اهلي رفضوا ج1

أهلي رفضوا يشيلوا عني عيالي الصغيرين وأنا بلف ببنتي الكبيرة في مستشفيات عشان عندها سرطان الدم (اللوكيميا)؛ كلمت طليقي، بس قال لي: “أنتِ حتة كاتبة غلبانة، اتصرفي مع نفسك”؛ وبعد شهر، بنتي ماتت؛ كنت خلاص هسلم ونفسي أستسلم، بس قررت أعافر وأكمل عشان خاطر الولدين اللي فاضلين لي؛ وبعد أسبوع واحد، لقيت أهلي واقفين على باب بيتي…
​خليك معايا، لأن الجزء الأهم في القصة دي ما حصلش جوة المستشفى. ده حصل على باب بيتي بعد سنة كاملة، لما الناس اللي قالوا لي “لا” زمان، رجعوا يخبطوا على الباب.
​طول حياتي، كنت بشوف إن طلب المساعدة ده اعترف مني إن كل حاجة بتتنهار، عشان كده نادراً ما كنت بطلبها. ربيت تلت عيال في شقة إيجار أوضتين وصالة، وكنت بصرّف عليهم بالطريقة الوحيدة اللي أعرفها: الكتابة. أكتب مقترحات لمشاريع، ونشرات إخبارية للمستشفيات، من نوعية الكلام الموزون اللي يقنع ناس غريبة تفتح جيبها وتتبرع لغيرها.
​كنت بكتب كل حاجة بالرصاص الأول على كشاكيل صفرا بشتريها بالدستة من الفكة اللي معايا. “جنى”، بنتي ذات التسع سنين، كانت بتاخد الكشاكيل دي وترسم خيول على الهامش. “ياسين”، اللي كان عنده ست سنين، كان بشوف الكشاكيل دي مملة. أما “سليم”، صاحب الاربع سنين، فكان أكتر حاجة بتحجبه صوت تقليب الورق.
​ما كانش حيلتنا كتير، بس كان عندنا نظام، والنظام ده هو اللي كان ماسك حياتنا. توصيل المدرسة الساعة تمانية، شغل لحد نص الليل، وتحضير اللانش بوكس من بالليل عشان ما حدش يتأخر. كنت عاملة ميزانية للأكل، والبنزين، وحتى دكتور الأسنان لحساب تلت شهور قدام.
​كنت بقول لنفسي إنني أقدر أشيل أي حمل طالما مخططة صح.
الحاجة الوحيدة اللي ما حطيتهاش في الميزانية أبداً، هي إن أكون محتاجة بني آدم تاني معايا في الأوضة.
​”ماجد” مشي وسابنا من سنتين لما كان “سليم” لسة بلحاف. بعديها، بقيت أسرع وأشطر، زي ما بتتعلم تتصرف لما ما تلاقيش إيد تانية تلاحق على الحاجات اللي تقع منك.
الناس في المدرسة كانوا بيقولوا عليا “ست قوية”. ول فترات طويلة، كنت باخد الكلام ده على إنه مدح. دلوقتي بس فهمت إن فيه فرق كبير بين إنك تشيل حمل، وبين إنك تشيله لوحدك.
​في ليلة التلات دي، الفرق ده جابني الأرض.
​”جنى” جالها سرطان الدم (اللوكيميا) وهي عندها سبع سنين. وعدينا بالعافية من أول معركة طويلة: عينات ناع الشوكي، أسابيع الكورتيزون، البيات في المستشفيات، والأيام اللي كانت بتصرخ فيا عشان قطعت لها التوست غلط.
وبعدين دخلت في مرحلة خمول للمرض، وأدتنا سنة كاملة حسسنا فيها إننا طبيعيين.
في مارس كملت تسع سنين.
وفي أبريل، تحليل الدم رجع يلخبط تاني.
​دكتور الأورام استخدم كلمة “ارتداد للمرض”، وبعدين لف الكلام بحاجات لطيفة. بس أنا كتبت كلام طبي كتير وخبرتي بتقول إن الارتداد بعد أول تعافي معناه سكة أصعب وفرص أقل.
كانوا عايزين يحجزوا “جنى” في المستشفى عشان تاخد جرعات كيماوي مكثفة.
المستشفى اللي فيها قسم أورام الأطفال كانت في القصر العيني، على بعد ساعة ونص من بيتنا، و”جنى” كانت محتاجة حد ينام جنبها.
وده معناه: أنا.
​المشكلة إنني شغالة فري لانسر.
والفري لانسر مالوش إجازات مدفوعة ولا 12 أسبوع حماية وظيفة. مفيش رصيد إجازات مرضي، ولا مدير هيبعت لي مرتب وأنا قاعدة جنب بنتي.
كل ساعة بقضيها جنب “جنى” هي ساعة مش داخلي فيها جنيه.
عميلين من اللي بشتغل معاهم بدأوا بهدوء يدوروا على كتاب تانيين بيردوا على الإيميلات أسرع.
و”ياسين” و”سليم” ما ينفعش يسيبوا في البيت لوحدهم.
وأنا بين المستشفى والبيت، دخلي نزل للنص. حضانة اليوم الكامل للولدين كانت هتتكلف مبالغ أنا مش قادرة عليها بعد ما الشغل بدأ ينشف.
الحسبة كانت مأساوية.
كان لازم أكون في مكانين بينهم ساعة ونص، وأنا ما حيلتيش غير جسم واحد.
​في أول ليلة، قعدت في جراج المستشفى وأنا بحسب البنزين بالجنيه مش باللتر.
وبعدين عملت حاجة كنت حلفة عمر ما هعملها.
عملت قائمة بالناس اللي ممكن أطلب منهم المساعدة.
وكان فيه اسم واحد بس على رأس القائمة.
​أمي اسمها “شادية”.
خلفتني وهي عندها 26 سنة، وقضت طفولتي كلها تفكرني باللي كلفها إياها وجودي. معهد التمريض، الفرص اللي راحت، والحرية.
في عزومات العيلة، كانت تقول للناس إنها سابت معهد التمريض بسبب الحمل، وده معناه بسببي أنا.
كانت ماسكة دفتر حسابات وهمي لكل حاجة ضحت بيها، ولسبب ما، الحساب ده دايماً كان طالع بالسالب على عيالها.
كنت عارفة ده كله.
بس برضه رقمها هو اللي طلبت الساعة تسعة بالليل.
إيديا كانت بتعرق.
خليت الطلب بسيط.
“جنى” رجعت المستشفى تاني.
ومحتاجة حد يساعدني في الولاد كام أسبوع.
حتى لو الصبح بس.
حتى لو يوم ويوم.
​سكتت سكتة طويلة.
وبعدين أمي ما قالتش “لا” بشكل مباشر.
عملت حاجة أوحش.
بدأت تسأل أسئلة هي في الحقيقة اتهامات.
“وده هيقعد لحد امتى؟”
“هو أنتِ ما فكرتيش في الكلام ده لما قررتِ تخلفي تلت عيال وأنتِ مش قد مصاريفهم؟”
“هي الكتابة دي عمرها هتبقى شغلانة بجد؟”
“ولا أنتِ مستنية الناس تفضل تلحقك وتصرف عليكِ للابد؟”
​كنت واقفة على سلم الجراج وبحس إن جسمي بيصغر ويركم.
قلت لها: “يا أمي، البنت عندها لوكيميا”.
قلت لها: “أنا مش بطلب فلوس. أنا بطلب حد يقعد في البيت لما الولاد ينقذوا ينظروا”.
أمي أخدت نفس طويل أنا حافظاه من صغري، النفس اللي بتاخده قبل ما تقول حاجة كانت كاتماها ورا سنانها.
مسكت في السور وقلت لنفسي: “مهما كانت الجملة، أنتِ قادرة تستحملي، طول عمرك بتستحملي”.
بس كنت غلطانة في دي كمان.
​وقالت لي:
“أنتِ اللي اخترتي العيشة دي، متشيليناش شيلتك”.
​لثانية، ما عرفتش أرد لأن الجملة كانت بتتكرر في دماغي وتتقطع.
“أنتِ اللي اخترتي العيشة دي”.
وكأن نخاع عظام “جنى” هو اللي عمل تصويت.
وكأن ولادي هما اللي قدموا طلب عشان يتولدوا.
​أمي كملت كلام لأن السكوت بيوترها.
قعدت ترص الأسباب اللي تخلي دي مش مسؤوليتها.
إنها هي وأبويا طلعتوا على المعاش خلاص.
وعندهم نظام حياتهم.
نادي الزهور.
وعربون رحلة العظماء اللي ما بيرجعش.
​أبويا “فاروق” كان قاعد في الخلفية. كنت سامعة صوت التلفزيون وصوت سكوته المميز، سكوت الراجل اللي أقنع نفسه إن طالما ما نطقش يبقى إيديه نظيفة.
ما رفعش السماعة التانية.
وما كلمنيش بعدها.
طوال طفولتي، كنت بشوفه بينكمش ورا أي قرار تاخده أمي، وكنت بقول لنفسي إنه راجل طيب ومهود.
في الليلة دي، فهمت إن كلمة “طيب” دي كنا بنقولها عشان خايفين نسمي الحقيقة باسمها.
​قلت لها: “تمام”.
مش عارفة ليه.
يمكن عشان ما بقاش فيه حاجة يتفاوض عليها.
البني آدم يقدر يشحت على السلالم لغايت وقت معين بس، وبعدها الشحاتة نفسها بتتكلف أكتر من المساعدة.
قفلت الخط.
​في نص الليل، مشيت ساعة ونص في طريق المعادي الصحراوي ودخلت بيت هادي ولادي نايمين فيه بأمان فقط لأنني دفعت لبنت الجيران أربعين جنيه ما حيلتيش غيرهم.
قعدت على أرضية الصالة.
ما عيطتش.
بدل كدة، بدأت قائمة جديدة.
​كان عندنا جروب عيلة على الواتساب.
أمي كانت مسمياه “عائلة الفاروق” من سنين وحاطة جنبه قلب أزرق صغير، أيام ما كان لسة يهمها تبان عيلة ملمومة.
التاني يوم الصبح، بعت رسالة هناك.
مترتبة.
صغيرة.
من نوعية الرسائل اللي بتكتبها وأنت عارف الإجابة بس لازم تسأل وخلاص.
“جنى رجعت المستشفى تاني عشان تأخد كورس علاج كام أسبوع. لو حد يقدر ياخد ياسين وسليم ولو بعد ظهر يوم واحد، هيفرق معايا جداً.”
​قعدت أبص للكلمة اللي ظهرت تحتها.
Sent (تم الإرسال).
وبعدين:
Read (تمت القراءة).
أمي قرأتها.
أبويا قرأها.
خالتي في الإسكندرية قرأتها.
ما حدش كتب حاجة.
ولا التلت نقط بتوع الكتابة ظهروا.
ولا رد واحد.
​اللي عملوه بعد الظهر، إنهم كملوا استخدام تليفوناتهم عادي في كل حتة تانية.
أمي عملت لاف على صور مصيف قريبتنا.
وعلقت على صورة كيكة موز عند حد.
تلت علامات تعجب.
وب تطلب الوصفة.
كانت صاحية.
وكانت مريحة.
وكانت بتختار في الوقت الفعلي اهتمامها يروح فين.
وما كانش رايح ناحية رسالة عن سرطان حفيدتها.
​في الأسبوع ده، اتعلمت إن رسايل الواتساب المقرية دي رد لوحدها.
بس نقصها الشجاعة إنها تتقال بصوت عالي.
​حطيت التليفون على وشه جنب كوباية قهوة من المستشفى ما كنتش حاسة بطعمها.
كان فاضل رقم واحد بس.
“ماجد”.
أبو “جنى”.
وأبو “ياسين” و”سليم” برضه، على الأقل بالورق والدم.
كان عزّل في مكان تاني واتجوز واحدة اسمها “شيرين” بعد طلاقنا بسنة.
عندهم عيل جديد وبيت جديد بجاردن ما شفتوش غير في خلفية الصور.
​ما كنتش عايزة أكلمه.
بس “جنى” بنته.
وفيه حاجات بتعملها حتى لو كبريائك بيصرخ فيك ما تعملهاش.
​”شيرين” هي اللي ردت.
كنت سامعة صوت عيل بيعيط وراها، وصوت مطبخ وموسيقى.
قلت لها أنا مين مع إنها عارفة.
شرحت لها إن “جنى” في المستشفى تاني، وأن الموضوع جد، ومحتاجة مساعدة مع “ياسين” و”سليم” عشان أفضى لها.
​طلعت ضحكة صغيرة.
مش ضحكة بجد.
وبعدين “شيرين” قالت الجملة اللي شيلتها معايا سنة كاملة:
“أنتِ حتة كاتبة غلبانة، اتصرفي مع نفسك”.
​الصوت اتكتم شوية كأنها حطت إيدها على السماعة.
وبعدين “ماجد” مسك التليفون عشان يقول جملة واحدة بالضبط:
“الوقت مش مناسب خالص لينا دلوقتي”.
​مش مناسب ليهم.
كنت واقفة تحت إضاءة المستشفى المرعشة وأنا ماسكة تليفون قال لي مرتين في يومين وعلى لسان ناس مختلفة إن كوارث عيالي هي مجرد تعطيل ورخامة على الناس اللي المفروض بيحبوهم.
قفلت الخط.
ورجعت أوضة “جنى”.
كانت نايمة.
فتحت كشكول أصفر ومسكت القلم الرصاص.
وبدأت أخطط.
​خلال الأسابيع اللي بعد كده، بنيت حياتنا من بلاستر وعزيمة.
بالعافية.
بس المراكب مشيت.
الست “أم محمود”، جارتنا الأرملة ذات الـ78 سنة، كانت وحيدة بالطريقة اللي بتخلي بعض الناس كُرماء جداً.
بقت تاخد “ياسين” و”سليم” معظم الصباحات وترفض الفلوس اللي أحاول أسيبها على التربيزة.
فبقيت أحشر الفلوس جوة جرنان الصبح اللي بياخدوه من تحت الباب.
​”أستاذ أيمن”، الأخصائي الاجتماعي في المستشفى، جاب لنا أوضة في مكان إقامة العائلات قريب من قسم الأورام، من نوعية الأماكن المعمولة للأهالي اللي ما يقدروش على مصاريف الفنادق وما يستحملوش يسوقوا رايحين جايين كل يوم.
كنت بشتغل برة أوضة “جنى” الساعة اتنين بالليل، واللابتوب على ركبتي، بكتب نشرات طبية عن أمراض القلب بينما الأجهزة بتزمر ورا الباب.
​”أستاذ أيمن” سألني مرة إذا كان عندي أهل يقدروا يشيلوا معايا شوية.
قلت له مش فاضيين.
ما شرحتش.
​كان فيه نسخة مني ممكن تزود في أرقام الاستمارات عشان تاخد مساعدات أكتر، أو تخبي شيكات الشغل الفري لانسر اللي بتيجي على فترات.
فكرت في ده.
بس طول عمري عندي مشكلة مع الكذب، حتى مع السيستم لما بحس إنه مش عادل.
فكتبت الحقيقة في كل استمارة.
وما قبلتش غير اللي الحقيقة تتطابق عليه.
وبرضه ما كانش كافي.
بعت العربية التانية.
لغيت دكتور الأسنان.
عرفت أني بنزينة في طريق المعادي أرخص بأربعة صاغ في اللتر ورتبت مشاويري عليها، لأن الأربعة صاغ دول كانوا بيفرقوا.
​وكل ليلة قبل ما أسيب نفسي أنام على الكرسي الفردة في المستشفى، كنت ببص في التليفون مرة أخيرة.
جروب العيلة كان ساكت.
ومع الوقت، ما بقيتش أتفاجأ.
​قسم الأورام له ساعته الخاصة.
برة، الناس بتقيس الحياة بالصباحات، والإجازات، والمواعيد.
جوة، اليوم بيلف حوالين عينات الدم، العلاج، العلامات الحيوية، والهدوء الغريب اللي بين الساعة تلاتة وخمسة الصبح لما الطرقات تفضى وتسمع المبنى وهو بيتنفس.
وده كان الوقت اللي بكتب فيه.
​في ليلة، فيه ممرضة وقفت عند طرف النور.
كانت في الخمسينات، نضارة القراءة محطوطة في شعرها الشايب، والبادج على صدرها مكتوب عليه “مس مرفت”.
بصت للكشكول الأصفر اللي على ركبتي وللنشرة الطبية اللي كنت بتمثل إنني مهتمة بيها.
ما سألتش أسئلة.
قالت بس: “لازم تأكلي حاجة. فيه مهلبية في ثلاجة المرضى ما حدش بياخدها. اللي بالفانيليا.”
بس كده.
لا نصايح.
ولا أسئلة عن أهلي فين.
ولا شفقة.
أنا كان جالي حساسية من نظرات الشفقة والميَلة بالراس في الشهر ده.
ومس مرفت ما عملتش كده.
بعد عشرين دقيقة، رجعت بباكيتين مهلبية، حطت واحدة جنبي، وأكلت التانية وهي واقفة تبص للطرقات الفاضية كأننا مجرد اتنين شغالين نفس النوبتجية الطويلة.
​جوة أوضة “جنى”، كانت صاحية وبترئس وتؤمر حتى وهي تعبانة.
في مكالمة فيديو مع إخواتها، كانت بتوزع الأوامر وهي نايمة في السرير.
“يا ياسين، ارفع التليفون فوق شوية”، كانت بتؤمر.
“يا سليم، المكعبات دي مش بتتبني كده”.
كانت من نوعية الأخوات الكبار اللي يقدروا يديروا البيت كله من سرير مستشفى وفي صدرها خرطوم المحلول.
كنت ببص لها وهي بتزعق لـ “سليم” على المكعبات وأقول لنفسي: دي بنت لسة عندها خطط.
ما كنتش فاهمة ساعتها أد إيه “مس مرفت” هتفرق في حياتي.
كنت فاكراها مجرد ممرضة بتجيب مهلبية.
ولأول مرة، كنت غلطانة في الاتجاه الحلو.
​اتعلمت في الشهر ده أكون أمهين، ولا واحدة فيهم كاملة.
في الصبح، أسوق راجعة البيت عشان أعمل فطار وأرد على أسئلة “ياسين”.
“هي جنى هترجع امتى؟”
كان بيسأل كل يوم بصبر الطفل اللي لسة فاكر إن الكبار عارفين كل حاجة.
“هي هترجع في عيد ميلادي؟ هي ينفع تكون معايا في مشروع العلوم؟”
كنت بديله الحقيقة فتافيت صغيرة على قد ما يقدر يبلعها.
وكنت بيكره نفسي وأنا بعمل كده.
“سليم” ما كانش بيسأل.
كان بيتحول لعيال بطة، يمسك في رجلي كل ما أحاول أرجع المستشفى.
في صبحية، عضني في دراعي جامد، وبعدين قعد يعيط كأن العالم انهد.
قعدت على أرضية المطبخ وحضناه لحد ما إحنا الاتنين اتأخرنا على كل حاجة.
​في بعد الظهر، بكون الأم التانية.
أم السرير.
اللي بتقرأ نفس الفصل من كتاب الخيل بتاع “جنى” أربع مرات لأنها بتحبه والعلاج بيمسح ذاكرتها.
​في نص الشهر تقريباً، حاولت أكلم أمي تاني.
مش مكالمة.
ما كنتش هستحمل مكالمة تانية.
رسالة مباشرة على الواتساب.
“أمي، أنا بغرق. مفيش أي طريقة تساعديني؟”
​التلت نقط ظهروا.
قلبي عمل حاجة غبية وعشم نفسه.
وبعدين نقط الكتابة اختفت.
وما جاش حاجة.
​وأنا قاعدة في جراج المستشفى بعدها والموتور مطفي، اكتشفت إنني بطلت أبص على مدخل البيت لما برجع.
بطلت أستنى بصوت عربية يمكن تكون أمي وأبويا جايين.
أنت مش دايماً بتاخد بالك لما الأمل بيمشي.
أنت بتاخد بالك بعدين لما تكتشف إنك بطلت تستنى.
وده حزن لوحده.
وجيه قبل الحزن الحقيقي.
​الأسبوع اللي بعتّ فيه الرسالة لأمي وما اتردش عليها، عملت غلطة وقعدت أفرّ في جروب العيلة بدل ما أقفله.
أمي كانت نزلت بوست برضه.
بس مش ليا.
صورة من نادي الزهور.
دستة ستات بالبلوزات الباستيل حوالين ترابيزة طويلة عليها سندوتشات وبانر مكتوب عليه “غداء الربيع”.
أمي كانت قاعدة في النص بتضحك وفي إيدها كاس عصير.
الكابشن كان: “ربنا يديم عليا صحبة البنات، 41 لاف”.
​فضلت أبص للصورة أكتر مما يجب.
تحت خالص كان فيه تاريخ ووقت صغيرين بالرمادي.
حاجة في الوقت ده خبطت في دماغي.
ما دورتش وراها الليلة دي.
كنت مهدودة، و”جنى” كانت محتاجة دوا الساعة أربعة، والتعب دايماً بيكسب الشك.
بس الـ Timestamp ده فضل في دماغي.
​بعدها بكام ليلة، حرارة “جنى” رفعت.
النوع الخطر.
النوع اللي بيقضي على الهدوء في الأوضة ويملأها جوانتيّات وطوارئ.
حرارتها كانت بتعلى.
الشاشة كانت بتتغير.
لمدة ساعتين، الكل كان ب يهرب من الكلمة اللي كانت قاعدة معانا في الأوضة على أي حال.
​كنت محتاجة حد في البيت.
أي حد.
لأن لو الأمور راحت للنسخة الأوحش، ما كنتش هقدر أسيب “جنى” وأسوق ساعة ونص للولاد.
وما كنتش هقدر أسيبهم يصحوا لوحدهم.
الساعة 8:14 بالليل، كلمت أمي.
التليفون رن لحد ما قفل.
ما بعتش رسائل.
​على الصبح، “جنى” كانت استقرت.
الست “أم محمود” ردت من أول رنة وفضلت مع الولاد.
في الصباحية دي، وأنا قاعدة في غرفة الإقامة مع قهوة باردة، دورت ورا الـ Timestamp اللي كان مضايقني.
فتحت جروب العيلة.
جبت صورة نادي الزهور.
بصيت على الوقت الرمادي الصغير.
8:14 بالليل.
نفس الدقيقة اللي كنت واقفة فيها جنب سرير “جنى” بكلم أمي والتليفون يرن وما حدش يرد.
​ولأن الحزن بيخلي بعض الناس تدقق، فتحت ستوري “شيرين” العامة من نفس الليلة.
صورة في نايت كلوب.
كاسين بيمسوا على بعض.
“سهرة مع حبيبي” مع قلب.
نفس الساعة.
نفس الكوكب.
بنتي كانت بتتحرق بالحرارة في سرير المستشفى والستين اللي كان ممكن ييجوا كانوا بيقيموا كاساتهم عشان الصور.
​ما صرختش.
ما عيطتش.
حطيت التليفون بالراحة على السرير كأنه هيتكسر.
وبعدين أخدت قرار كنت بلف حواليه من أسابيع.

حطيت التليفون بالراحة على السرير كأنه هيتكسر.
وبعدين أخدت قرار كنت بلف حواليه من أسابيع.
بطلت أطلب.
​مش كبرياء.
دي حسبة برما.
ما ينفعش تفضل تسحب من حساب عمره ما كان فيه رصيد ليك.
​بعد الصبحية دي، حاجة جوايا بقت هادية وواضحة.
بطلت أصرف قلبي على الناس اللي مش جاية، وبدأت أصرفه كله على البنت اللي وقتها بيخلص.
​الأسابيع اللي بعد كده ما كانتش كلها زي ما تتوقع.
بالطريقة الغريبة بتاعتها، بعض الأيام كانت شبه سريعة وسعيدة.
لما تبطل تستنى النجدة، بتبطل تبص على الباب.
ولما تبطل تبص على الباب، بتاخد بالك أخيراً من اللي موجود جوة الأوضة.
اللي كان جوة الأوضة هي “جنى”.
​دهنّا أظافرها في السرير، كل صباع بلون مختلف لأنها رفضت تختار لون واحد.
قالت لي آرائها القوية في كل حاجة بدون استثناء.
ضحكنا إخواتها على الفيديو لحد ما “سليم” وقع من على الكنبة.
خلصنا كتاب الخيل، وبعدين واحد تاني، وبدأنا في التالت.
​في مساوية، “مس مرفت” جت بعد نوبتجيتها، لسة بالبالطو الأبيض، وسابت حاجة برة أوضتنا.
طاجن خضار بايركس بغطا أزرق، لسة دافي.
فيه ورقة مربوطة بأستيك على الغطا.
“من تمريض القسم”.
عرفت بعدين إن مفيش حاجة اسمها صندوق تمريض القسم.
كانت “مس مرفت”.
مطبخها.
مصاريفها.
يوم إجازتها.
​أكلنا أكل دافي على الترابيزة الصغيرة والولاد معانا على الفيديو.
كانت أول وجبة حد يعملها لي من فترة أطول من إنني أعدها.
غسلت الطاجن وكان قصدي أرجعه أول ما الدنيا تهدى.
فضل جنب الباب لأسابيع.
​لمدة تلت أسابيع، أقنعت نفسي تقريباً إن الدنيا فعلاً هتهدى.
ما كنتش اعرف إن الأسابيع قربت تخلص

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *