تعتذري

​مشيت بالراحة ناحية الرخامة ورفعت جواب الاعتذار العبيط بتاع شرين.
‘اتعديت حدودي.’
كنت هضحك من قلبي.
عايزيني أعرف مقامي وحدودي؟
تمام.
يمكن جه الوقت اللي الكل يعرف فيه مقامي وحدودي كان إيه بالظبط طول الـ 14 سنة اللي فاتوا.
​طبقت الجواب مرة.
وبعدين طبقتُه تاني.
ورميته في سلة الزبالة.
​سامح بكرَمه اداني مهلة لحد يوم الأربع عشان أختار.
أعتذر.
أو أمشي.
بس وأنا واقفة في المطبخ الهادي ده، اكتشفت حاجة هو ما عملش حسابها خالص.
أنا مش محتاجة أستنى لحد الأربع.
أنا محتاجة أستنى لحد يوم الإثنين بس.
​في الليلة دي، بعد ما سامح نام، فتحت اللاب توب بتاعي.
نور الشاشة أنار الأوضة الضلمة.
راجعت حسابي في البنك.
وبعدين قسط التأمين.
وبعدين أوراق العقارات.
وبعدين مواعيد الطيران.
ولأول مرة من 14 سنة، بطلت أسأل نفسي إيه اللي هيجرى لسامح لو ما الحقتهوش.
وبدأت أسأل نفسي إيه اللي ممكن يحصلي أنا.. لو مشيت وأخيراً نفذت بجلدي.
​الساعة 1:17 بعد نص الليل، لقيت الرحلة.
ذهاب بس.
من غير عودة.
صوباعي كان معلق فوق الزرار.
لسنين طويلة كنت مرعوبة إنني لو بطلت أشيل الشيلة، العيلة كلها هتقع وتتخرب.
بس فجأة، الخوف ده اختفى.
بالعكس، الموضوع بقى ممتع ومثير شغفي.
دوست ‘تاكيد الحجز’.
​هدوء غريب وبارد مشى في جسمي كله.
وبعدين ابتسمت.
عشان سامح كان فاكر إنه بيلوّي دراعي بالتهديد ده.
كان فاكر إن الأربع هيجي، وأنا هبلع كرامتي، وأمضي على اعتذار شرين، وأفضل أدفع لكل حاجة في السكتة زي ما طول عمري بعمل.
ما كانش عنده أدنى فكرة أنا عملت إيه حالا.
ولا عنده فكرة إيه اللي هيحصل يوم الإثنين.
وما كانش متوقع أبداً إيه اللي أنا هجيبه معايا وأنا راجعة بعد ست أسابيع…”
الجزء الثاني
​صباح يوم الإثنين، مشيت من البيت قبل ما سامح يصحى حتى.
لميت شنطة هدوم واحدة، أخدت أوراقي الشخصية كلها، ألغيت خاصية الدفع التلقائي لإنبي المحول لقسط التأمين، وسبت مفتاح البيت على رخامة المطبخ جنب جواب اعتذار شرين اللي ما اتمضاش.
​على الظهر، كنت قاعدة في الطيارة ومقفلة تليفوني خالص.
​أول يومين، محدش فكر يرن ولا يسأل.
وبعدين الرسائل بدأت تنزل زي المطر.
​سامح كان الأول:
“منى.. انتِ فين؟”
​بعده شرين:
“انتِ بتتصرفي بعاطفية وشغل أطفال.. قسط تأمين فيلا ماما ما اتسحبش من الحساب!”
​على يوم الجمعة، طنط فوزية كانت سيبالي 6 رسائل صوتية.
فجأة، الست اللي قالتلي بملء فيها إنني “ماليش صوت ولا رأي في حلالهم”، بقت مستموتة وعايزة تتناقش معايا في الأمور المادية!
​ما رديتش على ولا واحدة فيهم.
وبدال كده، قضيت الأسابيع اللي بعدها بعمل الحاجة اللي كان المفروض أعملها من سنين طويلة.
جمعت كل كشوف الحسابات البنكية، إيصالات سداد الضرائب العقارية، عقود التأمين، والشيكات الملغاة على مدار 14 سنة من المصاريف اللي دفعتها من جيبـي.
وبعدين تواصلت مع محامي متخصص.
​اللي قالهولي المحامي في ثاني مقابلة بيننا غير كل القواعد وكسر كل الترابيزات.
حط ملف تقيل قدامي على المكتب وقاللي: “لازم تفهمي حاجة يا مدام منى.. بناءً على المستندات والأوراق دي، العيلة دي قدامها مشكلة أكبر بكثير قوي من مجرد قسط تأمين ما اتدفعش.”
​بعد ست أسابيع من يوم ما سبت البيت، رجعت أخيراً.
عيلة سامح كلها كانت ملمومة ومستنياني في فيلا القناطر.
بس أنا ما كنتش جاية لوحدي.
​لما نزلت من العربية وأنا ماسكة الملف ده في إيدي، وش طنط فوزية اتخطف واصفرّ زي الليمونة.
وساعتها.. الشخص اللي كان قاعد جنبي فتح باب العربية ونزل…
الشخص اللي نزل من العربية كان المستشار القانوني بتاعي، ومعه مساعده ماسك شنطة أوراق ثانية.
​سامح أول ما شافني، أخد خطوة ناحيتي وهو وشّه أحمر من الغضب: “انتِ كنتِ فين كل ده يا منى؟ ومين الأستاذ ده؟ انتِ جننتِ؟”
شرين وقفت جنبه وهي مربعة إيدها وقالت بصوت عالٍ: “فاكرة نفسك بتهددينا؟ بسبب الحركة الغبية بتاعتك دي التأمين اتلغى والفيلا بقى عليها غرامة تأخير في الضرائب!”
​المحامي بتاعي ابتسم ابتسامة هادية جداً، فتح الملف وقال بصوت ثابت هز الجاردن كلها: “يا أفندم، التأمين مش بس اتلغى.. الضرائب العقارية عن الـ 14 سنة اللي فاتوا ما كانتش بتتدفع باسم الحاجة فوزية ولا باسم ابنها سامح.. كانت بتتدفع من الحساب الشخصي لـ موكلتي المدام منى، وبأوراق سداد رسمية وموثقة باسمها كـ ‘طرف دافع عن المنشأة’.”
​فوزية وقفت على حيلها بالعافية وهي بتترعش: “يعني إيه الكلام ده؟ ده بيتي! أنا كاتباه باسم بنتي شرين!”
​المحامي كمل بمنتهى البرود: “حضرتك كتبتي الشيكات والتنازل الرسمية، بس العقار عليه مطالبة بمديونية حيازة وصيانة وتكاليف حماية من التلف قيمتها بتتجاوز ثلث القيمة السوقية للفيلا حالياً. المدام منى أودعت ق\ضية إثبات حق وإشهار حظر تصرف على العقار لحين استرداد كامل المبالغ اللي اتدفعت بالفوائد القانونية، أو إعادة توزيع الملكية بنسبة المبالغ المسددة.”
​السكوت نزل على المكان زي الصاعقة.
سامح بص لأمه، وبعدين بص لشرّين، وبصلي بذهول كأنه أول مرة يشوفني: “منى.. انتِ بتعملي إيه؟ انتِ بترفعي قضايا على عيلتي؟”
​بصيت له في عينه وسألته بكل هدوء: “مش انت اللي خيرتني يا سامح؟ قلتلي يا إما أعتذر على حاجة ما عملتهاش.. يا إما أطلع برة بيتك؟”
قربت منه خطوة وكملت: “أنا اخترت أطلع برة بيتك.. بس أخدت معايا كل الجنيهات اللي بَنَت لك الوهم ده ورزقتك بالهيبة المزيفة دي قدامهم. الفيلا دي مش ملكك ولا ملك أختك.. دي كانت شايلاني وشايلاكم بقالي 14 سنة.”
​فوزية مسكت حافة الترابيزة وهي مش قادرة تتنفس، وبصت لسامح بصدمة العمر: “انت ما كنتش بتدفع حاجة يا سامح؟ كل السنين دي وهي اللي بتدفع؟”
سامح ما قدرش يرفع عينه في عين أمه. وشه بقى في الأرض، نفس القعدة اللي قعدها يوم ما سابهم يهينوني.
​المحامي سلمهم إعلان المحكمة الرسمي وقالهم: “قدامكم 15 يوم للسداد الكاش أو العرض على الخبير لتقييم حصة المدام منى في العقار.. وإلا الفيلا هتنزل مزاد علني لاسترداد حقوقها.”
​لفيت ضهري وركبت العربية.
سامح جرى ورايا وبيخبط على الشباك: “منى استني! نتكلم.. نتفاهم! أنا جوزك!”
​نزلت شباك العربية نص نزلة، وبصيت له بابتسامة هادية: “كنت جوزي.. لما كنت فاكرة إنك راجل بيحمي مراته. ورقة طلاقي توصلني على عنواني الجديد.”
​رفعت الشباك، والعربية تحركت بيا بعيد عن القناطر وعنهم كلهم.
ولأول مرة من 14 سنة، اتنفست حرية بجد.

الصفحة السابقة 1 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *