رسالة البنك

​ثريا بصت في الأرض.
​— من حوالي شهرين.
​فريدة حسّت إن في حاجة اتجمعت في دماغها.
​— أنا لسه كاشفة فاتورة الأوتيل أول امبارح.
​ثريا حطت إيدها على بقها. بعدها راحت للدرج وطلعت ظرف أصفر كبير.
​— وكمان طلب مني أمضي على دي.
​كان إقرار متجهز عن طريق مكتب محاماة. مكتوب فيه إن ثريا سمعت فريدة بتقول إن فلوس تأمين باباها كانت “هدية من غير شروط” لمشروع هادي.
​— ممضيتش — ثريا قالت — الموضوع استغربته. قاللي إن دي حاجة عشان تطمن مستثمر.
​فريدة قرت التاريخ: قبل ست أسابيع من ما هي تعرف أي حاجة عن ندى.
​— ليه مقتليش؟
​عين ثريا اتملت خجل.
​— لأنه ابني وفكرت إنها مشاكل زوجية وهتعدي. بس دي مش مشاكل زوجية، صح؟
​— لأ.
​ثريا زقت الظرف ناحيتها.
​— خديه. ولو حد سأل، هقول بالظبط اللي حصل.
​دي كانت أول مرة فريدة تحس إن كدب هادي بدأ يتفكك من غير ما تضطر تعلي صوتها.
​الضربة التانية جت تاني يوم. رانيا كانت وصلت للممول الرئيسي للمشروع: الأستاذ كمال الهواري، صاحب صندوق استثمار خاص كان هيدفع باقي المبلغ وقت تقفيل الصفقة. فريدة طلبت تقابله في كافيه في المعادي. أخدت معاها خمس ورقات بس: العقد المشترك، التحويلات، السجل التجاري لشركة “أفق تسعة”، إقرار مصدر الفلوس، والورقة اللي هادي حاول يخلي أمه تمضي عليها.
​كمال قرا في سرّه.
​— هو يعرف إن معاكي الورق ده؟
​— لسه.
​— وعايزة مني إيه؟
​— تقرر لو كنت حابب تحط فلوسك في عملية متمولة من فلوس عليها نزاع وإقرارات مفيهاش كلمة صح.
​كمال بص تاني للورقة اللي ماضية عليها ندى.
​— أنا مقدرش أقفل صفقة بالشكل ده.
​طلع تليفونه وطلب محاميه قدامها.
​— وقف ضخ الفلوس وجمّد الصفقة لحد إشعار تاني.
​فريدة مابتسمتش. لمّت ورقها وحطته في الشنطة.
​الليلة دي هادي اتصل بيها حداشر مرة. مَردّتش. في المرة الاتناشر ساب لها رسالة صوتية:
​— أنا معرفش انتِ بتهببي إيه، بس انتِ كده بتلعبي مع ناس تقيلة. ارجعي البيت ونحل الموضوع ده قبل ما يكبر عن كده.
​فريدة سمعت الرسالة مرة واحدة بس.
​بعدها بكام دقيقة جت رسالة تانية، بس المرة دي من رقم غريب:
​— بلاش تحولي مشكلة شخصية لكارثة في شغلك وسمعتك.
​فريدة مكنتش محتاجة تسأل مين. صورة البروفايل كانت لندى وهي واقفة في روف، وبتضحك قدام مبنى لسه بتبني.
​فريدة أخدت سكرين شوت، حفظتها في ملف الق\ضية، وعملت للرقم بلوك. مَردّتش لأنها كانت خلاص فهمت حاجة مهمة: كل محاولة للتهديد كانت بتطلع لها دليل جديد.
​الصبح، هادي ألغى صلاحية دخول فريدة للسيستم الإداري بتاع الشركة اللي كانوا بيستخدموه سوا عشان يتابعوا تطورات المشروع الأصلي. رانيا وثقت الحركة دي هي كمان.
​— بيتحرك ويتصرف — رانيا قالت.
​— لأ — فريدة ردت — ده بيسيب وراه أدلة.
​بعدها رانيا بعتت لها صورة الظرف بتاع ثريا ومكتوب تحتها: “مبقاش ينفع يقولوا إنها كانت مجرد سوء تفاهم”.
​فريدة بصت للشاشة وفهمت إن الكلام الجاي مش هيكون في مطبخ بيتها، المكان اللي كان هادي بيتحكم فيه في نبرة الصوت، والباب، والنهاية.
​هيكون على ترابيزة كل كلمة عليها تاريخ، وإمضاء، وشهود.
الاجتماع اتحدد يوم الأحد الساعة عشرة الصبح في مكتب رانيا في الشيخ زايد.
​فريدة كانت قاعدة على رأس الترابيزة، وبجنبها رانيا وجنبهم الملفات متستفة بالترتيب. هادي دخل ومعه محامي من الشركات الكبيرة، لابس بدلة غالية ومبتسم ابتسامة ثقة. بس الابتسامة دي اختفت أول ما شاف ندى داخلة وراه، ملامحها باين عليها التوتر.
​هادي قعد وحط إيده على الترابيزة وبدأ بنبرته المعتادة:
— يا فريدة، بلاش العند ده. إحنا ممكن نخلص كل حاجة بهدوء من غير ما نقلبها فضايح وندخل المحاكم.
​رانيا ماردتش، فتحت أول ملف وزقته ناحية محامي هادي.
​— الأستاذ هادي، والآنسة ندى. إحنا مش جايين نتفاوض على طلاق. إحنا جايين نعرض عليكم البلاغ اللي هيتقدم للنيابة العامة بتهمة خيانة الأمانة والتزوير واستغلال أموال مشتركة بدون وجه حق.
​ندى اتعدلت في قعدتها بسرعة:
— أنا ماليش دعوة! هادي هو اللي أكد لي إن الفولوس دي حصته الخاصة في الشركة!
​فريدة بصت لندى ببرود وقالت:
— وإقرار مصدر الأموال اللي مضيتي عليه بنفسك في الشهر العقاري؟ الإقرار اللي بياكد إنك تحققتِ من النية ومصدر الفلوس بنفسك؟ ده لوحده يخليكي شريكة في الجري\مة.
​محامي هادي فتح الملف، وقرأ إقرار الحجة ثريا، وكشوف الحسابات المتطابقة بالقرش مع مبلغ التأمين، وورقة إيقاف تمويل كمال الهواري. وشه اتغير وبص لهادي ووشوشه:
— الوضع سيء جداً. الورق ده يقودكم للمحاكمة الجنائية.
​هادي وشه جاب ألوان، وبص لفريدة بعيون فيها ذعر لأول مرة:
— فريدة… إحنا بيننا عشرة. انتِ عايزة تحبسيني؟
​فريدة قفلت الملف ببطء وقالت:
— العشرة انت اللي بعتها يوم ما فكرت تأخد شقا أبايا وتقدمه لهدية لشركة جديدة باسمك واسمها. قدامك خيارين مفيش غيرهم.
​رانيا كملت الشروط بصوت حاسم:
​التنازل الفوري والتام عن الشقة لصالح فريدة.
​رد مبلغ الـ 420 ألف جنيه بالكامل، بالإضافة لنصيبها في الأرباح والمبالغ المهربة لشركة “أفق تسعة”.
​توقيع عقود الطلاق بالتراضي وتصفية كافة الحسابات بدون أي مطالبة مستقبلية.
​المهلة: 48 ساعة فقط، وإلا الملف بالكامل هيكون على مكتب النائب العام.
​ندى وقفت بغضب وبصت لهادي:
— انت ورطتني معاك! أنا مش هضيع مستقبلي عشانك!
وخرجت ورزعت الباب وراها.
​هادي فضل قاعد في مكانه، باصص للترابيزة ومش قادر يرفع عينه في فريدة. أدرك في اللحظة دي إن كل نفوذه ومعارفه وشخصيته اللي كان بيحاول يرهبها بيها، اتبخرت أمام ورقة وقلم وحقيقة مفيهاش ثغرة.
​بعد يومين بالظبط، هادي كان بيمضي على أوراق الطلاق والتنازل في مكتب المحاماة وهو ساكت تماماً.
​لما خرجت فريدة من المكتب، الشمس كانت طالعة والجو صافي. سحبت نفس عميق لأول مرة من شهور. أخدت حقها، وحفظت ذكرى والدها، وقفت على رجلها من غير ما تعلي صوتها ولا تضيع كرامتها.
​كانت البداية صعبة… بس النهاية كانت بداية لحياة جديدة تستاهلها.

الصفحة السابقة 1 2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *