بعد أربع شهور من ولادتي ج1

حصري لصفحة روايات رولا
بعد أربع شهور من ولادتي للثلاثة، حماتي قصت كمين الجاكيت الأبيض اللي كنت اشتريته مخصوص عشان أول إنترفيو ليّه بعد إجازة الوضع.
​جوزي بَص على الجاكيت المتبهدل جوه الفرن المطفية وقال لي: “يمكن دي إشارة من ربنا عشان تقعدي في البيت؟”
​أنا اسمي مريم القاضي. كان عندي ستة وتلاتين سنة، وشغالة أخصائية مراجعة وتقييم أداء في هيئة المستشفيات بالقاهرة، ولقيت نفسي قضيت اتناشر سنة من عمري بتعلم إزاي أقفش الكدبة المستخبية ورا أوراق وحسابات رسمية.
​بس في بيتي… كنت أبطأ بكتير في الفهم.
​ولادنا — يوسف، وفريدة، ونور — كانوا زي الفل، وأمان، ونايمين فوق لما لقيت الجاكيت. كنت رضعتهم الساعة أربعة وعشرة الصبح، وعلّمت كل ببرونة باسم صاحبها عشان الممرضة اللي أجّرتها لأربع ساعات، وطبعت ثلاث نسخ من الجدول بتاعهم رغم إن الممرضة إلهام عندها خبرة مع حديثي الولادة اكتر من أي حد في عيلتنا.
​الإنترفيو كان على ترقية “مدير مراجعة أول”. كان فيه ثلاثة أيام شغل من البيت، وتأمين صحي أحسن، وزيادة في المرتب أربعمائة ألف جنيه في السنة.
​بالنسبة لي، كان يعني أمان واستقرار.
​بالنسبة لعيلة حازم، واضح إنه كان يعني خيانة.
​أمه، نادية، كانت واصلة من بالليل وشايلة صينيتين أكل ومعاها رأي في كل قرار أخدته من يوم ما ولدت.
​”أنتِ بجد هتلبسي البتاع ده؟” سألتني لما شافت الجاكيت متعلق على باب المطبخ.
​”هو الناس بتشتري الهدوم ليه غير عشان تلبسها؟”
​مسكت اللياقة بين صوابعها وقالت: “الأبيض بيلفت النظر للجسم. أنتِ بقيتي أم خلاص.”
​افتكرتها بتنتقد اللون… مكنتش فاهمة إنها بتعلن هي ناوية تعمل فيه إيه.
​الساعة سبعة وخمسة الصبح، الشماعة كانت فاضية.
​دورت في الغسالة، والأوضة، والدولاب اللي تحت، لحد ما شمت ريحة قماش شايط جاية من المطبخ. الفرن كانت مقفولة ومتلجة، بس الجاكيت بتاعي كان محشور في الرف اللي في النص. الكمين مقصوصين من فوق الكوع، ولياقة منهم متعلقة على فتلة، وفيه علامة حرق سودة بالعرض على الضهر كأن حد مسك ولاعة وقربها عشان تشوط القماش من غير ما تولع فيه كله.
​مقص الخياطة الفضي بتاع نادية كان محطوط على الرخامة.
​وكانت قاعدة بتشرب القهوة على تربيزتي.
​”أنتِ عملتي كده؟” سألتها.
​حتى ممثلتش إنها مش فاهمة.
​”واحدة متجوزة وعندها تلات عيال ملهمش شهرين مش محتاجة تتمنظر وتتنطط في الشركات.”
​”أنتِ بوظتي حاجتي.”
​”أنا شيلت الحجة اللي هتشدك لبرة.” أخدت بق قهوة وقالت بصوت مليان تريقة وازدراء: “طالعة الشارع كده عشان الرجالة تتفرج عليكِ؟”
​دخل حازم وهو لابس ترينج الجري، مع إنه مجريش خطوة واحدة من أسابيع.
​”أمك قصت الجاكيت بتاعي.”
​عينه اتنقلت مني للفرن. مكنتش نظرة ذهول… كانت نظرة بيوزن بيها الموقف.
​”أمي مكنش ينفع تعمل كده.”
​نادية اتصلبت. لنص ثانية افتكرته هيدافع عني.
​بعدين كمل: “بس هي خايفة على العيال. إحنا كلنا خايفين عليهم.”
​”العيال في أمان مع ممرضة مؤهلة ومعاها ترخيص لمدة أربع ساعات.”
​”واحدة غريبة!”

1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *