مفيش خدامين في البيت ده 1-2-3

“الجزء الثاني
​صحيت بدري يوم السبت، وأنا عندي إصرار وتحدي إن طنط فادية مش هديها الفرصة ولا المتعة إنها تقول عليا بفرّط في حق ضيوفي أو بعامل أهل جوزي بكسل.
​نزلت السوق بنفسي ونقيت عرق تربيانكو زي الفل، وطماطم شيري، وأعشاب طازة، وجبن، وعيش طازة لسه طالع من الفرن.
​قضيت ساعات بتبل اللحمة بالتوم، والروز ماري، والفلفل الأسود، وعصير البرتقال، وبجهز جنبها سلطة محترمة وشوية مقبلات سلمون تفتح النفس.
​ما كانتش عزومة مبالغ فيها ولا بذخ، بس كانت سفرة تشرف وتفتح النفس، يقدر أي حد يقدمها لضيوفه وهو رافع رأسه.
​على الساعة اتنين الضهر، وصلت سناء أخت طنط فادية الصغيرة ومعاها جوزها هشام.
​طنط سناء شخصيتها عكس حماتي تماماً؛ فرفوشة، وطبيعية، وعفوية، وأول ما دخلت من الباب أخدتني بالحضان.
​”إيه الشقة الجميلة دي يا شروق! وريحة الأكل تجنن وجايبة لآخر الشارع!” سناء قالت كده بصوتها العالي وهي داخلة من الطرقات.
​طنط فادية كانت قاعدة على الكنبة في الصالون، وضامة شفايفها ووشها يقطع الخيط.
​يوسف دخل عليا المطبخ بعد بضع دقائق وأنا بتأكد من صينية اللحمة في الفرن.
​”الريحة هنا تدوّخ،” هو قال بصوت واطي وهو ساند على الرخامة.
​”ده عرق لحمة عادي، مش معجزة يعني،” رديت بابتسامة خفيفة.
​”ماما بقالها عشر دقايق باصة ناحية المطبخ وكأنك داخلة تمتحني دكتوراه،” يوسف همس لي.
​ضحكت بصوت واطي، لأني عارفة إن كلامه صح ومية في المية.
​وإحنا بناكل المقبلات، طنط سناء فضلت تمدح في شكل السفرة والرصّة.
​”يا شروق، أطباق المقبلات دي شكلها يفتح النفس زي المطاعم بالضبط!” طنط سناء قالتها بكل إعجاب.
​”تسلمي لي يا طنط، ده من ذوقك، هي أفكار بسيطة والله،” رديت بتواضع.
​”والله لو أنا، كنت خلصت نصها قبل ما توصل للترابيزة اصلاً!” سناء قالتها بضحك، وكل الموجودين ضحكوا معاها.
​الكل ضحك واستمتع إلا طنط فادية، اللي كانت قاعدة مربعة إيديها ومكشرة.
​لما طلعت صينية اللحمة من الفرن، يوسف غمض عينيه واستطعم الريحة.
​”إيه الأكل اللي يفتح النفس ده! ده المفروض يتعمل عليه حظر تجول من كتر حلاوته،” قالها بحب.
​لمحت فادية وهي بتجز على سنانها من أخر الترابيزة.
​في اللحظة دي بالذات، السبب الحقيقي وراء تصرفاتها بقى واضح زي الشمس بالنسبة لي.
​هي ما كانش فارق معاها طعم الأكل ولا متضايقة منه، هي كانت متغاظة جداً إن ابنها بيمدح فيا وفي بيتي قدام الناس.
​كان بيضايقها إن أختها سناء بتسألني عن الطرق والوصفات، وبيولع فيها أكتر إني واثقة من نفسي في بيتي ومكانتي، في الوقت اللي هي عايزة تسيطر فيه وتفرض هيمنتها.
​غرفت أطباق مليانة للكل، واتجمعنا كلنا حوالين سفرة الأكل.
​طنط فادية قطعت حتة لحمة صغيرة خالص، وحطتها في بقها وبدأت تمضغ.
​مضغت مرة، وتانية، وتالتة، مع تكشيرة وش مبالغ فيها جداً وتقليعة حواجب.
​يوسف سكت في نص كلامه، وبص لأمه باهتمام وقلق.
​في الآخر، بلعت بالعافية وعملت صوت جامد وهي بتحط شوكتها المعدن في الطبق.
​”اللحمة دي ناشفة ومشالعة جداً،” قالتها بصوت عالٍ وواضح وسط القعدة.
​ما حدش رد، وساد الهدوء والكسوف على الترابيزة كلها.
​”دي زي الكاوتش بالظبط، تفكرني بأمي زمان لما كانت بتسيب اللحمة تستوي على نار هادية بالساعات لحد ما تدوب،” كملت بكلامها المستفز.
​حسيت بطعنة كلامها، مش إني شاكة في طريقتي أو أكلي، بس لأن خبثها وقصدها يضايقني كان واضح وضوح الشمس.
​فادية بصت ليوسف بصه سريعة عشان تشوف رد فعله قبل ما تكمل كلامها.
​”طبعاً، لما تكون ضيف في بيت حد، بتبقى مجبر تبلع أي حاجة يتحطط قدامك وخلاص،” قالتها بتمثيل ودراما.
الجزء الثالث
​طنط سناء إيدها اتسمرت بالكوباية في نص الطريق لبقها، وعمو هشام وطي عينه في الأرض بكسوف، ووش يوسف بقى أحمر زي الطماطم.
​وبدل ما أتوتر أو أتربك، نزلت عليا حالة هدوء وثبات غير طبيعية.
​عارف الشعور لما تكون مستني حد يتعدى حده ويوصل لآخر الخط، وأخيراً يعملها وقدام شهود؟ هو ده بالظبط اللي حسيته.
​قمت وقفت بالراحة، لفيت حوالين سفرة الأكل الطويلة، وشلت طبق طنط فادية من قدامها.
​عينيها وسعت من الصدمة وهي شايفاني برفع الأكل من قدامها.
​”إنتي بتعملي إيه يا شروق؟” سألتني بصوت عالٍ ومستغرب.
​”عن أذنك لحظة واحدة بس،” رديت بمنتهى الهدوء، وأنا أخدت طبقها وطلعت بيه على المطبخ وحطيته على الرخامة.
​رجعت لغرفة السفره وقعدت في مكاني بالراحة خالص.
​المكان الفاضي على السفرة قدام طنط فادية كان شكله أشد وأقوى من أكبر خناقة أو زعيق ممكن يحصل.
​”هو إنتي بجد شيلتي طبقي من قدامي قدام الناس دي كلها؟” فادية سألت بصوت بيرعش من الغل والغيظ.
​”أيوه، لأن حضرتك لسه قايلة إن اللحمة ناشفة ومثالعة زي الكاوتش، وأنا ما يرضينيش أسيبك تتعذبي في أكلة مش عاجباكي وأنت جاي تعالجي صحتك،” رديت ببرود.
​”إنتي بتقصدي تعاقبيني قدام ابني؟” نترت فيا.
​”لا خالص، أنا بس باخد كلام حضرتك بمحمل الجد مش أكثر،” رديت بتقل وثبات.
​حسيت بركبة يوسف بتخبط في ركبتي تحت الترابيزة بتوتر، والجو بقى مشحون نار.
​”أنا بحترم حضرتك لأنك أم جوزي وضيفة في بيتنا، بس مش هسمحلك تهيني تعبي ومجهودي على سفرتي وفي بيتي،” كملت كلامي بكل حسم.
​”أنا كنت بقول الحقيقة وبقول رأيي بصراحة في الأكل!” فادية زقت الكلام بالصوت العالي.
​قبل ما ألحق أرد عليها، طنط سناء قطعت حتة لحمة كبيرة من طبقها وأكلتها بمنتهى الاستمتاع.
​”والله العظيم اللحمة طرية وزي القشطة وشاربة التتبيلة،” سناء قالتها على بلاطة بعد ما بلعت.
​عمو هشام رفع رأسه وهز رأسه موافقاً على كلام مراته.
​”فعلاً الأكل تسلم إيد اللي عمله، زي الفل والله،” كمل عمو هشام بكل أريحية.
​يوسف أخد قطمة كمان من طبقه وتكلم هو كمان.
​”اللحمة مستوية ومظبوطة جداً يا ماما،” يوسف قالها وصوته بدأ يثبت.
​وش فادية اصفرّ وبقت زي الفراخ المبلولة وهي بتبص حواليها في وجوه عيلتها.
​طنط سناء حطت الشوكة بالراحة وبصت لأختها في عينها على طول.
​”وبما إننا بنقول الحقيقة والصراحة النهارده يا فادية، إنتي قلتي لي في التليفون إمبارح إنك عايزاني أجي عشان شروق محتاجة تتعلم أزاي تدير بيتها وتطبخ،” سناء كشفت المستور.
​السكوت اللي نزل على الأوضة فجأة كان ثقيل لدرجة إنه كان ممكن يكسر الإزاز اللي على الترابيزة.
​يوسف لف رأسه بالراحة وبص لأمه، وتحول وشوشه من الاحراج للصدمة والذهول التام.
​طنط فادية بصت لأختها الصغيرة بغيره وغل.
​”دي كانت مكالمة خاصة بيني وبينك يا سناء!” فادية هسات بفرقعة.
​”يبقى ما كانش المفروض تعزميني عشان أشارك في مسرحية هابطة وتدبيسة ملعوبة،” سناء ردت من غير ما تتهز.
​فادية ضربت بكف إيدها المفتوح على ترابيزة السفرة الخشب ضربة هزت الأطباق.
​”إنت هتقعد ساكت كده يا يوسف وتتفرج على مراتك وأختي وهما بيهينوني في وشي؟” صرخت بعصبية.
​جوزي فتح بقه عشان يتكلم، وهو مدرك إنه ما بقاش ينفع يستخبى ورا السكوت، ولا فناجين القهوة، ولا التنهد.
​أمه كانت مستنياه يحطني في حجمي وياخد حقها، وأنا كنت مستنية أشوف هل معايا راجل يشد بي وسند بجد ولا لأ.
​لما يوسف رفع رأسه في الآخر، طنط فادية ما كانش عندها أدنى فكرة إن الكلمات اللي هيقولها دلوقتي هتغير شكل العيلة دي وللأبد.
​الجزء الثالث (مكمل)
​يوسف بص لأمه لفترة طويلة قبل ما يلف بعينيه ويبص لي.
​لكام ثانية ثقال جداً، ما حدش في القعدة كان قادر ياخد نفسه بشكل طبيعي.
​كنت عارفة إن رده مش بس هيحدد اليوم ده هيخلص على إيه، ده هيحدد شكل حياتنا هيبقى عامل أزاي كل ما أمه تفكر تزورنا في المستقبل.
​”يا ماما، شروق ما غلطتش فيكي ولا هانتك أصلاً،” يوسف قالها بصوت ثابت ورزين.
​طنط فادية برشت بعينيها بسرعة وكأن حد ضربها بالقلم على وشها.
​”نعم؟ بتقول إيه؟” تهتعت بالكلام.
​”إنتي سمعتيني كويس يا ماما،” يوسف كرر كلامه بهدوء.
​”يعني إنت عايز تفهمني إني أنا اللي غلطانة والسببة في الليلة دي كلها؟” زعقت وصوتها طلع لفيوق.
​”أنا مش برميكِ باللوم، أنا بتكلم في اللي حصل قدام عيني دلوقتي، إنتي تعمدتي تنتقدي الأكل عشان تحرجي شروق وتقللي منها قدام العيلة،” يوسف شرح ومسك زمام الأمور.
​”أنا انتقدته لأنه ناشف!” فادية دافعت عن نفسها بإصرار.
​طنط سناء رفعت حجبها وبصت لطبقها الفاضي.
​”والله أنا خلصت طابقي كله من حلاوته،” سناء قالتها ببرود وهي بتسحب المنديل.
​عمو هشام كح بالراحة في المنديل عشان يداري ضحكة مكتومة.
​يوسف كمل كلامه بنفس الهدوء والاحترام وهو باصص لأمه مباشرة عشان يحط حد للموضوع.

الصفحة السابقة 1 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *