بعد أربع شهور من ولادتي ج1
”ممرضة شركة التأمين بتاعتك هي اللي مرشحاها.”
أتنهد كأني بفرهده: “يا مريم، العيلة دي شالتك على رأسها. أمي طبختلك، وشروق عرضت تقعد هنا، وأنا اللي شايل الشيلة والمصاريف طول ما أنتِ في إجازة الوضع.”
الجملة الأخيرة دي كانت مثيرة للإعجاب بصراحة. إجازة الوضع المدفوعة بتاعتي كانت مغطية ستين في المية من مرتب، والمقدم بتاع الشقة دي كله كان من الورث اللي سابتهولي ستي.
”الإنترفيو أونلاين فيديو،” قلتله. “تقطيع الجاكيت مش هيوقفني.”
وش نادية اتغير.
تغيير صغير خالص — مجرد شفة اتشدت — بس فهمت منه إن الموضوع مكنش عن الاحتشام ولا حاجة.
حازم بص في ساعته: “شكلك هيكون مهزوز ومش متوازن لو دخلتي الإنترفيو بعد كل ده.”
”بعد كل إيه؟”
”أنتِ مشدودة وبتصرخي. وما بتناميش. يمكن الأحسن تأجليه.”
”أنا مابنامش عشان معانا تلات عيال وأنت عزلت نفسك في أوضة الضيوف.”
”عشان بشتغل!”
”وأنا كمان بشتغل.”
”مش من النهاردة.”
الكلمة طلعت سريعة زي الزواحف.
إحنا الاتنين سمعناها.
حازم بص بعيد الأول.
وطيت وشيلت الجاكيت البايظ من الفرن. فيه جسم ناشف خبط في معصمي من جوة البطانة المتقطعة. مدّيت إيدي جوة الخياطة المفتوحة وطلعت تليفون أسود قديم.
حازم نفسه اتقتطع.
ونادية وقفت فجأة لدرجة إن القهوة اندلقت على التربيزة.
”هاتي البتاع ده هنا!” قالتها وهي بتمد إيدها.
الشاشة نورت قبل ما توصل لي.
مكنش عليه كلمة سر. إشعار جروب كان مالي الشاشة:
عيلة القاضي فقط — 11 عضو
حازم: لقيتي الفلاشة قبل ما تقصي الجاكيت بتاعها؟
وبعدين ظهرت مسج تانية.
شروق: مش مهم. المهم تتأكدي إن مريم يفوتها الإنترفيو. لو رجعت هيئة المستشفيات دي تاني، كلنا هنروح في داهية.
الجزء الثاني: تصويت العيلة
ماديتهمش التليفون.
حطيته بسرعة في كمر البنطلون ورجعت لورا ونادية بتمد إيدها تاخده.
”ده بتاع حازم،” قالت نادية.
”بس كان مستخبي جوة البطانة المتقطعة بتاعت الجاكيت اللي اتدمر.”
”أنا حطيته هناك بالغلط.”
”جوة بطانة القماش؟”
حازم وقف بيني وبينها. صوته بقى واطي وناعم، بالتردد اللي بيستخدمه لما يحب يبين القسوة على إنها صبر وطولة بال.
”يا مريم، هاتي التليفون. العيال نايمين فوق ومفيش داعي نعمل شوشرة.”
كان دايماً بيستغل العيال لما يحب يجبرني أسمع الكلام. بس عمري ما شفته بيفتكرهم لما الببرونات كانت بتحتاج تتغسل نص الليل، ولا لما نور كانت بتصرخ وهو يتفرج على التليفزيون. بيفتكرهم بس لما أقول “لأ”.
”عندك حق،” قلتله. “مفيش داعي للشوشرة.”
مشيت ناحية السلم، وبعدين حودت على حمام الدور الأرضي وقفلت الباب بالمفتاح.
حازم خبط خبطة واحدة. “افتحي الباب.”
فتحت الحنفية، وفتحت جروب الواتساب، وصورت كل حاجة بتليفوني الشخصي.
المحادثات كانت ترجع لورا لثلاثة عشر أسبوع.
بعد ثلاثة أيام بس من رجوعي من المستشفى بعد الولادة، حازم كان كاتب:
“لازم نكون إيد واحدة. مريم فاكرة إن إجازة الوضع حاجة مؤقتة وهترجع الشغل.”
ردت نادية:
“هتكون إجازة أبدية لما تفهم إن مفيش أم محترمة بتسيب ثلاثة أطفال رضع وتروح تشتغل.”
حد كان عامل تصويت على الجروب:
هل مريم ترجع الشغل؟
تسعة أصوات قالوا: لأ.
صوت واحد قال: بشرط حازم يوافق الأول.
عضو واحد من العيلة — فريد، والد حازم المطرود والمغضوب عليه من العيلة — مكنش صوت.
الرسائل اللي تحت التصويت كانت أقذر بكتير.
شروق كانت كلمت حضانة “خطوات مبهجة” ولغت حجز الأماكن بتاعة ولادي الثلاثة اللي قعدت ست شهور على قائمة الانتظار عشان ألاقيهم. حازم كان مصور البطاقة الشخصية بتاعتي وورق المستشفى اللي فيه بياناتي عشان تعرف تنتحل شخصيتي في التليفون.
نادية كانت بتاخد جوابات هيئة المستشفيات من صندوق البوسطة وتخفيها.
حازم عمل بلوك لـ دكتورة مايسة، مديرة قطاعي، من تليفون البيت، وعمل قاعدة في الإيميل تبعت أي رسالة فيها اسم هيئة المستشفيات على المهملات فوراً.
داليا ابن عمته كانت شالت وصلة البطارية من عربيتي قبل ميعاد المتابعة مع الموارد البشرية، ورجعتها تاني بعد ما لغيت الميعاد.
وكانوا بيحتفلوا بكل خطوة ويعملوا إيموجي لايك.
وبعدين لقيت صورة ليّه وأنا بعيط على الكنبة الساعة اتنين وربع الصبح، فريدة كانت نايمة على صدري وأنا مستنية ببرونة نور تدفى.
نادية كاتبة: “شكلها اتجننت ومقتطعة من الواقع.”
حازم رادد: “احفظي الصورة دي عندك. يمكن نحتاجها.”
الخبط على الباب بقى رزق وهبد.
”مريم!” صوت حازم فقد كل النعومة اللي كانت فيه. “العبط ده لازم يقف.”
بعت الصور فوراً لإيميل جديد، وبعتهم لـ نهى شريف، صاحبتي من أيام الكلية وشغالة محامية قضايا عمل، وحطيت التليفون جوة الحمالة.
وبعدين فتحت الباب.
حازم مد إيده: “هاتي.”
ديته التليفون القديم.
بص في وشي: “قريتي إيه؟”
”قريت اللي يكفي عشان أعرف إن عيلتك بتعمل تصويت على حياتي وقراراتي.”
نادية كفت إيدها: “العائلات بتتكلم في مشاكلها.”
”أنا مش مشكلة محتاجة حلولكم.”
”أنتِ بتتصرفي بعاطفية ومشاعرك سايقاكي،” حازم قال.
”أنا داخلة الإنترفيو بتاعي.”
”بإيه بقى إن شاء الله؟” نادية بصت للجاكيت المقصوص بصة تريقة.
طلعت فوق، غيرت وهدومي ولبت بلوزة كحلي، وشيلت اللابتوب ودخلت أوضة الأطفال. إلهام وصلت الساعة تمانية، هادية ومبتسمة ومجهزة شهاداتها في ملف رغم إنني كنت تحققت منها قبل كده. وريتها الببرونات، وأرقام الطوارئ، ورقم دكتور الأطفال.
العيال كانوا نايمين في السراير، كل واحد على ضهره ومفيش أي حاجة سائبة حوليهم. كانوا في أمان. بست ثلاث أوراق محنية ودخلت الأوضة عشان المكالمة الفيديو.
حازم كان شال كابل الشاحن.
لقيته ملفوف جوة درج مكتبه المقفول. المفتاح كان في ميداليته.
بطارية اللابتوب كانت فيها 26%.
الساعة 8:47، دكتورة مايسة ظهرت على الشاشة ومعاها نائب رئيس الهيئة لإدارة المخاطر وواحدة من الموارد البشرية.
”مريم،” مايسة قالت، “قبل ما نبتدي، أنتِ في مكان تقدر تتكلمي فيه براحتك وبسرية؟”
السؤال مكنش مجرد مجاملة، كان تحذير.
”أيوه.”
”حازم معاكي في الأوضة؟”
”لأ.”
بصت لممثلة الموارد البشرية وبعدين بصت لي: “أنتِ قدمتي استقالة مسببة ومكتوبة من ثلاثة أسابيع؟”
ريقي جف.
”لأ.”
ممثلة الموارد البشرية عملت مشاركة للشاشة. ظهر جواب عليه اسمي، ورقمي الوظيفي، وتوقيعي الإلكتروني.
مكتوب فيه إن الأمومة غيرت أولوياتي، وبتشكر الهيئة على 12 سنة من العمل، وبطلب إن أي استفسارات قادمة تتجه لجوزي نظراً لإني بمر بـ “اضطرابات ما بعد الولادة وتشتت ذهني”.
”أنا المكتبيش الكلام ده.”
”إحنا شكينا في كده،” مايسة قالت. “الصياغة مكنتش صياغتك خالص.”
”وليه محدش كلمني؟”
”كلمناكِ. جوزك رد مرتين وقال إن التواصل المباشر معاكي غير مناسب طبياً. وبعدين استلمنا تقرير طبي.”
أنا عمري ما سمحت لأي دكتور يناقش حالتي الصحية مع عيلة حازم.
”وروني التقرير.”
التقرير كان صورة رديئة ومضروبة على ورقة بترويسة دكتورتي بتاعت النسا. بيوصي إن كل المعاملات المهنية تعدي عن طريق حازم لمدة ست شهور.
التوقيع كان لدكتور عمري ما شفته ولا سمعت عنه.
سمعت خبطة خشبة برة أوضة النوم.
حازم كان واقف بيتصنط برة.
مايسة وِطّت صوتها: “فيه حاجة تانية يا مريم. أنتِ أنشأتِ شركة استشارات اسمها ‘بي أند أيل للحلول الطبية’؟”
”لأ.”
”أنتِ استلمتِ دفوعات مالية من شركة ‘المريديان للمستلزمات الطبية’؟”
”لأ.”
عرضت شهادة تسجيل السجل التجاري للشركة.
شركة بي أند أيل للحلول الطبية – ذ.م.م
المالك: مريم إبراهيم القاضي.
العنوان: عنوان بيت نادية في المعادي.
توقيعي الإلكتروني كان محطوط تحت.
”الشركة دي استلمت مليون وثمانمائة ألف جنيه من مورد تحت المراجعة والتحقيق،” مايسة قالت. “وحسب الإفصاحات، أنتِ اللي اعتمدتِ اتفاقية الاستشارات دي.”
باب الأوضة اتفتح.
حازم كان واقف ماسك كروت التأمين الصحي بتاعة الأطفال الثلاثة.
ابتسم للشاشة: “مريم، أنتِ مش وعدتيني إنك مش هتشغلي بالك وتوتري نفسك بالشغل النهاردة؟”
ملامح مايسة اتصلبت.
قفلت الباب في وشه بالمفتاح.
على مدار السبعة وأربعين دقيقة اللي بعدهم، جاوبت على كل سؤال. اديتهم إذن لإدارة تقنية المعلومات بفحص حسابي الوظيفي بالكامل. شرحت موضوع جروب العيلة، والاستقالة المضروبة، والتقرير الطبي المزيف.
مايسة أجلت الإنترفيو الرسمي بس ملغتهوش.
”إياكي تواجهي أي حد بخصوص سجلات الموردين دي،” حذرتني. “احتفظي بكل الأدلة. واستخدمي جهاز جوزك ما يقدرش يوصل له.”
لما المكالمة خلصت، البطارية كانت 2%.
وصلتني رسالة من نهى:
“جمّدي حساباتك الائتمانية فوراً. افتحي حساب بنكي منفصل باسمك فقط. صوّري كل ورقة تقع تحت إيدك. أوعي توقعي على أي ورقة يديها لك حازم. كلميني أول ما تكوني لوحدك.”
فتحت التقرير الائتماني بتاعي.
كان فيه كارت ائتماني للأعمال بحد أقصى أربعمائة ألف جنيه، وطلب قروض تجارية، وضمان شخصي أنا عمري ما وقعت عليه.
الضمان ده كان متقدم بعد أربعة أيام بس من ولادة التوأم الثلاثي — وأنا لسة محجوزة في المستشفى.
الجزء الثالث: الاجتماع العائلي
الساعة ستة المغرب، أحد عشر فرد من عيلة حازم كانوا ماليين الصالة عندي.
محدش استأذن قبل ما يجي.
نادية قاعدة على الكرسي بتاعي. شروق واخدة الكنبة. ولاد العم والعامات عاملين نص دايرة كأني واقفة في المحكمة. العيال كانوا فوق مع إلهام، اللي وافقت تقعد بعد ما طلبت منها بالراحة إني محتاجة شاهد في البيت. باب أوضة الأطفال كان مقفول، والعيال في أمان.
ورقة مطبوعة كانت مستنية على تربيزة الصالة.
اتفاقية إعادة الاستقرار العائلي
”إيه ده؟” سألت.
حازم قفل باب الشقة ورايا. “طريق للحل.”
الاتفاقية بتتطلب مني أقعد من غير شغل لمدة ثلاث سنين، وأقفل أي حساب هو ما يقدرش يوصل له، وأتنازل عن بقية مستحقات إجازة الوضع له، وأسمح لنادية بنسخة دائمة من مفتاح الشقة، وأتعهد بعدم تأجير أي ممرضة أو جليسة أطفال بدون موافقة العيلة.
ولو رجعت الشغل، كل مصاريف رعاية الأطفال هتنزل كديون شخصية عليّه أنا بس.
”أنتوا جمعتوا 11 بني آدم هنا عشان تضغطوا عليّه أوقع العقد ده؟”
”إحنا جينا عشان بنحب العيال وخايفين عليهم،” عمتي ماجدة قالت.
”قولي لي أعياد ميلادهم إمتى؟”
بصت لنادية.
”مش دي الق.ضية،” حازم قال.
”لأ هي دي. والنقطة الثانية إنك زوّرت استقالتي.”
كذا حد من قرايبه شكلهم اندهش بجد. والتانيين مكنتش مفاجأة بالنسبة لهم.
شروق كانت باصة في الأرض.
حازم ضحك ضحكة الصبور المفترى عليه: “أنا كتبت مسودة جواب عشان أنتِ طلبتِ مني أساعدك ترتبي أفكارك.”
”أنا عمري ما طلبت منك تستقيل نيابة عني.”
”ده نفس التشتت والاضطراب اللي الدكتور حذرنا منه،” نادية قالت.
”الدكتور المزيف؟”
سكوت تام نزل على الأوضة.
مسكت الاتفاقية وقطعتها نصين بالطول.
نادية وقفت: “لو رجعتِ المستشفى دي تاني، أوعي تستني إن العيلة دي تمد لك إيد المساعدة.”
”إلغاء حجز الحضانة مكنش مساعدة.”
شروق رأسها اترفت بسرعة.
”أيوه،” قلت لها. “أنا شفت الرسائل على الجروب.”
حازم قرب خطوة: “أنتِ اخترقتِ محادثات عائلية خاصة.”
”أنتوا خبيتوا التليفون جوة الجاكيت بتاعي بعد ما أمك قصته وهي بتدور على الفلاشة بتاعتي.”
ولأول مرة، ثباته الانفعالي اتكسر.
”هي فين الفلاشة؟”
يبقى ده كان المهم بالنسبة له.
”في أمان.”
الفلاشة كان عليها برنامج مراجعة آلي أنشأته كنموذج أولي قبل إجازة الوضع. البرنامج ده بيحدد الموردين اللي بيانات ملكيتهم أو حساباتهم أو عناوينهم بتتطابق مع الموظفين أو قرايبهم. مايسة كانت عايزة تطبقه على الشبكة كلها.
ولو شركة “بي أند أيل للحلول الطبية” اتعملت باسمي، البرنامج ده هو اللي هيفركشها ويفضحهم.
حازم جمع الورق المتقطع: “الكل يمشي.”
نادية اعترضت، بس هو كرر كلامه، وواحد ورا الثاني انسحبوا برة.
شروق وقفت جنبي ثانية.
”أنتِ مش فاهمة إيه اللي هيحصل لو رجعتِ الشغل،” وهمست.
”فهميني أنتِ.”
عينيها راحت ناحية حازم: “ما أقدرش.”
الساعة 7:31، حاولت أحط بنزين للعربية. كارت الخصم المباشر اترفض.
حسابنا المشترك كان فيه 316,000 جنيه الصبح. حازم كان حول كل المبلغ ما عدا 470 جنيه لحساب ثاني باسمه هو بس.
رسالته وصلت وأنا واقفة جنب طلمبة البنزين:
“لما تكوني جاهزة تحطي العيلة دي في المقام الأول، نبقى نناقش إرجاع صلاحيات الحساب.”
استخدمت كارت ائتمان هو ما يعرفش عنه حاجة وكنت شايلاه للطوارئ وركبت عربيتي وطلعت على البنك. قبل ما يقفلوا، فتحت حساب جديد وحولت بقية مستحقات إجازة الوضع عليه.
لما رجعت البيت، مكتبي مكنش موجود.
المكتب بتاعي كان مرمي في الجراج تحت أكياس الزبالة. شهاداتي والماجستير المبرقع كانوا محطوطين على الخرسانة ووشهم للأرض. سرير فردي كان محطوط مكان المكتب، وهدوم شروق كانت مالية الدولاب.
نادية كانت غيرت كالون الأوضة.
”شروق محتاجة استقرار،” قالت من الطرقة. كانت رجعت بمفتاحها. “أنتِ مش محتاجة مكتب خلاص لما تقبلي الواقع.”
”اطلعي برة بيتي.”
”حازم هو اللي عزمني.”
”البيت ده ملكي أنا شخصياً. ابنك اسمه مش مكتوب في العقد ولا الشهر العقاري.”
ثقتها اتهزت شوية.