بص ياابني
حصري لصفحة روايات رولا
“بص يا ابني، وتعلّم إزاي الست تتربى وتتحط في مكانها الصح”، قالتها حماتي وهي بترفع إيدها عشان تضربني قدام جوزي. أنا ما صرختش: مسكت إيدها من معصمها وجمدت نفسي وقُلتلها بس: “جربي تعمليها تاني كده”. وبعدها طلعت من شنطتي جواب جاي من المحامي… وهي لحد اللحظة دي ما كانتش فاهمة ولا عارفة إيه اللي هيحصل في الشقة.
الجزء الأول
— إنتِ إزاي تتجرأي تطردي جوزك من بيته؟! — زعقت ثريا، حماتي، وهي بتخبط بكف إيدها على الترابيزة بترزعها—. الست المحترمة ما تعملش العمايل دي أبداً!
بصيتلها وأنا بحاول على أد ما أقدر أحافظ على هدوئي وأمسك أعصابي.
— أنا ما طردتش كريم. أنا بس طلبت منه يقعد كام يوم في أي حكاية تانية لحد ما أدمغتنا تهدى. إحنا بقالنا فترة بننقر ونقرقر في بعض كتير، ومشهادنا كترت، ومش عايزة أقول كلام نندم عليه بعدين.
ثريا طلعت ضحكة مليانة غل وصفار وسخرية.
— أه طبعاً! الأول تمشيه هو، وبكره ييجي عليا الدور أنا. عشان يعني الشقة باسمك ومكتوبة ليكي، ففاكرة نفسك ليكي الحق تعاملينا زي الأغنيّة والأراضيلة اللي قاعدين في خيرك.
وهي دي بالظبط كانت أصل المشكلة ومربط الفرس.
الشقة فعلاً كانت ملكي وباسمي.
أبويا وأمي الله يرحمهم كانوا سايبهالي لما توفوا في حادثة من سنين. كريم وأنا بقالنا يجي سبع سنين متجوزين، وطول السنين دي كنت فاكرة إن البيت ده هو السكن والأمان اللي هنبني فيه عيلتنا.
بس في الفترة الأخيرة، البيت تحول لساحة حرب وضرب نار.
— محدش طلب من حضرتك تمشي — رديت عليها.
— لسه ما طلبتيش — ردت ثريا وهي بتتريق—. بس أنا خلاص حفظتك وعرفت قماشتك.
واللي يجنن في الموضوع إنها ما بقالهاش غير شهر واحد بس عايشة معانا. كانت مأجرة شقتها لبنت اختها اللي لسه متطلقة جديد ومعاها طفلين صغيرين، وبعد ما اكتشفت إنها مش طايقة دوشة ولا زن الأطفال اللي هي بنفسها وافقت تقعدهم عندها، جابت شنطتها وجت خبطت على بابنا.
”دول هما كام يوم بس يا حبيبتي”، ده اللي وعدت بيه.
وكريم استقبلها بفرشة ورد وفرحة ما تتوصفش.
وأنا عملت الغلطة وأغفلت وصدقتها.
من يوم ما حطت رجلها في البيت، وثريا بتتأمر وتتدخل في كل صغيرة وكبيرة: بطبخ إيه، وبصرف كام، وبرجع من الشغل الساعة كام، وبغسل الهدوم إزاي، وحتى إزاي أتكلم وأتعامل مع ابنها.
بس ليلة إمبارح كل حاجة انفجرت ووصلت لطريق مسدود.
كنت رايحة خروجة وسهرة تبع الشغل. كريم كان عارف كويس قوي أنا فين ومع مين، بس أول ما رجعت لقيتها في وشي وهو هربان منه العقل وزعقلي.
— كنتِ مع مين بجد؟
— كنت مع زمايلي في الشغل.
— ما تحوريش عليا وما تكدبيش!
ثريا كانت قاعدة بتتفرج علينا من السفرة ووشها ينطق بالفرحة والشماتة اللي مش عارفة تداريها.
— الست المتجوزة المحترمة ماليش مقعاد ولا صياعة بره بيتها لحد الساعات دي — حكمت بكلامها.
ساعتها بس فهمت الشكوك والوساوس اللي في دماغ كريم دي جاية منين ومين اللي بيبخها في ودنه.
طلبت منه يمشي ويقعد بره شوية مؤقتاً.
وافق وهو جاضض وواكل في نفسه.
بس أمه ما وافقتش.
— ابني عنوانه وبطاقته على الشقة دي — كملت ثريا كلامها—. وله حق يفضل قاعد ومربع فيها.
— أنا ما قُلتش عكس كده.
— يبقى بلاش شغل دراما ونكد، وارجعي اتعلمي إزاي تبقي ست بيت وزوجة عدلة. عشان الرجالة اللي زي كريم مش مرنيين في الشوارع. ولما تيجوا واحدة تانية تقدره وتعرف قيمته، هتقعدي تعيطي بدل الدموع دم.
بصيتلها وأنا ساكتة تماماً.
كان في زمان وقت من الأوقات الكلمتين دول كانوا يكسروني ويرعبوني.
بس في الأبدوية دي، نزلت من الشقة ومضيت خطوتي لحد جنينة قريبة من البيت. وأنا قاعدة باصة على الكراسي الخشب اللي لسه مبلولة مية من المطر، افتكرت كمية المرات اللي سمحت فيها لكريم وأمه إنهم يحسسوني بالذنب والعجز.
أنا كمان بطلع أشتغل تمان ساعات في اليوم زيي زيه، بس في البيت كريم شايف إن الطبيخ والغسيل والمسح والتنظيف دي “شغل حريم”.
وثريا طول عمرها بتطبطب عليه وبتدافع عنه.
اللي ما كانتش تعرفه بقى، إن الخناقة اللي على الشقة دي كانت مجرد القشرة والبداية بس.
عشان بعد كام يوم، هسمع من ورا الباب مكالمة وحوار بين الأم وابنها هيقلب حياتي وجوازي رأس على عقب للمرة الأخيرة.
ولما اكتشفت ثريا كانت بتدبر إيه من ورا ضهري وبترتب لإيه، فهمت إن الأسوأ لسه ما جاش وإن اللي شفته كان ولا حاجة.
ما كنتش مصدقة إيه اللي على وشك إنه يحصل…
عايز تعرف إيه اللي حصل بعد كده؟ ا
الجزء الثاني
السبت اللي بعده قررت أعمل حاجة بقالي شهور مأجلاها: أخصص يوم كامل لنفسي. اتفقت مع صاحبتي من أيام الجامعة، داليا. رحنا مول، أكلنا بيتزا، ومشينا شوية في الجنينة، وقفلنا اليوم بفيلم في السينما. على مدار كام ساعة دول، تقريباً ما بصيتش في الموبايل. ولما رجعت البيت، فهمت في ساعتها إن كريم وأمه حولوا غيابي ده لجريمة جديدة.
— شوفوا مين اللي شرفت وقررت تحن علينا وترجع! — قالتها ثريا بنبرة تتنقط سم.
كريم كان وش أحمر من كتر الغيظ والغضب.
— ما كنتيش بتردي ليه؟
— عشان كنت مع داليا.
— طول اليوم؟
— اه.
ثريا حطت إيدها على صدرها ومثلت الصدمة:
— ويا حبيبي يا ابني! سيباه هنا من غير لقمة يبل بيها ريقه ولا أكل ياكله!
بصيت على التلاجة. كان فيها فراخ، وبيض، وخضار، وعيش، وجبنة، وأكل مطبوخ جاهز من إمبارح.
— كريم عنده أربعة وتلاتين سنة يا طنط ثريا. لو جيعان، يقدر يدخل المطبخ ويطبخ لنفسه.
جوزي خبط على الترابيزة برزع:
— أنا قُلتلك قبل كده مية مرة إن الطبيخ ده مسؤوليتك إنتِ!
ولأول مرة ما قدرتش أمسك نفسي ولا أسكت.
— خلاص، يبقى نتكلم في المسؤوليات بجد. لو إنت عايز تفكرني بـ “واجباتي كزوجة”، يبقى يمكن المفروض نتكلم إحنا كمان عن واجباتك ومسؤولياتك كزوج!
كريم وشه جاب ألوان واصفرّ. بقالنا أكتر من سنة عندنا مشاكل واضطرابات في حياتنا الخاصة والإنسانيات بينّا. روّحنا لدكاترة وهو حتى مشي على علاج، بس اللي كان بيوجعني بجد ويحرق دمي مش المشكلة في حد ذاتها، أد ما كان فارق معايا بروده وتطنيشه. بالنسبة له، علاقتنا الخاصة دي ما بقاش ليها أي قيمة ولا لازمة.
ثريا طبعاً ما فهمتش التلقيح والغمز واللمز.
— ابني بيشتغل وبيجيب فلوس وأكل عيش أكتر منك، وهي دي مسؤوليته وواجبه!
— حضرتك مالكيش دعوة بخصوصياتنا ولا تتدخلي في حياتنا الشخصية.
— إنتِ بتقولي إيه؟!
قامت وقفت فجأة مرة واحدة. وقبل ما أستوعب إيه اللي بيحصل، ثريا مشت ناحيتي ورفعت إيدها فوق.
— بص يا كريم! هي دي الطريقة اللي تتربى بيها الست اللي ما تحترمش جوزها!
لحقت نفسي ومسكت إيدها من معصمها بجمود قبل ما تلمسني.
— جربي تمدي إيدك عليا تاني كده، وهتكوني بره البيت ده النهارده قبل بكره.
كريم اضطر يتدخل وياخدها بالعافية يدخلها الأوضة التانية.
الفيصل في الليلة دي إني ما عرفتش أنام. على الساعة تلاتة الفجر كده، قمت أشرب مية ولمحت نور طالع من تحت باب المطبخ. وساعتها سمعت صوتهم.
— أنا حذرتك من الأول خالص — ثريا كانت بتوشوش بصوت واطي—. مريم عمرها ما كانت الست اللي تناسبك ولا تليق بيك.
وقفت مكاني متسمرة ومش عارفة أتحرك.
— يا أُمي، بلاش تفتحي في الموضوع ده تاني.
— طب وليه ما تطلبش تتعرف على ندى؟
ندى دي كانت بنت واحدة جارتها.
— البنت حلوة ومتربية وهادية… وغير كل ده عندها شقتها الملك. جدتها سيبهالها باسمها.
حسيت بنغزة وفراغ في بطني.
— أنا متجوز يا أمي — رد كريم.
وللحظة واحدة حسيت براحة ونفسي إتردلي. بس كمل كلامه وقال:
— وبعدين الموضوع هيبقا فيه إحراج وموقف بايخ.
ما قالش إنه بيحب مراته. ما قالش إنه مش مهتم ولا فارق معاه. كل اللي قاله إن الموضوع هيكون فيه “إحراج”!
ثريا كملت زن وضغط عليه:
— مريم هتطردك وترميك بره بدري أو آخراً. وتروح فين ساعتها؟ أنا شقتي مشغولة ومأجراها. لازم تفكر في مستقبلك.
وبعدها سمعت صوت تاتش الموبايل.
— شوف صورتها كده.
عدت كام ثانية سكوت.
— يعني… بصراحة هي شكلها حلو ومزز — اعترف كريم.
ثريا كانت هتهلل وتزغرط من الفرحة.
— بكرة بلساني ده هكلم أمها وأظبط معاها.
رجعت أوضتي من غير ما أعمل أي صوت.
بعدها بيومين، مديري في الشغل بلغني إن عندي مأمورية وسفرية شغل لـ إسكندرية لمدة أسبوع. وافقت فوراً من غير تردد. وأنا بجهز شنطة سفري فهمت إن لأول مرة، ما بقاش عندي خوف إني أخسر جوازتي دي. أنا بقيت خايفة أكمل وأضيع عمري وحياتي فيها.
وخلال فترة غيابي، ثريا نفذت كل كلمة وعدت بيها بالظبط. نظمت مقابلة بين كريم وندى. وبعدها مقابلة تانية. وفي الآخر أقنعت ابنها يجيبها الشقة. شقتي أنا!
كريم كان حاطط في بطنه بطيخة صيفي ومطمن عشان فاكر إني مش هرجع غير يوم الحد. بس اللي محدش فيهم هما التلاتة يعرفه، إني خلصت شغلي ورجعت قبل معادي بيومين.
يوم الجمعة بعد الضهر، فتحت باب الشقة بالمفتاح بتوعي. أول حاجة لمحتها كانت كوتشي بينك حريمي مش بتاعي. وبعدها شميت ريحة برفيوم غريب ما أعرفوش. ومن المطبخ سمعت صوت ثريا وهي بتقول:
— بكرة تشوفي يا ندى، أول ما كريم يخلص موال الطلاق، كل حاجة هتبقى أسهل وأبسط بكتير.
حطيت شنطتي بالراحة وببطء شديد على الكرسي. ومسكت خطوتي ومشيت ناحية المطبخ.
وما كانوا بجد لسه ما يعرفوش ولا فاهمين إني واقفة ورا الباب…