تعتذري

حصري لصفحة روايات رولا
“من اللحظة اللي جوزي قاللي فيها: ‘تعتذري لـ أهلي يا إما تطلعي برة بيتي’، في حاجة جوايا سكنت تماماً.
مش انكسرت.
ولا اتخضت.
سكنت.
عشان ‘سامح’ ما كانش عنده أدنى فكرة إن بقالي 14 سنة وشايلة عيلته كلها على كتافي في السكتة.
وفي أقل من 72 ساعة، كنت هبطل أعمل كده.
​البداية كانت في لمّة العيلة.
كل صيف، عيلة سامح بتتجمع في فيلا والدته اللي على بحيرة القناطر الخيرية—بيت واسع بـ جاردن كبيرة، وشجر عتيق، ومرسى خاص على المية اللي بيبقى لونها دهبي وقت الغروب.
بالنسبة لكل الناس، المكان ده كان ملجأ العيلة.
أما بالنسبة لي، فكان التزام مالي سرّي أنا اللي حايلاه على ضهري بقالي 14 سنة.
​سامح ما اشتغلش شغلة منتظمة من سنين.
ودايماً عنده مبررات.
السوق واقف.
المدير في آخِر شغلانة كان يتعاش معه بالعافية.
مستني ‘الفرصة المناسبة’.
في الوقت ده، أنا شغال في الهيئة القومية للبريد، بمرتب يا دوب على قدنا. ورغم كده، كل شهر كنت بشيل جزء من مرتي في حساب على جنب من غير ما حد يعرف.
ضرائب العقارات.
تأمين البيت.
الصيانات الطارئة.
بقالي 14 سنة بدفع كل ده.
مش عشان أم سامح، طنط ‘فوزية’، عمرها شكرتني.
هي اصلاً ما تعرفش.
فوزية فاكرة إن ابنها الحبيب هو اللي شايل كل حاجة وتكفل بكل المصاريف.
‘البكرية السند’.
وسامح كان عاجبه الوهم ده ومبسوط بيه.
وأنا زي العبيطة، كنت بحمي الصورة دي.
كنت بقول لنفسي أنا بحافظ على كرامة جوزي.
بقول لنفسي الجواز شيل وحط، ولما حد يقع التاني يشيله.
وبقول لنفسي بكره سامح يقف على حيلو تاني، ويعترف بالحقيقة، ويقدر اللي عملته.
واليوم ده عمره ما جه.
​بدال كده، اللمّة بتاعت الأسبوع اللي فات ورتني مقامي الحقيقي عندهم بمنتهى الصراحة.
كنا كلنا قاعدين في الجاردن بعد الغدا، لما فوزية فجأة أعلنت إن عندها ‘خبر عائلي سعيد’.
‘شرين’، أخت سامح الصغيرة، ابتسمت على طول.
فوزية مدت إيدها في ملف على الترابيزة وطلعت شوية أوراق ودفاتر.
أعلنت وقالت: ‘أنا قررت إن الوقت جه عشان أثبت كل حاجة رسمي.. أنا هكتب فيلا القناطر باسم شرين.’
الجاردن كلها اتقلبت بالهيصة.
شرين زغرطت.
القرايب صفقوا.
وسامح ضحك بملء فيه.
أنا الوحيدة اللي ما ضحكتش.
ما كنتش زعلانة إن فوزية عاوزة تكتب البيت لشرين.
ده بيتها.
وهي حرة فيه.
بس أنا قضيت 14 سنة بدفع عشرات الآلاف عشان البيت ده ما يتحجزش عليه بسبب الضرائب أو التأمين يلتقى.
فسألت سؤال واحد بس.
سؤال واحد مش أكتر.
‘هو التنازل ده شامل الالتزام بدفع الضرائب المتأخرة وقسط التأمين اللي جاي؟’
​الكل سكت تماماً.
فوزية لفت لي بالراحة.
وشها اتغير ونظرتها حديت.
وبعدين ضحكت.
ضحكة فيها استخفاف.
قالتلي: ‘انتِ دخلة علينا يا ‘منى’.. مالكيش صوت ولا رأي في حلالنا.’
حد من القاعدين كتم ضحكته.
وبعدين واحد تاني ضحك بصوت.
شرين مربعة إيدها وقالت: ‘بجد يا منى.. هو انتِ ليه لازم تنكدي علينا وتحولي أي حاجة لفلوس وكلام فاضي؟’
بصيت لها بذهول.
أحول كل حاجة لفلوس؟
أنا بقالي 14 سنة بدفع مصاريف هي اصلاً ما تعرفش عنها حاجة.
بس مسكت نفسي وفضلت هادية.
‘أنا بسأل عشان في التزامات مالية على البيت لازم تتدفع.’
فوزية بوزها اتلوى: ‘والالتزامات دي مش شغلك ولا تخصك في حاجة.’
​الضحك بدأ يعلى تاني.
عمهم برطم بصوت واطي إنني ‘بكبر الموضوع ودرامية’.
وبنت عمهم همست إنني أكيد ‘غيرانة’.
شرين هزت رأسها كأنني أحرجت نفسي.
وسامح؟
جوزي اللي بقالي معاه 14 سنة كان واقف على بعد متر مني.
ما دافعش عني.
ما توضحش.
ما قالش لأمه الحقيقة.
كان باصص في الأرض ومش معبرني.
ساعتها بس فهمت.
سكوت ده ما كانش إحراج.
ده كان اختياره.
كان مستعد يسيب عيلته كلها تهينني وتمسح بيا الأرض، ولا إنه يعترف إن الابن البار المفضل ما كانش يصرف جنيه على فيلا أمه.
​سبت اللمّة ومشيت بدري.
سامح قعد هناك 4 ساعات كمان.
طول الأسبوع اللي بعده تقريباً ما اتكلمناش.
لحد يوم السبت بالليل.. كل حاجة اتقلبت.
كنت واقفة في المطبخ لما سامح دخل ماسك ورقة في إيده.
ما سلمش عليا حتى.
مشى لحد رخامة المطبخ ورزع الورقة قدامي.
بصيت فيها.
كان جواب اعتذار متصلح ومكتوب بالكمبيوتر.
اعتذاري أنا.
مع إنني ما كتبتش فيه كلمة واحدة.
عرفت أسلوب شرين في الكلام على طول.
الجواب كان مكتوب فيه إنني ندمانة على ‘تعكير صفو اللمّة العائلية الجصيلة’.
وإنني ‘اتعديت حدودي’.
وبعتذر لطنط فوزية.
وبعتذر لشرين.
والأجن من كده، إنني بشكر شرين إنها تكرمت وقبلت اعتذاري!
​بصيت لسامح: ‘انت بتتكلم بجد؟’
قال بصوت بارد وهو مش قادر يحط عينه في عيني: ‘شرين جابت أخرها من الدراما دي، وأنا كمان جبت أخير. عندك خيارين يا منى.. تعتذري لأختي، يا إما تلمي حاجتك وتطلعي برة بيتي.’
​لقدامي كام ثانية مش عارفة أترد.
بيتي.
كلمة غريبة أوي.
فكرت في كل يوم صحيت فيه قبل الفجر عشان أنزل الشغل.
كل نبطشية في الأعياد.
كل ساعات إضافية عملتها.
كل جنيه شيلته على جنب في السكتة عشان أحمي فيلا أمه وأدفع تأمينها وضرائبها.
أكثر من خمس تلاف يوم وأنا بصون كرامة سامح.
ودلوقتي واقف قدامي بيأمرني أعتذر للناس اللي هانوني وضكوا عليا.
​فسألته السؤال الوحيد اللي كان فارق معايا.
‘هو انت عمرك اعترفت لأمك مين اللي بيدفع ضرائب وتأمين فيلتها المترفهة دي؟’
جسمه كله اتشد.
فكه اتشنج.
وعرق في وشها بدأ يضرب.
‘ده موضوع مالوش علاقة باللي بنقوله.’
‘لا يا سامح، ليه علاقة ونص.’
‘لا مالوش!’
ولأول مرة، بص في عيني مباشرة.
ما كانش في وشه أي امتنان.
ولا كسفة.
كان في غضب بس.. غضب إنني تجرأت وفتحت السر اللي بيننا.
قال بصوت حاد: ‘قدامك لحد يوم الأربع.. تمضي الورقة دي، يا إما تلمي شنطتك وتغوري.’
وبعدين لف ضهره ومشى ناحية الباب.
وبعدها بثواني، الباب اتقفل وراه برزعة.
​فضلت واقفة لوحدي في المطبخ.
صوت التلاجة كان طالع هادي.
والمروحة بتلف فوقي.
ورغم كل اللي حصل، حسيت بهدوء وجوايا س\كينة ما حسيتهاش من سنين.
عينيا راحت لنتيجة الحيطة المتقلقة جنب الخزينة.
1 أغسطس.
بصيت للتاريخ.
وافتكرت.
أربع أيام.
ده كل اللي فاضل.
بعد أربع أيام بالضبط، القسط السنوي الضخم بتاع تأمين الفيلا كان المفروض يتسحب تلقائياً.
من حسابي السرّي أنا.
مش من حساب سامح.
من حسابي أنا.

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *