سر الكوخ 2الاخير
ساندرا رفعت عينها، ولأول مرة كان باين إنها فهمت.. أوحش حاجة حاولوا يسرقوها ما كانتش الفولس.. كانت معرفة إن رين كانت محبوبة.
ساندرا قعدت:
– “ممكن نلاقي طريقة نشتغل بيها سوا..”
جاريث بص لها بحدة: “ساندرا!”
– “أنا مش بقول ناخدها منها! بقول نعمل اتفاق.. محاميين، تقسيم عادل.. رين تاخد معظمها، وديون الشغل تتقفل، وكلنا نعدي من الأزمة دي.”
رين بصت لمرات أبوها، وفجأة فهمت حاجة: ساندرا كانت مصدقة بجد إنها بتعرض حل وسط! الخوف كان مشكل حياتها لدرجة إن الأرض بالنسبة لها كانت “أصل”، السندات “فلوس”، الجوابات “ورق قديم”، الكرسي الهزاز “عفش”، والشجر “خشب”! كل حاجة لها قيمة تتقدر بالدولار، لأن الدولار هو الحاجة الوحيدة اللي ساندرا بتثق إنها مش هتمشي وتسيبها.
رين كانت هتشفق عليها.. تقريباً.
في اللحظة دي جاريث قام، ومن غير ما يتكلم خرج بره. باب العربية اتفتح.. رين افتكرت إنه ماشي، بس رجع وهو شايل علبة كرتون: علبة أمها.
حطها على الترابيزة. رين لمست الكرتون الدايب:
– “كانت معاك في العربية؟”
جاريث هز راسه.
– “ليه؟”
بلع ريقه:
– “عشان أنا عمر ما رميتها.”
رين بصت له.
– “بعد ما ساندرا جأت عندنا، كانت عايزه حاجات أمك تطلع بره البيت.”
ساندرا لفت له، وجاريث ما بص لهاش:
– “قلت لها إني وديتهم المقالب.. كدبت عليها، وكدبت على الكل. لزمان طويل كنت شايلهم في الفحر اللي تحت أوضة نومنا، وبعدين رجعت العلبة دي أوضتك.. ما عرفتش أشرح.”
رين فتحت الغطا: صور.. أشرطة كاسيت.. إسكارف لسه فيه أثر ريحة برفيوم افتكرتها.. ومجوفة في فوطة مطبخ قديمة، العصفورة الإزاز الصغيرة اللي سيلفيا كانت بتسيبها على شباك المطبخ.. زرقاء وفيها دهبي.
رين شالتها.
لثواني ما حدش اتكلم. صوت جاريث كان بالعافية مسموع:
– “قبل ما أرجعها لك، كنت بنزل تحت البيت ساعات وأقعد جنب العلبة.”
رين بصت له:
– “ليه ما قلتليش أي حاجة من دي؟”
– “مش عارف..”
– “لا، أنت عارف.”
جاريث هز راسه:
– “عشان الكلام عن العلبة كان معناه الكلام عنها هي.. وأنا كنت عامل شغلي الشاغل في الحياة إني أهرب من الوجع.”
بعد عن الترابيزة:
– “الاحتفاظ بالعلبة دي كان يمكن المرة الوحيدة اللي وقفت فيها قدام ساندرا.. وعملتها في السر، تحت الأرضية!” ضحك ضحكة مكسورة: “ده الراجل اللي أنا بقيت عليه.”
رين حطت العصفورة الإزاز بالراحة على شباك الكوخ، وبعدين قفلت العلبة:
– “خد ساندرا وروحوا.”
جاريث هز راسه:
– “النهاردة؟”
– “اه.”
– “والأرض؟”
– “لسه ما اعرفش.”
– “والخشب؟”
– “قلت لا.”
حاجة عدت على وش جاريث.. اندهاش، أو يمكن احترام.
رين كملت:
– “بس أي حاجة هقررها، دي بتاعتي أنا بس.”
– “صح.”
– “ولمرة واحدة، فيه حد في العيلة دي هيسيب لي حاجة.”
جاريث وقف ثابت تماماً، وبعدين هز راسه:
– “صح.”
ساندرا لمت الملف من غير ما تتخانق تاني.. كان شكلها أصغر وهي ماشية عن وهي داخلة.
جاريث وقف على العتبة، ولثانية رين افتكرت إنه هيحاول يحضنها.. بس ما عملش. يمكن أخيراً فهم إن الاعتذار مش بالضرورة بيشتري لك طريق للشخص اللي انت أذيته.
– “أنا آسف.” جاريث قال.
رين ما قالتلوش “حصل خير”.. لأنه ما حصلش.
داتش كان واقف جنبها، وجاريث بص للكلب العجوز:
– “بقى ملكك دلوقتي؟”
رين طَبْطَبِت على رقبة الكلب:
– “هو طول عمره كان ملك حد.. كان بس مستني الشخص الصح يرجع له.”
أبوها أخد الجملة في سكات:
– “تمام.”
ومشى في التلج.
رين اتفرجت على نور العربية الأحمر وهو بيختفي. المرة دي، إنها تتساب لوحدها ما كانش معناه إنها اترمِت.. الكوخ بقى ملكها، والقرار بقى قرارها.
الشتا استمر 6 أسابيع كمان.. ورين فضلت. مش لأن حد حابسها، بس لأنها عايزه تقعد.
ويندل ساعدها يمدوا خط مية من النبع، وفاي كانت بتبعت أكل كل ما الطريق يبقى ينفع للمشي. داتش تقل في الوزن وبقى يقضي يومه نايم في المكان اللي رين محتاجة تمشي فيه.
رين اشتغلت في ورشة إميت. في الأول كانت بتنظف الأدوات، وبعدين بدأت تتدرب.. تقطع خشب بواقي، تبوظ تعشيقة وتظبط الثانية. كان فيه كتب تعليم على الرف وملاحظات برصاص بخط إميت على الحيطان. ساعات ويندل كان بييجي يعلمها اللي يعرفه، وساعات رين كانت بتبدأ تجرب لحد ما تفهم هي غلطت في إيه.
خلصت الكوخ الهزاز في فبراير. أول إيدين ما كانوش لايقين، ثاني إيدين كانوا تقال، والثالثة أخيراً أخدت اللفة اللي إميت كان بدأها. رين صنفرت الكرسي أيام، وبعدين دهنته بزيت بذرة الكتان لحد ما بقى بينور دفا تحت إيديها.
حطته جنب الصوبة.
بالليل، قعدت عليه. لعدة دقائق ما هزتش الكرسي، وبعدين زقت بالراحة برجلها.. الكرسي أتحرك.. ناعم.. هادي.. وكأنه كان مستني 19 سنة عشان يعمل الحركة دي!
الليلة دي فتحت جواب إميت الأخير. خطه كان بيرتعش أكتر.. كتب عن السقف اللي محتاج تصليح فوق الورشة، وقال لها تستخدم خشب أرز إيه، وحذرها إن داتش بيفهم في الناس كويس بس حمار في التعامل مع القنافذ!
وفي الآخر، كتب حاجة بسيطة:
“البيت البردان ممكن يبقى دافي برضه.. المهم حد يقرر يولّع الصوبة.”
رين قرت السطر مرتين، وبعدين طبقت الجواب وحطته مع الباقيين.
شركة الخشب أخدت الرد عن طريق المحامي: لا.
رين فكت بس جزء صغير من فلوس إميت عشان تصلح التصليحات الضرورية وتشتري طلبات، وسابت الباقي.. ما بقاش فيه استعجال خلاص. وده كان إحساس جديد برضه؛ لسنين كانت عايشة وكأن أي حاجة معها ممكن تضيع لو ما مسكتش فيها بإيدها وأسنانها.. الأكل، الفلوس، الاهتمام، وحنية أبوها. دلوقتي بقى عندها بيت ما حدش يقدر يجي ياخده منها ببساطة.
في مارس، ويندل ساعدها يشغلوا عربية إميت الخضرا القديمة. لما الموتور دار أخيراً، رين قعدت ورا الدريكسيون بتسمع صوته. تقدر تنزل الجبل في أي وقت هي عايزاه.. وده خلى قعدتها هنا لها معنى أكبر.
مرة في الأسبوع، كانت بتسوق لمحل فاي. فاي كانت بتحكي لها حكايات عن سيلفيا.. ازاي كان نفسها تبقى مدرّسة، ازاي كانت بتتعصب أسرع من إميت، وازاي ضحكتها كانت عالية وتلفت المظاهر. وازاي حفرت أول حروف اسمها على باب الورشة وهي عندها 12 سنة.
رين رجعت البيت ولقيتهم: S.V.
الحفر كان غامق مع الزمن.. رين مشت صباعها عليهم، وبعد شوية أخدت سكينة وزودت الحروف بتاعتها تحتهم: R.S.. ما مسحتش اللي فات.. وسعت لنفسها مكان جنبه.
في أبريل، ويندل اشترى أول قطعة عفش رين تبيعها: كرسي بـ 3 رجلين زي اللي أمها عملته وهي صغيرة. طلب 6 كراسي:
– “عشان مطبخ بنتي.”
– “أنت مش محتاج 6.”
– “أنا الزبون وهنا الميزة!”
لما رين حاولت تنزل السعر، ويندل رفض:
– “جدك عمره ما ساب حد يدفع له اللي شغله يستاهله.. كان بيجننـي!”
– “أنا بتعلم منه.”
– “اتعلمي الحاجات الحلوة بس..” وسلمها الفلوس: “مش كل عادة تستاهل نورثها.”
رين شالت الجملة دي في عقلها.
أول جواب من جاريث وصل في مايو. فاي حطته على الكاونتر: “قرارك.”
رين قلبت الجواب.. أبوها كان كاتب عنوان الكوخ بدقة.
لـ 3 أيام، الظرف فضِل مقفول جنب عصفورة سيلفيا الإزاز. رين فكرت ترجعه.. كان هيبقى فيه نوع من العدالة في كده. بس بعدين فكرت في حزمة الجوابات المرجوعة بتوع إميت.. العدالة والتكرار مش دايماً حاجة واحدة.
في الليلة الثالثة، فتحت جواب جاريث. ما كانش فيه أي دفاع جوه، وده كان مهم. كتب إن الشغل خلاص اتقفل، وهو وساندرا بيبعوا البيت ورايحين مكان أصغر. قال إن مش بيكتب عشان يستجدف عطفها، إنه بدأ يروح لدكتور نفسي، وساندرا وافقت تروح معاه. ما طلبش منها تسامحه، كتب إن الطلب ده هيبقى حمل ثاني بيحطه عليها والمفروض هو اللي يشيله.
طلب حاجة واحدة بس، وبحرص: لو في يوم من الأيام حبّت إنه ييجي يشوف الكوخ اللي إميت بنى، هييجي.. مش هيجيب ورق، وهييجي لوحده. ولو هي مش عايزه ده خالص، هيتقبل.
وفوق ده، كتب إنه ناوي يبعت جواب كل شهر.. تقراهم، تحرقهم، تطنشهم، أو ترجعهم.. شغلته هو إنه يفضل يكتب.
رين قعدت فترة طويلة بعد ما خلصت. ما كتبتلوش رد.. مش وقتها. بس ما رجعتش الجواب برضه. شالته ونزلت بيه البدروم. على الرف الحجر جنب حزمة إميت، حطت ظرف جاريث.. أول جواب في كومة جديدة. مش مسامحة، ولا صلح.. بس “إمكانية”.
رين اتعلمت إن الباب مش لازم يترزع ويتقفل بالدبوس لمجرد إن فتحه خطر.. ساعات ممكن تسيبه مش مقفول بالمفتاح.. وتستنى وتشوف مين اللي هيفضل ييجي من غير ما يحاول يقتحم المكان.
في أول الصيف، فاي اتصلت بالكوخ (رين كانت خلاص ركبت خط تليفون أرضي):
– “فيه بنت هنا.”
– “بنت مين؟”
– “عندها 17 سنة.. جوز أمها الجديد رمى هدومها بره.”
رين سكتت. فاي كانت اتصلت بالشئون تشوف فيه مساعدة إيه، البنت محتاجة مكان أمان لحد ما الكبار يصفوا أمورهم.
– “معاها شنطة زبالة فيها هدومها و40 دولار..” فاي اترددت: “أنا فكرت فيكي.”
رين نزلت العربية. البنت كانت واقفة بره المحل بلابسة جاكت رخيص رغم الجو الدافئ، وملامح وشها كانت فاضية بحرص.. رين عرفت الوش ده في ساعتها! ده وش حد بيحاول يِترفض الأول قبل ما يتفاجئ بالرفض.
– “فاي بتقول إنك محتاجة شغل.”
البنت هزت كتفها: “أعرف أشتغل.”
– “تعرفي حاجة عن شغل الخشب؟”
– “لا.”
– “النظافة؟”
– “أكيد يعني!”
رين كانت هتظبط ابتسامتها: “بتعرفي تسمعي؟”
البنت بصت بشك: “على حسب.”
– “إجابة حلوة.”
رين شالت شنطة الزبالة، فالبت جأت تاخدها منها على طول: “أنا أقدر أشيل حاجتي.”
– “عارفة.” ورين أدتها لها تاني.. ده كان مهم برضه.
– “فيه أوضة ورا الورشة,” رين قالت, “مش حاجة واو، بس فيها صوبة.. تقدي تقعدي فيها لحد ما تظبطي دنيتك.”
البنت بصت لها: “ها تدفعيني إيه؟”
– “مساعدة في الورشة.”
– “كام يعني؟”
– “هنحدد المرتب العادل أول ما اعرف انتي تقدر تعملي إيه.”
عين البنت ضاقت: “ليه؟”
رين فهمت السؤال.. مش ليه الشغل، ليه الجد عنة دي؟
– “عشان فيه حد في يوم من الأيام اتأكد إن فيه بدروم متجهز ومستنيني لو احتجت.”
البنت طبعاً ما كانتش فاهمة ده معناه إيه، ورين شافت إن ده عادي.
– “أكلتي؟”
البنت هزت راسها.. “يلا بينا.”
أول ليلة، البنت نامت تقريباً 14 ساعة. الصبح، ظهرت في الورشة ومشمرة أكمامها: “أعمل إيه؟”
رين حطت حتة أرز على البنك وأدتها صندفرة: “ابدأي من هنا.”
على يوليو، البنت بقت تعرف تقطع تعشيقة خشب مظبوطة.. مش برفكت، ولا رين كانت بتطلعها برفكت كل مرة برضه. ساعات رين كانت بتقف جنبها تظبط زاوية الأزميل، وتفتكر سيلفيا وهي بتتعلم في نفس الأوضة من إميت. أمها كانت عايزه تعلم، وإميت علمها.. ودلوقتي رين بتعلم حد تاني. مش لأن الورث خليها غنية، بس لأنه أدالها حاجة تستاهل تتردد وتتعدى للغير.
داتش كان بينام بين البنكات، الكرسي الهزاز جنب الصوبة، كرسي سيلفيا تحت ترابيزة الشغل. وفي الأماسي الدافية، الورشة كان ريحتها أرز، نشارة، وزيت.
رين كانت مخلية البدروم متجهز دايماً: برطمانات، بطاطين، شمع، إسعافات، أكل ناشف، وجاز. وسابت نسخة مفتاح مع فاي: “لو حد اتزنق فوق في الجبل، ابعتيه لي.”
فاي ابتسمت: “إميت كان هيحبه الكلام ده.”
رين بصت ناحية طريق الجبل: “وأنا أفتكر كده برضه.”
ما بقتش تغطي الباب السري بالسجادة خلاص.. مافيش سبب يستدعي الخبيئة.
على أواخر الصيف، رين ساعات كانت بتقعد في البلكونة بعد الشغل مع كوباية قهوة وداتش مفرود على الخشب جنبها. الجبال كانت بتبقى زرقاء مع الليل. نفس المنظر اللي بصت له في أول صباحية وهي مرعوبة ومش فارق معاها جماله، دلوقتي شايفه الطريق وهو بيلف بين الشجر ناحية البلد.. عارفة رايح فين، وعارفة إن العربية هتدور لو قررت تاخدها.
ما ردتش على جوابات جاريث لسه، رغم إنه مستمر بيكتب.. وللوقت الحالي، ده كان كفاية.
في مسا من الأيام، طلعت تسجيل سيلفيا القديم للبلكونة، وحطت شريط من العلبة الكرتون. لثانية كان فيه وش بس.. وبعدين صوت أمها ملا جو الصيف. سيلفيا كانت بتغني وحش مع راديو العربية، نص الكلام غلط، وضحكتها جأت فجأة بين سطرين.
رين اتسمرت.. كانت خايفة لسنين إنها ما تبقاش فاكرة الصوت ده صح.. طلعت فاكراه.
داتش رفع راسه. ومن جوه الورشة كان فيه صوت صندفرة هادي والبنت شغالة على كرسي بتاعها. الدخان طالع من المدخنة وراهم.
رين فضلت تسمع لحد ما الشريط طقطق وقفل.. قلَبته، وشغلته تاني.
المرة دي، رجعت ظهرها في الكرسي الهزاز اللي إميت بدأه وهي كملته.
البيت كان دافي.
الباب كان مفتوح.
ما حدش أخد المفاتيح.
وما حدش جاي يقولها هي مديونة بكام عشان اتسمح لها تقعد.
ولأول مرة في حياتها، رين ما كانتش مستنية حد تاني يختارها.