رسالة البنك
وصلت رسالة البنك لفريدة وهي بتغرف العشا: “تم قبول المعاملة: فندق فخم، جناح تنفيذيين، لفريدين”. هادي كان حالف إن الليلة دي بايت في الإسكندرية بيعاين موقع شغل. فريدة قرت الإشعار مرتين، حطت التليفون على وشه واستنت لما يرجع. لما دخل على وش نص الليل، شعره مبلول ولابس قميص غير اللي نزل بيه الصبح، فريدة مصرختش. سخنتله المكرونة بشاميل اللي كانت عاملاها وقعدت قصاده.
— الشغل كان عامل إيه في إسكندرية؟
هادي مرفعش عينه حتى.
— كان تقيل. المورد اتأخر علينا تاني.
فريدة زقت التليفون على الترابيزة.
— طب فهمني ليه كارتنا دافع جناح لشخصين هنا في التجمع؟
الشوكة اتعلقَت في الإيد ثانية واحدة. بعدها ابتسم، كأنها بتسأله سؤال أطفال.
— دي كانت اجتماع مع مستثمرين. متفتحيش موال.
— الفاتورة جت على إيميلي الضريبي. فيها اسمك، وقت الدخول، وفطار لشخصين متحملين على الاوضة.
هادي حط الشوكة بصلابة ورزعها على الترابيزة.
— انتِ بقيتي بتعملي عليا تحريات في بيتي؟
فريدة شغالـة من اتناشر سنة بتراجع حسابات المخاطر في بنك. كانت بتعرف تلمح الشذوذ في الأرقام بسهولة، بس لفترة طويلة كانت بتعامل جوازها كأن الحب استثناء لكل القواعد.
— أنا بس بسألك عن الحقيقة.
ضحك ضحكة قصيرة.
— الحقيقة إنك مهووسة بالسيطرة على كل حاجة. أنا اللي بنيت العيشة دي في الوقت اللي انتِ قاعدة تلعبي فيه بالأرقام في مكتب.
الجملة دي وجعت فريدة أكتر من الفاتورة نفسها. هي اللي دفعت مقدم الشقة. وهي برضه اللي سلمته اربعمية وعشرين ألف جنيه من مبلغ تأمين حياة باباها عشان هادي يبدأ مشروع عمائر، اللي على كلامه، كان هيأمن مستقبلهم هما الاتنين.
— والمشروع ده أتبنى بفلوسي برضه.
هادي اتسند لورا على الكرسي، ومببقاش يداري أحتقاره.
— فلوسك كانت زقة، مش شراكة. لو قرفانة مني أوي كده، اتفضلي امشي. وريني هتصمدي قد إيه من غير البيت ده، ومن غير معارفي، ومن غير العز اللي أنا دافعه.
فريدة تطلعت فيه كام ثانية. معيطتش. ولا جادلت.
— تمام.
هادي افتكر إنه كسب المعركة لأنها لمّت الأطباق وراحت تنام. الساعة خمسة ونص الصبح، فريدة قامت، حطت هدوم تفي أسبوع في شنطة، وأخدت لاب توب شغلها. وقبل ما تخرج، سحبت من الدرج بوليصة تأمين باباها وعقد الاستثمار اللي كانوا ماضيينه سوا من سنين.
هادي ظهر عند باب الاوضة ومربع إيديه.
— انتِ بتعملي التمثيلية دي بجد؟
— دي مش تمثيلية. أنا ماشية كام يوم.
— هترجعي. انتِ طول عمرك بترجعي.
فريدة قفلت الشنطة.
— ده اللي كنت فاكره امبارح بالليل.
نزلت في أوتيل صغير قريب من شارع مصطفى النحاس في مدينة نصر. في نفس الصباح اتصلت برانيا، محامية وكانت صاحبتها في الجامعة. مطلبتش منها ترفع ق\ضية على حد. طلبت حاجة أبسط بكثير: تقولها إيه الورق اللي من حقها تطلع عليه وتراجعه من غير ما تحرك جنيه واحد.
رانيا كانت واضحة.
— نزلي كشوف الحسابات، العقود، إيميلات الاستثمار، وأي ورقة فيها إمضاكي. متحوليش ولا مليم. بصي الأول.
فريدة قضت اليوم شغالـة عادي كالعادة. اكتشفت غلطة في تقرير، عدلت على مورد، وحضرت اجتماعين. محدش تخيل إنها أول ما تخلص، هترجع الاوتيل عشان تفتح حداشر سنة من حياتها المالية كأنها ملف ق\ضية.
الساعة عشرة بالليل لقت أول خرم في الغربال.
على مدار تلاتاشر شهر، كانت بتخرج تحويلات من محفظتهم المشتركة لشركة اسمها “أفق تسعة للتطوير”. مكنتش أرقام مقفولة ولا بمواعيد ثابته. كانت مبالغ متموهة عشان تبان مصاريف: 68 ألف، 74 ألف، 39 ألف، 112 ألف جنيه. مجموعهم، معدي المليون.
فريدة حسّت بسقعة في إيديها.
دورت على السجل التجاري أونلاين. شركة “أفق تسعة” اتأسست بالظبط قبل أسبوعين من أول تحويل. هادي كان طالع فيها شريك. والشخص التاني كانت ندى، مدير الشراكات في شركته.
فريدة كانت عارفة الاسم ده كويس. هادي كان بيجيب سيرتها كتير قوي السنة اللي فاتت.
فتحت الملف الرقمي ولقت حاجة أوحش وألعن: حركة من التحويلات، بقيمة اربعمية وعشرين ألف جنيه، متطابقة بالقرش مع المبلغ اللي هي حطته من تأمين باباها.
دي مكنتش مجرد خيانة زوجية.
في حد أخد الفوس اللي بتثبت شقا باباها وطول عمره شغال عشانها، وحطها في شركة فريدة حتى متعرّفش إنها موجودة.
وفي آخر السجل التجاري، كان في إقرار ممضي من ندى: “تم التحقق من مصدر الأموال”.
فريدة قربت الشاشة، قرت التوقيع، وفهمت إن جوازها متهدمش الليلة دي.
في حد بقاله أكتير من سنة بيجهز للوقعة دي.
وصلت رانيا الاوتيل تاني يوم معاها قهوة ولفة ورق. كانت راجعت هيكل شركة “أفق تسعة” ولقت إن الشركة مكنتش مجرد مشروع جانبي: دي كانت على وشك تقفل صفقة شراء أرض عشان تبني مجمع مكاتب في التجمع الخامس. رأس المال الأولي كان جاي تقريبًا بالكامل من التحويلات اللي اتسحبت من حساب فريدة.
— ندى مكنتش بس ماضية كشريكة — رانيا قالت لها — دي كمان أقرت قدام الشهر العقاري إنها عارفة مصدر الفلوس.
— لو كانت عارفة إنها جاية من حساب مشترك، يبقى كدبت.
— ولو مكنتش عارفة، يبقى بتمضي من غير ما تتأكد. والحلين أنيل من بعض بالنسبة لها.
فريدة مشّت صباعها على نسخة الإقرار. كان في حاجة لسه مش راكبة.
— هادي مبيعملش حاجة بعشوائية. عشان يحرك مبلغ زي ده كان لازم يجهز سيناريو ورواية.
فكرت في حماتها، الحجة ثريا. هادي كان بيكلمها تقريبًا كل يوم جمعة. فريدة مكنتش عارفة إذا كانت ثريا هتساعدها ولا لأ، بس كانت عارفة إنها مبتعرفش تخبي كدبة لو حسّت إن حد بيستغلها.
زارتها بعد الظهر في بيتها في مصر القديمة. ثريا فتحت الباب، ولما شافتها ماسكة ملف تحت ذراعها، وشها جاب ألوان.
— هادي قاللي إنكم بتتطلقوا — همست من قبل ما فريدة تسأل عن أي حاجة.
— إمتى؟