغال فيها، وبيبدل وقفته من رجل للتانية. لمدة تلات ثواني، فكرت أعمل نفسي مش في البيت وأطنش.
بس في الآخر فتحت الباب الخشب الأزرق.
”أهلاً يا أحمد..”
وشه اتغير تماماً أول ما سمع صوتي.
”تسنيم؟”
دي كانت الكلمة الوحيدة اللي قدر ينطقها.
وفجأة، سمعت صوت خطوات رجلين صغيرة وتركض على السيراميك ورايا.
”ماما.. مين ده؟”
أحمد بص من فوق كتفي.
بنتي ظهرت من الزاوية وهي لابسة شراب عليه رسومات ديناصور، وماسكة في إيدها نص قلم ألوان. كان شعرها أسود، وعينيها واسعة، ولها نفس الدقن اللي موجودة في كل صور عيلة الشناوي القديمة في طنطا.
أحمد بصلها وهو مذهول.
بعدين عينيه اتنقلت لمكان أبعد في الممر..
للصورة المتعلقة على الحيطة لـ “سامح”.
لصورة السونار اللي جنبها.
لصورة قديمة ليا وأنا في الشهر التامن، واقفة قدام نفس الباب الأزرق ده وماسكة فرشة دهان في إيدي.
كنت شايفاه وهو بيجمع تفاصيل الأربع سنين اللي ضاعوا في سرّه من غير ولا كلمة.
وشه أصفرّ وأتسحبت منه الألوان.
رجع لورا خطوة..
في تانية..
وبعدين طلع تليفونه بسرعة.
”يا بابا.. لازم تجي تشوف بنفسك!”
سكت شوية..
”هي عمرها ما قالت لنا…”
مقدرش يكمل الجملة.
ودي كانت أغرب حاجة في الموضوع كله..
لأني في الحقيقة حاولت!
من أربع سنين، اتصلت بأمي وكان فيه تلات حاجات مصيرية محتاجة أقولهم لها بسرعة: إني خسرت الراجل اللي حبيته، وإني حامل، وأن الدكتور حذرني إني لازم أبعد عن أي ضغط عصبي وبطل أبعت فلوس للبيت.
بس للأسف.. مقدرتش أقول غير الجزء الأخير بس.
”يا أمي.. أنا لازم أوقف بعت الفلوس.”
سكون تام.
بعدين نبرة صوتها اتغيرت خالص.
على مدار ست سنين، كنت ببعت فلوس لأهلي يوم واحد في كل شهر.. عادة 15 ألف جنيه، وساعات كانت بتوصل لـ 20 ألف لما تكون فيه مصيبة أو طوارئ.
تصليح السخان..
عمرة بابا..
تصليح السقف..
عربية أخويا..
مصاريف العيد..
أعياد الميلاد..
ديماً فيه حاجة محتاجة تتدفع فوراً!
الموضوع بدأ في عزومة عشاي بمناسبة تخرجي من كلية التمريض في طنطا، لما أمي زقت ظرف أبيض على ترابيزة المطبخ.
قالتلي بحنية: “عشان الشقة.. انتي الوحيدة اللي ربنا فتحها في وشك وطلعتي لبر.”
أنا افتكرت إنها قصدها مرة واحدة وخلاص..
الشهر اللي بعده، وصل ظرف تاني..
وبعده ظرف تالت..
ولحد ما مابقيتش محتاجة ظروف، التحويل بقى بيطلع تلقائي من حسابي في البنك أول كل شهر.
كنت بشتغل نبطشيات بالليل.. في الإجازات.. وأوفر تايم.
زمايلي في المستشفى كانوا فاكرين إني بجمع فلوس عشان حلم معين.
وفي الحقيقة، أنا فعلاً كنت بجمع..
بس مكنتش فاهمة أنا بجمع إيه بالظبط.
أول مرة التحويل اتأخر فيها تلات أيام بس، أمي اتصلت بيا الساعة سبعة الصبح.
قالتلي: “انتي مفيش من حقك تتعبي ولا تشتكي.. انتي الوحيدة اللي سلكتي فينا!”
كنت واقفة في شقتي بعد نبطشية 16 ساعة متواصلة في المستشفى..
وبطريقة غريبة، اعتذرت لها!
مرتين!
ولما جه اليوم اللي قلت فيه إني لازم أوقف الفلوس خلاص، قفلت السكة في وشي قبل ما ألحق أقولها الأسباب.
رجعت اتصلت بيها..
يدي جرس لحد ما يقطع..
اتصلت ببابا.
”يا بابا ارجوك.. فيه مصيبة حصلت!”
سكت فترة طويلة..
وبعدين قال بجمود: “بلاش تزعلي أمك يا تسنيم.”
محدش فيهم سأل إيه اللي حصل!
محدش سأل أنا كويسة ولا لأ!
عشان كده.. بطلت أتصل.
وبالنسبة لعيلتي، اليوم ده كان هو اليوم اللي أنا “اختفيت” فيه!
في طنطا، القصة بدأت تكبر وتتحور.
أمي بقت تقعد في القعدات وتقول للناس إنها مابقتش تعرف أنا فين ولا بعمل إيه.
خالتي بقت تنزل بوستات غامضة على الفيس بوك عن العيال اللي بينسوا أهاليها واللي ربوهم أول ما يقرشوا.
وفخلال وقت قصير، كل الناس اللي أعرفهم من صغري آمنوا بإنني ببساطة بعت أهلي ومشيت.
في نفس الوقت، وعلى بعد سبع ساعات جنوباً، كنت بركب سرير البيبي لوحدي، وبقلل نبطشيات شغلي، وبحوش مقدم الشقة، وبجهز نفسي عشان أكون أم.
كل شهر ديسمبر، كنت ببعت كارت معايدة لمعايدة رأس السنة لتيتا “زينب”.
وكان عنوان شقتي في أسوان مكتوب ومطبوع بوضوح في ظهر الظرف.
وعمر ما جالي رد.
عشان كده لما أحمد ظهر على باب بيتي بعد أربع سنين، افترضت إنه أخيراً دور عليا ووصل لي.
بس طلعت غلطانة..
قعد معايا على ترابيزة المطبخ يجي ساعتين بعد الظهر.
ولأول مرة، حد من عيلتي يسألني عن سامح.
”هو مات إزاي يا تسنيم؟”
حكيت له كل حاجة..
وأحمد ما قطعنيش ولا مرة.
وقبل ما يمشي، حط حاجة على سور البلكونة.
ظرف أبيض..
عرفت خط أمي فيه على طول.
جواه كان فيه دعوة لحضور “المولد واللمة العائلية” في جامع العارف بالله في طنطا.
”ماما عايزاكي تيجي،” أحمد قالها وهو باصص للأرض.
”عشان إيه؟”
بص لجزمته وقال: “بتقول إنها هتصلح كل حاجة.”
في الليلة دي، تليفوني ما بطلش زن واستقبل 41 رسالة على الجروب العائلي القديم.
في الأول:
هي لسه عايشة؟
هي دي شقتها بجد؟
بعدين نبرة الكلام اتغيرت خالص:
دي خبت علينا إن عندها عيل!
أربع سنين كاملين!
عن أمها اللي جابتها!
ولا رسالة واحدة سألت عن سامح!
ولا رسالة سألت أنا ليه كنت لوحدي طول السنين دي!
تاني يوم بالليل، أمي اتصلت بيا بنفسها لأول مرة من أربع سنين.
قالت وهي بتعيط: “بنتي جابت بنوتة؟”
بصيت من شباك المطبخ على بنتي وهي بتلعب بالزلط في الجنينة.
”كان ممكن تعرفيها من أول يوم يا أمي.. كان كفاية بس تسيبيني أكمل جملة واحدة.”
الخط سكت تماماً..
بعدين صوت أمي بقى هادي ومفيش فيه أي تأثر:
”تعالي اللمة، واقفي جنبي.. أنا هقول للناس كلك إنك كنت تعبانة وببتعالجي، ومحدش هيعرف أي حاجة عن موضوع الفلوس ده خالص.”
مسكت طرف الرخامة بقوة.
في اللحظة دي بس أنا فهمت الحقيقة..
هي مكنتش بتطلب مني أرجع عشان واحشاها..
هي كانت بتطلب مني أرجع عشان أحمي الرواية والكدبة اللي هي غزلتا قدام الناس!
بعد ليلتين، رقم تاني من طنطا ظهر على تليفوني.
كانت تيتا زينب.
أول جملة قالتها خلتني أقعد على أرضية المطبخ مش قادرة أقف:
”أنا جاتلي جواباتك يا بنتي.. وصلني كل كارت معايدة بعتيه.”
صضري اتخنق: “طب ليه ما ردتيش عليا يا تيتا؟”
زينب سكتت شوية..
وبعدين قالت: “أنا عمري ما صدقت إنك اختفيتي.. الناس مابتختفيش يا تسنيم.. الناس ساعات فيه حد بيمسحهم قاصد.”
بعد أسبوع، أخدت بنتي وسافرت بيها على طنطا.
كنت مخططة أزور تيتا زينب في الهدوء وأرجع أسوان قبل لمة يوم الأحد.
بس الخطه دي مكملتش يوم واحد حتى!
على يوم السبت بالليل، نص المنطقة كانت عرفت إني جيت طنطا.
أمي كانت أعلنت خلاص إن “بنتها الضالة” هتقف جنبها بكرة في اللمة.
كنت قاعدة على حرف السرير في اللوكاندة بقرأ رسالة من أحمد، لما حد خبط على الباب.
كان هو..
كرافتته كانت مفكوكة، ووشه باين عليه التعب والزهق، مختلف تماماً عن الراجل اللي كان واقف قدام بيتي من كام يوم.
وفي إيده.. كشكول سلك قديم.
دخل جوه الأوضة من غير ما يقلع الجاكيت، وحطه بالراحة على المكتب.
”إيه ده؟” سألته.
أحمد فتح الكشكول.
عرفت خط أمي فوراً..
خانة للمبالغ.. وخانة للتواريخ.. وخانة للمصاريف.
ست سنين كاملين بالجنيه.
لف الكشكول ناحيتي، وحط صباعه على أول صفحة، وقال بصوت واطي ومكسور:
”تسنيم.. انتي لازم تشوفي فلوسك دي كانت بتروح فين بالظبط…”
اسمي تسنيم الشناوي، وعندي 34 سنة. بعد أربع سنين من اليوم اللي أهلي قالوا فيه لكل الناس في المنطقة إني اختفيت وبعتهم، أخويا الصغير كان واقف على باب بيتي. كان يوم ثلاثاء في سبتمبر.. كنت بقطع تفاح لبنتي لما سمعت الخبطة.
فتحت الباب، وكان أحمد واقف ماسك تليفونه زي الدرع. قال اسمي بصوت مكسور، وبعدين بص من فوق كتفي.. وفي ثواني كل نقطة دم اتسحبت من وشه. رجع لورا على السلم من غير ما ينطق كلمة تانية، وتليفونه على ودنه:
”يا بابا.. لازم تجي تشوف بنفسك.. هي عمرها ما قالت لنا…”
مقدرش يكمل الجملة. واللي أمي عملته بعد المكالمة دي، واللي أنا عملته في الآخر في المولد واللمة العائلية قدام كل واحد صدق كدبها.. هو السبب اللي خلتني أحكي القصة دي من الأول.