أنا مخدتش إجازة من الشغل عشان أبقى مربية

​”أنا مخدتش إجازة من الشغل عشان أبقى مربية عيال وجنينية للكل.”
​لورا مكنتش معلية صوتها.
​وبطريقة ما، ده خلى الكلمات توجع أكتر.
​التراس كله سكت. حتى العيال بطّلوا صراخ لفقدان الثواني دي.
​كنت واقفة جنب الترابيزة وماسكة قفة مليانة طماطم، وببص لزوجة ابني وأنا مش مصدقة عيني ولا وداني.
​ابني دانيال رفع راسه ببطء من على تليفونه.
​”يا لورا…”
​”لا يا دانيال. من فضلك. سيبني أخلص المرة دي.”
​حطت كوباية الليموناضة على الترابيزة وقفت. وشها كان محمر، شعرها مربوط كعكة بسرعة، وفيه لطخة طين كبيرة على الشورت بتاعها.
​كانت بتروي الجنينة من الصبح، بتجهز الفطور والغداء، بتراعي تلات عيال، بتلم الغسيل، وبتنقّي التراس.
​بصتلي مباشرة.
​”إحنا هنا من ست أيام،” قالت. “ست أيام. وعارفة إيه الغريب؟ مجاليش يوم واحد حسيت فيه إنه إجازة بجد.”
​كشرت.
​”بس ما حدش غصبك تعملي حاجة.”
​لورا ضحكت ضحكة مرة وصغيرة.
​”بجد؟”
​شارت بإيدها ناحية الجنينة.
​”مين اللي صحاني الساعة سبعة إمبارح وقال لي إن الخيار محتاج يروى قبل ما الحرارة تزيد؟”
​”أنا طلبت منك خدمة صغيرة بس.”
​”ويوم قبلها؟ مين اللي طلب مني أنضف سرير الفراولة من الحشيش؟”
​”ده كان مفروض ياخد عشرين دقيقة.”
​”خد ساعة ونص.”
​دانيال وقف.
​”طيب، بس هو إحنا بجد هنتخانق عشان شوية حشيش طالعين؟”
​لورا بصت له.
​”الموضوع مش موضوع حشيش يا دانيال.”
​وفجأة عرفت إن الموضوع أكبر بكتير.
​قبل ست أيام، كنا وصلنا بيتنا الريفي.
​أنا وجوزي ميشيل كنا اشتريناه من خمس عشرة سنة، وكل صيف كنا بنقضي فيه كام أسبوع. والسنة دي، دانيال اقترح إن لورا وعيالهم الاتنين، لوكاس وإيما، ينضموا لينا.
​بنتي صوفي جت كمان ومعاها ابنها هوغو اللي عنده أربع سنين.
​في الأول، كل حاجة كانت شكلها مثالية.
​شمس.
جنينة ضخمة.
حوض سباحة.
عشوات عائلية طويلة على التراس.
​لما لورا وصلت، ابتسمت وقالت:
​”ده بالظبط اللي محتاجاه. أسبوعين من غير ما أفكر في الشغل.”
​كنت عارفة إنها كانت تعبانة ومنهكة بقالها شهور. كانت شغالة مديرة إدارية في شركة كبيرة ودايماً بترجع البيت متأخر.
​مع ذلك، كنت مؤمنة إن الكل لازم يساعد في إجازة العيلة.
​في أول صُبح، طلبت بكل بساطة من لورا تساعدني في الفطور.
التاني يوم، روت شوية نباتات.
اليوم اللي بعده، قطفت طماطم.
​بعدين صوفي نزلت تشتري حاجات.
​”يا لورا، تقدري تقعدي مع هوغو ساعة؟”
​لورا وافقت.
الساعة دي بقت تلات ساعات.
​اليوم اللي بعده، صوفي راحت تقابل صاحبة قديمة ليها، وهوجو اتساب معانا تاني.
دانيال وميشيل راحوا يصطادوا.
وأنا كان لازم أحضر الغداء.
ففي الآخر، لورا وجدت نفسها بتراعي التلات عيال مع بعض.
​بالليل، لقيتها قاعدة لوحدها على درجات التراس.
​”إنتِ كويسة؟” سألتها.
“طبعاً.”
​مَسألتش أي حاجة تاني.
ودلوقت يا ريتني كنت سألت.
​الأيام اللي بعدها، بطريقة ما، حاجات أكتر وأكتر بقت تقع على كتف لورا.
الجنينة.
الطبخ.
العيال.
الغسيل.
هوجو.
ودايماً هوغو.
​صوفي كان بيطلع لها مشوار ضروري كل يوم الصبح.
في اليوم السادس، مشيت بعد الفطور وقالت: “هراجع على الظهر.”
ومرجعتش غير الساعة أربعة العصر تقريباً.
ولورا كانت مراقبة العيال طول الوقت ده كله.
​دانيال نام لحد الحداشر، وبعدين دخل الجراج مع ميشيل.
الساعة تلاتة تقريباً، رحت عند لورا.
“لما تخلصي مع العيال، تقدري تروي الكوسة؟ الحر بجد مأثر عليها.”
​لورا بصت لي كذا ثانية.
“الكوسة؟”
“أيوه.”
“دلوقت؟”
“يبقى أحسن قبل بالليل.”
​مردتش.
وبعدين صوفي وصلت، مبتسمة، ومسلوعة بالشمس، وماسكة كيسين تسوق.
“يا لهوي على يوم!” قالت بفرحة. “كنت محتاجة ده بجد!”
​هوجو طلب أكل فوراً. إيما عاوزة عصير. لوكاس مش لاقي الكورة بتعته.
ولورا نزلت كوبايتها ببطء.
​”أنا مخدتش إجازة من الشغل عشان أبقى مربية للكل وجنينية.”
​صوفي بصت لها بذهول.
“نعم؟”
“سمعتي.”
“إنتِ عمري ما طلبتي مني…”
“في ست أيام، سبتي ابنك معايا أربع مرات.”
“بس إنتِ كنتِ هنا كده كده!”
​لورا ضحكت ضحكة تعبانة.
“أيوه. في إجازة.”
​حسيت بالغضب بيتملكني.
“يا لورا، شايفاكي مزوداها شوية. إحنا عيلة. بنساعد بعض.”
​بصت لي.
“متفقة معاكي. بس في العيلة دي، ‘نساعد بعض’ معناها بطريقة ما إن فيه ناس بترتاح وناس تانية بتشتغل.”
​محدش نطق بكلمة.
​”صوفي بتسافر في أي وقت تعوزه. دانيال نايم، بيصطاد، أو شغال في الجراج. وإنتِ بتنظمي كل حاجة. وميشيل بيعمل اللي على مزاجه. وأنا؟”
​بدات تعد على صوابعها:
“بُطبخ. بنظّف. بغسل. براعي العيال. بروي الجنينة. بقطف الخضار. وكل ما أجي أقعد أخيراً، حد يجيلها فكرة ‘خدمة خمس دقايق’ تانية.”
​صوفي اعترضت:
“أنا عمري ما طلبت منك تغسلي هدوم هوغو!”
​لورا بصت لها.
“ابنك وقع شوكولاتة على قميصه كله. كنتِ فين إنتِ ساعتها؟”
​صوفي سكتت خالص.
​بعدين لورا لفت لدانيال.
“وأنت؟”
“أنا؟”
“لما كنت بحاول أعمل عشاء والعيال بتجري حواليّ، كنت فين؟”
​دانيال بص في الأرض.
“مع بابا.”
“كنت بتشرب بيرة معاه في الجراج.”
​ميشيل فجأة بقى مهتم جداً بكوباية القهوة بتاعته.
​لورا خدت نفس عميق.
“أنا اشتغلت السنة كلها عشان الأسبوعين دول. كنت عاوزة أقرأ. أنام. أعوم. أقضي وقت مع عيالي أنا. مش أقضي إجازتي بعمل شغل الناس التانية.”
​نزلت قفة الطماطم على الأرض ببطء.
وفي اللحظة دي، فهمت.
​كانت معها حق.
كنت دايماً بطلب من لورا عشان هي اللي معتمدة عليها.
وعشان دانيال بتوافق دايماً.
وعشان كان ده مريح بالنسبة لي.
​”خلاص تمام،” قلت.
دانيال بص لي.
“يا ماما…”
“لا. لورا عندها حق.”
​صوفي بصت لي مذهولة.
“إنتِ جادة؟”
“أيوه. هوغو ابنك. ولورا مش موظفة عند العيلة.”
​وبعدين لفت لدانيال.
“بكرة مش رايح تصطاد. عيالك مسؤوليتك.”
​ميشيل ابتسم.
“وأنت،” قلت له، “بطّل ابتسامة. الكوسة بقت مسؤوليتك من دلوقتي.”
​لورا ضحكت لأول مرة اليوم ده.
وبعدين أضافت:
“وأنا ماشية بكرة.”
​دانيال اتسمّر في مكانه.
“على فين؟”
“الفندق اللي جنب البحيرة. لوحدي.”
“والعيال؟”
“مع أبوهم.”
​تاني يوم الصبح، لورا مشيت بالعربية ومعاها شنطة صغيرة.
على الساعة عشرة، كان دانيال هيموت من التعب.
إيما دلقت الكاكاو بتاعها. لوكاس مش لاقي شورت السباحة بتاعه. والعيال بدأوا يتخانقوا.
وفي الآخر، دانيال جه عندي.
“يا ماما، تقدري ربما…”
​بصيت له بس.
“خلاص ولا حاجة،” قال بسرعة.
​صوفي مسافرتش اليوم ده كمان. فضلت قاعدة مع هوغو.
وميشيل روى الكوسة.
​لورا رجعت بعد يومين.
كانت شكلها مرتاحة. وهادية.
​بالليل، دانيال طبخ العشاء.
وتاني يوم الصبح، هو وصوفي خدوا التلات عيال وراحوا حوض السباحة.
لورا قعدت على التراس ومعاها كتاب.
​عديت جنبها.
كنت قربت أطلب منها تساعدني أقطف الطماطم.
وبعدين وقفت نفسي.
​”تحبي تشربي قهوة؟”
​رفعت راسها وابتسمت.
“يا ريت.”
​قعدت قدامها.
“أنا آسفة،” قلت. “قصدي مكنش أبدا أحولك لخادمة البيت. أنا بس اتعودت إنك دانيال بتقولي أيوه على طول.”
​لورا هزت راسها.
“عارفة.”
​ومن ساعتها، بقى عندنا قواعد جديدة في بيتنا الريفي:
اللي يجيب عياله يبقى مسؤول عنهم.
اللي عاوز خضار يزرعه ويرويه.
ولو حد قال إنه في إجازة، ما حدش يكتب له لسته طلبات وشغل.
​أما عن الكوسة؟
ميشيل منساش يرويها أبدا تاني أبدا.
مع إن كل ما يشتكي من الجنينة، لورا بترفع راسها من الكتاب بكل بساطة وتسأله:
“تحب أجيبلك مربية… ولا جنينية؟”
​وميشيل عادةً بيقرر إن السكوت هو أسلم حل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *