لما سالتها

لما سألتها أنا ليه مش معزومة على فرح بنتي، ردت عليا وقالت: “حسام مش عايزك تحضري.” وقبلها بأسبوع واحد بس، كنت مديالهم فيلا في حزام أكتوبر ثمنها تمانية مليون جنيه. كل اللي قلته بهدوء: “تمام، فهمت.” وبعد ساعتين، موبايلي كان عليه תשعة وخمسين مكالمة لم يُرد عليها.
​الرن في الآخر وقف، مش علشان حد فيهم هدي، لا.. علشان بطارية الموبايـل فصلت بعد المكالمة رقم تسعة وخمسين.
​قعدت لوحدي على ترابيزة المطبخ، مبصصة للشاشة المطفية والشمس في الصباح الباكر ممدودة على الأرض الباركيه. بره الشبابيك، أشجار الفاكهة الرصيفة المترتبة في الجاردن واصلة لحد الطريق العمومي على بعد.
​ولأول مرة من سنين، السكوت مكنش يحسسك بالوحدة.
​كان يخليك تشوف الحقيقة.
​أنا اسمي أمل. عندي خصلة وستين سنة، أرملة، والمالكة الوحيدة للمزرعة، والأرض اللي حواليها، والمزرعة اللي على مساحة تمانين فدان اللي قضيت أنا وجوزي الله يرحمه عمرنا كله بنبني فيها.
​فرح بنتي ياسمين كان المفروض هيتعمل هنا يوم السبت.
​الكتب والسيشن كانوا هيتعملوا جنة جنينة الورد. العشا كان هيتقدم تحت صوان أبيض كبير مكشوف على الجاردن. حوالي ميتين ضيف كبار كانوا هيشربوا ويحتفلوا مع العروسين من خير المزرعة دي.
​وكمان كنت متكفلة بكل مصاريف الفرح تقريباً.
​في الصباحية دي، كلمت ياسمين علشان أسألها بتوع الورد هيوصلوا إمتى.
​ردت بعد رابع رنة.
​”أهلاً يا ماما.”
​كان في نبرة صوتها حتة رخمة وغير مريحة.
​”بتوع الورد جايين إمتى؟” سألتها. “عم إبراهيم عايز يعرف يفتح أنهي بوابة.”
​سكتت شوية.
​”ماما.. في موضوع لازم نتكلم فيه.”
​نزلت فنجان القهوة بالراحة على الترابيزة.
​”في إيه؟”
​”أنا شايفه إن الأفضل متحضريش الفرح.”
​لقضية ثواني، كنت متأكدة إن سمعي خانني أو فهمتها غلط.
​الفرح هيتعمل على أرضي، وبيدفع مصاريفه كلها تقريباً من حسابي في البنك!
​”أنتِ بتقولي إيه؟”
​”حسام شايف إن وجودك ممكن يضايق أهله ويخليهم مش مرتاحين.”
​”وجودي هيضايق حد ليه؟”
​”يعني.. أنتِ مختلفة عنهم يا ماما. مش ستايلك ولا بتلقي على الجو الاجتماعي بتاعهم.”
​وبعدين قالت الجملة اللي كانت بتحاول تتفاداها من الصبح.
​”جوزي مش عايزك تحضري.”
​حسام كان لسه خطيبها رسمياً، بس ياسمين كانت بدأت تقول عليه “جوزي”.
​من سبع أيام بس، كانوا قاعدين معايا في التراس لما حطيت علبة قطيفة صغيرة قدامهم على الترابيزة.
​جواها كان مفتاح الفيلا المتوضبة اللي على الترعة في آخر الأرض.
​البيت بأرضيات خشب أرو متينة.
​مطبخ متجدد على أعلى مستوى.
​شبابيك كبيرة بتبص على المزرعة.
​وتراس كبير بيطل على المية.
​البيت بالأرض اللي حواليه قيمته ما تقلش عن تمانية مليون جنيه.
​كنت عايزه بنتي تبدأ حياتها الزوجية من غير ما يكون عليها أقساط ولا ديون تقطم ظهرها.
​ياسمين عيطت من الفرحة لما شافت المفتاح.
​حسام بس مسك المفتاح وقعد يقلب فيه بين صوابعه وابتسم ابتسامة رضا وغرور.
​”هنحتاج نجيب شركة لاند سكيب نظيفة توضب الجنينة دي،” قالها وهو باصص لتراب شغل الأرض اللي تحت ضوافري. “مش هينفع المكان يبان إنه مزرعة بجد لما أصحابنا ييجوا يزورونا.”
​ياسمين ضحكت وكأنه قال إفيه عبقري.
​بعدها، حسام قعد يستظرف ويترعن على جزمتي القديمة بتاعة الشغل، والدواليب القديمة اللي في المطبخ، والقمصان الجينز اللي بلبسها، والعربية النصف نقل اللي بسوقها في المزرعة.
​وياسمين ولا مرة دافعت عني.
​وكنت طول الوقت بديلهم أعذار وأقول معلش.
​كل ده وقف في المكالمة دي.
​وأنا قاعدة في مطبخي، مكنتش قادرة أضحك على نفسي أكتر من كده.
​هُمّه عايزين المزرعة.
​عايزين الفيلا.
​عايزين الفرح الفخم ومنظر العز اللي اتعمل من شقا عمري كله.
​هُمّه بس مش عايزين شكلي يبان في صور الفرح.
​مزعقتش.
​ومطلبتش منها تراجع نفسها.
​خدت بق قهوة بالراحة وقلت:
​”تمام، فهمت.”
​وقفلت السكة.
​بعدها بدقايق، دخلت المكتب وفتحت اللاب توب.
​الدفعات الأخيرة لمتعهد الأكل، بتوع الورد، الفرقة، شركة الفراشة، متعهد الكراسي، والديكور كانت متجدولة تخرج من حسابي الساعة اتناشر الضهر.
​راجعت كل دفعة معلقة.
​وبعدين كلمت عم إبراهيم، مدير المزرعة.
​”صباح الخير يا حاج أمل.”
​”عم إبراهيم، عايزة أغير كود البوابة الخاصة.”
​سكت شوية.
​”حاضر.”
​”وتغير كوالين الفيلا اللي عند الترعة كلها.”
​السكوت المرة دي طوّل أكتر.
​”تحبي تحكي لي إيه اللي حصل؟”
​”لا.”
​”يبقى مش هتقل عليكِ.”
​بصيت على عقود الفرح اللي مفروشة على مكتبي.
​”في حاجة كمان.. أي عربية تبع الفرح أو بتوع الفراشة والتجهيزات متعديش من البوابة وما تدخّمش المزرعة.”
​نبرة صوته بقت جادة جداً:
​”أمرك يا هانم.”
​بعد ساعتين، رجعت البيت بعد ما كنت بلقّم ورد الجنينة اللي قدام المداخل.
​موبايلي كان منور على رخامة المطبخ.
​الشاشة مليانة رسائل، إشعارات البريد الصوتي، ومكالمات ورا بعضها.
​فوق خالص، كان مكتوب أربع كلمات جنب رقم كبير:
​59 مكالمة لم يُرد عليها.
​مش هتصدقوا إيه اللي حصل بعد كده…
(مسكت الموبايل وحطيته في الشاحن. أول ما الشاشة نورت، كان فيه سييل من الرسائل من ياسمين وحسام:
​”ماما، الكروت مرفوضة ليه؟”
“الناس بتوع الفراشة واقفين على البوابة وعم إبراهيم مش راضي يدخلهم!”
“أنتِ بتعملي إيه؟ دي ليلة عمري! ردي عليا!”
​بعد كمية الرسائل دي، جه مسج من حسام نبرته متغيرة تماماً، فيها تهديد مستتر:
“أستاذة أمل، التصرفات دي مش في صالح حد. أهلي جايين من الصعيد وبكرة الفرح، لو ده كارت بتبتزينا بيه فدلوقتي مش وقته خالص.”
​ابتسمت بهدوء، وقعدت أشرب كوباية شاي بالنعناع.
​أنا ملغيتش بس دفعات الفراشة والديكور والورد والفرقة.. أنا دخلت على أبليكشن البنك وصرفت النظر تماماً عن تحويل ملكية الفيلا، وبعتّ ميل للفيز المتخصصة بالشؤون القانونية عشان يوقفوا إجراءات التنازل فوراً.
​الساعة جابِت أربعة العصر، وسمعت صوت عربية حسام الزيرو وهي بتفرمل بره المزرعة بغشومية.
​خرجت وقفت في التراس، لقيت حسام نازل من العربية وشّه أحمر من الغضب، وياسمين وراه بتبكي وانهيارها مالي المكان.
​حسام طلع درجات السلم بسرعة وهو بيصعّق:
“أنتِ فاكرة نفسك بتعملي إيه؟ ملغيتيش الدفعات ليه؟ والناس بره واقفين مستنيين فلوسهم! والفيلا مفاتيحها اتغيرت ليه؟!”
​رديت عليه ببرود أبرد من التلج، وأنا باصة في عينيه مباشرة:
“أصل المكان ده بتاع ست فلاحة، بتلبس جزمة شغل متوسخة تراب، وبتسوق عربية نص نقل.. ومينفعش ناس شيك من مستواكم الرفيع يعملوا فرحهم في مزرعة حقيقية يزورهم فيها أصحابهم الشيك.”
​حسام وشه اتخطَف، وكأنه أكل قلم على وشه. بص لياسمين بصة ذهول.
​ياسمين جيت تجري عليا وهي بتعيط:
“ماما.. أنا آسفة! حسام مكنش يقصد، هو بس كان متوتر من أهله ومصاريف الفرح!”
​قلتلها بمنتهى الهدوء:
“يا ياسمين، حسام مكنش متوتر.. حسام كان صريح، وأنتِ كنتِ موافقة. هُمّه مش عايزين شكلي ولا بني أدميتي، هُمّه عايزين القرشين والأرض والفيلا. وبما إن بيئتي وسلوكي مش عاجبينكم، فـ ‘العزبة’ دي كلها بحاجتها بفلوسها خط أحمر عليكوا.”
​حسام حاول يتدارك الموقف وغير نبرته:
“يا طنط أمل.. أنتِ فهمتي الموضوع غلط، دي لحظة غضب و…”
​قاطعته ورفعت إيدي:
“أستاذ حسام.. الفرح اتلغى من عندي. والفيلا اللي بتمانية مليون جنيه رجعت لمالكتها الأصيلة. وتقدروا تروحوا تأجروا قاعة على قد فلوسكم، وتعملوا الفرح بالطريقة اللي تريح أهلكم وشبكتكم الاجتماعية.”
​ياسمين صرخت:
“ماما! المعازيم جاحزين فنادق! الفستان والورد والناس!”
​رديت عليها وأنا داخلة جوة البيت:
“تقدروا تتصرفوا.. مش أنتِ اخترتي تبدئي حياتك مع ‘جوزك’؟ خليه يتكفل بيكِ وبمصاريف ليلة عمرك من جيبه، بدل ما يعيش على قفا الست اللي كسف يحزمها في صوره.”
​ندهت على عم إبراهيم:
“يا عم إبراهيم.. وصل الأستاذ والاستاذة للباب الخارجي، وبلّغ الأمن محدش يدخلهم المزرعة تاني إلا بإذن مني.”
​دخلت بيتي وقغلت الباب. ولأول مرة من سنين، حسيت إن الهواء اللي بتنفسه نقي، وإن الشقا اللي تعبته أنا وأبو ياسمين الله يرحمه محمي ومش هيروح لحد يستعر مننا.
​من اليوم ده، ياسمين اتعلمت درس عمرها.. وحسام عرف إن العز اللي كان مستنيه طار في لحظة غرور. أما أنا، فقعدت في التراس، مسكت كاس العصير، وبصيت على أرضي وأنا مبتسمة ومرفوعة الرأس.
مرت سنة كاملة على اليوم ده. سنة كانت كفيلة إن كل حاجة تتكشف على أصلها، وإن الأقنعة تقع، والنفوس المريضة تظهر على حقيقتها.
​بعد ما عم إبراهيم خرجهم بره المزرعة، حسام كان فاكر إن دي مجرد “قرصة أذن” أو إن قلبي حيحن لما ألاقي بنتي الوحيدة بتلغي فرحها. بس لما عدى أسبوع وأنا قافلة كل خطوط الاتصال ومغيرة حراسة المزرعة، أدرك إن الموضوع جد.
​وعارفين إيه اللي حصل لما العز والفيلا والفلوس طاروا؟
​حسام ومامته ظهروا على حقيقتهم.
​الفرح اتلغى، ودخلوا في خناقات كبيرة على المصاريف اللي دفعت والمؤخر والشوشرة اللي حصلت قدام قرايبهم. حسام اللي كان عامل فيها ابن ناس ومستواهم رفيع، اتضح إن كل طمعه كان في الـ 8 مليون جنيه بتوع الفيلا والمزرعة اللي هيورثها من بنتي.
​ولما لقى إن أمل المزرعة راحت، وبنتي مفيش حيلتها غير مرتبها البسيط، بدأ يعامل ياسمين بأسوأ طريقة. بقى يعيرها كل يوم بإن أمها فضحتهم وكسرت كلمتهم قدام الناس، وبدأ يطالبها هي وأبيها بكتابة إيصالات أمانة وتكاليف القاعة الجديدة اللي حاولوا يأجروها على قد فلوسهم.
​ياسمين قعدت أربع شهور في الجحيم ده، لحد ما في يوم اكتشفت إنه كان بيكلم وحدة تانية من وراها وبيحاول يظبط أموره معاها أول ما عرف إن مفيش أمل يرجع المزرعة.
​ساعتها بس.. ياسمين أفاقت من الغيبوبة.
​عرفت إن الراجل اللي استعر من أمها اللي شقيت عشان تبنيها، هو أول واحد باعها وداست عليه ظروفه النفسية والدنيوية لما الفلوس اختفت. فسخت الخطوبة ورجعت شنطتها في إيدها، مكسورة ومصدمة، مش بس من حسام.. من نفسها وقسوتها عليا.
​في يوم، كانت الشمس لسه بتشرق على المزرعة، وكنت واقفة في جنينة الورد بلقّم الشجر مع عم إبراهيم.
​سمعت صوت عربية أوجر بتعدي من البوابة الرئيسية.
​نزلت ياسمين.. مش العروسة المتكبرة اللي كانت خايفة على صورها، ولا البنت اللي بتتكسف من تراب شغل أمها. كانت بنت هشة، عينيها ورمانة من العياط، وشايلة شنطة هدومها بنفسها.
​وقفت عند البوابة، مش قادرة تقرب خطوة، وخايفة أطردها.
​عم إبراهيم بص لي وسكت، وسابنا ومشى بالراحة.
​مشيت ناحيتها بخطوات هادية، ووقفت قدامها.
​ياسمين اترمت في حضني وهي بتصرخ من العياط:
“حقك عليا يا ماما.. أنا آسفة، سامحيني وحيات أغلى حاجة عندك.. أنا كنت غبية وعمياء، الفلوس والشكل خدعوني، وبعت الجبل اللي كان حاميني عشان شوية قش.”
​سيبتها تعيط وتطلع كل الكبت اللي جواها. مسحت على شعرها وقلت لها بهدوء:
“أنا ما بيكسرنيش يا ياسمين إن حد يغلط.. أنا كان يكسرني إنك تضيعي عمرك مع واحد يستعر من الأصل. الدرس كان قاسي، بس كان لازم تتعلميه عشان تعرفي مين اللي بيحبك بجد ومين اللي بيحب المزرعة والفيلا.”
​رجعت ياسمين بيتها وأرضها، بس المرة دي مش هانم متنعمة على شقا غيرها.. رجعت تتعلم إزاي تقف معايا في المزرعة، ينزل التراب تحت ضوافرها، وتعرف إن اللقمة الشريفة اللي بتيجي بعرق الجبين أنضف بكتير من المظاهر الكدابة.
​والفيلا اللي عند الترعة؟
​ما كتبتهاش باسم حد.. عملتها دار استضافة وتأهيل للفتيات الميتَمات، يصرف عليها خير المزرعة ده كل سنة.
​وأنا؟ لساني لسه بيحمد ربنا، ورجلي لسه بتدوس أرضي كل يوم الصبح بالجزمة القديمة، بس المرة دي.. وبنتي ماشية جنبي، بتسندني وتفتخر بيا قدام الدنيا كلها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *