ات..هموا امي
أمي بصتله بتركيز وقالت: “أنا شايلها معايا من اثنين وأربعين سنة.”
الحارس اتكعبل لورا وهو ماسك في حرف رف التفاح.
”الولد ده…” صوته اتقطع. “الولد ده أنا.”
قلبي كان هيقف من الصدمة.
عيون أمي اتملت دموع وقالت: “اسمك مايكل بينيت، مش كده؟”
الحارس حط إيده على بوقه بصدمة.
”عرفت اسمي منين؟”
”علشان أنا كنت مُدرستك في سنة تالتة ابتدائي يا مايكل. وعشان أنا وعدت أمك وعد ليلة ما اختفت.”
السوبر ماركت كله سكت تماماً وبقى هادئ كأن مفيش دبانة بتطير.
وش مايكل اتدبر بالاستغراب والذهول: “أمّي ما اختفتش! هي سابتني وهربت. أبوي قالي إنها هربت مع راجل تاني.”
أمي هزت راسها ببطء.
”لأ يا حبيبي. أمك عمرها ما سابتك ولا تخليت عنك.”
مايكل مسك كتفها، بس رجع سابهم بسرعة أول ما استوعب هو بيعمل إيه.
”متكذبش عليّ!” صرخ بدموع: “أنا قضيت أربعين سنة وأنا فاكر إنها مش عايزاني!”
أمي مدت إيدها جوة شنطتها وطلعت ظرف أصفر قديم لونه مصفر.
”أمك ادتني ده ليلة ما اختفت. وقالت لي أحافظ عليه لحد ما تكبر وتفهم.”
مايكل بصل للخط بعيون مذهولة.
وبعدين قال جملة خلت الدم يجري في عروقي ويتحول لثلج:
”ده مستحيل. أنا لسة شايف خط أمي امبارح.”
الجزء التالت: الست اللي كان مفروض إنها ميتة
”امبارح؟!” ردت أمي وصوتها بالكاد مسموع من الخضة.
مايكل هز راسه والدموع نازلة بغزارة على وشه:
”أبويا مات الشهر اللي فات. و有时候 لما كنت بنضف البيت بتاعه، لقيت صندوق خشب مقفول بقفل. وجواه كان فيه جوابات موجهة ليا باسمي.”
بلع ريقه بصعوبة وكمل:
”كل جواب كان بتوقيع أمي. وأحدث واحد كان تاريخه من ست شهور بس.”
أمي مسكت في المشّاية بتاعتها بقوة.
”يا مايكل…” قالتها بصوت هامس: “يبقى هي لسة عايشة.”
مدير السوبر ماركت زق نفسه وسط الزحمة وصرخ: “بس كفاية كده! الست دي عملت دوشة وبلبلة، وانتوا الاتنين بتبهدلوا سمعة المحل!”
مايكل التفت ناحيته بعنف:
”دي مش حرامية! دي المُدرسة اللي أنقذت حياتي!”
المدير زعق بسخرية: “طب فسر لي بقى كانت مخبية إيه في جيبها!”
أمي رفعت الصورة لفوق:
”علشان أنا عرفت مايكل أول ما دخلنا. كنت عايزة أتاكد واتأكد قبل ما أقوله.”
وبعدين بصت لي مباشرة وقالت:
”سارة، اتصلي بالرقم المكتوب في ضهر الظرف ده.”
إيديا كانت بترتعش وأنا بفتح الورقة وبتصل بالرقم.
ست ردت عليا من تاني رنة.
”ألو؟”
”أنا بتكلم بخصوص مايكل بينيت،” قلت لها.
ظهر صوت شهقة حادة وقوية من الناحية التانية.
وبعدين الست همست بصوت مرعوب: “هو كويس؟ هو في أمان؟ ارجوكِ قولي لي إن أبوه مقدرش يوصله!”
بصيت لمايكل اللي وشّه بقى أبيض زي الثلج تماماً.
”يا فندم،” رديت بحذر: “أبوه مات الشهر اللي فات.”
الست انفجرت في العياط والنحيب.
وبعدين قالت ست كلمات غيروا كل حاجة في الدنيا:
”يبقى أقدر أرجع بيتي أخيرًا.”
بس قبل ما ألحق أرد، ظهر صوت راجل من وراها:
”إليانور، بتكلمي مين؟”
أمي سمعت صوته من التليفون—وفجأة صرخت بجنون: “سارة، اقفلي السكة فوراً! الراجل ده كان مفروض إنه ميت!”
الجزء الرابع والأخير: الحقيقة اللي هزت الصمت
الخط فصل في زُحمة الصدمة، وسارة فضلت واقفة مكانها والتليفون في إيدها بترتجف، عينيها معلقة على مايكل اللي وشّه بقى أصفر كأنه شاف عفريت.
المشهد في السوبر ماركت كان أشبه بتمثال جماعي؛ الكل سكت ومبقاش فيه صوت غير أنفاس الناس المتسارعة.
أمي سابت المشّاية بتاعتها وسندت على رف الشيبسي، وقالت بصوت مكسور بس مليان غضب وقهر:
“ده مش مجرد كدب يا مايكل… أبوك ما ماتش بالشكل اللي تعرفه. الراجل ده هو اللي دمر حياتنا من أربعين سنة!”
مايكل قرب من سارة بجنون وخطوات مرعوبة، وخد منها التليفون كأنه بيمسك في قشة وسط بحر هائج، وصرخ بصوت عالي:
“ألو! ألو! مين هناك؟! سامعني؟!”
من الناحية التانية، صوت الراجل جه مستغرب وحازم:
“إليانور! بكلمك بقولك بتكلمي مين بالموبايل ده؟ وليه صوتك كان مرعوب كدة؟!”
مايكل صوت إيديه وهو ماسك الموبايل كان مسموع، الدم وقف في عروقه وهو بيصرخ بكل طاقته في السماعة:
“بابا؟! بابا انت عايش؟! ازاي.. ازاي بتقولوا إنك ميت وإنت بيكلمني صوتك دلوقتي؟!”
حصل صمت مهيب ورهيب في الناحية التانية من الخط لفترة طويلة… كأن الزمن وقف تماماً.
وبعدين، سُمع صوت ضحكة باردة وغريبة من الأب، وقال بصوت هادئ ومريب:
“أخيراً.. العصافير كلها اتجمعت في القفص لوحدها.”
قبل ما حد يستوعب معنى الجملة دي، أمي صرخت في مايكل:
“اقفل السكة يا مايكل! دي لعبة! الراجل ده عمره ما كان أب طبيعي.. ده.. ده هو اللي خطفني زمان عشان يبعدني عنكم!”
في اللحظة دي، مدير السوبر ماركت وباقي الناس بقوا في حالة ذهول تام، كأنهم بيتفرجوا على فيلم رعب حقيقي مش مجرد خناقة ست عجوزة في سوبر ماركت.
مايكل بص لأمي والدموع بتترقرق في عينيه، وقال بصوت منكسر:
“يعني.. يعني إنتي مابعدتيش عني بمزاجك يا أمي؟ كل السنين دي.. كنتِ مظلومة؟”
أمي فتحت دراعاتها الاثنين وهي بتعيط بحرقة:
“تعالي في حضني يا حتة مني.. عمر أمك ما باعتك ولا هانت عليها تبعد عنك لحظة واحدة.”
وسط تصفيق وبكاء بعض الزبائن اللي فهموا جزء من الحكاية، جري مايكل وحضن أمي بقوة كأنه بيمسك في طفولته اللي ضاعت، وفضلوا الاتنين يعيطوا بحرقة تنهي سنين من الفراق والظلم.
أما عن الأب والسر اللي ورا الغموض ده كله.. فلما الشرطة وصلت بناءً على بلاغ إدارة السوبر ماركت والناس اللي صورت الواقعة، اتحلت خيوط الق\ضية وتبين إن الأب زور موته وهدد الأم طوال السنين دي عشان يخفي الحقيقة، لكن الصدفة البحتة و”تفاحة” صغيرة في سوبر ماركت قدروا يرجعوا الحق لأصحابه بعد 42 سنة من الظلام.
رجعت أمي بيتها وهي متمسكة بإيد ابنها اللي رجع لها، ونامت لأول مرة من سنين طويلة وهي حاسة إن روحها رجعت لجسمها.. لأن الأمان الحقيقي, أحياناً بيبدأ بنظرة في عين طفل قديم ظنناه مات ونسينا الزمن.