اهلي رفضوا 2الاخير

.​لمدة تلت أسابيع، أقنعت نفسي تقريباً إن الدنيا فعلاً هتهدى.
ما كنتش اعرف إن الأسابيع قربت تخلص
​العلاج بطل يجيب نتيجة بالطريقة اللي الكل كان مأمل فيها.
مش همشيك في التفاصيل الطبية.
لو عشتها، أنت مش محتاجها.
ولو ما عشتهاش، يفضل أرحمك منها.
​اللي عايزة أقوله لك هو “جنى” كانت عاملة إزاي.
فضلت بتؤمر وتأمر.
فضلت بتضحك.
قبل النهاية بيومين، خليتني أوعدها بجدية تامة إن “سليم” مش هياخد الخبيئة السريعة بتاعت الحلوى اللي تحت سريرها، لأنه مش بيقدر الحلوى النظيفة وبيمضغها غلط.
وعدتها.
كنت أوعدها بالنجوم لو طلبت.
​سألت أسئلة غريبة وواضحة قرب النهاية، الأسئلة اللي الأطفال أحياناً بيسألوها لما يكونوا سبقوا الكبار بخطوة.
سألت هي هتوجع؟
قلت لها الحقيقة.
الدكاترة عندهم أدوية عشان ما توجعش.
هزت راسها زي المدير اللي بيوافق على الخطة.
​وبعدين في يوم، لقطتني وأنا بكتب في الكشكول الأصفر.
“يا ماما، أنتِ بتكوني زعلانة لما بتكتبي عني؟”
ما كنتش قلت لها إنني بكتب عنها.
ما كنتش متأكدة إنني اعترفت لنفسي حتى.
بس هي لاحظت إنني ببص لها فوق الصفحة.
العيال بيشوفوا كل حاجة.
قلت لها: “ساعات، بس في الأغلب بكون مبسوطة لأن ده معناه إنني هفضل شايلاكي على الورق كمان.”
​فكرت في الكلام ده.
قالت لي: “يبقى اكتبي الحاجات الحلوة. حاجات كتاب الخيل، مش حاجات المستشفى.”
قلت لها: “حاضر يا حبيبتي. الحاجات الحلوة.”
​قفت عينها.
قعدت والقلم الرصاص واقف في إيدي وفهمت إنها عارفة.
كان عندها تسع سنين.
وكانت عارفة.
وكانت لسة بتحاول تاخد بالها مني وهي على السرير ده.
سبتها تعمل كده.
​توفيت في الصباح الباكر يوم الحد، لما الطرقات كانت هادية والمبنى كله كان كأنه بيتنفس ببطء.
كنت صاحية طول الليل.
حوالي الساعة خمسة، بقت هادية بطريقة عرفت إنها مش الهدوء الكويس.
تسقّلت للسرير بالراحة بين الخراطيم وحضنتها زي ما حضنتها في أول صباح في حياتها، لما كانت زعلانة وحمرا وأنا مش فاهمة أنا بعمل إيه.
​”مس مرفت” كانت هناك.
نوبتجيتها كانت خلصت.
فضلت قائمة برضه من غير ما تعمل هيصة، زي ما بتعمل كل حاجة.
لما المؤشرات بدأت تضعف وتطول، “مس مرفت” مديت إيدها ووطت الصوت عشان الدقايق الأخيرة تكون ملكنا إحنا مش ملك الماكينات.
​مش هقول لك الباقي.
الجزء ده بتاعي أنا.
هقول لك بس إن بعديها الأوضة بقت ساكتة جداً.
نور الشمس الرمادي بدأ يخش من الشيش.
دكتور نائب صغير سألني بالراحة إذا كان فيه حد يقدروا يكلموه.
حد المفروض يكون موجود.
كنت هضحك.
لأن الإجابة الصادقة كانت: لا.
الناس اللي بتكلمهم هما الناس اللي بييجوا.
وأنا قضيت الشهر ده بتعلم بالظبط مين اللي بييجي ومين اللي بيقعد يتفرج على التليفون وهو بيرن.
​هزيت رأسي.
“مس مرفت” لمست كتفي لثانية، وبعدين راحت تعمل كل الحاجات اللي كان لازم تتعمل.
بصيت لإيديا، الإيدين اللي قضت تسع سنين بتتعلم وزن بنتي بالظبط.
ومن بين أنقاض الصباحية دي، لقيت جملة واحدة صادقة.
“أنا اديتها كل حاجة.”
كل حاجة حيلتي، اديتها لها.
​وبعدين قفلت الكشكول الأصفر وروحت أدور على تليفون.
كان لسة عندي ولدين في البيت ما يعرفوش إن أختهم مشيت.
​الأيام اللي بعد وفاة ضناك مش بتمشي زي الأيام العادية.
بتتسحب.
بفتكر فتافيت.
وأنا بقول لـ “ياسين”.
التغير اللي حصل في وشه.
“سليم” اللي ما كانش فاهم وبعدين فهم فجأة بعد تلت ساعات وهو في البانيو.
​بفتكر طاجن الخضار اللي كان لسة قاعد جنب الباب.
وبفتكر العزا، لأن ده الوقت اللي أهلي شرفوا فيه أخيراً.
جوا بهدوم سودا وحزن بصوت أعلى من أي حاجة سمعتها منهم من سنين.
أمي عيطت أكتر من أي حد في القاعة.
وقفت جنب الباب تمسك إيدين الناس وتاخد العزا كأنها قضت الشهر اللي فات جنب “جنى” بدل ما تكون في نادي الزهور الساعة 8:14 في أوحش ليلة في حياتي.
​سمعتها بتقول لقريبتنا بصوت خشوع بتاع العزايات:
“عملنا كل اللي يقدر عليه ربنا. كل اللي نقدر عليه.”
كنت واقفة على بعد تلت أمتار مسكة إيدين ولادي.
ما صححتش كلامها.
أنت مش بتحارب في عزا بنتك.
وجزء مني فهم إن الكذبة دي كانت الطريقة الوحيدة اللي تخليها تقدر تقف في الأوضة أصلاً.
​”شيرين” بعتت بوكيه ورد.
كان ضخم.
ليلي أبيض.
أغلى بوكيه في القاعة كلها.
شريط مكتوب عليه “إلى حبيبتنا جنى” بماء الذهب.
هي و”ماجد” ما جوش.
الورد هو اللي جه.
خليت الناس تنقله ورا.
​أبويا كان واقف جنب الحيطة طول الوقت.
عنيه كانت مبلولة.
وإيديه متدلدلة من غير لازمة جنب جنبه.
لثانية واحدة، عيني جت في عينه.
بص بعيد الأول.
​وجودهم في العزا ده كان أبرد من غيابهم طول الشهر.
على الأقل الغياب كان صريح.
​هكون صريحة عن الأسبوع اللي بعد كده، لأن كان فيه ليلة، بعد أربع أو خمس أيام من دفن “جنى”، قعدت فيها على ترابيزة المطبخ بعد ما “ياسين” و”سليم” ناموا، وما كنتش عايزة الصبح ييجي.
مش هطول هناك.
الناس اللي وقفت في الضلمة دي بالذات عارفين أنا أقصد إيه.
قاع الحزن ده مكان بجد.
أنا كنت هناك.
العالم كان بقى صغير وساكت.
ساكت زيادة عن اللزوم.
​اللي رجعني كان صوت.
صوت نفس ولادي في الأوضة اللي جنبي.
نفس “ياسين” العميق.
ونفس “سليم” السريع الصغير.
مش على ريتم واحد، زي ما بيناموا دايماً.
​قعدت هناك أسمع.
ولدين خسروا أختهم خلاص.
وأب قال: “الوقت مش مناسب.”
وجدود قعدوا يتفرجوا على التليفون وهو بيرن.
لو خسروني أنا كمان، مش هيبقى عندهم حد.
أنا قضيت شهر بتعلم إن الشخص الوحيد اللي بيظهر لعيالي بجد هو أنا.
فقررت أوفق على حيلتي وأكمل حضور.
​مش لأنني حاسة إنني قوية.
لأن ولادي كانوا لسة بياخدوا نفسهم، وأنا ملكهم.
​بعد أسبوع من وفاة “جنى”، حد خبط على باب البيت.
كنت هطنش.
ما كنتش في مود زيارات، وافترضت إنها جارة تانية جايبة صينية أكل لأن الحزن في منطقتنا بييجي في صياني ألومنيوم.
الخبطة جت تاني.
صبورة.
مش رخيمة.
حاجة خليتني أقف.
​كانت “مس مرفت”.
برة النوبتجية.
ببنطلون جينز.
وكارديجان.
عمري ما شفتها برة البالطو الأبيض.
كانت شبه خالة حد، مش الممرضة اللي وِطِت صوت الماكينة عشان أودع بنتي بنجاح.
​كانت شايلة حاجتين.
الأولى كانت طاجن بايركس تاني بغطا أزرق.
والتانية كانت كشكول أسود عادي من المكتبة.
جديد.
استيكر السعر لسة عليه.
​ما دخلتش جوة.
وقفت على السلم وقالت: “أنا عارفة إن ده مش مقامي ولا شغلي.”
قلت لها أنتِ الوحيدة اللي دا مقامك وشغلك.
وبعدين سلمتني الكشكول.
قالت: “أنتِ كنتِ بتكتبي الساعة 3 الصبح لسبب. حتى لما كنتِ تعبانة ومش شايف قدامك، كنتِ بتكتبي. فاكتبي. حتى الحاجات اللي مش عارفة تقوليها بصوت عالي، بالذات دي.”
​أخدته.
ما وعدتهاش بحاجة.
كنت غير قادرة على الوعود في الأسبوع ده.
بس وقفت على الباب مسكة الكشكول الرخيص ده بإيديا الإتنين.
بعد سنة، مجموعة ناس مختلفة تماماً هتقف على نفس الباب ده.
وحاجة جوة صدري اتفكت بدرجة واحدة صغيرة.
​ما كتبتوش الليلة دي.
التاني يوم الصبح، قبل ما الولاد يصحوا، قعدت بالقلم الرصاص وكشكول من الأصفر القديم.
أول جملة كتبتها كانت عن التوست.
“جنى” وهي عندها سبع سنين وعلى الكورتيزون، بتزعق لأنني قطعت التوست مربعات وهي كانت عايزاه مثلثات.
كتبتها لأنها حاجة عادية جداً بالنسبة لخطبة عزا، وحية جداً صعب تتنسى.
​أول ما كتبت جملة صادقة واحدة، اللي بعديها جت.
كتبت عن كتاب الخيل.
عن المناكير.
عن الطريقة اللي كانت بتدير بيها حياة إخواتها من سرير المستشفى.
وفي الآخر، كتبت عن المستشفى كمان.
الأجزاء اللي قالت لي ما أكتبهاش لأنها كانت عندها تسع سنين وغلطانة في الحاجة دي بالذات.
​كتبت عن التليفون وهو بيرن الساعة 8:14.
عن صورة نادي الزهور.
عن النايت كلوب.
وكتبت:
“أنتِ حتة كاتبة غلبانة، اتصرفي مع نفسك.”
بالظبط زي ما “شيرين” قالتها.
​حطيت الجملة على الورق وكان دي أول مرة أقدر أبص لها من غير ما أترعب.
​بقيت بني آدمين تاني.
الصبح، أم بتعمل فطار، بتشتري طلبات لمشروع العلوم، وبتتعلم تكون الأب والأم لولدين بدل تلت عيال.
بالليل، الست اللي مسكة القلم الرصاص.
​أنا ما كتبتوش عشان أنشر.
عايزة ده يكون واضح.
كتبته عشان أتنفس.
الورق اترمى فوق بعضه على ترابيزة المطبخ.
بالبطء، ومن غير ما يسألني، بدأ ياخد شكل.
​لو خسرت حد والكلام محبوس ورا سنانك، سيبني أقول لك اللي “مس مرفت” قالته لي.
اكتب جملة واحدة صادقة.
مش عشان تنشرها.
ولا عشان تاخد موافقة حد.
جملة واحدة بس تكون حقيقة.
حتى لو كانت عن التوست.
دي الحاجة اللي ساعدت في إنقاذ حياتي.
​بعد كام أسبوع، “مس مرفت” قالت لي عن جروب دعم نفسي للحزانى ببيتقابل يوم الخميس بالليل في الأوضة الخلفية بمكتبة المعادي العامة تحت إضاءة نيون وحشة بس قهوة حلوة بشكل مفاجئ.
كنت مش هروح.
روحت لأنها عرضت تقعد مع الولاد.
والشخص اللي يوطي صوت ماكينة المستشفى عشانك، يستاهل تقول له “حاضر”.
​كان فيه تمان أشخاص، ومسؤول الجروب، وعلبة مناديل ما حدش لمسها.
سألوا لو حد عايز يقرأ.
كان معايا صفحة في شنطتي.
ما كانش قصدي أتطوع.
بس إيدي دخلت وطلعتها.
قرأت قصة التوست.
المربعات.
المثلثات.
الزعاق.
​لما خلصت، الأوضة كانت ساكتة.
ست كبيرة في الوش، كانت خسرت ابنها، مديت إيدها وحطت إيدها على معصمي.
ما قالتش حاجة.
دي كانت أول مرة حقيقتي تنزل قدام ناس غريبة ويشهدوا عليها وخلاص.
ما حدش بررها.
ما حدش قال لي أنتِ اخترتي العيشة دي.
ما حدش قال لي اتصرفي مع نفسك.
سمعوا.
والسمع ده طلع حاجة أقدر أقف عليها.
​الست دي كان اسمها “فريدة”.
قبل ما تطلع معاش، كانت شغالة محررة في دار نشر لمدة تلاتين سنة.
على القهوة، سألتني إذا كان فيه أكتر من الصفحة دي.
قلت لها ترابيزة المطبخ متغطية ورق.
سألتني إذا كانت تقدر تقرأهم.
​أول إحساس جالي كان “لا”.
الورق ده بتاعي أنا و”جنى”.
بس “فريدة” كانت خسرت ضناها هي كمان.
فيه ناس بتثق فيهم لأنهم عدوا من نفس النار.
​قرأت الورق على مدار أسبوعين.
وبعدين قالت لي بصراحة إن ده كتاب.
كتاب بجد.
يستاهل يكون موجود.
قالت لي إنها تعرف محررة في دار نشر صغيرة ممكن تكون عايزة تشوفه.
​عايزة أكون صريحة في اللي حصل بعد كده، لأن الناس بتحب قصص المحرر اللي بيقرأ المسودة وفجأة كل حاجة بتتغير.
ده مش اللي حصل.
أول دار نشر رفضت.
والتانية رفضت.
التالتة قالت الكتابة قوية بس الموضوع هيكون صعب يتباع.
قررت أسامح الجملة دي.
​أخدت سنة كاملة ورفة رفض لغاية ما دار نشر صغيرة في الإسكندرية وافقت في الآخر.
المقدم كان بسيط.
عيطت عليه برضه.
مش عشان الفلوس.
عشان حد ما عندوش سبب يكون لطيف قرأ أوحش سنة في حياتي وقرر إنها تفرق.
​سمينا الكتاب من حاجة “جنى” كانت قالتها قرب النهاية.
وهي نص نايمة، بتتكلم عن الخيول في كتاب من كتبها وهي بتهرب من إسطبل بيتحرق، قالت إنهم كان شكلهم أحسن وأحلى بعديها والدخان لسة عليهم.
“من بين الرماد”.
هي اللي سمته.
هي بس ما كانتش تعرف.
​كتاب “من بين الرماد” نزل يوم تلات في الربيع، بعد سنة بالظبط من وفاة “جنى”.
في أول أسبوعين، عمل اللي معظم كتب دور النشر الصغيرة بتعمله.
لا حاجة تقريباً.
​بعدين أم عندها متابعين كتير على النت، ست كانت خسرت طفل هي كمان، قرأته ونزلت عنه.
حاجة اتفتحت.
الكتاب انتشر بالطريقة اللي الحزن بينتشر بيها أول ما يلقى كلام ينطقه.
من أم لأم.
من جروب لجروب.
في الأماكن اللي على النت اللي الستات في سني بيعيشوا فيها حياتهم الحقيقية.
​وصل لقائمة الأكثر مبيعاً في الأهرام.
وبعدين قائمة تانية.
المكتبات بدأت تطلب تاني.
الرسائل بدأت تيجي.
بالمئات.
ستات ناموا على كراسي المستشفيات وأقاربهم طنشوا مكالماتهم.
ستات اتقال لهم اتصرفوا مع نفسكم.
ستات شالوا حاجة تقيلة لوحدهم وفكروا إنهم الوحيدين.
ما كانوش الوحيدين.
ولا أنا كمان.
وده كان الهدف.
والهدف كان بيوصل للناس.
​وهنا الجزء اللي يفرق في اللي حصل بعد كده.
أنا ما غيرتش اللي حصل في الكتاب.
كتبت الحقيقة عن التليفون وهو بيرن الساعة 8:14.
نادي الزهور.
النايت كلوب.
وفي الصفحة 204، أي حد يشتري الكتاب يقدر يقرأ الكلام بالظبط اللي مرأة طليقي قالته وبنتي بتموت.
“أنتِ حتة كاتبة غلبانة، اتصرفي مع نفسك.”
​ناقد كبير حط الجملة دي في عنوان المراجعة بتاعته.
انتشرت في كل حتة.
“شيرين” كانت قالتها مرة في مطبخ، فاكرة إن ما حدش هيسمعها أبداً.
دلوقتي الناس بتكررها في ناديات الكتب في كل المحافظات.
أنا عمري ما رفعت صوتي عليها.
ولا بعت رسالة زاعقة.
كتبت اللي حصل بالحقيقة.
والمئات من الغرباء بقوا شهود.
​جروب العيلة كان ساكت لأكتر من سنة.
“عائلة الفاروق” بالقلب الأزرق الصغير كان هدي بعد عزا “جنى”.
كنت نزلته تحت في الرسائل وبطلت أبص عليه.
فعرفت لما لقيتها نورت تاني فجأة.
​الكتاب كان نزل بقاله شهر تقريباً.
الظاهر صحفي اتصل بأمي عشان ياخد تعليق.
دي كانت الطريقة اللي عرفت بيها إن موت حفيدتها بقى قصة الغرباء بيقرأوها.
​فجأة، أمي نزلت صورة الغلاف.
“فخورة جداً ببنتي الكاتبة”، كتبت مع قلب أحمر.
نفس القلب اللي حطته جنب كيكة الموز وأنا بشحت منها المساعدة.
فخورة جداً.
كأن الفخر اللي جاي متأخر سنة لسة له قيمة.
​وبعدين “شيرين” عملت ريفيو خمس نجوم للناس كلها.
“طول عمري عارفة إن عندها الموهبة دي.”
الريفيو كان فيه: “ست شجاعة وموهوبة جداً.”
“شيرين”.
الست اللي قالت جملة الكاتبة الغلبانة.
دلوقتي بتعمل ريفيو للكتاب اللي فيه الجملة دي بالظبط وبتقول على الكاتبة موهوبة.
قرأتها تلت مرات عشان أتأكد إنها بجد.
​بس اللي كان يفرق أكتر هو اللي الستين ما قالوهوش.
لا أمي.
ولا “شيرين”.
ولا أي حد صحي فجأة في جروب العيلة.
ما حدش ذكر “جنى”.
لقوا النور والضوء.
بس لسة ما لقوش الطفلة.
​كان المفروض أعرف إيه اللي يحصل بعد كده.
​بعد أسبوع، الخبطة جت.
أنا والولاد كنا نقلنا في بيت تاني ساعتها.
مش قصر يعني.
بيت صغير في أخر شارع هادي في المعادي.
تلت أوض.
جنينة.
مصطبة برة.
وعلى المصطبة دي كل حاجة لفت ورجعت تاني.
​ظهرية يوم سبت.
أول الصيف.
الولاد كانوا بيلعبوا برة.
حد خبط على الباب.
فتحت.
​كانوا واقفين كلهم.
أمي بالبالطو الشيك بتاعها.
أبويا وراها حاطط إيده في جيبه.
“ماجد”.
“شيرين”.
ناس ما شفتهمش مع بعض من قبل الطلاق.
​أمي كانت شايلة ورد من المحل ملفوف في سلوفان ببيخروش.
لثانية غريبة، قعدت أبص لهم وبس.
الناس دول، كل واحد بطريقته، قالوا لي “لا” لما الكلمة دي كانت ممكن تهدني.
أخر بني آدم مهم وقف على السلم ده وكان شايل حاجة كانت “مس مرفت” بكشكول.
دلوقتي المجموعة دي جاية بعد ما حياتي بقى لها قيمة.
​أمي اتكلمت الأول.
عينها كانت مبلولة خلاص بدموع التماسيح اللي طول عمرها بتعرف تطلعها لما تحتاجها.
“يا جنى،” قالت لي، “إحنا قعدنا وفكرنا كتير. عايزين نصلح اللي اتكسر. إحنا أهل. وهنفضل أهل.”
​أبويا كان باصص في أرضية المصطبة.
“شيرين” ظبطت وشها على ابتسامة دافية.
“ماجد” بص ناحية الولاد في الجنينة.
ولاده.
العيال اللي ما كلفش نفسه يسأل عنهم من أكتر من سنة.
​وقفت على باب البيت اللي كلامي هو اللي ساعد في شراءه وفهمت بالظبط إيه اللي بيحصل.
الناس اللي قالوا لي اتصرفي مع نفسك لوحدك، رجعوا أول ما العيشة بقت تستاهل يلزقوا نفسهم فيها.
​ما عزمتش عليهم يخشوا.
طلعت على المصطبة.
قفلت الباب ورايا عشان الولاد ما يسمعوش.
​وبعدين جت أرخص وأغرب دخلة مساومة في حياتي.
أمي بدأت بكلام الأهل.
“الدم مش بيتحول مية.”
“جنى الله يرحمها كانت هتبقى عايزانا مع بعض.”
استخدمت بنتي الميتة كجزء من الملاوعة.
سبتها تكمل لأن الناس بتكشف نفسها لو اديتهم سكوت كافي.
​سرعان ما الكلام بقى محدد أكتر.
الكتاب اتجاب سيرته.
قد إيه هيبقى حلو لو الكتاب الجاي تضمن ذكريات العيلة الحلوة.
الأعياد.
الماضي.
​وبعدين “ماجد” اقترح بصوت واطي إن طالما الأمور ماشية معاكي تمام دلوقتي، يمكن نقدر نكون عقلانيين ونساعد بعض.
أهي الكلمة دي ظهرت تاني.
المساعدة.
نفس الكلمة اللي استخدمتها في سلم المستشفى من سنة.
دلوقتي راجعة من الناس اللي رفضوا يدوها.
إلا إن دلوقتي فيه فلوس ملزوقة باسمي.
ففجأة المساعدة بقت حاجة الأهل مديونين بيها لبعض.
​وبعدين “ماجد” قال الحاجة اللي نهت الكلام حتى لو هو ما خدش باله.
قال إنه المفروض يبدأ يشوف “ياسين” و”سليم” بانتظام.
إن ما ينفعش أب يتحرم من عياله.
​”شيرين” جنبه ثبتت تماماً.
بصة اتنقلت بينهم.
افتكرت المكالمة.
“الوقت مش مناسب لينا دلوقتي.”
لينا.
هو ساب سنة كاملة من السكوت بينه وبين ولاده.
دلوقتي لما أمهم بقت حد الناس تعرفه، عايز يرجع.
​ما كنتش محتاجة إثبات عن القرار ده اتأخد إزاي.
هو راجل كبير.
مهما كانت “شيرين” عايزة، هو اختار يختفي برضه.
الظلم اللي وقع على ولادي كان الجزء الوحيد في التمثيلية دي اللي تحرك فيا حاجة بجد.
​”شيرين” حسّت بتغير الجو.
قربت خطوة بأدفأ ضحكة تقدر تتصنعها.
“يا جنى، اسمعي. إحنا ما كناش نقصد كلام الكاتبة الغلبانة ده خالص. ده كان يوم صعب ومشدود على الكل. ما كناش نقصد.”
​كنت هحترم البجاحة دي.
بس السنة اللي فاتت علمتني حاجة.
أنت مش محتاج تعلي صوتك عشان تكسب.
ما زعقتش.
كل ما صوتهم يعلى، كل ما أنا أهدى.
لأنني ما بقيتش محتاجة أي حاجة من أي حد فيهم.
والشخص اللي مش محتاج منك حاجة، مستحيل تتحكم فيه.
​قلت لهم بهدوء إن الإجابة “لا”.
لا للكتاب الجاي.
لا للأعياد.
لا لفكرة المساعدة بين الأهل.
​دموع أمي الاحترافية اختفت بسرعة أول ما فهمت إنها مش جايبة نتيجة.
اللي حل محلها كان الغضب.
“بعد كل اللي ضحيت بيه عشانك؟” قالت بصوت بيعلى. “جاية دلوقتي تتخلي عن أمك؟”
​تتخلي.
الست اللي قعدت تتفرج على رسايلي من غير ما ترد، بتتهمني إنني بتتخلى عنها على مصطبة بيتي.
​”شيرين” دخلت في الكلام.
بتتكلم بسرعة عن قد إيه أنا مش عادلة.
وإزاي أنا بعاقب ابنها الصغير على مشاكل الكبار.
وإزاي أنا نشرت أسرار العيلة في كتاب عشان أفضحهم.
​الستين صوتهم بقى أعلى.
بيتكلموا فوق بعض.
فضلت في مكاني.
هادية.
بصمت.
​”ماجد” ما قالش حاجة.
“ماجد” دايماً مش بيقول حاجة.
​وبعدين أبويا، اللي قضى عمره كله بينكمش ورا أي حاجة تختارها أمي، عمل حاجة مختلفة.
رفع عينيه من على أرضية المصطبة.
بص لي مباشرة.
عينيه كانت مبلولة.
المرة دي، ما بصش بعيد.
​”يا جنى،” قال.
صوته اتكسر.
“كان المفروض عليّ إني—”
​وبعدين سكت.
الجملة فضلت مش كاملة في هواء الصيف.
“كان المفروض عليّ إني…”
الباقي كان تقيل عليه بعد 63 سنة من شيل ولا حاجة.
​لثانية واحدة، شفت الشكل الحزين كله لأبويا.
راجل عارف.
كان طول عمره عارف.
واختار السكوت مرات كتير لدرجة إن السكوت بقى لغته الوحيدة.
​وبعدين أمي ندهت اسمه بحزم:
“فاروق.”
​قفل بؤه.
رجع خطوة ورا جنبها.
اختارها تاني.
طول عمره هيختارها.
ده كان أكتر حاجة تحزن على المصطبة دي.
​سمحت لنفسي أزعل على ده.
بس ده ما غيرش حاجة.
​في الآخر، هِديوا وتعبوا.
ما بقاش فيه حتة للزعاق يروح فيها.
المصطبة بقت ساكتة.
والسكوت كان ملكي أنا، لأنني كنت الشخص الوحيد اللي واقف هناك ومش خايف.
​بصيت لأمي وقلت لها الجملة اللي شيلتها من يوم وفاة “جنى”.
“أنا اديتها كل حاجة.”
اديت بنتي كل حاجة حيلتي.
كل ساعة.
كل جنيه.
كل حتة مني.
في الوقت اللي الأربعة فيكم قررتوا إن دي مش مسؤوليتكم.
ما بقاش فاضل حاجة لكم.
مش لأنني شايلاها غل أو قسوة.
ببساطة ما بقاش فيه حاجة فاضلة.
أنا اديتها كل حاجة.
​وبعدين رديت لأمي كلامها هي.
“أنتِ قلتِ لي أنتِ اللي اخترتي العيشة دي، ومشيليناش شيلتك،” قلت لها. “أنتِ كنتِ صح في حاجة واحدة. أنا فعلاً اخترتها. اخترت الولاد دول واخترت أختهم واخترت أقف وأشيل. فالفرق بيننا دلوقتي: أنا اخترت العيشة دي، ومش هشيلها لكِ.”
​أمي فتحت بؤها.
ما طلعش حاجة.
​في الآخر، التفت لـ “شيرين”.
كانت لسة بتحاول تظبط وشها على حاجة توصل لي.
“عايزة تعرفي أنا بفكر في إيه بجد؟” قلت لها.
قربت.
“أعتقد إنك تقدري تقرأيها زي الباقيين. هي في الكتاب، الصفحة 204.”
​وبعدين فتحت الباب.
دخلت جوة.
وقفلته بالراحة.
من غير رزعة.
لأن الرزعة دي حاجة بتعملها لما يكون لسة عندك حاجة تثبتها.
أنا ما كانش عندي.
​من ورا الباب، سمعت صوت أمي بيعلى تاني وبعدين بيختفي بالتدريج وهم نازلين السلم بالراحة.
​من الشباك، “ياسين” كان بيزق “سليم” على المرجيحة المربوطة في الشجرة الوحيدة الحلوة في جنينتنا.
ولا واحد فيهم سمع الكلام.
دي كانت الحاجة الوحيدة اللي يهمني أحميها.
وأنا حميتها.
​طلعت من باب الجنينة اللي ورا عشان أزق عيالي.
​ما رجعوش تاني خلاص.
كان فيه رسائل في جروب العيلة لفترة.
أمي بتقلب بين المظلومة والمغلوبة والمقهورة تاني.
في الآخر، حتى ده وقف.
​ما عملتش بلوك لحد.
وما مسحتش الجروب.
عملت Mute للنوتيفيكيشنز (كتم التنبيهات).
فيه فرق بين إنك ترزع الباب، وبين إنك تتمشى بعيد عنه بهدوء.
أنا اتعلمت الفرق.
​الحياة بقت أصغر وأدفأ بعديها.
بالظبط في الاتجاه اللي كنت عايزاه.
​الأرباح من كتاب “من بين الرماد” أدِتني حاجة عمري ما عشتها في حياتي بعد ما كبرت.
مساحة أتطلع وأتنفس فيها.
مش يخوت ولا عربيات.
مساحة بس.
​حطيت فلوس في حسابات باسم “ياسين” و”سليم” عشان ما يجيش يوم على أي عيل من عيالي ويتقال له ما حيلتناش.
فضلت في البيت الصغير.
الشجرة الحلوة.
وفضلت أكتب.
الصبح دلوقتي بدل الساعة تلاتة بالليل.
لسة بالرصاص.
ولسة على الكشاكيل الصفرا.
فيه حاجات مش محتاجة تتصلح طالما شغالة صح.
​”مس مرفت” بقت حاجة لسة ما عنديش كلمة صريحة توصفها.
بتيجي تتغدى معانا معظم أيام الأحد.
“ياسين” بيناديها “مس مرفت”.
“سليم” بيناديها “تيتة مرفت”.
وهي بتسيبهم يقولوا كده.
أول مرة سمعته بيقولها، اضطريت أخرج من الأوضة قبل ما حد يشوف وشي.
​في يوم حد، بعد أكتر من سنة من خناقة المصطبة دي، عملت حاجة كان نفسي أعملها من أيام إقامة المستشفى.
جبت طاجن البايركس أبو غطا أزرق.
نفس الطبق الزجاجي اللي قعد جنب باب وبعدين باب تاني في أوحش فترة في حياتي.
دعكته لحد ما بقى بيبرق.
مليته أكل من اللي طبخته بإيدي.
وبعدين سلمته لـ “مس مرفت” على الترابيزة في مطبخ مليان نور ربنا.
​”من تمريض القسم،” قلت لها وأنا بّسلمهولها.
“مس مرفت” ضحكت.
الضحكة الحقيقية.
لأن إحنا الاتنين كنا عارفين إن عمره ما كان فيه تمريض قسم.
كانت هي وبس.
​في النهاية، البني آدمين هما الناس اللي بيظهروا بجد.
دول هما الناس اللي استحقوا أماكن على ترابيزتي.
طاجن البايركس بقى بيلف بين بيوتنا دلوقتي.
مليان في الرايح والجاي.
ده اللي العيلة بقت تعنيه.
حاجة دافية بتفضل ترجع لك.
​كنت فاكرة زمان إن العيلة هما الناس اللي شاربين من نفس الدم.
أنا دفنت الاعتقاد ده في نفس السنة اللي دفنت فيها بنتي.
​ده اللي أنا مصدقة فيه دلوقتي:
العيلة هو الشخص اللي بيظهر الساعة تلاتة الصبح وأنت ما حيلتكش حاجة تديها له.
والناس اللي مش بتخبط غير لما كل حاجة تبقى سهلة وحلوة، مش من حقهم يدخلوا جوة البيت أوتوماتيك كده.
​دي قصتي.
بنت واحدة مستعدة أدفع عمري عشان أحضنها تاني.
ممرضة واحدة خبطت وأنا ما حيلتيش حاجة.
وولدين لسة هنا لأن في ليلة هادية، كانوا بياخدوا نفسهم في الأوضة اللي جنبي، وأنا قررت إن لازم أكرر أخد نفسي انا كمان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *